النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
وَقَالِ تَعالَى: (١) ﴿أَفَمِنْ هُذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾
٤٤٦ - وَعَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللّه عنهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َِّ:)) اقْرَأْ عَلَيَّ القُرآنَ))
قُلتُ: يَا رَسُولَ اللّه أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أَنْزِلَ؟ قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أنْ أَسْمَعَهُ من غَيْرِي))
فَقَرَأتُ عَلَيهِ سورةَ النِّساءِ حَتَّى جِئْتُ إِلَى هَذِهِ الآيةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيْدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾(٢)
السابقة وعرف حقيقة المصطفى وما أنزل عليه في تلك الكتب (ويخرون للأذقان بيكون)
أي: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله تعالى، وذكر الذقن؛
لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرورية (ويزيدهم) أي:
سماع القرآن (خشوعاً) كما يزيدهم علماً ويقيناً بالله تعالى. (وقال تعالى: أفمن هذا
الحديث) يعني القرآن (تعجبون) إنكاراً (وتضحكون) استهزاءً (ولا تبكون) تحزناً على
كشف ما فرطتم .
٤٤٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل: اقرأ علي القرآن فقلت يا
رسول الله أقرأ عليك) بتقدير همزة الاستفهام قبله أي: أأقرأ عليك (وعليك) أي: لا على
غيرك (أنزل؟) الجملة حالية من ضمير المخاطب، والرابط الواو، فهم ابن مسعود أنه أمر
بالقراءة ليتلذذ بقراءته، لا ليختبر ضبطه، فلذا سأل متعجباً وإلا فلا مقام للتعجب (قال: إني
أحب أن أسمعه من غيري) لكونه أبلغ في التفهيم والتدبير؛ لأن القلب حينئذ يخلص لتعقل
المعاني والقارىء مشغول بضبط الألفاظ وآدائها حقها؛ ولأنه اعتاد سماعه من جبريل والعادة
محبوبة بالطبع، ولهذا كان عرض القرآن على الغير سنة. قالوا: ومن فوائد هذا الحديث
التنبيه على أن الفاضل لا يأنف من الأخذ عن المفضول. قال ابن النحوي: وقراءته عليه
يحتمل أن يراد بها علم الناس بحاله أو خشي وَ لّ أن يغلبه البكاء عنها (فقرأت عليه سورة
النساء) فيه رد على من قال ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها كذا (حتى جئت) أي:
وصلت (إلى هذه الآية) وعطف عليها عطف بيان قوله: (فكيف) أي: فكيف حال الكفار (إذا
جئنا من كل أمة بشهيد) يشهد عليها بعملها وهو نبيها (وجئنا بك على هؤلاء) أي:
الأشخاص المعينين من الكفرة (شهيداً) وزعم المغني أن كل نبي شهيد على أمته وكذا نفعل
بك وبأمتك يا محمد، رده الطيبي بقوله تعالى: ﴿ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا
(١) سورة النجم، الآيتان: ٥٩، ٦٠
(٢) سورة النساء، الآية: ٤١.

٣٦٢
كتاب : دليل الفالحين
قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ)) فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ .
شهداء على الناس﴾(١) فالشهادة لهم لا عليهم. وقال ابن النحوي: وهؤلاء هم سائر أمته
يشهد عليهم أو لهم. فعلى بمعنى اللام، وقيل: أراد به أمته الكفار، وقيل: اليهود
والنصارى، وقيل: كفار قريش وفيما يشهد به البلاغ أو بالإِيمان أو بالأعمال أقوال اهـ.
(قال: حسبك) أي: يكفيك ذلك (الآن، فالتفت إليه) أي: لأنظر الداعي إلى الأمر بالكف،
عن القراءة بعد الأمر بها (فإذا عيناه تذرفان) بذال معجمة ساكنة وكسر الراء أي: تسيل
دموعهما. قال ابن النحوي في شرح البخاري: يقال ذرف الدمع وذرفت العين دمعها. قال
في تفسير السمرقندي من حديث محمد بن فضالة عن أبيه: ((أنه عليه السلام أتاهم في بني
ظفر فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من
أصحابه، فأمر قارئاً يقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ (٢)
بكى حتى اخضلت لحيته وقال: يا رب هذا على من أنا بين أظهرهم فكيف بمن لم أرهم؟)»
وللثعلبي: ((فدمعت عينا رسول اللّه وَّ وقال: حسبنا الله)). وفي تفسير ابن الجوزي ﴿عليهم
شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾(٣) قال ابن النحوي: وبكاؤه عند
هذه الآية؛ لأنه لا بد من أداء الشهادة، والحكم على المشهود عليه إنما يكون بقول الشاهد،
فلما كان * هو الشاهد وهو السامع بكى على المفرطين منهم. وقيل: بكى لعظم ما
تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم
بالتصديق والتكذيب. وقيل: بكى فرحاً بقبول شهادة أمته وتزكيته لهم ذلك اليوم. اهـ.
وقال بعض شراح الشمائل: بكاؤه عليه لفرط رأفته ومزيد شفقته حيث عز عليه عنتهم ويؤخذ
من قوله حسبك الآن جواز أمر الغير بقطع القراءة للمصلحة. قال الحراني: إنما قال رَله
للقارىء: ((حسبك الآن)) حفيظة على حسن ترديه بالصبر في هيئته، فإن كان ينكف عن
السماع الذي يغلب تأثيره في ظاهره الهيئة فكانت سنته العلمية أن يتردى رداء السكون
ويصون ظاهر أعضائه عن الخروج عن الإِحساس في الهيئة كما كان لا تبدو عليه في أقواله
وأعماله عندما ترهقه الإِرهاقات حركة، فكان لا يزول عن ظاهر رداء الصبر ولا يخرج عن
حسن السمت وهيئة السكون. وقد كان عيسى عليه السلام إذا ذكر الساعة يخور كما تخور
البقرة فكأن أثر السماع يظهر في كثير من الأنبياء والأولياء، وكان المصطفى ساكناً فيه حتى
33
(١) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤١.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٧ .

٣٦٣
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٤٤٧ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ
مِثْلَهَا قَطُّ، فَقَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرً)) قَالَ: فَغَطَّى
أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ وَجُوهَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي
يفيض سكونه على جلسائه، وكان قليلاً ما يخرج حاضروه عن هيئة السكون كما قال
العرباض: ((خطبنا رسول الله وَلقر خطبة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب)) الحديث،
فقلما كان يغلب عليهم السماع لما يصل إليهم من بركة ترديه برداء الصبر ولزوم حسن
السمت، فأنبأنا رسول الله ◌َ ◌ّ ر أن انفعال النفس لما تسمع الأذن لا بد منه، لكن ينبغي الستر
والتثبت وعدم إظهار الحركة والصرخة، فكان على من على سنته في الوجد التثبت وحسن
السمت والصبر على جميع مواجيده التي لا يجدها سواه، وكان يدعو حاضريه لذلك فعلمنا
التأسي به (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير، ومسلم في كتاب فضائل القرآن،
وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير. ﴿فائدة﴾: قال ابن النحوي في شرح البخاري:
روى عبد بن حميد في تفسيره أن عبد الله بن مسعود لما قرأ هذه الآية قال مسلم: ((من سره أن
يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)) اهـ.
٤٤٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب النبي (وَلقر خطبة) بضم الخاء المعجمة في
الوعظ وهي فعلة بمعنى مفعول نحو نسخة بمعنى منسوخ، وجمعها خطب (ما سمعت مثلها
قط) من كمال البلاغة ومزيد التذكير والتنبيه على ما يحتاج إليه (فقال: لو تعلمون ما أعلم)
أي: من إجلال الله سبحانه وعظمته (لضحكتم قليلاً) لما تشهدون من مظهر الرحمة المنبثة
من فضله في الأكوان، ففيه إيماء إلى أن الكمال عدم غلبة الخوف بحيث يؤدي إلى الانقطاع
عن الرجاء (ولبكيتم كثيراً) والاسمان منصوبان على المفعولية المطلقة، ويحتمل نصبهما
على الظرفية الزمانية أي: في قليل وكثير من الزمان (قال: فغطى أصحاب رسول الله والتي
وجوههم لهم خنين) جملة حالية من فاعل غطى والرابط الضمير (متفق عليه وسبق بيانه) مع
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ النساء، باب: فكيف إذا جئنا ... الخ (١٨٨/٨، ١٨٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل استماع القرآن ... (الحديث:
٢٤٧).

٣٦٤
كتاب: دليل الفالحين
بَابِ الْخَوْفِ(١) (٢).
٤٤٨ - وعن أبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه: ((لَا يَلِجُ النَّارِ رَجُلٌ
بَكَى مَنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعودَ اللبنُ في الضَّرعِ. ولا يجتمعُ غُبارٌ فِي سَبِيْلِ الله
ودُخَانُ جَهَنَّمَ)).
شرحه (في باب الخوف).
٤٤٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويلل: لا يلج النار رجل بكى من
خشية الله) من فيه تعليلية أي: لخشية الله الداعية إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ومن
كان كذلك لا يلجها بالوعد الكريم إلا تحلة القسم. وقال العاقولي: لعل المراد به العارف به
تعالى وهو العالم العامل لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٣) وبالجملة فلا
بد من نوع معرفة ليتصور الخشوع والبكاء؛ لأن البكاء ممن لا يعرفه بوجه ممتنع انتهى.
وأشار إلى سبب البكاء، وما ذكرته أولى؛ لأن الموصوف بما ذكرته القائم به من أهل الجنة
ابتدأ بالوعد الكريم، وظاهر الخبر إن لم يحمل على ذلك معارض لما جاء في الأخبار من
دخول قوم من عصاة المؤمنين النار. وقوله: (حتى يعود اللبن في الضرع) أي: يدخل من
مسامه إليه أي: وذلك محال عادة فتعلق ولوج الخائف الوجل من الله تعالى العارف بجلاله
القائم بما تقتضيه الخشية من امتثال الأوامر واجتناب النواهي بعود اللبن إلى الضرع، والمراد
بالولوج الدخول فيها فلا ينافي وجوب المرور عليها المفسر به الورود، أما من لم يقم بقضية
الخشية مما ذكر ومات على غير الشرك من المعاصي فأمره إلى مولاه، إن شاء أدخله الجنة
مع الفائزين وعفا عنه ما جناه، وإن شاء حبسه بالنار قدر ما سبق في علمه ثم أدخله الجنة
لإيمانه بمحض فضله وما ذكرت من أن المراد عود اللبن إلى الضرع من مسامه ليكون محالاً
عادياً وإلا فقد صرح الفقهاء بأن اللبن إذا تنجس أمكن تطهيره بأن تسقاه نحو الشاة ثم يخرج
من ضرعها ظاهراً، وكذا إذا تنجس العسل يسقاه النحل ثم يمجه طاهراً (ولا يجتمع غبار في
سبيل الله) المراد جهاد أعداء الدين لوجه الله تعالى (ودخان جهنم) ظاهره أن الجهاد في
سبيل الله مقتض لسلامة المجاهد من العذاب بالوعد الذي لا يخلف فيحمل على ما إذا مات
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: لا تسألوا عن أشياء ... (٢١٠/٨، ٢١١)، سبق تخريجه.
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: توقيره ◌َظاهر ... (الحديث: ١٣٤).
(٢) سبق تخريجه في رقم (٤٠١).
(٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨.

٣٦٥
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٤٤٩ - وعنهُ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((سَبْعَةٌ يُظِلَّهُمُ الله في ظِلِّهِ يَوْمَ
لا ظِل إلّ ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلُ، وشَابُّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللّه، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في
المساجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًا في الله اجْتمعا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ
امْرَأَةٌ ذات منصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهِ، وَرَجَلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفاهَا حَتَّى
لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٤٥٠ - وَعَنْ عَبْد الله الشِّخِّير
فيه أو بعده ولم يقترف موبقاً يصده عن ذلك (رواه الترمذي) في كتاب الجهاد (وقال:
حديث حسن صحيح).
٤٤٩ - (وعنه قال: قال رسول الله وَله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام
عادل وشاب نشأ في عبادة الله) هي ما تعبد به بشرط معرفة المتقرب إليه، فالطاعة توجد
بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى إذ معرفته ربما تحصل بتمام النظر، والقربة
توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف (ورجلان تحابا في الله
اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب) بكسر الصاد (فقال): أي:
بقلبه لنفسه لينزجر عن العصيان، ويحتمل أن يكون بلسانه لينزجر طالبه منه ولا مانع أن يأتي
بهما نظير ما قاله الفقهاء فيما يسن للصائم إذا خوصم من قوله: إني صائم (إني أخاف الله(٣)
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت
عيناه) خشية من الله تعالى (متفق عليه) وقد تقدم مع شرحه في باب فضل الحب في الله .
٤٥٠ - (وعن عبد الله بن الشخير) بشين وخاء معجمتين مكسورتين والخاء مشددة وآخره
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، (الحديث:
١٦٣٣).
وأخرجه في كتاب: فضائل الجهاد، من حديث ابن عباس بلفظ آخر غير هذا اللفظ، باب: ما جاء في
فضل الحرس في سبيل الله (الحديث: ١٦٣٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب صلاة الجمعة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة.
(١١٩/٢، ١٢٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، (الحديث: ٩١).
(٣) لم نجد في جميع النسخ التي بأيدينا جملة ورجل قلبه معلق بالمساجد. ع

٣٦٦
كتاب: دليل الفالحين
رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أَتِيتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ وهو يُصَلِّي، وَلِجَوفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرِجَلِ مِن
الْبُكَاءِ. وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ رواهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ
بإسناد صحيحٍ (١).
راء الصحابي، هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وفدان بن الجرش وهو
معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري، والد
مطرف بن يزيد، روي له عن النبي ( 18 نحو ستة أحاديث، قال ابن الجوزي في مختصر
التلقيح: ذكره البرقاني وقال: له نحو ستة أحاديث اهـ. انفرد مسلم بالرواية عنه عن
البخاري، فروى له حديثين، وأورد له المزي في الأطراف تسعة أحاديث وقد ذكرته في
رجال الشمائل بأبسط من هذا (رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله وَلير وهو يصلي ولجوفه) أي:
صدره وداخله وجوف كل شيء داخله، والجوف: البطن وما انطبقت عليه الكتفان والأضلاع (أزيز)
بفتح الألف وكسر الزاي الأولى: صوت البكاء أو غليانه في الجوف، وفيه أن الصوت الغير
المشتمل على الحروف لا يضر في الصلاة (كأزيز المرجل) بكسر فسكون ففتح، مذكر
والقدور كلها مؤنثة إلا المرجل، وهو قدر من نحاس أو حجر أو يختص بالنحاس، أو كل
قدر، ورجحه الحافظ ابن حجر. قال الزمخشري: سمي بذلك؛ لأنه إذا نصب أقيم على
رجل (من البكاء) أي: من أجله، وذلك ناشىء عن عظيم الرهبة والخوف والإِجلال لله
سبحانه، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم عليه السلام، فقد ورد أنه كان يسمع من صدره
صوت كغليان القدر من مسيرة میل اهـ. وفيه دليل على كمال خوفه وخشيته وخضوعه لربه.
قال الحراني: ومن هذا الحديث ونحوه أستن أهل الطريق الوجد والتواجد في أحوالهم
وعرفوا به في أوقاتهم، وهذا الحال إنما كان يعرض للمصطفى وملّ عند تجلي الصفات
الجلالية والجمالية معاً: يعني الجلال الممزوج بالجمال، وإلا فغير الممزوج بالجمال لا
يطيقه أحد من البشر بل ولا واحد من الخلائق، وكان إذا تجلى لقلبه الجمال المحض يمتلىء
نوراً وسروراً وملاطفةً وإيناساً وتبسطاً، وكل وارث من أمته له نصيب من هذين التجليين،
فتجلي الجلال يورث الخوف والقلق والوجل المزعج وتجلي الجمال يورث الأنس والسرور
(حديث صحيح) فيه دليل على جواز تصحيح الحديث وتحسينه وتضعيفه لمن تمكن منه وفيه
أهلية ذلك، خلافاً لابن الصلاح في منع ذلك وقد تقدم ذلك (رواه أبو داود) في كتاب
الصلاة من سننه (والترمذي في الشمائل) في باب البكاء (بإسناد صحيح) والنسائي في
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: البكاء في الصلاة (الحديث: ٩٠٤).
وأخرجه الترمذي في كتاب: ((الشمائل))١٤٤/٢

٣٦٧
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
٤٥١ - وَعَن أَنَّسِ رضِيَ الله عنهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ لَّبِيٍّ بن كَعبٍ رَضِيَ الله
عَنْهُ؛ ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأْ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾(١) قَالَ:
وَسَمَّانِي؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَبَكَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِي رِوَايَة فَجَعَلَ
الصلاة بنحوه.
٤٥١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لل لأبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة
وتشديد التحتية (ابن كعب) بسكون العين المهملة آخره موحدة، وهو الأنصاري سيد القراء
تقدمت ترجمته (رضي الله عنه: ) في باب بيان كثرة طرق الخير (أن الله عز وجل أمرني أن
أقرأ عليك: لم يكن الذين كفروا) أي: السورة بكمالها (قال): أي: أبي للنبي وَّه
(وسماني لك) الواو عاطفة على مقدر أي: أمرك بذلك وسماني، وسببه احتمال أن يكون الله
تعالى أمر النبي وَ ﴿ أن يقرأ على رجل من أمته ولم ينص على خصوص أبي فأراد تحقق
ذلك، فيؤخذ منه الاستثبات، ويوضح ذلك لفظ البخاري ((هل نص علي باسمي أو قال: اقرأ
على واحد من أصحابك فاخترتني أنت؟)) (قال نعم) أي: سماك لي. وعند الطبراني عن
أبي بن كعب قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى (فبكى) إما فرحاً وسروراً بذلك أو
خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة أو استحقاراً لنفسه وخشيةً وتعجباً وهذا شأن
الصالحين إذا فرحوا بشيء خلطوه بالخشية، وقيل: الفرح والسرور دمعته باردة ولذلك يقال:
اقر الله عينه قاله ابن النحوي. قال أبو عبيد: المراد بالعرض على أبي ليعلم منه القراءة
((قلت)): ويؤيده أن عند أحمد بن حنبل من حديث علي بن زيد عن عمار بن أبي دحية
البدري ((لما نزلت لم يكن قال جبريل لرسول الله ومصر إن الله يأمرك أن تقرئها أبياً فقال له
رسول اللّه ◌َ﴾: إن الله أمرني أن أقرئك هذه السورة فبكى وقال: يا رسول الله، وقد ذكرت
ثمة؟ قال: نعم))، ويستثبت فيها ليكون عرض القرآن سنة. وللتنبيه على فضيلة أبي وتقدمه
في حفظ القرآن وليس المراد أن يتذكر منه ومله شيئاً بذلك العرض، وحكمة تخصيص هذه
السورة لوجازتها وجمعها لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإِخلاص وتطهير
القلوب وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله المنصف والقرطبي في شرحيهما على مسلم.
ويؤخذ من الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإِنسان العلم من أهله وإن كان دونه (متفق
عليه) أخرجه البخاري في فضائل أبي وفي التفسير ومسلم في كتاب فضائل القرآن من كتاب
الصلاة من صحيحه. (وفي رواية) أي: لمسلم في الكتاب المذكور من صحيحه (فجعل
(١) سورة البيّنة، الآية: ١.

٣٦٨
كتاب: دليل الفالحين
أُبُيُّ يَبْكِي(١).
٤٥٢ - وعَنهُ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ أَبُو بَكرٍ لِعُمرَ رَضِيَ الله عَنْهُما بَعْدَ وَفَاةٍ
رَسُولِ اللهِوَ: انْطِلِقْ بِنَا إلى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورِهَا كَمَا كَانَ رَسولُ اللهِنَّهِ يَزورُهَا، فَلَمَّا
أَنْتَهَيَا إِلَيْهَا بَكَتْ. فَقَالَا لَهَا مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ لِرَسُول الله
﴿ قَالَتْ: إِنِّي لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عَنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللّهِ وَ، ولَكِنْ
أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهما عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
09
أبي بيكي) وهذه أبلغ من الأولى للإتيان بالجملة المضارعية الدالة على التجدد والحدوث.
٤٥٢ - (وعنه) أي: أنس (قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد) ظرف لقال (وفاة
رسول الله وَله:) أي: وانتظام أمر الخلافة (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها) جملة مستأنفة
لبيان المقصود بالانطلاق إليها، وقوله: (كما كان رسول الله ( لم يزورها) فيه إيماء إلى
الاقتداء به ◌َي في كل أفعاله مما لم يقم الدليل على تخصيصه ميله (فلما انتهينا إليها بكت)
لتذكرها برؤيتهما النبي ◌َّي لملازمتهما له وعدم مفارقتهما إياه في الغالب، ونظيره بكاء
الصحابة لما سمعوا أذان بلال بالشام مرة بأمر عمر رضي الله عنهما حين قدومهما تذكراً لأيام
المصطفى * (فقالا لها: ما يبكيك؟) بضم التحتية (أما تعلمين أن ما عند الله) مما تقصر
العبارة عن تعريف أدناه فضلاً عن أعلاه (خير لرسول الله وم ليه؟) يحتمل أن يكون خير بغير
ألف مصدراً، ويحتمل أن يكون أفعل تفضيل، فيدل على أنه كان له في الدنيا خير وهو
كذلك لما يشرعه من الأحكام ويهدي من الأنام ويوصل المنقطعين إلى حضرة المولى
ويقرب المبعدين إلى الفيض الأعلى، وعليه فحذف معمول أفعل أي: مما في الدنيا
للتعميم وإيماء إلى أن ما عند الله لا يليق أن تقابل به الدنيا لقائها وانقطاعها (قالت: إني لا
أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله وَّة) بتقدير لام التعليل قبل أن أي: لا أبكي
لعدم علم ذلك وأعادت الجملة بلفظها مع إغناء اسم الإِشارة عنها استعذاباً لذكر المحبوب،
فمن أحب شيئاً أكثر ذكره (ولكن) استدراك مما يفهمه كلامها السابق مع ما قبله الموهم
انحصار سبب البكاء في عدم العلم بذلك أي: ليس البكاء لذلك ولكن (أبكي أن الوحي قد
انقطع من السماء) تقدم في باب المحبة في الله عن المواهب وغيرها أن المخصوص بالنبي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: مناقب أبي (٧٦/٧)
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب قراءة القرآن ... (الحديث:
٢٤٥).

٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
٣٦٩
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ أَهْلِ الخَيْرِ(١).
٤٥٣ - وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: لمّا اشْتَدَّ بِرَسولِ اللهِ وَّهِ وَجَعُهُ قِيْلَ
لَهُ في الصلاةِ، قَالَ: ((مُروا أَبَا بَكرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عنها:
إنّ أَبَا بَكرٍ رَجُلٌ رَقِيْقٌ إِذَا قَرأ غَلَبَهُ الْبُكاء. فَقَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلَّ)). وفي رِوايَةٍ عَنْ
الوحي بالشريعة، أما مطلق الوحي فيكون لغير الأنبياء فيحمل قولها على ذلك (فهيجتهما)
أي: حملتهما (على البكاء فجعلا يبكيان معها) ففيه البكاء على فقد الأخيار، وأن ذلك لا
يعارض التسليم للأقدار (رواه مسلم وقد سبق) مع شرحه (في باب زيارة أهل الخير).
٤٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتد) بالشين المعجمة أي: قوي وعظم
(برسول الله وير وجعه) زاد في رواية لما اشتكى شكوه(٢) الذي توفي فيه رواه البخاري كما
في الأطراف وذلك لتضاعف أجره وإعلاء أمره كما يدل عليه حديث (أشد الناس بلاء
الأنبياء)) الحديث (قيل له في الصلاة) أي: من يقيمها للقوم ويؤم بهم فيها (فقال: مروا) بضم
الميم وأصله اؤمروا بهمزتين أولاهما للوصل وثانيتهما فاء الكلمة فحذفت تخفيفاً ومثله خذوا
(أبا بكر) أي: الصديق وسكت عن وصفه بذلك لتبادره إليه وحذف المأمور به أي: بإقامة
الصلاة لدلالة قوله: (فليصل بالناس) على ذلك أورده الحافظ المزي بلفظ الناس باللام
محل الباء أي: ليصل إماماً لأجلهم ليعقدوا صلاتهم بصلاته، وفي الإِتيان بالفاء الدالة على
التعقيب إيماء إلى كمال مبادرته لامتثال أمر المصطفى ◌َ﴿ وعدم توانيه وأخذ منه أفضلية الصديق
على باقي الصحابة الذين هم أفضل من جميع الأمة وأنه الخليفة من بعده، ولذا قال عمر
رضي الله عنه: رجل اختاره النبي ولو لديننا ألا نرضاه لدنيانا (فقالت عائشة) لتصرف ذلك
عن أبيها خوفاً من تطير الناس به إن مات وسلّ ولما تعلمه من كراهتهم للواقف موقفه لما جبلوا
علیه من كمال محبته پ# (إن أبا بكر رجل رقيق) أي: رقيق قلبه وإسناده إليه باعتبار ذلك لما
غلب عليه من شهود مظهر الجلال (إذا قرأ) أي: القرآن (غلبه البكاء) أي: فلا يتمكن من
إظهار القراءة المأمور بها الإِمام، وليس مرادها أن ذلك يقع منه بسببه ظهور حرفين؛ لأنه
مبطل للصلاة إن لم يكن عن غلبة بحيث لا يمكن دفعه ولو كان كذلك لما أمر به ثانياً بقوله :
(قال: مروه فليصل وفي رواية) أي: لهما (عن عائشة) أي: من سندها بخلاف ما قبله فهو
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم أيمن رضي الله عنها (الحديث:
١٠٣)، وتقدم الحديث برقم: ٣٦٠.
(٢) الشكو المرض كما في القاموس. ع.

٣٧٠
كتاب: دليل الفالحين
عَائِشَةَ قالتْ: قُلتُ: إِنَّ أَبَا بَكرٍ إذا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ الناسَ مِنَ الْبُكَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٤٥٤ - وعن أبْراهِيمَ بن عبْدِ الرحمن بْنِ عوفٍ أنّ عَبْد الرحمنِ بنَ عَوفٍ رَضِيَ الله
من سند ابن عمر (قالت): أي: للنبي ◌َ ﴿ لما أمر أن يؤم الناس أبو بكر (قلت: إن أبا بكر
إذا قام مقامك) أي: إماماً بالناس، والمقام بفتح الميم اسم مكان من القيام (لم يسمع الناس
من البكاء) من فيه تعليلية أي: بسببه، وإيراد المصنف لهذا الحديث في الباب؛ لأن
النبي و 18 رضي ذلك الأمر من الصديق وأبقاه على تقديمه فهو دليل على كونه محبوباً، قال
تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (٢) (متفق عليه) أخرجاه في كتاب
الصلاة واللفظ للبخاري، ورواه النسائي في عشرة النساء من سنته كما في الأطراف.
٤٥٤ - (وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري، قال الحافظ في التقريب: قيل
له رواية، وسماعه من ابن عمر أثبته يعقوب بن شيبة، مات سنة خمس، وقيل سنة ست
وتسعين، خرج عنه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه (أن عبد الرحمن بن عوف) بن
عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة أسلم قديماً، ومناقبه
شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: غير ذلك، ومن مناقبه التي لا توجد لغيره كما
قال المصنف في التهذيب: أن النبي وير صلى وراءه في غزوة تبوك حين أدركه، وقد صلى
بالناس ركعة، وحديثه في مسلم وغيره، قال: وقولنا لا توجد لغيره من الناس احترازاً من
صلاة النبي 18 خلف جبريل حين أعلمه بالمواقيت اهـ. وما أفهمه من أنه وصل ﴿ لم يصل
خلف غير عبد الرحمن يشكل عليه ما أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيحٍ،
والنسائي عن عائشة قالت: صلى النبي # خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً،
وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أنس قال: ﴿ خلف أبي بكر قاعداً في
ثوب متوشحاً به. قال الحافظ السيوطي بعد إيراد ذلك وأحاديث أخر بمعناه وإيراد حديث:
تأخر أبي بكر واقتدائه بالنبي ◌َّر، واقتداء الناس بأبي بكر ما لفظه: هذه الأحاديث قد جمع
بينها ابن حبان والبيهقي وابن حزم. وقال ابن حبان: لا معارضة بين هذه الأحاديث، فإنه وَاليه
صلى صلاتين، لا صلاة واحدة؛ لأن في خبر عن عائشة أنه وُ لو خرج بين رجلين تريد
بأحدهما العباس والآخر علياً، وفي خبر آخر عنها: أنه وَ ◌ّ خرج بين بريدة وثوبة قال: فهذا
يدلك على أنهما صلاتان لا صلاة واحدة. قال البيهقي في المعرفة: والذي نعرفه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: حد المريض أن يشهد الصلاة واللفظ له، (١٣٨/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا ... (الحديث: ٩٤).
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢.

٣٧١
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
عَنْهُ أُتِيَ بِطَعامٍ ، وَكَان صائِماً فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ الله عنهُ، وَهُوَ خَيْرٌ
مِنِّي، فَلَم يوجَدْ لهُ ما يُكَفَّن فِيهِ إلّ بُرْدَةٌ، إنْ غُِّيَ
بالاستدلال بسائر الأخبار أن الصلاة التي صلاها رسول الله وبر خلف أبي بكر هي صلاة
صبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها حتى مضى لسبيله، هي غير التي صلاها أبو بكر
خلفه. قال: ولا يخالف هذا ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، فكشف النبي ◌َّة
الحجرة ونظر إليهم وهم صفوف في الصلاة وأمرهم بإتمامها وإرخائه الستر فإن ذلك إما كان
في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. ثم ذكر ما يدل
له من كلام موسى بن عقبة. قال البيهقي: فالصلاة التي صلاها رسول الله وَّر وهو مأموم
صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها رسول الله وَّر بين الفضل بن عباس وغلام له. قال:
وبذلك جمع بين الأخبار. وقال ابن حزم: وهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما التي
رواها الأسود عن عائشة وعبيد الله عنها وعن ابن عباس صفتها: أنه وَّر صلّى الناس خلفه
وأبو بكر عن يمينه في موقف المأموم يسمع الناس تكبيره والثانية التي رواها مسروق
وعبيد الله عن عائشة وحميد عن أنس صفتها: أنها# كان خلف أبي بكر في الصف مع
الناس فارتفع الإِشكال جملة. قال: ومرضه وَل# كان نحو اثني عشر يوماً فيه ستون صلاة أو
نحو ذلك اهـ. ملخصاً. وحينئذ فليست هذه الفضيلة من خصائص ابن عوف بل كما هي له
فهي لجدنا الصديق رضي الله تعالى عنه أيضاً. روي له عن النبي وَل خمسة وستون حديثاً،
اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وفضائله شهيرة طوينا عن نشرها خوف
التطويل (أتي) بالفوقية مبني للمجهول خبر إن أي: أنه جيء إليه (بطعام) لعل تنوينه للتعظيم
كما يومىء إليه آخر القصة (وكان صائماً) جملة في محل الحال وأتى بها لبيان كماله أنه مع
توفر الداعي لتناول الطعام تركه لما صرفه عنه مما يخاف منه أن يكون مؤخراً له عن الدرجات
العلا (فقال: قتل) بالبناء للمجهول (مصعب) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح العين
المهملة وبالباء الموحدة (ابن عمير) بضم العين المهملة وسكون التحتية ابن هشام بن
عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري، وكان من فضلاء الصحابة
وخيارهم. ومن السابقين إلى الإِسلام، وكان قتله يوم أحد قتله عبد الله بن قتيبة وهو يظنه
النبي ◌َّير (رضي الله عنه) جملة دعائية (وهو خير مني) هذا من تواضعه وكمال فضله وإلا
فأفضل الصحابة العشرة الذين منهم ابن عوف (فلم يوجد له ما يكفن فيه) الفعلان مبنيان
للمجهول (إلا بردة) بضم الموحدة وبالرفع بدل من ما، ويجوز نصبه على الاستثناء، وهو
عربي فصيح وإن كان الأول أفصح، وقوله: (إن غطي) بضم المعجمة وكسر المهملة

٣٧٢
كتاب: دليل الفالحين
بها رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وإن غُطَِّ بِها رِجِلاهُ بَدَا رَأْسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنيا مَا بُسِطَ،
أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا، قَد خشِيْنا أنْ تكُونَ حَسَناتُنَا عُجِّلَتْ لنا، ثُمَّ جَعَلَ
يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٤٥٥ _ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ وَل
قَالَ: ((لَيْسَ شَيءٌ أَحَبَّ إِلى اللَّهِ تَعالَى مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دُمُوعٍ مِنْ خَشيةٍ
المشددة أي: ستر (بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه) جملة شرطية في
محل الصفة لبردة، وأتي بقوله وإن غطي بها رجلاه مع دلالة ما قبله عليه واستلزامه إياه؛ لأن
المقام للاطناب (ثم بسط) بالبناء للمجهول أي: وسع (لنا في الدنيا ما بسط) الموصول نائب
الفاعل والظرفان في محل الحال منه (أو) شك من الراوي في أنه قال: ما بسط أو (قال: ما
أعطينا) وقوله (قد خشينا أن تكون حسناتنا) أي: أعمالنا الصالحة الحسنة (عجلت لنا) أي:
عجل لنا جزاؤها فلا تقدم على ثواب مدخر جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وهذا منه من مزيد
خوفه من الله تعالى وشدة خشيته له، خشي أن يكون ما هو فيه من اليسار من جزاء طاعته
التي فعلها مع أن ذلك اليسار من أسباب عمله الصالح ومتجره الأخروي الرابح كما علم من
إنفاقه في سبيل الله تعالى وتصدقه على عباد الله ومع ذلك لعدم نظره لعمله واعتداده خشي
أن يكون ما يدخره سواه من أسباب إبعاده عن مولاه (ثم جعل يبكي) خوفا من ذلك وأن يكون
صفر اليدين من صالح الأعمال في المآل، وجعل هنا من أفعال الشروع، وقوله: (حتى ترك
الطعام) غاية لبكائه أي: تمادى به إلى أن أدى به لذلك (رواه البخاري) في الجنائز وفي
المغازي من صحيحه كما في الأطراف.
٤٥٥ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة (صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه) صدي
بضم المهملة الأولى وفتح الثانية كما تقدم مع ترجمته في باب التقوى (عن النبي ◌َّم قال:
ليس شيء أحب) بالنصب خبر ليس، وهو من الفعل المبني للمجهول أي: ليس شيء أكثر
محبوبية (إلى الله تعالى) أي: ليس شيء أكثر ثواباً عنده وأعظم مكانة من فضله (من قطرتين)
بفتح القاف وهي كما في المصباح النقطة (وأثرين) بفتح الهمزة والثاء المثلثة: هي ما بقي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الكفن في جميع المال، وباب: إذا لم يوجد إلا ثوب واحد، وفي
المغازي، باب: غزوة أحد (١١٣/٣).

٣٧٣
٥٤ - باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى
اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وأَمَّا الأثَرانِ: فَثَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعالَى،
وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرائِض اللَّهِ تَعالَى)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
وفي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا حَدِيثٌ العِرباضِ بن ساريَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَال: وَعَظَنَا
رَسُولُ اللهِ وَِّمَوْعِظَةً وجِلَت مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرِفَتْ
من الشيء دلالة عليه (قطرة دموع) أي: قطراتها وأفردت لإِضافتها إلى الجمع ثقة بذهن
السامع (من) الأقرب أنها سببية ويحتمل كونها ابتدائية أي: دمعاً مبتدأ من (خشية الله) أي :
ناشئة منها وهي تكون من المعرفة الناشئة من العلم والعمل به. قال تعالى: ﴿إنما يخشى
الله من عباده العلماء﴾(٢) وقال ◌َ ير: ((أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية)) (وقطرة دم) قال
العاقولي: إفراد الدم يدل على أن إهراقه أفضل من الدموع (تهراق) بضم الفوقية وفتح الهاء
وذلك؛ لأنه مضارع للرباعي ولا نظر للهاء فيه؛ لأنها زائدة، وقد استثناه ابن هشام في
الجامع الصغير مما يفتح فيه حرف المضارعة من الخماسي فإنه مضموم فيه وإن كان
الماضي خماسياً؛ لأنه رباعي، وإنما زيدت فيه الهاء على غير قياس. قال ابن فلاح: ويؤيد
بقاءه على حكم الرباعي قطع الهمزة فيه ولو خرج إلى الخماسي لغير إلى همزة الوصل
والجملة الفعلية في محل الصفة لقطرة، وقوله: (في سبيل الله) أي: في الجهاد للكفار
لإعلاء كلمة الله متعلق بالفعل المذكور، وقوله قطرة الخ بيان للقطرتين، وكان الظاهر أما
القطرتان فقطرة دموع إلخ كما يدل عليه قوله: وأما الأثران) ولعله مقدر كذلك بشهادة
العطف (فأثر في سبيل الله تعالى) أي: ما يبقى بعد الاندمال من ضربة سيف أو طعنة رمح
(وأثر في فريضة الله تعالى) وذلك لبلل في أعضاء الوضوء وأثر السجود (رواه الترمذي) في
كتاب الجهاد من جامعه (وقال: حديث حسن) زاد فيه بعد قوله: حسن قوله غريب، وكأن
المصنف سكت عنه لعدم ضرره في حسن الحديث؛ لأنها غرابة نسبية لا غرابة مطلقة.
(وفي الباب) أي: باب البكاء من خشية الله (أحاديث كثيرة) وصف توكيدي وإلا فصيغة
الأحاديث من جموع الكثرة الدالة عليها (منها حديث العرياض بن سارية رضي الله عنه قال:
وعظنا رسول الله وَ﴿ موعظة) يحتمل أن تكون منصوبة على المصدر أي: وعظنا وعظاً بليغاً
كما يدل عليه العدول عن وعظاً إليها، ويحتمل أن تكون منصوبة بحذف الخافض (ذرفت)
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط (الحديث: ١٦٦٩).
(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨ .

٣٧٤
كتاب : دليل الفالحين
مِنْهَا الْعُيُونُ. وَقَد سَبَقَ في باب النَّهِي عَنِ الْبِدَعِ (١).
٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل
منها، وفضل الفقر
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ
الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها
أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأُمْسِ
بوزن علم، أي: دمعت (منه العيون، وقد سبق في باب البدع) وتقدم ثمة شرحه.
باب فضل الزهد في الدنيا
الظرف لغو متعلق بالزهد. قال السيد الشريف في التعريفات: الزهد في اللغة: ترك
الميل إلى الشيء. وفي الاصطلاح هو بغض الدنيا والإِعراض عنها. وقيل: هو ترك راحة
الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل: هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك، اهـ. وتقدم المراد
من الدنيا في حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) (والحث) بالمثلثة المشددة أي: التحريض
(على التقلل منها) عبر بباب التفعيل المؤذن بالتكلف لما أن ذلك خلاف داعي الطبعٍ
البشري، قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾(٣) وقال تعالى: ﴿وتحبون المال حباً
جماً﴾ (٤) أي: فيتكلف الاستقلال منها وإن كان ذلك خلاف طبعه ليسلم من تبعات ذلك
(وفضل الفقر) أي: غير المذموم، وهو الفقر مما زاد على الكفاية والحاجة. (قال الله تعالى:
إنما مثل الحياة الدنيا) أي: صفتها العجيبة الشأن في سرعة نقصها وذهاب نعيمها بعد إقبالها
واغترار الناس بها (كماء) أي: كمطر (أنزلناه من السماء فاختلط به) أي: بسببه (نبات
الأرض) واشتبك بعضه ببعض (مما يأكل الناس) من البر والشعير وغيرهما (والأنعام) من
الكلأ (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) بهجتها من النبات (وازينت) بالزهر وأصله تزينت
أبدلت التاء زاياً وأدغمت (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) متمكنون من تحصيل ثمارها
(أتاها أمرنا) عذابنا (ليلا أو نهاراً فجعلناها) أي: زرعها (حصيداً) كالمحصود بالمناجل
(كأن) مخففة أي: كأنها (لم تغن) لم تكن (بالأمس كذلك نفصل) نبين (الآيات لقوم
(١) والحديث تقدم برقم (١٥٧).
(٢) سورة يونس، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الأعلى، الآية: ١٦.
(٤) سورة الفجر، الآية: ٢٠.

٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا
٣٧٥
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَّبَاتُ
الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرَاً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيا والْباقِياتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي
xxb
يتفكرون) فإنهم المنتفعون بها. قال البيضاوي: الممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة
النبات فجأة وذهابه حطاماً بعد ما كان غضاً والتف وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه
قد سلم من الجوائح، لا الماء وإن وليه حرف التشبيه؛ لأنه من التشبيه المركب. اهـ.
(وقال تعالى:) علواً معنوياً أي: تنزه عما لا يليق به (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) أي:
اذكر لقومك ما تشبه الحياة في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة. وقوله: (كماء) خبر
محذوف أي: هو كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لا ضرب على أنه بمعنى صبر، وعليه
اقتصر المحلي في تفسيره والمفعول الأول مثل (أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض)
فالتف بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه أو تجمع في النبات حتى روي ورقه.
وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة
صاحبه عكس للمبالغة في كثرته (فأصبح) أي: صار النبات (هشيماً) مهشوماً مكسوراً
(تذروه الرياح) تفرقه والمشبه به كما في الذي قبله الحالة المتفرقة في الجملة وهي حال
النبات المنبت بالماء يكون أخضر براقاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن (وكان الله
على كل شيء) من الأشياء (مقتدراً) قادراً (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) أي: يتزين بها
الإِنسان في الدنيا وتفنى عنه عما قريب (والباقيات الصالحات) هي: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. زاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما ورد
تفسيرها بذلك في الأخبار. وقال البيضاوي: هي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد
الآباد. ويندرج فيه ما فسرت به من الصلوات الخمس وصيام رمضان: وسبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر والكلام الطيب (خير عند ربك) من المال والبنين
عندية مكانة وشرف (ثواباً) عائدة (وخير أملاً) أي: ما يأمله الإِنسان ويرجوه عند الله تعالى؛
لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا. (وقال تعالى: اعلمو أنما الحياة
الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) قال بعضهم: اللعب فعل
(١) سورة الكهف، الآيتان: ٤٥، ٤٦.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.

٣٧٦
كتاب: دليل الفالحين
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ، كَمَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ
حُطَامَاً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيا
إِلَّ مَتَاعُ الْغُرورِ﴾.
يدعو إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، واللهو صرف الهم عن النفس بفعل ما لا يجوز.
اهـ. وقال البيضاوي: بين سبحانه وتعالى أن الدنيا أمور خالية قليلة النفع سريعة الزوال؛
لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جداً إتعاب الصبي في الملاعب من غير فائدة ولهو يلهون
به أنفسهم عما يهمهم، وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة، وتفاخر
بالأنساب وتكاثر بالعدد والعدد، وهذا كما قال المحلي في الاشتغال: بالدنيا. أما الطاعات
وما يعين عليها فليست منها، ثم قرر حال الدنيا وشأنها بقوله: (كمثل غيث أعجب الكفار
نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً) وهو تمثيل للدنيا في سرعة نقصها وقلة جدواها
بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب منه الحراث والكافرون بالله؛ لأنهم أشد إعجاباً
بزينة الدنيا؛ ولأن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا
يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجاباً، ثم هاج أي: يبس بعاهة فاصفر ثم صار
حطاماً فتاتاً يضمحل بالرياح. قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره: فإن الحياة الدنيا
تكون أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزاً شوهاء، وكذا الإِنسان يكون في أول عمره شاباً
غضاً طرياً لين الأعضاء بهي المنظر ثم يكتهل فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير
شيخاً كبيراً ضعيف القوى قليل الحركة يعجزه السير كما قال الله تعالى: ﴿الذي خلقكم من
ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة﴾(١) ولما كان هذا
المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من
أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: (وفي الآخرة عذاب شديد) أي: لمن انهمك في
الدنيا، ينفر عن الانهماك في الدنيا وحثاً على ما يوجب الكرامة في العقبى، ثم أكده بقوله :
(ومغفرة من الله ورضوان) لمن لم ينهمك في الدنيا أي: ليس في الآخرة الآتية القريبة إلا
أحد هذين (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي: لمن أقبل عليها ولم يطلب الآخرة بها،
قال ابن كثير: هي متاع، فإن عاد لمن ركن إليها فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أن لا دار
سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، أقرؤوا: وما الحياة الدنيا
(١) سورة الروم، الآية: ٥٤.

٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا
٣٧٧
D
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقْطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ والْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ
عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيا
إلا متاع الغرور)) وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة. اهـ. قاله المحلي.
(وقال تعالى: زين للناس حب الشهوات) أي: ما تشتهيه النفس وتدعو إليه من لعب ولهو
وزينة وتكاثر، زينها الله ابتلاء، أو الشيطان (من النساء والبنين والقناطير) أي: الأموال
الكثيرة (المقنطرة) المجتمعة والقناطير جمع قنطار أو جمع قنطرة. واختلف في قنطار هل هو
فعلال أو فنعال، والقنطار المال الكثير بعضه على بعض قاله الربيع بن أنس. وقيل: مائة
ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم قاله سعيد بن جبير وعكرمة وقيل: ملء
مسك ثور ذهباً أو فضة قاله أبو نصرة وسمي قنطاراً من الأحكام، يقال قنطرت الشيء: إذا
أحكمته ومنه القنطرة. وقيل ما بين السماء والأرض من مال قاله صاحب الحكم والمقنطرة
قيل إنها مأخوذة من القنطار للتأكيد كبدرة مبدرة. وقيل لغيره فقال الضحاك: أي:
المحصنة، وقال قتادة: أي: الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض. وقال يمان: هي
المدقوقة. وقال الفراء: المضعفة، فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة (من الذهب والفضة)
قال في لباب التفاسير: سمي الذهب ذهباً لسرعة ذهابه في الإِنفاق والزكاة، والفضة فضة؛
لأنها تفرق بضرب الدراهم وتفرق بالإنفاق والفض التفريق اهـ. والظرف في محل الحال
بيان للقناطير (والخيل المسومة) المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة
وسومها أو المطهمة أي: المجملة (والأنعام) جمع نعم بفتح أوليه وهي الإِبل والبقر والغنم
سميت به لعظم الانتفاع بها (والحرث) أي: الزرع (ذلك) أي: ما ذَكر (متاع الحياة الدنيا)
أي: ما يتمتع به فيها وهو فان مضمحل لا يقابل ما أدخره في الآخرة وقد عم ذلك بقوله:
(والله عند حسن المآب) أي: المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عند الله تعالى من
اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية (وقال تعالى: ياأيها الناس إن وعد الله
حق) لا خلف فيه. قال أبو حيان في النهر: شامل لجميع ما وعد به من ثواب وعقاب وغير
ذلك. ((قلت)): وكأن اقتصار البيضاوي على قوله بالحشر والجزاء؛ لأنهما الأهم، بل اقتصر
الحافظ ابن كثير على الأول وهو مستلزم للجزاء؛ لأن ذاك لذلك (فلا تغرنكم الحياة الدنيا)
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٥.

٣٧٨
كتاب : دليل الفالحين
وَلَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّ
سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقْينِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَا هُذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ
فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها (ولا يغرنكم بالله الغرور) قال مالك عن
زيد بن أرقم: هو الشيطان أي: بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية، فإنها وإن
أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول الشتم اعتماداً على دفع الطبيعة، وقد عقب تعالى
هذه الآية بما يدل على عداوة الشيطان لنا بقوله ﴿إن الشيطان لكم عدو﴾(٣) الآية وقرىء
بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود. (وقال تعالى: ألهاكم) أي: أشغلكم، وأصله الصرف
إلى اللهو منقول من لها إذا غفل (التكاثر) بالأموال والأقوال (حتى زرتم المقابر) إلى أن متم
وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم وهو السعي لأخراكم، فزيارة
المقابر عبارة عن الموت (كلا) ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همته
ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة (سوف تعلمون) خطأ رأيكم إذا عاينتم ما
وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتهوا عن غفلتهم (ثم كلا سوف تعلمون) تكرير للتوكيد، وفي
ثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور
(كلا لو تعلمون علم اليقين) أي: لو تعلمون ما بين أيديكم على الأمر اليقين أي: كعلمكم
ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكيف، فحذف الجواب ولذا
اقتصر المصنف على ذلك. قال البيضاوي: ولا يجوز أن يكون قوله: ((لترون الجحيم))
جواباً؛ لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه
بعد إبهامه تفخيماً اهـ. (وقال تعالى: وما هذه الحياة الدنيا) قال في النهر: الإِشارة بهذه
ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها (إلا لهو ولعب) أي: كما يلهى ويلعب به الصبيان ويجتمعون
عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي: لهي دار
الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت هي في ذاتها حياة مبالغة. والحيوان
مصدر حي سمي به ذو الحياة مبالغة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً وهو أبلغ من الحياة
لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليهما هنا. وفي فتح
(١) سورة التكاثر، الآيات: ١، ٢، ٣، ٤، ٥
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٦

٣٧٩
٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا
لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
والآياتُ في البابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورةٌ.
وَأَمَّ الأَحَادِيثُ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فَنُنَبِّهُ بِطَرَفٍ مِنْهَا عَلَى مَا سِوَاهُ :
٤٥٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بَعَثَ
الرحمن بكشف ما تلبس في القرآن للشيخ زكريا قدم اللعب في الأنعام والقتال والحديد،
وعكس في الأعراف والعنكبوت؛ لأن اللعب زمن الصبا واللهو زمن الشباب وزمن الصبا
مقدم على زمن الشباب فناسب إعطاء المقدم للأكثر والمؤخر للأقل اهـ. (لو كانوا
يعلمون) لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، والحياة فيها عارضة سريعة الزوال
(والآيات في الباب كثيرة مشهورة) لا منافاة بين ما دل عليه جمع السلامة من القلة وقوله
كثيرة؛ لأن تلك بالنظر إلى الأحاديث فيه وإن كانت الآيات فيه في نفسها كثيرة. ويحتمل أن
يكون أشار بذلك إلى أن محل كون جمع السلامة من جموع القلة كما عده النحاة حيث لم
يكن معرفاً وإلا فلا، بل هو من ألفاظ العموم كما قاله الأصوليون: (وأما الأحاديث) في
الباب (فأكثر من أن تحصر) لكمال كثرتها، وفي ذلك منه إيماء إلى الاعتناء بما عقد له الباب
الاعتناء النبي ◌َّله بذلك كما يدل عليه كثرة الأخبار فيه (فنبه) النون فيه للعظمة تحدثاً
بنعمة الله تعالى عليه بالعلم والتأهيل له (بطرف) بفتح أوليه المهملين، أي: بقطعة وجانب
(منها) ويجوز أن يقرأ بضم أوله وفتح ثانية على أنه جمع طرفة بالضم. قال في المصباح:
الطرفة أي: بالضم والسكون ما يستطرف، جمعه طرف كغرفة وغرف اهـ. والأول أنسب
بقوله (على ما سواها) وهو والظرف قبله متعلقان بالمضارع.
٤٥٦ - (عن عمرو) ويقال فيه عمير بالتصغير كما نبه عليه في الفتح (ابن عوف الأنصاري)
زاد المزي في وصفه قوله: ((البدري حليف بني عامر بن لؤي)» وخرج بقوله الأنصاري
عمرو بن عوف المزني راوي حديث تكبيره ولو خمساً في الجنازة وأحاديث أخر غير ذلك.
قال الحافظ في الفتح بعد قول البخاري الأنصاري: المعروف عند أهل المغازي أنه من
المهاجرين، وهو موافق لقوله هنا: وهو حليف لبني عامر بن لؤي؛ لأنه يشعر بكونه من أهل
مكة. ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصار بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس
أو الخزرج فنزل مكة وحالف بعض أهلها، فبهذا الاعتبار هو أنصاري مهاجري ثم ظهر كأن
لفظة الأنصاري وهم تفرد بها شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها
في الصحيحين وغيرها، وهو معدود من أهل بدر اتفاقاً، وقول المزي البدري؛ لأنه

٣٨٠
كتاب: دليل الفالحين
أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِها فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ
الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَوْا صَلَةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ،
فَلَمَّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ
قَالَ: ((أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟)) فَقَالُوا: أَجَلْ
(رضي الله عنه) شهد بدراً مع رسول الله وَّر. أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عن ابن إسحاق
قال: ممن شهد بدراً عمرو بن عوف مولى سهيل بن عمرو، وقال: هكذا جعله ابن إسحاق
مولى وجعله غيره حليفاً، قيل؛ لأنه سكن المدينة ولا عقب له وليس له في الكتب الستة
سوى هذا الحديث (أن رسول الله ﴿ ﴿ل بعث أبا عبيدة) قيل: اسمه عامر بن عبد الله، وقيل:
عبد الله بن عامر (بن الجراح) والأول أصح أحد العشرة المبشرة بالجنة (رضي الله عنه)
وعنهم. والجراح بفتح الجيم وتشديد الراء آخره حاء مهملة (إلى البحرين) أي: البلد
المشهورة بالعراق، وهي بين البصرة وهجر. وفي كتاب أسامي البلدان قال الزهري: إنما
ثنوا البحرين؛ لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر بينها وبين البحر
الأخضر عشرة فراسخ، وهذه البحيرة ثلاثة أميال في مثلها ولا يفيض ماؤها، وماؤها راكد
زعاف اهـ. (يأتي بجزيتها) أي: بجزيه أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك مجوساً. وذكر ابن
سعد أن النبي ◌َّر بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل
الفرس على البحرين يدعوه إلى الإِسلام فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية من
المجوس (فقدم بمال من البحرين) قال في كتاب الصلاة ومن التوشيح نقلاً عن مصنف بن
أبي شيبة: كان قدر المال مائة ألف وأنه أول خراج حمل إلى النبي ويلز ا هـ. (فسمعت
الأنصار بقدوم أبي عبيدة) أي: بالمال (فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله وَل﴿) قال الحافظ:
:يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون الجميع في كل الصلوات إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في
مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه فلأجل ذلك عرف ◌َّر أنهم اجتمعوا لأمر
ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم للمال للتوسعة عليهم. ويحتمل أن
يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضروا. وقد وعد جابراً بعد هذا أن يعطيه من مال
البحرين فوفى له أبو بكر (فلما صلى رسول الله : ﴿ انصرف) أي: ذاهباً إلى مقصده
(فتعرضوا له) أي: قصدوا له. قال في الصحاح: تعرضت أسألهم اهـ. (فتبسم ◌َّ حين
رآهم) يحتمل أن يكون تبسمه لما ظهر من مقتضى الطبع من طلب الدنيا مع أن قضية حالهم
وشرفهم وكون المصطفى صل بين أظهرهم مع كمال إعراضه عنها ترك ذلك (ثم قال أظنكم
سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) يحتمل أن يكون تنوينه للتعظيم باعتبار كثرة كميته. ويحتمل