النص المفهرس

صفحات 281-300

التلُ القُالحِيْنَ
لِطْرُقِ ريَاضِ الصَالحِين
تَأليف
العَالِ العَلاَمَة المَفْسِرِ، محمّد بن عَلان الصِّدّيق الشَّافعي
الأَشْعَري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ
طبعة جديدة مصحّحَة
مرقمة ومخرّصة الآيات والأحاديث
اعتنى بها
الشَّيِّخ خَلِيْل مَأْمُون شْيَحَا
الجُزءُ الرابع

٥٠ - باب: في الخوف
٢٨٣
٥٠ - باب: في الخوف
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَإِيَّايَ فَارْهُبُونِ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَكَذْلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ
باب الخوف
أي من الله عز وجل. قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة: هو فزع القلب من مكروه
يناله أو من محبوب يفوته. وسببه تفكر العبد في المخلوقات كتفكره في تقصيره وإهماله وقلة
مراقبته لما يرد عليه، وتفكره فيما ذكره الله عز وجل في كتابه من إهلاك من خالفه وما أعد له
في الآخرة، وقد يعبر عن الخوف بالفزع والروع والرهبة والخيفة والخشية. (قال الله تعالى:
وإياي فارهبون) أي: خافون خوفاً معه تحرز فيما تأتون وتذرون. قال البيضاوي: وهو آكد
في إفادة التخصيص من ﴿إياك نعبد﴾ (٤) لما فيه مع التقديم من تكرير المفعولية، والفاء
الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.
وفي الآية أن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله سبحانه وتعالى، (وقال تعالى: إن
بطش ربك لشديد) البطش، هو الأخذ بعنف وشدة بالمأخوذ بحسب إرادته تعالى: (وقال
تعالى: وكذلك) أي: ومثل ذلك الأخذ للأمم الماضين (أخذ ربك إذا أخذ القرى) أي:
أهلها. وقرىء إذ لأن المعنى على المضي (وهي ظالمة) حال من القرى، وهي في الحقيقة
(١) سورة البقرة، الآية: ٤٠
(٢) سورة البروج، الآية: ١٢.
(٣) سورة هود، الآيات: ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦.
(٤) سورة الفاتحة، الآية: ٥

٢٨٤
كتاب: دليل الفالحين
شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ، ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعْ لَهُ النَّاسُ
وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤخِّرُهُ إِلَّ لِأَجْلِ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّ بِإِذْنِهِ،
فَمِنْهُمْ شَقِيٍّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ﴾
لأهلها، لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها. وفائدتها الإِشعار بأنهم أخذوا لظلمهم،
وإنذار كل ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العاقبة (إن أخذه أليم شديد) وجيع غير مرجو
الخلاص عنه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير (إن في ذلك) أي: ما أنزل بالأمم الهالكة أو
فيما قصه الله من قصصهم (لآية) لعبرة (لمن خاف عذاب الآخرة) يعتبر بها عظة لعلمه بأن ما
حاق بهم أنموذج مما أعد للمجرمين في الآخرة، أو ينزجر به عن موجبه لعلمه بأنها من إلّه
مختار يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم، لم يقل
بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب
المهلكين بها (ذلك) إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة. دل عليه (يوم مجموع له الناس)
أي: يجمع له الناس: والتعبير له بالجمع للدلالة على ثبات معنى الجمع لما فيه من
المحاسبة والمجازاة (وذلك يوم مشهود) أي: مشهود فيه أهل السموات والأرض، واتسع فيه
بإجراء الظرف مجرى المفعول، ولو جعل اليوم مشهوداً في نفسه، لبطل الغرض من تعظيم
اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك (وما نؤخره) أي: اليوم (إلا لأجل معدود) إلا لانتهاء مدة
معدودة متناهية على خلاف المضاف. وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها، فإنه غير
معدود (يوم يأت) أي: الجزاء أو اليوم كقوله: ﴿حتى تأتيهم الساعة﴾(١) على أن يوم بمعنى
حين أو الله تعالى كقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ (٢) ونحوه (لا تكلم) أي: لا
تتكلم (نفس) بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهو الناصب للظرف، ويحتمل أن
نصبه بإضمار أذكر أو بالانتهاء المحذوف (إلا بإذنه) أي: بإذن الله، كقوله: ﴿لا يتكلمون إلا
من أذن له الرحمن﴾ (٣) وهذا في موقف وقوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم
فيعتذرون﴾ (٤) في موقف آخر، أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة، والممنوع عنه هي
الأعذار الباطلة (فمنهم شقي) وجبت له النار بمقتضى الوعيد، (و) منهم (سعيد) وجبت له
الجنة بمقتضى الوعد، والضمير لأهل الموقف وإن لم يذكروا؛ لأنه معلوم مدلول عليه
بقوله: لا تكلم نفس أو الناس (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق) الزفير:
(١) سورة الحج، الآية: ٥٥
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٠ .
(٣) سورة النبأ، الآية: ٣٨.
(٤) سورة المرسلات، الآيتان: ٣٥، ٣٦

٥٠ - باب: في الخوف
٢٨٥
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىٍ
مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلَّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَمْلَهَا
إخراج النفس، والشهيق: رده، واستعمالهما في أول النهيق وآخره، والمراد بهما الدلالة على
شدة كربهم وغمهم، فالمراد تشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه
روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير. (وقال تعالى: ويحذركم الله نفسه) أي: يغضب
عليكم من فعل ما حظر وملابسة ما منع. (وقال تعالى: يوم) بدل من إذا الظرفية المتضمنة
معنى الشرط المذكور في آخر الآية قبله (يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته) أي
زوجته (وبنيه) بدأ بالأخ ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب ثم بالصاحبة والولد؛ لأنهما أقرب والأخ
من الأبوين والأخ إيذاناً أنه لا يقف لأحد منهم (لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) أي :
يشغله عن شأن غيره أي: اشتغل كل بنفسه. والجملة حال وهو دليل جواب إذا المحذوف،
وقيل: يفر حذراً من تبعاتهم؛ فيقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان قصرت في برنا،
والصاحبة أطعمتني الحرام، وفعلت، والولد لم تعلمني، ولم ترشدني. قال الكواشي:
وهذا عام في كل كافر، في كل موطن من مواطن القيامة، وخاص بالمؤمن في بعض
مواطنها. (وقال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة) تحريكها للأشياء على
الإسناد المجازي، أو تحريك الأشياء فيها، فأضيفت إليها إضافة معنوية بتقدير، وإضافة
المصدر إلى الظرف على إجرائه مجرى المفعول به (شيء عظيم) هائل، علل أمرهم
بالتقوى بفظاعة الساعة ليتصوروها بعقولهم، ويعلموا أنه لا يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس
التقوى، فيبقوا على أنفسهم ويتقوها بملازمة التقوى (يوم ترونها تذهل كل موضعة عما
أرضعت) تصوير لهولها، والضمير للزلزلة، ويوم منتصب بتذهل. وقرىء معلوماً ومجهولاً
أي: تذهلها الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة والمقصود الدلالة على أن هولها
بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها، نزعته عن فيه وذهلت عنه، وما موصولة أو
مصدرية (وتضع كل ذات حمل حملها) أي: جنينها، قال المصنف في آخر كتاب الإِيمان
(١) سورة آل عمران، الآية: ٢٨
(٢) سورة عبس، الآيات: ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧.
(٣) سورة الحج، الآيتان: ٢،١

٢٨٦
كتاب: دليل الفالحين
وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلْكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾ الآياتِ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتْسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا
مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ
الْبُرُّ الرَّحِيمُ﴾ .
من شرح مسلم: وقد اختلف العلماء في وقت وضع كل ذات حمل حملها وغيره من
المذكور، فقيل: عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، وقيل هو يوم القيامة، وليس فيها
حمل ولا ولادة، وتقديره تنتهي به الأهوال والشدائد إلى أنه لو تصورت الحوامل هناك
لوضعت حملهن، كما تقول العرب أصابنا أمر يشيب فيه الولد، يريدون شدته. اهـ.
(وترى الناس سكارى) كأنهم سكارى (وما هم بسكارى) حقيقة (ولكن عذاب الله شديد)
فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم. (وقال تعالى ولمن خاف مقام ربه) موقفه
الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيامه على أحواله، من قام عليه: إذا راقبه، أو مقام
الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين، فأضافه إلى الرب تفخيماً وتهويلاً، أو ربه، ومقام
مفخم للمبالغة (جنتان) جنة لعقيدته، وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاغات، وأخرى
الاجتناب المعاصي، أو جنة يثاب بها، وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية
(الآيات) إلى أواخر السورة. وفيه إن هذه الآيات من آيات الوعد المثيرة للرجاء لا من آيات
الوعيد الباعثة للخوف. وكان المصنف عقب الآيات الأول بها إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون
للمؤمن خوف يمنعه من العصيان، ورجاء يبعثه على الطاعة وعمل البر، وقدم تلك على
هذه؛ لأنها أدلة الباب وأساس بنيانه، وإيماء إلى أن الخوف من باب التخلية، والرجاء من
باب التحلية بالمهملة، والأول مقدم، وختم بما هو من قبيل الأول لمناسبته بالباب، فقال:
(وقال تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي: يسأل بعض أهل الجنة بعضاً عن
أحواله وأعماله (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) خائفين من عصيان الله تعالى، معتنين
بطاعته، أو وجلين من المعاقبة (فمن الله علينا) بالرحمة والتوفيق (ووقانا عذاب السموم)
عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم (إنا كنا من قبل) أي: من قبل ذلك في الدنيا
(ندعوه) نعبده، أو نسأله الوقاية (إنه هو البر) المحسن. وقرىء بفتح الهمزة أي: لأنه
(١) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.
(٢) سورة الطور، الآيات: ٢٦،٢٥، ٢٧، ٢٨

٢٨٧
٥٠ - باب: في الخوف
وَالآيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْلُومَاتٌ، وَالْغَرَضُ الإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهَا وَقَدْ حَصَلَ
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فَذْكُرُ مِنْهَا طَرفاً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:
٣٩٦ - عَنِ ابْنِ مِسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَهَ وَهُوَ الصَّادِقُ
الْمَصْدُوقُ. ((أَنَّ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً
مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ
(الرحيم) الكثير الرحمة (والآيات) الواردة (في الباب) أي: في باب الخوف (كثيرة جداً)
بكسر الجيم أي: قطعاً (والغرض) أي: المطلوب (الإشارة إلى بعضها) تبركاً وتشرفاً (وقد
حصل. وأما الأحاديث) المرفوعة (فكثيرة جداً، فنذكر منها طرفاً) أي: جانباً. والظرف
حال؛ لأنه كان وصفاً لطرف قدم عليه ومن فيه للبيان (وبالله) لا بغيره (التوفيق) وهو لغة:
جعل الأسباب موافقة للمسببات. وشرعاً: خلق قدرة الطاعة في العبد.
٣٩٦ - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله مثل﴿ وهو الصادق) في أقواله،
وأفعاله، وأحواله (المصدوق) فيما يأتيه من الوحي والجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال
كلها (إن أحدكم) أي: الواحد منكم (يجمع) بالبناء للمفعول أي: يقدر (خلقه) أي: ما
يخلق منه (في بطن أمه) صفة خلق، أو حال منه، أي: مادة خلقه الحاصلة أو حاصلة
(أربعين يوماً) ظرف لمتعلق الظرف المحذوف (نطفة) وهي الماء القليل، والمراد هنا المني
لأنه ينطف أي: يسيل ومعنى جمعه فيها: مكثه أربعين ليلة منتشراً في بشرة المرأة، بعد أن
انتشر تحت كل ظفر وشعر منها، ثم ينزل منها دم في الرحم، فذلك جمعه، وهو وقت كونه
علقة، ولا ينتقل عن كونه منياً قبل الأربعين (ثم يكون) أي: يصير خلقه (علقة) هي دم
جامد؛ لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم (مثل ذلك) بالنصب صفة علقة، وذلك إشارة إلى خلقه،
أي: علقة مماثلة لخلقه في أنهما يكونان أربعين يوماً (ثم يكون) أي: يصير خلقه (مضغة)
أي: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) أي: أربعين يوماً، وفيها يصورها الله تعالى،
ويجعل الأعضاء والسمع والبصر وغيرهما ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كما يشاء﴾(١)
(ثم) إذا تمت وصار ابن مائة وعشرين يوما (يرسل) بالبناء للمفعول، أي: يرسل الله
(الملك) في الطور الرابع ولا مخالفة بين حديث الباب وحديث مسلم عن حذيفة بن أسيد
مرفوعاً ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها
(١) سورة آل عمران، الآية: ٦

٢٨٨
كتاب : دليل الفالحين
فَيَنْفُخْ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيُّ أَوْ
سَعِيدٌ.
وجلدها وعظامها ثم يقول: أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء ثم يكتب أجله ورزقه)) لأن
لتصرف الملك أوقاتاً.
أحدها: حين كونه نطفة ثم انقلابه علقة، وهو أول علم الملك بأنه ولد، وذلك عقب
الأربعين الأولى، وحينئذ ربه يكتب رزقه وأجله وعمله وخلقته وصورته، ثم يتصرف فيه
بتصويره، وخلق أعضائه، وذلك في الأربعين الثالثة، فينفرد بالتصوير بعد أن يكتب ذلك،
ثم ينقله في وقت آخر؛ لأن التصوير بعد الأربعين الأولى غير موجود عادة، أشار إليه
المصنف في شرح مسلم، وقد استفاض بين النساء أن النطفة إذا قدرت ذكراً، تتصور بعد
الأربعين الأولى، بحيث يشاهد منه كل شيء حتى السرة، فتحمل رواية ابن مسعود على
البنات، أو الغالب (فينفخ فيه) أي: فينفخ الملك في ذلك المخلوق (الروح) بعد كمال
الجسم وخلقه وفيه دليل على حدوث الروح، والنفخ بالمعجمة وبالمهملة، والنفث
يستعملان بمعنى، إلا أن الأولين يستعملان على طريق الخير والشر والثالث في الثاني فقط
(ويؤمر) أي: ذلك الملك عطف على ينفخ (بأربع كلمات) أي: يؤمر بكتابة الأحكام
المقدرة له على جبهته، أو بطن كفه، أو ورقة تعلق بعنقه، قاله مجاهد. واعلم أن الكتابة
التي في أم الكتاب تعم الأشياء كلها. وهذا ما خص به كل إنسان، إذ لكل سابقة وهي ما في
اللوح، ولاحقة تكتب ليلة القدر، ومتوسطة أشير إليها في الحديث (يكتب) بدل كل من
قوله: بأربع ويروى بالمضارع على الاستئناف (رزقه) ما ينتفع به حلالاً كان أو حراماً،
مأكولاً أو غيره (وأجله) أي: مدة عمره، أو الوقت الذي ينقرض فيه (وعمله) من صلاح
وضده (وشقي أو سعيد) خبر لمبتدأ، تقديره هو. وعدل إليه عن شقاوته وسعادته بحكاية
صورة المكتوب، والتقدير، وأنه شقي أو سعيد، وكان العدول فيه؛ لأن التفصيل الآتي وارد
عليهما، ذكره الطيبي. والسعادة: معاونة الأمور الإِلَهية للإِنسان على نيل الخيرات. وتقابلها
الشقاوة. وقدمت ليعلم أنها كالخير من عند الله تعالى، وحول الإِنسان أطواراً في بطن أمه،
والقدرة صالحة لخلقه جملة في لمحة لدفع المشقة عن الأم؛ لأنها غير معتادة فربما ظنته
علة فدرج في حال إلى آخر؛ لتعتادها، ولإظهارها قدرة الله سبحانه؛ ليعبدوه ويشكروه، إذ
قلبهم من أخس الأشياء ومستقذرها إلى أحسن صورة، محلى بالعقل والإِرشاد الناس إلى كمال
قدرته تعالى على الحشر والنشر، إذ من قدر على خلق إنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم
من مضغة، قادر على إعادته ونفخ الروح به ولغير ذلك. ثم اعلم أن الآيات القرآنية تشهد أن

٢٨٩
٥٠ - باب: في الخوف
فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا
إِلَّ ذِرَاعْ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ
بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ
التصوير من الله تعالى، وفي بعض الروايات إضافته إلى الملك الموكل بالرحم، والحمل
على ظاهر التنزيل أولى، وجمع بعض بأن الملك الموكل بالرحم من أعوان إسرافيل، وبيده
الصور، وهو ناظر إلى إسرافيل، وإسرافيل ناظر إلى الصورة المنقوشة في العرش، فقد ورد
((إن الله تعالى جعل لكل ما خلق صورة مخصوصة في ساق العرش، وتلك الصورة، حكاية
عما في عمل الله الأزلي)) فيأخذ إسرافيل الصورة المختصة بتلك الذرة ويلقيها إلى الرحم،
وملك الأرحام يلقيها إلى الجنين، فيصوره بتلك الصورة. فحيث أسند التصوير إليه تعالى؛
فلأنه المقدر للصورة حقيقة الموجد لها، وحيث أسند للملك؛ فلأنه المباشر لها حسبما رأى
في نسخة إسرافيل (فوالذي) هو من جملة المرفوع كما يدل عليه ظاهر رواية الصحيحين
هذه وغيرها. وأما ما رواه الخطيب البغدادي في المدح: من أن من هنا إلى الآخر من كلام
ابن مسعود، فلا يعارض ما في الصحيحين، بل ما فيهما مقدم عليه، وبفرض ثبوت ما فيه،
فالذي توقف عليه إنما هو هذه المباني، وإلا فقد جاء هذا المعنى مرفوعاً في أحاديث كثيرة،
بينتها أواخر شرح الأذكار، الفاء فصيحة وهي العاطفة على مقدر، وقيل: الواقعة جواباً لشرط
مقدر وقد بسطت الكلام في تحقيق هذه الفاء وأحوالها في كتابي المسمى: بإيقاظ النائم من
سنة نومه ببعض فوائد قوله تعالى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾(١) أي: فإذا كانت السعادة
والشقاوة مكتوبتين فوالذي (لا إله غيره) أكده بالقسم؛ لتأكيد أمر القضاء (إن أحدكم ليعمل
بعمل أهل الجنة حتى) أي: إلى أن ينتهي إلى أمد (ما يكون) ما: نافية، ويكون مرفوع
إجراء لحتى وما بعدها مجرى الحكاية الحالية، قاله الكازروني شارح الأربعين، قال:
والنصب فيه وفي الجملة الثانية خطأ (بينه وبينها) أي: الجنة (إلا ذراع) أراد به التمثيل
للقرب من موته، ودخوله عقبة الجنة (فيسبق) أورد الفاء لتدل على حصول السبق بلا مهلة،
وعداه بعلى في قوله (عليه الكتاب) لتضمنه معنى يغلب أي: يغلب عليه ما كتب عليه قبل
النفخ من الشقوة (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) بفصل القضاء السابق المحتوم لشقوته
(وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون) أي: إلى أن لا يبقى (بينه وبينها إلا
(١) سورة البقرة، الآية: ٦٠

٢٩٠
كتاب : دليل الفالحين
ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٣٩٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((يُؤْتِى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَّهَا
سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) من الإِنابة والاستغفار وعمل الأبرار
(فيدخلها) فالخاتمة نسخت السابقة، وبذر السعادة والشقاوة قد اختفى في الأطوار الإِنسانية،
ولا يظهر إلا إذا انتهى إلى الغاية الإِيمانية أو الطغيانية، ففي الحديث إيماء إلى عدم الاغترار
بصور الأعمال والركون إليها، بل بالخاتمة، وقد جاء في بعض روايات الحديث زيادة ((وإنما
الأعمال بالخواتيم)) فلا يقطع لأحد معين بدخول الجنة إلا من أخبر # أنه من أهلها، فعليك
أن لا تتكل على عمل ولا تعجب به، واسأل الله حسن الخاتمة، واستغذ به من سوئها، ولا
تقل: قوله تعالى ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ (٣) مخبر بأن من أخلص عمله، أمن
من سوئها لأنانقول: يجوز أن يكون ذلك معلقاً على شرط القبول وحسنه. ثم قال القاضي
عياض: الثاني كثير، وأما الأول فقليل؛ لأن الله كريم يستحي أن ينزع السر من أهله، وفيه
إثبات القدر، وهو مذهب أهل الحق، وأن جميع ما في الكون بقضاء وقدر من نفع أو ضر
(متفق عليه) وكذارواه أصحاب السنن الأربعة .
٣٩٧ - (وعنه قال: قال رسول الله لم يؤتى بجهنم) قال المصنف: اختلف أهل العربية
هل جهنم اسم عربي؟ أم عجمي؟ فقيل: عربي مشتق من الجهومة: وهي كراهة المنظر،
وقيل من قولهم: بئر جهنام أي: عميقة، فعلى هذا لم تصرف للعلمية والتأنيث. وقال
الأكثرون: هي عجمية معربة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة (يومئذ) أي: يوم إذ يقوم
العباد للحساب (لها سبعون ألف زمام) جملة حالية، والزمام لغة: ما يجعل في أنف البعير
يشد عليه المقود، فيحتمل أن يكون ذلك على حقيقته، وأن تكون تمثيلاً لعظمها وفرض
كبرها بحيث إنها تحتج في الإِتيان بها إلى هذه الأزمة (مع كل زمام سبعون ألف ملك
يجرونها. رواه مسلم) في باب الجنة والنار، ورواه الترمذي في جامعه في باب صفة
جنهم.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٢٢٠/٦)، والقدر والأنبياء
وأخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي ... (الحديث: ١).
(الحديث :
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حرّ نار جهنم
٢٩).
(٣) سورة الكهف، الآية: ٣٠.

٢٩١
٥٠ - باب: في الخوف
٣٩٨ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ يُوضَعُ في أَخْمَصٍ قَدَمَيْهِ
جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابً))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٣٩٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ قَالَ: ((مِنْهُمْ مَنْ
٣٩٨ - (وعن النعمان بن بشير) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، (رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله وسلم يقول: إن أهون أهل النار) أي: الكفار لأنهم أهلها الملازمون لها
الخالدون أبداً، أما العصاة من مؤمني الأمة المحمدية الذين سبق في العلم الأزلي تعذيبهم
بها، فليسوا أهلها لخروجهم ودخولهم الجنة (عذاباً يوم القيامة لرجل) هو أبو طالب (يوضع
في أخمص) بفتح الهمزة (قدميه) أي: المتجافي من الرجل عن الأرض (جمرتان يغلي)
بالتحتية، والغين المعجمة مبني للفاعل: والغليان معروف، وهو: شدة اضطراب الماء
ونحوها على النار لشدة إيقادها، يقال: غلت القدر تغلي غلياناً، قاله المصنف (منهما
دماغه) بكسر الدال المهملة معروف. قال القسطلاني في المواهب: جاء في رواية: حتى
يسيل دماغه (ما يرى) بفتح التحتية أي: يعتقد (أن أحداً أشد منه عذاباً) لقوة ما يلقاه منه
(وإنه لأهونهم عذاباً متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق، ومسلم في صفة النار، كذا قال
المزي. والذي رأيته أنه منه في كتاب الإِيمان.
٣٩٩ - (وعن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم (ابن جندب) بضم الجيم والدال المهملة
وبفتحها، والنون ساكنة بينهما آخره موحدة، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب توقير
العلماء (أن نبي الله وية) قال الشافعي فيما نقل البيهقي عنه: يكره أن يقال في حقه ◌َّ النبي
أو الرسول بغير إضافة وإنما يقال: رسول الله أو نبي الله بها ولا يرد نحو قوله تعالى ﴿يا
أيها النبي﴾(٢) لأن خطاب الله تعالى لنبيه تشريف بأي صيغة كانت. اهـ. وكأن القوم لم
ينظروا لذلك لعدم حضور ما يوهمه لفظ الرسول أو النبي في الذهن، كما استقر فيه من شرفه
وعظمته مع ما فيه من كثرة الدوران المقتضي للتخفيف في اللفظ (قال منهم) أي: من أهل
النار، ومرجع الضمير دل عليه حال التكلم، أو سياق الكلام. وفي رواية أخرى لمسلم بزيادة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٧٧٣/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: أهون أهل النار عذاباً (الحديث: ٣٦٤)
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٤.

٢٩٢
كتاب : دليل الفالحين
تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الْحُجْزَةُ)): مَعْقِدُ الْإِزَارِ تَحْتَ السُّرَّةِ.
وَ((التَّرْقُوَةُ)) بِفَتْحِ التّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ هِيَ: الْعَظْمُ الَّذِي عِنْدَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، وَلِلْإِنْسَانِ
تَرْقُوَتَانِ فِي جَانِبَي النَّْرِ(١).
٤٠٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلى أَنْصَافٍ أُذُنَيْهِ))
((إن في أوله)) والتأكيد مناسب للوعيد والتشديد (من تأخذه النار إلى كعبيه) وهو العظم
الناتىء عند مفصل الساق من القدم (ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه) وهو مجمع عظم الساق
والفخذ (ومنهم من تأخذه إلى حجزته) بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم وبالزاي (ومنهم
من تأخذه إلى ترقوته) أي: وباقى الجسد الذي لم يأخذه العذاب يغلي بما أخذه منه العذاب
(رواه مسلم) في صفة النار (الحجزة) بضبطها السابق، وكان عليه ذكر ذلك (معقد الإِزار)
والسراويل كما في شرح مسلم له (تحت السرة) المراد ما يحاذي ذلك المحل من جنبيه
(والترقوة بفتح التاء) المثناة الفوقية (وضم القاف) وسكون الراء، وفتح الواو، تفعلة وجمعها
تراقي (هي العظم الذي عند ثغرة النحر) الثغرة بضم المثلثة، وسكون المعجمة، بعدها راء
مهملة التي في وسطه. قال في شرح مسلم: الترقوة بين ثغرة النحر والعاتق (وللإنسان
ترقوتان في جانب النحر) قال في المصباح: قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من
الحيوان إلا للإِنسان خاصة .
٤٠٠ - (وعن ابن عمر) ابن الخطاب (رضي الله عنهما أن رسول الله وسلم قال: يقوم الناس)
أي: من قبورهم (لرب العالمين) أي: لأمره وجزائه. قال كعب: يقومون ثلاثمائة عام (حتى
يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) قيل: سبب هذا العرق، تراكم الأحوال، وتزاحم حر
الشمس والنهار كما جاء في الرواية ((إن جنهم تدير أهل المحشر، فلا يكون لأهل الجنة
طريق إلا الصراط)) فيكون الناس في ذلك العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه
وبصير له كاللجام ويمنعه من الكلام ويصل لأذنه، ومنهم دون ذلك، حتى أنه يكون للبعض
إلى كعبه فإن قلت: إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض، فكيف يصل إلى كعب الآخر؟
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حرَّ نار جهنم ... (الحديث
٣٣).

٢٩٣
٥٠ - باب: في الخوف.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ ((الرَّشْحُ)): الْعَرَقُ(١).
٤٠١ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللّهِ وَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ
مِثْلَهَا قَطُّ! فَقَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً))، فَغَطّ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وُجُوهَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ.
قلنا: يجوز أن يخلق الله ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال: يمسك الله عرق
كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يصل إلى غيره منه شيء، كما أمسك جرية البحر لموسى
وقومه حتى أتبعهم فرعون، قاله ابن ملك في شرح المشارق (متفق عليه) والسياق لمسلم
(الرشح) بفتح الراء وسكون الشين المعجمة وبالحاء المهملة (العرق) بفتح أوليه
المهملتين.
٤٠١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله وَ لير) أي: وعظ، وسميت خطبة
لأنهم كانوا يلقونها عند الخطب والمهام. وحذف المفعول للتعميم أو للجهل بأعيانهم
(خطبة، ما سمعت مثلها قط) لكمال بلاغتها، وقط بفتح القاف وضم الطاء المهملة المشددة
في اللغة الفصحى، ظرف؛ لاستغراق ما مضى من الزمان، نحو: مافعلته قط. قال ابن
هشام: وقول العامة لا أفعله قط، لحن (فقال) أي: من جملتها، أو يحتمل أن يكون ذلك
هو المقول كله (لو تعلمون ما أعلم) أي: من أهوال الآخرة، وما أعد في الجنة من نعيم،
وفي النار من العذاب الأليم (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قيل: إن كان الخطاب
للكافرين، فليس لهم ما يوجب الضحك أصلاً، وإن كان للمؤمنين فعاقبتهم الجنة أبداً، وإن
دخلوا النار فما يوجب البكاء بالنسبة إلى ما يوجب الضحك شيء يسير، فينبغي أن: يكون
الأمر بالعكس. ((قلنا)): الخطاب للمؤمنين لكن خرج هذا الحديث في مقام ترجيح الخوف
على الرجاء، قال الكازروني: ففي الحديث الحث على البكاء، والتحذير من إكثار الضحك
(فغطى أصحاب رسول الله وَ ﴿ وجوههم) فيه استحباب تغطية الوجه عند البكاء، وقد ورد
الأمر به حال العطاس، وكأنه ستر لما يعرض حينئذ في بشرة الوجه (ولهم خنين) في
المشارق للقاضي عياض أنه بالمهملة للقابسي والعذري، وبالمعجمة للكافة وهو الصواب،
وهو تردد في البكاء بصوت أغن. وقال أبو زيد الحنين كالجنين. اهـ. وفي شرح مسلم
للمصنف: هو بالمعجمة في معظم النسخ ولمعظم الرواة ولبعضهم بالمهملة ومن ذكر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: تفسيريوم يقوم الناس لرب العالمين (٣٤٠/١١)، وفي الرقاق.
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفة يوم القيامة ... (الحديث: ٦٠).

٢٩٤
ـربـ
كتاب : دليل الفالحين
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ:
((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ والنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ،
وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً)) فَمَا
أَتِى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ يَوْمَ أَشَدُّ مِنْهُ، غَطَّوْا رُؤْوِسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ.
((الْخَنِينُ)) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْبُكَاءُ مَعْ غُنَّةٍ وَانْتِشاقِ الصَّوْتِ مِنَ الْأَنْفِ (١).
الوجهين، صاحب التحرير وآخرون، وسيأتي معناه (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير
واللفظ له، ومسلم في فضائل النبي ◌َّل بنحوه، ورواه الترمذي في التفسير وقال: حسن
صحيح غريب، ورواه النسائي في الرقائق مختصراً ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً
ولبكيتم كثيراً)). اهـ. ملخصاً من الأطراف للمزي. وللحافظ العسقلاني تعقب عليه في
بعضه في كتابه: النكت الظراف (وفي رواية) هي لمسلم (بلغ رسول الله وَلّر عن أصحابه
شيء فخطب فقال عرضت عليّ الجنة والنار) قال القاضي عياض: قال العلماء: يحتمل أنه
رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما وأزال الحجاب بينه وبينهما، كما فرج له عن بيت
المقدس حين وصفه، ويحتمل أن يكون عرضٍ وحي، وعلم من أمورهما تفصيلاً ما لم
يعلمه قبل ذلك، ومن عظم شأنهما ما زاده علماً بأمرهما وخشيةً وتحذيراً ودوام ذكر. فلذا
قال: ((لو تعلمون)) الخ. قال القاضي: والتأويل الأول أولى. والتنبيه بألفاظ الحديث لما جاء
في الأحاديث مما يؤيده كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن تلحقه النار. وفيه أن الجنة والنار.
مخلوقتان موجودتان اليوم، وهو مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة (فلم أر كاليوم في الخير
والشر) قال المصنف: معنى الحديث لم أر خيراً أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شراً
أكثر مما رأيته في النار (ولو تعلمون ما أعلم) مما رأيته اليوم (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)
أي: لحصل من الإشفاق البليغ ما يقل ضحككم، ويكثر بكاءكم. وفيه دليل على أنه لا
كراهة في استعمال لو في مثل هذا (فما أتى) أي: جاء (على أصحاب النبي ◌َّ يوم أشد
منه) في إزعاجهم بالموعظة وتأثرهم بها (غطوا) بتشديد الطاء المهملة أي: ستروا (رءوسهم)
بالغطاء (ولهم خنين) جملة حالية (الخنين بالخاء المعجمة) المفتوحة بنونين، أولاهما
مكسورة خفيفة، وبينهما تحتية ساكنة (هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت) وفي شرح مسلم
ومعناه بالمعجمة: صوت وهو نوع من البكاء دون الانتحاب. قالوا: وأصل الخنين خروج
الصوت (من الأنف) كالحنين بالمهملة. وقال الخليل: هو صوت فيه غنة. وقال الأصمعي :
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: لا تسألوا عن أشياء ... (٢١٠/٨، ٢١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: توقيره ◌َلو ... (الحديث: ١٣٤).

٢٩٥
٥٠ - باب: في الخوف
٤٠٢ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((تُدْنَى
الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، (قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ
الرَّاوِي عَنِ الْمِقْدَادِ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ: أَمَسَافَةَ الْأُرْضِ، أَمِ الْمِيْلَ
الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ) فَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ
يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إلى رِكْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ
مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَاماً»
إذا تردد بكاؤه وصار في كونه غنة، فهو خنين. وقال أبوزيد: الخنين: هوشدة البكاء.
٤٠٢ - (وعن المقداد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله وَ ل يقول تدنى) بالبناء
للمفعول، وحذف الفاعل للعلم بأنه الله تعالى (الشمس يوم القيامة من الخلق) أل فيه
للجنس أي: من المخلوقين (حتى تكون) تصير (منهم كمقدار) أي: مثل مقدار (ميل)
وذلك تشديد في الهول والكرب (قال سليم) بضم المهملة وفتح اللام وتخفيف التحتية (ابن
عامر) وهو الجنائزي بالجيم والنون وهمزة بعد ألف ثم زاي الحمصي (الراوي عن المقداد)
فهو تابعي يروي عن أبي الدرداء وعوف بن مالك. والمقداد ثقة، بقي إلى بعد عشر ومائة.
روى عنه مسلم والأربعة، كذا في الكاشف للذهبي (فوالله ما أدري ما يعني) أي: النبي ◌َّل
(بالميل لمسافة الأرض) أي: أراد المسافة التي هي عند العرب مقدار مد البصر من الأرض.
وعند القدماء من أهل الهيئة: ثلاثة آلاف ذراع. وعند المحدثين: أربعة آلاف ذراع. قال في
المصباح: والخلف لفظي، فإنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع، ولكن
القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً، والمحدثون أربع وعشرون إصبعا. فإذا قسم
الميل على رأي المحدثين أربعاً وعشرين، كان المتحصل أربعة آلاف ذراع. اهـ. (أم)
أراد (الميل الذي تكتحل به العين) قال في المصباح: قال الأصمعي: العامة يقولون لما
يكتحل به ميل، وهو خطأ، وإنما هو ملمول، وقال الليث: الميل المملول الذي يكتحل به
البصر، والله أعلم (فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق) أي: اختلافهم في مكان
العرق منهم بحسب اختلافهم في العمل صلاحاً، وفساداً، ثم فصله كذلك زيادة في البيان
فقال: (فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى
حقويه) بفتح الحاء المهملة وكسرها، وهما معقد الإِزار. والمراد هنا: ما يحاذي ذلك الموضع
من جنبيه (ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً) أي: يصل إلى فيه وأذنيه فيكون له بمنزلة اللجام من

٢٩٦
كتاب: دليل الفالحين
وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٤٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ))
مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ((يَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ)): يَنْزِلُ وَيَغُوصُ(٢).
٤٠٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ:
((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ
الحيوانات كما قال الراوي: (وأشار رسول الله مَ لَه بيده إلى فيه. رواه مسلم) .
٤٠٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و لر قال: يعرق) بفتح التحتية والراء
(الناس) من شدة كرب يوم القيامة وأهوالها (يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض
سبعين ذراعاً ويلجمهم) بضم التحتية من ألجمه الماء إذا بلغ فاه (حتى يبلغ آذانهم) وهذا
لبعض الناس لتفاوت الناس في ذلك كما تقدم في الحديث قبله، واستثنى من ذلك:
الأنبياء، والشهداء، ومن شاء الله من المؤمنين والمؤمنات ثم أشد الناس عرقاً الكافر ثم
أصحاب الكبائر ثم من بعدهم (متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق، ومسلم في باب صفة
الجنة والنار. (ومعنى يذهب في الأرض أي: ينزل فيها ويغوص) في المصباح
يقال: نزل من علو إلى أسفل، ينزل نزولاً، وما ذكره المصنف في الحديث وجه وفسر
الشيخ زكريا يذهب بقوله يجري، ولا مانع من جريانه على وجه الأرض. هذا القدر دون ما
زاد عليه مع ارتفاعه وبلوغه إلى آذانهم، لأنه ممكن، والقدرةصالحة له.
٤٠٤ - (وعنه قال كنا مع رسول الله وسلم إذا سمع وجبة) بفتح الواو وسكون الجيم،
وبالموحدة أي: سقطة. قال في المصباح: يقال: وجب الحائط، ونحوه سقط (فقال هل
تدرون ما هذا) أي: المسموع وظاهره أنهم سمعوها أيضاً كرامة، ولا مانع. فقد سمعوا
حنين الجذع، وتسبيح الحصا في يده، وغير ذلك، لكن قوله أولا إذ سمع النبي مصر، ربما
يومىء إلى اختصاصه وهو بذلك. والله أعلم (فقلنا الله ورسوله أعلم) فيه بيان أن الأدب إذا
سئل الإنسان عما لا علم له به، أن يكل العلم فيه إلى الله سبحانه، ولا يتكلم فيما لا علم له
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفة يوم القيامة ... (الحديث: ٦٢)
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾
(٢١٠/٨، ٢١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفة يوم القيامة ... (الحديث: ٦١)

٢٩٧
٥٠ - باب: في الخوف
سَبْعِينَ خَرِيفاً، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حِينَ انْتَهَى إِلى قَعْرِهَا فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا))
رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٤٠٥ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَّهِ: ((مَا مِنْكُمْ
مِنْ أَحَدٍ إِلَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّ
به، وليس من التكلم بلا علم ما يستنبطه أهل العلم ويستخرجونه بما عندهم من جودة
الذهن، وحسن الفكر. بل هو من التكلم بالعلم. قال تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه﴾(٢)
منهم (قال هذا حجر) أي: صوت حجر (رمي) بالبناء للمفعول (به في النار من) كذا فيما
وقفت عليه من نسخ الرياض بمن الجارة وهو في مسلم بلفظ منذ، وهي هنا بمعنى من؛
لأنها جارة لاسم الزمان الماضي. فما في الرياض إن كان من المصنف، فرواية بالمعنى
(سبعين خريفاً) أي: عامة والمقام يقتضي حمله على حقيقته. ويحتمل أنها كناية عن
الكثرة بما فوق وما دون (فهو يهوي) بكسر الواو أي: ينزل (في النار الآن) اسم للزمان
الحال، وهو ظرف خبر مقدم؛ لقوله (حين انتهى إلى قعرها) وجملة انتهى مضاف إليها،
وفتحت حين لإِضافتها إلى جملة صدرها مبني فهو مرفوع، وتقديره الآن حين انتهى بها
إلى قعر النار (فسمعتم وجبتها) بفتح الواو وسكون الجيم هكذا في أصل مصحح، ويحتمل
أن يكون بكسر الجيم وبالتحتية فالموحدة ومعناه الاضطراب أي: صوت اضطراب النار من
نزول الحجر إليها قال في المصباح: وجب القلب وجيباً ووجباً رجف، ثم قوله: فسمعتم
وجبتها ليس هو عند مسلم في حديث حتى انتهى إلى قعرها، إنما هو عنده بإسناد آخر
للحديث، وفيه ((وقال: هذا وقع في أسفلها فسمع وجبتها)) فيكون ذكر فسمعتم وجبتها مدرجاً
في الحديث الذي ذكره المصنف؛ لأنه ليس عنده بإسناد ذلك الحديث، إنما هو بإسناد
آخر، والله أعلم (رواه مسلم) في باب صفة الجنة والنار.
٤٠٥ - (وعن عدي) بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية (ابن حاتم)
بالمهملة فالفوقية (رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في الكلام على الحديث في باب بيان كثرة
طرق الخير (قال: قال رسول الله وَل: ما منكم من أحد) من مزيدة في الفاعل لتأكيد العموم
فيه لوقوعه بعد النفي (إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) قال في المصباح: ترجم
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حرّ نار جهنم ... (الحديث:
٣١).
(٢) سورة النساء، الآية: ٨٣.

٢٩٨
كتاب : دليل الفالحين
مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَ يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ
وَجْهِهِ؛ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٤٠٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنِّي أَرَى
مَا لَا تَرَوْنَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعٍ أَصَابِعَ إِلَّ وَمَلَكٌ
وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً للَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ
فلان كلامه إذا بينه وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عبر عنه بلغة عن المتكلم واسم الفاعل
ترجمان، وفيه لغات أجودها فتح التاء وضم الجيم ثم ضمهما ثم فتحهما والجمع تراجم
والتاء والجيم فيه أصليتان، فترجمٍ بوزن دحرج. اهـ. والمراد هنا أنه تعالى يكلمه بلا
واسطة (فينظر أيمن منه) أي: جانباً أيمن منه (فلا يرى) أي: يبصر (إلا ما قدم) من صالح
العمل (وينظر أشأم منه) بالشين المعجمة والهمزة من الشومى: وهو من أسماء الشمال (فلا
يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء) بكسر الفوقية وبالمد أي: قبالة
(وجهه، فاتقوا النار) أي: اجعلوا صالح العمل وقاية بينكم وبينها (ولو) كان (بشق) بكسر
الشين المعجمة أي: نصف (تمرة متفق عليه) .
٤٠٦ - (وعن أبي ذر) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء (رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وس *: إني أرى) أي: أبصر أو أعلم (ما لا ترون) أي: تبصرون أو تعلمون (أطت
السماء وحق) بضم الحاء المهملة وتشديد القاف أي: ويحق (لها أن تئط) أي: لما فيها من
أعمال البر وعمالها كما قال: (ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك) قال الدلجي: موضع
بالتنوين، وقوله أربع أصابع ظرف مستقر لاعتماده على حرف النفي، ((إلّ وملك))
حال من فاعل الظرف أعني موضعاً أي: فيه ملك (واضع) بالتنوين ويجوز تركه (جبهته)
ساجدا) حال من الضمير قبله لكون المضاف بعض ما أضيف إليه (لله تعالى) واستدل به على
فضل السماء على الأرض، وهو المختار عند أصحابنا الشافعية فهي محل الطاعة ولم يقع
عليها عصيان، وامتناع إبليس من السجود كان وهو خارج عنها. ويؤخذ منه فضل مواضع
أعمال البر من الأرض على مواضع غيره، وقد أشار إليه إمامنا الشافعي بقوله :
إني نظرت إلى البقاع وجدتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
(والله) أتى به تأكيداً لما بعده (لو تعلمون ما أعلم) من عظم جلال الله تعالى وشدة
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: طيب الكلام والزكاة وغيرها (٢٢٥/٣) و(٣٩٧/١٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ... (الحديث: ٦٧).
30

٢٩٩
٥٠ - باب: في الخوف
كَثِيراً، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرونَ إِلى اللَّهِ
تَعَالَى) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَ((أَطَّتْ)) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ.
وَ(«تَبِطُ)) بِفَتْحِ النَّاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مكسورة. والْأَطِيطُ: صَوْتُ الرَّحْلِ وَالْقَتَّبِ
وَشِبْهِهِمَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ كَثْرَةَ مَنْ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْمَلائِكَةِ الْعَابِدِينَ قَدْ أَثْقَلَتْهَا حَتَّى
انتقامه (لضحكتم قليلاً) خوفاً من سطوة المولى سبحانه (ولبكيتم كثيراً) كذلك، وفي قوله
قليلاً أولاً وكثيراً ثانياً إيماء إلى أن المطلوب من العبد أن لا ينتهي به الخوف إلى اليأس
والقنوط بل يكون عنده بعض الرجاء فيعمل معه البر ويكون عنده من الخوف ما ينزجر به عن
المخالفة، ويكون تارة في مظهر الجمال وتارة في مظهر الجلال (وما تلذذتم بالنساء على
الفرش) أي: لشدة ما كان يحصل لكم من الوجل (ولخرجتم إلى الصعدات) أي: الطرقات
(تجأرون) بسكون الجيم وبعدها همزة مفتوحة أي: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة إلى الله
تعالى، والجملة في موضع الحال أي: رافعي أصواتكم متضرعين (إلى الله تعالى. رواه
الترمذي وقال: حديث حسن) قال ابن اقبرس: أخرجه مرفوعاً، وأخرجه أيضاً في الزهد،
ويروى عن أبي ذر موقوفاً، وأخرجه ابن ماجه. اهـ. وكذا ذكر السيوطي في تخريج الشفاء
أن ابن ماجه أخرجه أيضاً (وأطت بفتح الهمزة وتشديد الطاء) المهملة (وتئط بفتح التاء)
أي: الفوقية (وبعدها همزة مكسورة) مكتوبة بصورة الياء على القاعدة (والأطيط) بفتح
الهمزة وكسر الطاء الأولى (صوت الرحل) بالحاء المهملة: هو ما يشد على البعير ويوضع
عليه الحمل ويسمى بالكور. قال في النهاية: وقد تكرر ذكر الرحل مفرداً وجمعاً وهو له
كالسرج للفرس اهـ. (والقتب) بفتح القاف والفوقية وبالموحدة قال في المصباح: القتب
للبغير جمعه أقتاب كسبب وأسباب وعليه فيكون من عطف الرديف (وشبههما) من ذي
الصوت (ومعناه) أي: معنى هذا الكلام (أن كثرة من في السماء من الملائكة العابدين قد
أثقلتها حتى أطت) أي: حصل الصوت منها كما يحصل من الرحل إذا ركب عليه، أجرى
المصنف الكلام على ظاهره. وقال ابن الأثير في النهاية: وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة،
وإن لم يكن ثم أطيط إنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. زاد الدلجي بعد
حكايته قوله فأفرغ هذا الكلام في قالب الاستعارة التمثيلية تقريباً وتقريراً لعظمة الله تعالى.
وقال ابن اقبرس: وهذا عندي على طريق الاستعارة بالكناية، شبهت السماء بذي الصوت
من الإِبل، ثم ذكر شيئاً من لوزام الإِبل والأقتاب المركوب عليها وهو الصوت المعبر عنه
بقوله أطت لينتقل الذهن منه إليه، وأنت خبير بما بين الكلامين يعني كلامه وكلام النهاية من
الحسن. اهـ. وما ذكره من أن الاستعارة المكنية لفظ المشبه به مراداً به المشبه مذهب

٣٠٠
كتاب : دليل الفالحين
أَطَّتْ. وَ((الصُّعُدَاتُ)) بِضَمِّ الصَّادِ وَالْعَيْنِ: الطُّرُقَاتُ. وَمَعْنَى ((تَجْأَرُونَ)): تَسْتَغِيثُونَ(١)
٤٠٧ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ((بِرَاءٍ ثُمَّ زَاي)) نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ
أَقْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ
فيها. ومذهب الخطيب وعليه الجمهور أنها التشبيه المضمر فى النفس وقرينتها الاستعارة
التخييلية أي: إثبات لازم المشبه به للمشبه، والله أعلم (والصعدات بضم الصاد والعين)
وبالدال المهملة (الطرقات) بضم أوليه جمع طريق (ومعنى تجأرون تستغيثون) مضارع من
الاستغاثة بالمثلثة: سؤال للغوث.
٤٠٧ - (وعن أبي برزة) بموحدة (ثم راء ثم زاي) ثم هاء (نضلة) بفتح النون وسكون
الضاد المعجمة ابن عبيد بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية، هذا هو الصحيح
المشهور في اسمه واسم أبيه، ويقال نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال
الحاكم في تاريخ نيسابور: وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن دينار. قال:
وقيل: كان اسمه نضلة بن دينار فسمَّاه رسول الله وَّر عبد الله، وقال دينار شيطان (الأسلمي)
من ولد أسلم بن أقصى بن حارثة (رضي الله عنه) وأبو برزة كنية انفرد بها لا يعرف في
الصحابة من يكنى بها غيره، كما قاله الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي
البغدادي في التنبيه على الغريبين، وذكره الحاكم في الكنى المفردة، ومعناه: ليس في الناس
من يكنى بها غيره ومراده من قبله، ولا فقد كني بها بعده أبو برزة الفضل بن محمد
الحاسب، أسلم أبو برزة قديماً وشهد مع رسول الله ( فتح مكة، روي له عن
رسول الله وَّل ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم
بأربعة، نزل البصرة وولده بها ثم غزا خراسان. وقيل إنه رجع البصرة وبها توفي، وقيل:
توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفي سنة ستين، وقيل: سنة أربع وستين.
اهـ. ملخصاً من التهذيب للمصنف. (قال: قال رسول الله وَله: لا تزول قدما عبد) أي:
من موقفه للحساب إلى جنة أو نار (حتى يسأل) بالبناء للمفعول (عن عمره) بضم أوليه
ويسكن ثانيه تخفيفاً أي: حياته وبقائه في الدنيا (فيما أفناه) في طاعة أم معصية، فما
استفهامية فيه وفيما بعده وإثبات ألفها مع كونها مجرورة قليل والكثير حذفها (وعن عمله فيما
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: في قول النبي ◌َلو ((لو تعلمون)) ... (الحديث: ٢٣١٢).