النص المفهرس

صفحات 1-20

ر
ر
ر
ـر
لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
تَأليف
الْعَالِ العَلَّمَة الْمُفْسِّرِ، محمّد بن عِلّان الصِّيقِي الشَافِيْ
الأشعري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ
طبعَة جَديدة مصحّحَة
مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث
اعتنى بحها
الشَّيِّخ خَلِيْل مَأْمُون شْبَحَا
الجُزء الثّالِث

جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة : 1425 هـ 2004 مـ
ISBN 9953-429-72-3
دار المعرفة
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EL-MAREFAH
Publishing & Distributing
جسر المطار - شارع البرجاوي - ص ب: ٧٨٧٦,هاتف: ٨٣٤٣٠١ - ٨٥٨٨٢٠، فاكس ٨٣٥٦١٤، بيروت - لبنان
Airport Square, P.O.Box :7876,Tel : 834301 , 858820, Fax : 835614 , Beirut - Lebanon
http: // www.marefah.com/
E.mail: info@marefah.com

دَلِيُ القُالحِينَ
لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
٣-٤

٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
لِسْـ
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين وبيان
حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلوبِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
باب تعظيم حرمات المسلمين
(باب تعظيم حرمات) بضمتين جمع حرمة بضم فسكون، وهي: ما لا يحل انتهاكه
من أهل ومال، (المسلمين وبيان حقوقهم) على إخوانهم المسلمين. (والشفقة) معطوف
على تعظيم ويصح عطفه على حرمات أو حقوق. (عليهم والرحمة) عطف تفسير. (بهم
قال الله تعالى: ومن يعظم حرمات الله) أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه، أو المراد به
الحرم، أو ما يتعلق به الحج من التكاليف. (فهو) أي: فالعظيم، (خير) أي: قربة وزيادة
في الطاعة، (له عند ربه) ثم قيل الظاهر أن خيراً هنا ليس أفعل تفضيل. (وقال تعالى: ومن
يعظم شعائر الله) دين الله، أو فرائض الحج ومواضع نسكه، أوالهدايا؛ لأنها من معالم
الحج، وهو أوفق لظاهر ما بعده، وعليه فتعظيمها أن يختار سمانا غالية الأثمان. ((روي
أنه * أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب وإن عمر أهدى نجيبة
طلبت منه بثلاثمائة دينار)). (فإنها من تقوى القلوب) أي: فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي
القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من، وذكر القلوب لأنها منشأ التقوى والفجور
والأمرة بهما. (وقال تعالى) مخاطباً لنبيه مثل: (واخفض جناحك للمؤمنين) وتواضع لهم،
(١) سورة الحج، الآية: ٣٠
(٢) سورة الحج، الآية: ٣٢
(٣) سورة الحجر، الآية: ٨٨.

٦
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيا النَّاسَ جَمِيعاً﴾.
٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْمُؤمِنُ
لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضً)) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
وارفق بهم. (وقال تعالى: من قتل نفساً بغير نفس) أي: بغير نفس توجب القصاص، (أو)
بغير (فساد في الأرض) كالشرك وقطع الطريق، وثبت بالسنة رجم الزاني المحصن وقتل تارك
الصلاة. (فكأنما قتل الناس جميعاً) من حيث إنه هتك حرمة الدماء، وسن القتل، وجرأ
الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله
والعذاب العظيم. (ومن أحياها) أي: تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ
من بعض أسباب الهلكة. (فكأنما أحيا الناس جميعاً) أي: كأنه فعل ذلك بهم جميعاً،
والمطلوب منه تعظيم قتل النفس وإحياءها في القلوب، ترهيباً من التعرض لها، وترغيباً في
المجافاة لها.
٢٢٣ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّر: المؤمن للمؤمن
كالبنيان) فالمؤمن مبتدأ، وقوله: كالبنيان خبره وقوله: للمؤمن، يصح كونه حالاً من المبتدأ،
وصفة له، لأن أل فيه جنسية وقوله: (يشد بعضه بعضاً) جملة استئنافية لبيان وجه الشبه. قال
القرطبي: هذا تمثيل يفيد الحض على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وإن ذلك أمر متأكد
لا بد منه، فإن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضاً ويقويه، وإن
لم يكن ذلك انحلت أجزاؤه وخرب بناؤه، وكذا المؤمن لا يستقل بأمر دنياه ودينه إلا بمعاونة
أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة
مضاده، فحينئذ لا يتم له نظام دنيا ولا دين، ويلحق بالهالكين، (وشبك) يحتمل أن يكون
النبي ◌َّ﴾، وأن يكون الراوي. (بين أصابعه) وذلك تقريب لوجه التشبيه وبيان للتداخل.
(متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة والأدب، ومسلم في الأدب من صحيحيهما، ورواه
(١) سورة المائدة، الآية: ٣٢ .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: فضل تعاون المؤمنين. (٧٢/٥) و (٣٧٦/١٠)
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (الحديث:
٦٥).

٧
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
٢٢٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنا
أَوْ أَسْواقِنا وَمَعَهُ نَبْلُ فَلْيُمْسِكْ أَوْ لِيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيْبَ أَحَداً مِنَ
الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٢٥ - وَعَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((مَثَلُ
الْمُؤْمِنِينِ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ.
الترمذي في الزهد، وقال: صحيح غريب من حديث أبي موسى والنسائي في الإِيمان.
٢٢٤ - (وعنه) أي: أبي موسى، (قال: قال النبي ◌ّر: من مر في شيء من مساجدنا أو
أسواقنا) قال الحافظ ابن حجر: هو تنويع من الشارع وليس شكاً من الراوي. (ومعه نبل)
جملة في محل الحال من فاعل مر والنبل: بفتح النون وسكون الموحدة، السهام العربية،
وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. (فليمسك أو) شك من الراوي (ليقبض) بكسر اللام،
للأمر أيضاً، (على نصالها) قيل: على فيه بمعنى الباء، وقيل: ضمن العامل معنى الاستعلاء
للمبالغة ، والنضال بكسر النون وبالمهملة، الحديدة التي في رأس السهم، (بكفه) متعلق
بيمسك، أو يقبض مخافة (أن يصيب أحداً من المسلمين منها) أي: بسبب النصال، فمن
تعليلية، (شيء) فيتأذى به. (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، ومسلم في
الأدب، ورواه أبو داود في الجهاد، وابن ماجه في الأدب، كذا في الأطراف للمزي.
٢٢٥ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون العين المهملة، (ابن بشير) بفتح الموحدة
وكسر الشين المعجمة وسكون التحتية، (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلقوله: مثل)
بفتح أوليه ويقال فيه مثل ومثيل ومثلها شبه وشبه وشبيه أي: صفة (المؤمنين) وفي نسخة
المسلمين، والذي في الصحيحين: المؤمنين أي: الكاملي الإِيمان، كما قال ابن أبي
جمرة، (في توادهم) بتشديد الدال، والأصل تواددهم، فأدغم، والتوادد تفاعل من المودة،
وهي: تقرب شخص من آخر بما يحب، قال القرطبي: ووقع في رواية توادهم بغير في،
ويصح ذلك، ويكون مخفوضاً على أنه بدل اشتمال من المؤمنين، (وتراحمهم وتعاطفهم)
قال ابن أبي جمرة: الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف، وإن كانت متقاربة في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: المرور في المسجد، (٢٣/١٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلاة والآداب، باب: أمر من مرّ بسلاح، في مسجد ... (الحديث:
١٢٤).

٨
كتاب: دليل الفالحين
مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمِّى)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَبَّلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿َ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍٍ ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ
المعنى، لكن بينها فرق لطيف، فالتراحم المراد به: أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإِيمان
لا بسبب شيء آخر، والتوادد المراد به: التواصل الجالب للمحبة، كالتزاور والتهادي،
والتعاطف المراد به: إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه. اهـ ملخصاً.
(مثل الجسد) أي: بالنسبة إلى جميع أعضائه، وجه الشبه فيه التوافق في التعب والراحة،
كما بينه بقوله: (إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد) أي: دعى باقيه بعضه إلى
بعض إلى المشاركة في الألم، يقال: تداعت الحيطان، أي: تساقطت، أو كادت. (بالسهر
والحمى) الظرف متعلق بتداعى، وتداعيه بالسهر؛ لأن الألم يمنع النوم، وأما الحمى؛ فلأن
فقد النوم يثيرها، والحمى بضم المهملة وتشديد الميم، عرفها حذاق الأطباء بأنها: حرارة
غريبة تشتعل في القلب فتنبث منه في جميع البدن فيشتعل اشتعالاً يضر بالأفعال الطبيعية،
قال ابن أبي جمرة: شبه ملّ الإِيمان بالجسد، وأهله بالأعضاء، لأن الإِيمان أصل وفروعه
التكاليف، فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف، شأن ذلك الإِخلال الأصل، وذلك الجسد
أصل كالشجر، وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الجسد، اشتكت الأعضاء كلها
بالاهتزاز والاضطراب اهـ. قال القاضي عياض: وفي الحديث تعظيم حقوق المسلمين،
والحض على تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً. (متفق عليه) وفي رواية لمسلم عن النعمان
مرفوعاً: ((المؤمنون کرجل واحد إذا اشتكی عینه اشتکی کله وإذا اشتکی رأسه اشتکی کله)).
٢٢٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبل النبي صلير سبطه) وريحانته (الحسن بن
علي رضي الله عنهما) وجملة (وعنده الأقرع بن حابس) في محل الحال من فاعل قبل،
واسم الأقرع: فراس، ولقب بذلك، لقرع كان في رأسه، وهو تميمي، كان شريفاً في
الجاهلية والإسلام، شهد مع رسول الله وير فتح مكة وحنيناً وحصار الطائف، قال في فتح
الباري: وهو من المؤلفة، وممن حسن إسلامه (فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد)
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: رحمة الناس البهائم. (٣٦٧/١٠).
(الحدیث :
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم.
٦٦).

٩
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدَاً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وِ، فَقَالَ: ((مِنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ)
بفتحتين، أو بضم فسكون (ما قبلت أحداً منهم) وذلك لما في أهل البادية من الغلظ
والجفاء، كما في الحديث: ((من بدا فقد جفا))، (فنظر إليه رسول الله وَلا) متعجباً من تلك
الغلظة الناشىء عنها عدم الشفقة على الأولاد، الناشىء عنها عدم تقبيلهم وحملهم وشمهم
(فقال) عقب نظره إليه: (من لا يرحم) بالبناء للفاعل، وحذف المفعول للتعميم، أو كنى به
عن الفعل مع مفعوله، أي: من لا يرحم الناس، ويقرب من هذا المعنى رواية جابر: ((من لا
يرحم الناس لا يرحمه الله)) قاله الشيخ اكمل الدين في شرح المشارق: لكن الحديث سيأتي
عن جرير، ولعل قوله عن جابر من الكاتب، أو من باب تنزيل المتعدي منزلة اللازم، نحو:
فلان يعطي ويمنع، أي: موصوف بتينك الصفتين، أي: من لا رحمة عنده (لا يرحم) بالبناء
للمفعول، أي: لا يرحمه الله، قال في فتح الباري: هو بالرفع فيهما على الخبر، قال
عياض: هو الأكثر، وقال أبو البقاء: من موصولة، ويجوز أن تكون شرطية، فيقرأ مجزوماً،
قال السهيلي: جعله على الخبر أشبه بسياق الكلام، أي: الذي يفعل هذا الفعل لا يرحم،
ولو كانت شرطية لكان في الكلام بعض انقطاع، لأنّ الشرط وجوابه كلام مستأنف ((قلت)):
وهو أولى من وجه آخر؛ لأنه يصير كضرب المثل، ورجح بعضهم كونها موصولة، لكون
الشرط إذا عقبه نفي ينفى بلم لا بلا كقوله: ((ومن لم يؤمن)) وإن كان الآخر جائزاً كقول
زهير: ((ومن لا يظلم الناس يظلم)) وهذا لا يقتضي ترجيحاً إذا كان المقام لائقاً بكونها
شرطية، وأجاز بعض شراح المشارق رفع الجزأين وجزمهما، ورفع الأول وجزم الثاني، أو
عكسه، ويحصل منه أربعة أوجه، استبعد ثالثها، ووجه بأن يكون في الثاني بمعنى النهي،
أي: من لا يرحم الناس لا ترحموه، وتقدير الرابع: من لا يكون من أهل الرحمة فإنه لا
يرحم اهـ. ملخصاً من الفتح. وشارح المشارق المشار إليه: هو الشيخ أكمل الدين،
وعبارته: «روي بالسكون والرفع، أما السكون فيهما، فعلى الشرط والجزاء، وأما الرفع في
الأول، فيجعل من موصولة، وكذا في الثاني، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو لا
يرحم)) اهـ. وفاته ذكر الوجه الثالث، ومعنى هاتين الجملتين، قال ابن أبي جمرة يحتمل أن
يكون من لا يرحم غيره بأي نوع من أنواع الإِحسان، لا يحصل له هذا الثواب، كما قال
تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾(١) ويحتمل أن يكون المراد: من لا تكون فيه رحمة
الإِيمان في الدنيا، لا يرحم في الآخرة، أو من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب
نواهيه، لا يرحمه الله، لأنه ليس عنده عهد، فتكون الرحمة الأولى بمعنى الأعمال، والثانية
(١) سورة الرحمن، الآية: ٦٠

١٠
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٢٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرابِ على
بمعنى الجزاء، أي: لا يثاب إلا من عمل صالحاً، ويحتمل أن تكون الأولى الصدقة،
والثانية البلاء، أي: لا يسلم من البلاء إلا من تصدق، أو من لا يرحم الرحمة التي ليس فيها
شائبة أذى، لا يرحم مطلقاً، أو لا ينظر الله بعين الرحمة إلا إلى من جعل في قلبه الرحمة،
ولو كان عمله صالحاً ا هـ ملخصاً. قال: وينبغي للمرء أن يتفقد نفسه في هذه الأوجه كلها،
فما قصر فيه لجأ إلى الله تعالى في الإِعانة عليه. اهـ. وفي جواب النبي ◌َّر للأقرع، إشارة
إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل والمحارم والأجانب، إنما يكون للشفقة والرحمة، لا
للشهوة واللذة، وكذا الضم والمعانقة والشم. (متفق عليه) قال في الجامع الصغير: ورواه
أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة، ورواه الشيخان عن جرير، وروى أحمد والشيخان
والترمذي عن جرير: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)). ورواه بهذا اللفظ أحمد والترمذي
من حديث أبي سعيد، ورواه الطبراني بلفظ ((من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في
السماء)) عن جرير، ورواه أحمد بلفظ ((من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له)) عن جرير،
ورواه بهذا اللفظ الطبراني عن جرير وزاد ((من لا يتب لا يتب عليه)) اهـ.
٢٢٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم) بكسر الدال المهملة (ناس) اسم جنس،
قيل: أصله أناس بضم الهمزة، فحذفت حذفها في لوقه وعوض عنها حرف التعريف،
ولذلك لا يجمع بينهما وهو اسم جمع، كرخال إذا لم يثبت فعال في أبنية الجمع، وتقدم
عن البيضاوي في التفسير أنه مأخوذ من أنس كفرح، لأنهم يأنسون بأمثالهم، أو أنس
كضرب، لأنهم ظاهرون مبصرون، ولذا سموا بشراً كما سمي الجن جناً، لاجتنانهم ا هـ.
وقيل: قلب من نسي، وقيل: بل أصله ناس بنوس، إذا اضطرب، وكان تعويض أل عن
الهمزة ليس على وجه اللزوم، فلذا قالته الفصيحة بالتنكير، وأل فيه إذا عرف للجنس.
وهؤلاء الناس يحتمل أن يكونوا من بني تميم، الذين رئيسهم الأقرع، فيكون الحديث وما
قبله في قصة واحدة، ويحتمل أنهما قصتان. (من الأعراب) هم سكان البوادي، وفي نسخة
من العرب، وهم ولد إسماعيل (على رسول الله ونَ ﴿) وفي رواية البخاري: جاء أعرابي إلى
رسول الله ﴾، وهذا الرجل قال شيخ الإسلام زكريا نقلاً عن الحافظ: يحتمل كونه الأقرع
((قلت)) وحكى المصنف في مبهماته عن الخطيب قولاً، أنه عيينة بن حصن، قال: وقد جاء
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله. (٣٦٠،٣٥٩/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: رحمة النبي ◌َّ ... (الحديث: ٦٦).

١١
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَالُوا: أَنْقَبِّلونَ صِبْيانَكُمْ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ)) قَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِلُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْ قُلوبِكُمُ الرَّحْمَةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٢٨ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ»
في الصحيحين التصريح بأنه الأقرع، فإن صح عن عيينة أيضاً فهما قصتان اهـ. (فقالوا)
وقد رأوا المسلمين يقبلون صغارهم: (أتقبلون صبيانكم) بكسر الصاد وضمها، جمع صبي،
ويجمع على صبية كما في الصحاح، وفي رواية البخاري السابقة، تقبلون، بتقدير ألف
الاستفهام (فقالوا) أي: المسلمون وفي نسخة فقال، أي: النبي ◌َّ (نعم قالوا) أي:
الأعراب، أو العرب (لكنا) استدراك من قولهم نعم من حيث إن الجنس واحد، وإنهم بشر،
فربما يتوهم أنهم كذلك فقالوا: لكنا (والله ما نقبل) من حذف المفعول للتعميم، أي:
صغارنا، أو من تنزيل المتعدي منزلة اللازم نحو، هل يستوي الذين يعلمون، (فقال
رسول الله صل أو أملك) بالهمزة للاستفهام الإنكاري، وهو بفتح الواو العاطفة على مقدر بعد
الهمزة على رأي الزمخشري، وقيل: إن الهمزة من جملة المعطوف، وإن الواو مؤخرة من
تقديم لصدارة الهمزة، والتقدير على الأول، أتنزع الرحمة من قلبك وأملك، أي: أقدر أن
أجعلها في قلبك، فمفعول أملك محذوف وقوله: (إن نزع الله منكم الرحمة) بفتح الهمزة،
تقليل لذلك، أي: لا أملك وضعها في قلوبكم، لأن الله نزعها منكم. وأشار صاحب
المفاتيح إلى كون أن بفتح الهمزة ومدخولها مفعول أملك على تقدير مضاف، أي: أو أملك
عدم نزع الله منكم الرحمة، أي: لأن ما نزعه الله تعالى لا يقدر أحد على وضعه، قال
العاقولي: ويجوز كسر الهمزة على أن إن أداة شرط، جزاؤها محذوف لدلالة الكلام السابق
عليه، أي: إن نزع الله الرحمة من قلبكم فلا أملك لكم دفعه ومنعه. (متفق عليه) وهذا لفظ
مسلم. وهذا الحديث اقتصر المزي على عزوه للبخاري فقط، مع أنه بهذا اللفظ لمسلم في
كتاب فضائل الأنبياء، وأما البخاري، فرواه في كتاب الأدب بنحوه.
٢٢٨ - (وعن جرير بن عبد الله) البجلي (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَله: من لا
يرحم الناس) خصوا بالذكر اهتماما بهم، وإلا فالرحمة مطلوبة لسائر المخلوقات حتى
الدواب والبهائم، ففي كل كبد حرا رطبة أجر، (لا يرحمه الله) قال العاقولي: الرحمة بمعنى
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته بنحوه. (٣٦٠/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: رحمة النبي لة الصبيان والعيال ... (الحديث: ٦٤).

١٢
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١) .
٢٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ :: ((إِذَا صَلّى
أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعيفَ وَالسَّقيمَ والْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
التعطف والرقة، فهي من الخلق بالمعنى الحقيقي، ومن الله بالمعنى الغائي، وهو الرضى
عنه، وإيصال النعم إليه. قال الدماميني في مصابيح الجامع الصحيح: اعلم أنه يجوز عند
المتكلمين في تأويل ما لا يسوغ نسبته إلى الله تعالى على حقيقته اللغوية وجهان ((أحدهما)):
الحمل على الإِرادة، فيكون من صفات الذات، ((والآخر)): الحمل على فعل الإِكرام،
فيكون من صفات الأفعال، كالرحمة، فإنها في اللغة مشتقة من الرحم، وحاصلها رقة طبيعية
وميل جبلي، وهذا مستحيل في حق الباري، فمنهم من يحملها على إرادة الخير، ومنهم من
يحملها على فعله، ثم بعد ذلك يتعين أحد التأويلين في بعض السياقات لمانع يمنع الآخر،
كحديث ((خلق الله الرحمة يوم خلقها)) فيتعين تأويل الرحمة بفعل الخير لتكون صفة فعل،
فتكون حادثة عند الأشعري، فيتسلط عليها الخلق، ولا يصح تأويلها فيه بالإِرادة، لأنها إذا
ذاك من صفات الذات، فتكون قديمة فيمتنع تعلق الخلق بها، ويتعين تأويلها بالإِرادة في
قوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾(٢) لأنك لو حملتها على الفعل لكان
العصمة بعينها، فيكون استثناء الشيء من نفسه، وكأنك قلت: لا عاصم إلا العاصم.
فتكون الرحمة الإرادة، والعصمة على بابها لفعل المنع من المكروهات، كأنه قال: لا يمنع
المحذور إلا من أراد له السلامة فتأمل اهـ. (متفق عليه) اقتصر المزي في الأطراف على
عزوه بهذا اللفظ عن جرير إلى مسلم والترمذي، قال: وقال الترمذي حسن صحيح، وتقدم
تخريجه عن الصحيحين وغيرهما، في الكلام على حديث أبي هريرة نقلاً عن الجامع
الصغير.
٢٢٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله * قال: إذا صلى أحدكم) إماماً
(للناس) وفي رواية مسلم، إذا أم أحدكم (فليخفف) بأن يقتصر على أواسط المفصل
وصغاره، وفي التسبيح في الركوع والسجود على ثلاث مرات، ويأتي بكمال التشهد والصلاة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: رحمة النبي صلو ... (الحديث: ٦٦).
وأخرجه البخاري في التوحيد باب قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ وفي الأدب، باب:
رحمة الناس والبهائم. (٣٠٣/١٣). وأخرجه أحمد: (٤٠/٣).
(٢) سورة هود، الآية: ٤٣

١٣
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوايَةٍ ((وَذَا الحَاجَةِ))(١)
على النبي صل18، وهذا في إمام العامة، أما إمام قوم محصورين لم يتعلق بعينهم حق، راضين
بالتطويل في مسجد، لا يطرقهم غيرهم، فلا بأس به(٢) ومحل ذلك أيضاً في غير ما لم يرد
فيه قراءة سورة معينة إلا كـ ((الم تنزيل))، وهل أتى، في صبح الجمعة، وق، واقتربت، في
العيد، ونحو ذلك، فيأتي به وإن لم يرض القوم، اكتفاء بوروده من فعله ظهر، قال ابن دقيق
العيد: التخفيف والتطويل من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة
قوم، طويلاً بالنسبة إلى عادة قوم آخرين. وقول الفقهاء، لا يزيد الإِمام على ثلاث تسبيحات
في الركوع والسجود، لا يخالف ما ورد عن النبي ولو، أنه كان يزيد على ذلك لأن رغبة
الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً، قال الحافظ ابن حجر: وأولى ما أخذ
حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص، أن
النبي ◌َ﴿ قال له: أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم، إسناده حسن، وأصله في مسلم
(فإن فيهم الضعيف)، أي: في خلقته كالنحيف (والسقيم)، من به مرض (والكبير)، أي :
في السن، والجملة تعليل للأمر المذكور، وقضيته أنه متى لم يكن فيهم متصف بصفة من
المذكورات، لم يضر التطويل، لكن، قال ابن سيد الناس اليعمري، الأحكام إنما تناط
بالغالب لا بالصور النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، قال: وهذا كما شرع القصر في
صلاة السفر، وعلل بالمشقة، وهي مع ذلك تشرع وإن لم يشق عملاً بالغالب، لأنه لا يدري
ما يطرأ عليه، وكذلك هنا (وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) ولمسلم: ((فليصل كيف
شاء))، أي: مخففاً أو مطولاً. (متفق عليه) ورواه أبو داود، والترمذي إلى قوله والكبير، وفي
الجامع الصغير من حديث أبي واقد: ((كان ﴿ أخف الناس صلاة على الناس وأطول الناسِ
صلاة لنفسه)). رواه أحمد. (وفي رواية)، أي: في الصحيحين، وهي عند أبي داود أيضاً.
(وذا الحاجة)، أي: صاحب حاجة يريد قضاءها عقب الصلاة .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (١٦٨/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف ... (الحديث: ١٨٣).
(٢) قوله فلا بأس به كذا في فتح الباري ونقل ابن حجر في التحفة عن المجموع عن جمع ندب التطويل
حينئذ قال: واعتمده جمع متأخرون وعليه تحمل الأخبار الصحيحة في تطويله في أحياناً أما إذا انتفى
شرط مما ذكر فيكره له التطويل وإن أذن ذو الحق السابق في الجماعة لأن الإِذن فيما لا يستلزم الإِذن في
التطويل فاحتيج للنص فيه اهـ منه

١٤
كتاب: دليل الفالحين
٢٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ
وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةً أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١).
٢٣١ - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َهَ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً
لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُواصِلُ؟ قَالَ: ((إِنِّي ◌َسْتُ كَهَيْئِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٣٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن) مخففة من الثقيلة، أي: إنه (كان
رسول الله وَ (18) من كمال شفقته على أمته (ليدع)، أي: يترك (العمل)، واللام هي الفارقة
بين المخففة وان النافية، وجملة (وهو يحب أن يعمل به)، في محل الحال، ومحبته للعمل
لما فيه من التقرب إلى الله عز وجل، والتوسل إلى زيادة مراضيه. وقوله: (خشية)، مفعول،
أي: خوف (أن يعمل به الناس) اتباعاً له إذا فعله وهم مقتدون به في سائر الأحوال،
(فيفرض عليهم)، ومن ذلك ترك الخروج إلى القوم لصلاة الليل جماعة في الليلة الثالثة، أو
الرابعة من رمضان حتى طلع الفجر فخرج عليهم، وقال: ما منعني إلا خشية أن تفرض
عليكم فتعجزوا عنها متفق عليه.
٢٣١ - (وعنها)، أي: عائشة (قالت نهاهم)، أي: الصحابة (النبي ◌َّر عن الوصال)،
وهو: أن لا يتناول مفطراً بين الصومين، وقيل: استدامة أحوال الصائم، فعلى الثاني يخرج
من الوصال بالجماع والتقيؤ دون الأول، والنهي فيه عندنا للتحريم، (رحمة لهم)، علة
للنهي، ولا يمنع من كونه على وجه التحريم، ويكون سبب التحريم الشفقة عليهم لئلا
يتكلفوا ما يشق عليهم. (فقالوا إنك تواصل)، أي: وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما
تأخر، تفعل ذلك تقرباً إلى الله، فنحن لكوننا لسنا معصومين، أولى بفعل ما يكتسب به غفر
الذنوب والتوسل إلى مرضات الله تعالى. (قال): مبيناً لاختصاص قربة الوصال به، (إني
لست كهيئتكم)، أي: على صفتكم ومنزلتكم من الله، أي: إن له وَلخر من القرب من الله
تعالى وعلو المنزلة عنده ما ليس لهم. وفي رواية للبخاري، ((وأيكم مثلي))، وهذا الاستفهام
يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد. (إني يطعمني)، بضم أوله، (ربي ويسقيني)، يجوز فتح
أوله وضمه من سقى وأسقى، إلا أن تصح رواية بأحدهما فيرجع إليها. (متفق عليه)،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: تحريض النبي وَّ ر على صلاة الليل والنوافل. (٩/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى ... (الحديث:
٧٧).

١٥
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
مَعْنَاهُ: يَجْعَلُ فِيَّ قُوَّةً مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ(١).
٢٣٢ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ
أخرجه مسلم في كتاب الصوم، وكذا البخاري فيه وفي غيره، ورواه مالك والنسائي،
(معناه)، أي المعنى المراد من قوله يطعمني الخ (يجعل في)، بتشديد الياء (قوة من أكل
وشرب)، كذا قاله الجمهور. فهو مجاز من ذكر الملزوم وإرادة اللازم، أي: يجعل فيّ القوة
المذكورة، ويفيض عليّ ما يسد مسد الطعام والشراب والقوة على أنواع الطاعات من غير
ضعف في القوة ولا كلال في الإِحساس. وقيل: المعنى على المجاز أيضاً، أنه يجعل فيه
من الشبع والري ما يغني عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش. والفرق بين
القولين أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولا ري، وعلى الثاني يعطي القوة مع ذلك،
ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال، لأن الجوع
روح هذه العبادة بخصوصها، قال القرطبي: ويبعده أيضاً النظر إلى حاله مصر، فإنه كان
يجوع أكثر مما كان يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، وجنح ابن القيم إلى أن
المراد أنه يشغله بالتفكر في عظمته، والتحلي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين
بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإِقبال عليه عن الطعام والشراب. قال: وقد يكون هذا
الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب
والروح عن كثير من الغذاء الجسماني اهـ. وقيل: إن المراد منه حقيقته، فإنه كان يؤتى
بطعام وشراب من الجنة كرامة له، وذلك لا يفطره، لأن المفطر طعام الدنيا، أما طعام
الجنة، أي: المأتي على وجه المعجزة فلا. وبه يرد رد المصنف بقوله: لو كان حقيقة لم
يكن مواصلاً. قال ابن المنير: هو محمول على أن أكله في تلك الحالة كحال النائم الذي
يحصل الشبع والري، ويستمر له حتى يستيقظ، فلا يبطل به صومه، ولا يقطع وصاله، ولا
ينقص أجره، قال الحافظ: وحاصله أن يحمل ذلك على حالة استغراقه في أحواله الشريفة،
حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية اهـ. وقيل: إنه كان يؤتى به في النوم
فيستيقظ وهو يجد الشبع والري .
٢٣٢ - (وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي) الأنصاري (رضي الله عنه قال: قال
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: الوصال. (١٧٧/٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: النهي عن الوصال في الصوم، (الحديث: ٦١).

١٦
كتاب: دليل الفالحين
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَةِ وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ
فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَتِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
رسول الله وَلي: إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها) جملة حالية من فاعل أقوم، أو
معطوفة على جملة لأقوم، وإرادته التطويل فيها، لما يناله من قرة عينه بمناجاته ربه، ولذيذ
أنسه به، كما قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))، هذا هو الأصح، وإن احتمل أن المراد
ما قاله ابن فورك: من أن تلك الصلاة هي قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (٢)
ذكره الشنواني في حاشية شرح خطبة مختصر خليل للقاني. (فأسمع بكاء الطفل)، قال في
الصحاح: الطفل هو المولود. قال البدر الدماميني في تحفة الغريب على مغني اللبيب: وقد
كنت وقفت على فصل لبعض اللغويين ذكر فيه صفات الإِنسان التي يختص بإطلاقها عليه
بحسب الأزمنة المختلفة فقلت ناظماً لها:
لتلقط درا تفتنيه بديعا
اصخ لصفات الآدمي وضبطها
جنين إذا ما كان في بطن أمه
وإن فطموه فالغلام لسبعة
إلي خمس عشر بالحزور سمه
ومن بعد يدعى بالصبي رضيعا
كذا يافع للعشر قله مطيعا
لتحسن فيما تنتحيه صنيعا
بذاك دعاه الفاضلون جميعا
فمد إلى خمس وعشرين حجة
ثلاثين فاحفظ لا تعد مضيعا
ومن بعد يدعى بالعطيطل لانتها
صمل لحد الأربعين وبعده
وشيخا إلى حد الثمانين فادعه
بكهل إلى الخمسين فادع سميعا
بها ثم هما للممات سريعا
قال الحافظ ابن حجر في أواخر كتاب الهبة من الفتح: يطلق على الشخص قبل
البلوغ أنه طفل وغلام، وتخصيص بعض اللغويين بما ذكر أغلبي. (فأتجوز)، أي: أخفف
(في صلاتي)، بين مسلم في رواية له عن أنس محل التخفيف منها، ولفظه: فيقرأ بالسورة
القصيرة، وبين ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن سابط مقدارها ولفظه، أنه قرأ في
الركعة الأولى سورة طويلة، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات، وهذا مرسل،
(كراهية) بتخفيف الياء، مصدر كره وهو مفعول له، أي: لكراهة (أن أشق على أمه) بدوامها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: صلاة الجماعة ، باب: من أخف الصلاة عند بكاء الصبي وفي صفة
الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس. (١٦٩/٢).
(٢) سورة الأحزاب، الآية : ٥٦.
1000

١٧
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
٢٣٣ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ
صَلّى صَلَةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَ يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ
يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ
في الصلاة لتطويلها مع بكاء ابنها، وذكر الأم خرج مخرج الغالب، وإلا فمن في معناها
ملحق بها، والتخفيف السابق في حديث أبي هريرة لحق المأمومين، وفي هذا لمصلحة غير
المأمومين، لكن بحيث يتعلق بمن يرجع إليه، وفي الحديث شفقته وير على الصحابة،
ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير. (رواه البخاري) في كتاب الصلاة، وكذا رواه أبو داود
والنسائي وابن ماجه.
٢٣٣ - (وعن) أبي عبد الله (جندب) بضم الجيم والمهملة وبفتحها (ابن عبد الله) ابن
سفيان البجلي العلقي، (رضي الله عنه) وعلقة، بفتح المهملة واللام، بطن من بجيلة له
صحبة ليست بالقديمة، وقال في المشكاة: جندب القسري، بفتح أوليه، قال: وفي بعض
نسخ المصابيح القشيري قال شارحها: وهو غلط، سكن الكوفة ثم انتقل إلى البصرة، قال
ابن منده وأبو نعيم: ويقال له جندب الخير، قال ابن الأثير: والذي ذكره الكلبي أن جندب
الخير هو جندب بن عبد الله بن الأحزم الأزدي الغامدي اهـ. روي له عن رسول الله ثلاثة
وأربعون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين اثني عشر حديثاً، اتفقا على سبعة منها،
والباقي لمسلم. (قال: قال رسول الله وغيره من صلى صلاة الصبح)، أي: جماعة كما في
رواية أخرى لمسلم، فتقيد بها هذه الرواية المطلقة، (فهو في ذمة الله)، أي: أمانه وعهده،
وكأنها خصت بذلك لأنها أول النهار الذي هو وقت ابتداء انتشار الناس في حوائجهم
المحتاجين فيه، وفي دوامه إلى أمن بعضهم من بعض، لا لأفضليتها، قيل: وهذا أوضح
مما قاله الطيبي من أنها خصت بالذكر لما فيها من الكلفة والمشقة، فكان أداؤها مظنة
خلوص الرجل ومثنة إيمانه، ومن كان مؤمناً فهو في ذمة الله وعهده، وذلك لأن ما قاله الطيبي
يجري في العصر، فكأن ذكر ذلك فيها أولى لوجود هذا المعنى فيها مع كونها أفضل، وفي
العشاء بل المشقة فيها أكثر، فلم يبق ما يميز الصبح عن غيرها من الخمس إلا ما ذكرناه.
(فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته)، أي: الله: قال الطيبي: ويجوز أن يعود إلى من، وقيل:
يحتمل أن المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح
فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به. (فإنه) أي: الشأن. (من يطلبه)،
أي: الله (من ذمته)، أي: من عهده، بأن خفره فيه وتعرض لمن هو فيه، ولو (بشيء) يسير
(يدركه)، إذ لا مهرب منه، (ثم) بعد إدراكه، (يكبه) بفتح حرف المضارعة، وهو أحد

١٨
كتاب: دليل الفالحين
عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٢٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ
الأفعال التي ثلاثيها متعد، وإذا زيدت فيه الهمزة صار قاصراً، أي: يلقيه (على وجهه في نار
جهنم)، قال الطيبي: قوله فلا يطلبنكم الله من باب لا أرينك، ههنا وقع النهي عن
مطالبة الله إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم
وفيه مبالغات، لأن الأصل لا تخفروا ذمته، فجيء بالنهي كما ترى، وصرح بلفظ الله،
ووضع المنهي الذي هو مسبب موضع التعرض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد الطلب، وكرر
الذمة، ورتب عليه الوعيد، والمعنى من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا تتعرضوا له
بشيء يسير، فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله، وإن تفوتوه فيحيط بكم من جوانبكم كما
يحيط المحيط بالمحاط، فيكبكم في نار جهنم. قال ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة:
وفيه غاية التحذير من التعرض بسوء لمن صلى الصبح المستلزمة لصلاة بقية الخمس، وأن
في التعرض له بسوء غاية الإهانة والعذاب اهـ. ونقل الشعراني في كتاب الحوض
المورود، أن الحجاج كان مع شدة فجوره، إذا أتى له بأحد يسأله هل صليت الصبح؟ فإن
قال نعم ترك التعرض له بسوء خوفاً من هذا الوجه. (رواه مسلم) في كتاب الصلاة، ورواه
الترمذي من حديث أبي هريرة، ولفظه: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يتبعنكم الله
بشيء من ذمته))، وسيأتي فيه بسط في باب التحذير من إيذاء الصالحين.
٢٣٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَّ قال: المسلم أخو المسلم) قال
تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾(٢) قال البيضاوي: أي: من حيث إنهم منسوبون إلى أصل
هو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية اهـ. ورتب على هذه الأخوة المقتضية لمزيد الشفقة
والتناصر والتعاون قوله: (لا يظلمه)، بأن ينقصه من ماله، أو من حقه، بغصب أو نحوه، ولا
يسلمه إلى عدو متعد عليه عدواناً، بل ينصره ويدفع الظلم عنه، ويدفعه عن الظلم، كما
سيأتي في حديث انصر أخاك ظالماً. (ولا يسلمه) إلى عدوه، ومنه نفسه التي هي أمارة
بالسوء، والشيطان، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾(٣) فيحول بينه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة
(الحديث: ٢٦٢).
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٦.

١٩
٢٧ - باب: في تعظيم حرمات المسلمين
فَرِّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرِّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً
سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ)»
وبين دواعي النفس من الشهوات، والدعة المقتضية للنزول عن مقام الأخيار،، والحلول في
جملة الأشرار، وبينه وبين الشيطان الذي يأمر بالسوء والفحشاء، وبينه وبين العدو الباغي
عليه بالظلم والاعتداء. (من كان في حاجة أخيه)، أي: ما يحتاج إليه حالاً أو مالاً. (كان الله
في حاجته) جزاء وفاقاً ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾(١) روى الطبراني مرفوعاً: ((أفضل
الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجته))
وورد مرفوعاً أيضاً: ((من سعى في حاجة أخيه المسلم قضيت له أو لم تقض، غفر له ما تقدم
من ذنبه وما تأخر، وكتب له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق)). وأوردهما في الفتح
المبين شرح الأربعين (ومن فرج) بتشديد الراء، (عن مسلم كربة) بضم الكاف، الهم الذي
يأخذ النفس. (فرج الله عنه بها)، أي: بتلك المرة من التفريج، (كربة من كرب) بضم
ففتح، جمع كربة، كقربة وقرب. (يوم القيامة) ثم آثر التفريج على رديفه، من وسع الوارد
في رواية أخرى، لأنه أعظم من التنفيس، لأنه إزالتها بالكلية، والتنفيس إنما فيه إرخاء
وتهوين. (ومن ستر مسلماً) من ذوي الهيئات ونحوهم ممن لم يعرف بأذى أو فساد، بأن
علم منه معصية فيما مضى، فلم يخبر بها حاكماً، وهذا للندب، إذ لو لم يستره ورفعه لحاكم
لم يأثم إجماعاً، بل ارتكب خلاف الأولى، أو مكروهاً. أما كشفها لغير الحاكم، كالتحدث
بها، فذلك غيبة شديدة الإِثم والوزر، ويندب لمن جاءه تائب نادم وأقر بحد، ولم يفسره،
أن لا يستفسره، بل يأمره بستر نفسه، كما أمر ◌ّله ماعزاً، وكذا تندب الشفاعة فيمن ظهرت
منه جريمة من ذوي الهيئات، حتى لا يوصل إليه، ففي الحديث ((أقيلوا ذوي الهيئات
عثراتهم)) رواه أبو داود والنسائي، ومنه أخذ أصحابنا أن لا تعزير لذوي الهيئة على هفوة أو
زلة صدرت منه. أو المراد بستر المسلم ستر عورته الحسية والمعنوية بإعانته على ستر دينه،
كأن يكون محتاجاً لنكاح فيتوصل له في التزوج، أو الكسل فيتوصل له إلى بضاعة يتجر
فيها، أو نحو ذلك، (ستره الله يوم القيامة) بالمعنيين، بأن لا يعاقبه على ما فرط منه، لأنه
تعالى حي كريم، وستر العورة من الحياء والكرم، ففيه تخلق بخلق الله، والله يحب
المتخلق بأخلاقه. وخرج بنحو ذي الهيئات من عرف بالأذى والفساد، فيندب، بل قد يجب
أن لا يستر عليه بل أن يظهر حاله للناس حتى يتوقوه، أو يرفعه لولي الأمر حتى يقيم عليه
(١) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.

٢٠
كتاب: دليل الفالحين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١).
٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ: لَا يَخُونُهُ وَلاَ يُكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ؛ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرامٌ :
واجبه من حد أو تعزير ما لم يخش مفسدة، لأن الستر عليه يطمعه في مزيد الأذى والفساد،
ويقولنا فيما مضى ما لو رآه متلبساً بالمعصية فيلزمه المبادرة بمنعه فيها بنفسه إن قدر، وإلا
فيرفعه للحاكم كما مر ما لم يترتب عليه مفسدة، والكلام في غير نحو الرواة والشهود والأمناء
على نحو صدقة أو وقف أو يتيم فيجب بالإِجماع جرحهم على من يعلم قادحاً فيهم، وليس
هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة. (متفق عليه) وسبب فضل ما ذكر فى الخبر
أن الخلق عيال الله، وتنفيس الكرب وستر العورة إحسان إليهم، والعادة أن السيد المالك
يحب الإِحسان لعياله وحاشيته، وفي الأثر: ((الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أرفقهم
لعياله».
٢٣٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: المسلم أخو المسلم)
كالتعليل للحكم المذكور بعده، لأن الأخوة مقتضية للشفقة، داعية للمعروف والمنفعة. (لا
يخونه) من الخيانة ضد الأمانة، أو يخونه: ينقصه حقه الذي له عليه من التعاون والتعاضد.
(ولا يكذبه) يجوز أن يكون بفتح الياء، أي: يخبره خبراً كاذباً، ومنه قوله تعالى: ﴿كذبوا الله
ورسوله﴾ (٢) ويجوز أن يقرأ بضم أوله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، أي: لا يلقيه للمخبر
بفتح الباء كاذباً، أو بتشديد الثالث، أي: لا ينسبه إلى الكذب، ثم رأيت عن المصنف
ضبطه بضم أوله وإسكان ثانيه، وفسره بأن لا يخبره بأمر على خلاف الواقع لغير مصلحة
(ولا يخذله) بضم الذال المعجمة، أي: لا يترك نصرته المشروعة سيما مع الاحتياج
والاضطرار، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإن
استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾ (٤) فالخذلان محرم شديد التحريم دنيوياً كان، كأن
يقدر على نصرة مظلوم ودفع ظالمه عنه فلا يدفعه أو دينياً، كأن يقدر على نصحه عن نحو
غيبة فيترك. وقد روى أبو داود ((ما من مسلم يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته
وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله له في موضع تجب فيه نصرته)) وروى البزار: ((من نصر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه. وفي الإكراه، باب: يمين
الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه (٧٠/٥، ٧١).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: تحريم الظلم (الحديث: ٥٨).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٩٠.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٧٢.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.