النص المفهرس

صفحات 541-547

٥٤١
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا،
وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ
حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ
ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
الدرجات العلى في الدار الأخرى (من أمتي) أي: أمة الإِجابة أي: من المؤمنين (من يأتي
يوم القيامة بصلاة وصيام) بهذا رد قول سفيان بن عيينة. إن وجه إضافة الصوم لله في حديث
الصوم لي أن أصحاب التبعات إنما يأخذون من حسنات الظالم حتى يبقى الصيام فعند ذلك
يقول الله: الصوم لي وأنا أجزي به. ويرضى عنه الخصوم (وزكاة) أي: وغيرها من عمل
البر (ويأتي) عطف على يأتي الأول (وقد شتم هذا) أي: سبه كما في الصحاح (وقذف هذا)
أي: رماه بالزنی مثلاً (وأكل مال هذا) أي : بغير رضاه، ومثله سائر الإِتلافات بأي وجه كان،
وخص الأكل لأنه أغلب وجوه إتلاف المال (وسفك) أي: أهرق (دم هذا وضرب هذا فيعطى
هذا) أي: أحد المجني عليه (من حسناته) أي: من ثوابها، ويحتمل أن يعطاها بنفسها
ويجازى عليها حينئذ، وهو مثل ما تقدم في الحديث السابق في الباب: ((إن كان له عمل
صالح أخذ منه)) (ويعطى هذا) أي: الآخر بفتح الخاء (من حسناته فإن فنيت حسناته) بأخذ
الغرماء لها (قبل أن يقضي ما عليه) من التبعات (أخذ) بالبناء للمفعول كالمضارع قبله
والماضيين بعد (من خطاياهم) أي: ذنوبهم. وظاهر عمومه يشتمل ما كان متعلقاً بالخلق
ويحتمل أن يخص ما يتعلق بالحق (فطرحت عليه ثم طرح في النار) قدر عمله السبىء وما
طرح عليه (رواه مسلم) قال ابن الرصاع في كتاب تذكرة المحبين في شرح أسماء سيد
المرسلين وير: قال بعض العارفين عند هذا الحديث: إنه فيه تشديدٌ وفيه للعقلاء غاية
الوعيد، فإن الإِنسان قلّ أن تسلم أفعاله وأقواله من الرياء، ومكائد الشيطان، وإن سلمت له
خصلة فقل أن يسلم من أذية الخلق، فإذا كان يوم القيامة وقد سلمت له خصلةً مع قلة
سلامتها طلب خصمك تلك الحسنة وأخذها منك بحكم مولاك عليك، فإنه لا مال يومٍ
القيامة تؤدي منه ما عليك، بل من حسناتك يا مغبون إن كنت صائماً بالنهار قائماً بالليل جاداً
في طاعة الرحمن، وقل أن تسلم من غيبة المسلمين وأذيتهم وأخذ مالهم، هذا حال من كان
جاداً في الطاعات، فكيف من كان مثلنا جاداً في جمع السيئات من أكل الحرام والشبهات
(٤) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٥٩).
:

٥٤٢
كتاب: دليل الفالحين
٢٢٠ - وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ بِنَحْوِ
والتقصير في الطاعات والإِسراع إلى المخالفات اهـ.
٢٢٠ - (وعن أم المؤمنين أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومي (رضي الله عنها أن
رسول الله وَ﴾ قال: إنما أنا بشر) من الحصر الخاص الذي دلت عليه قرينة الحال. قال
التوربشتي: وإنما ابتدأ الحديث بهذه الجملة تنبيهاً على أن السهو والنسيان غير مستبعدٍ من
الإِنسان، وإن الوضع البشري يقتضي ألا يدرك من الأمور إلا ظواهرها، فإن قلت: أو لم
يكن النبي ◌َّه معصوماً في سائر أحواله؟ قلت: العصمة تتحقق فيما يعد عليه ذنباً ويقصده
قصداً، أما ما نحن فيه مما يسمعه من الخصم، فیتوهم صدقه، فليس بداخل فيه، فإن الله
تعالى لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره، وهو الاجتهاد، في الإصابة قال: ويدل
عليه ما روي في حديث أم سلمة أي: من غير هذا إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزّل علي
(وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن) قال الطيبي: زائدة تشبيهاً للعل بعسى. أي: لعله
(يكون ألحن) أفعل تفضيل من لحن بالحاء المهملة كفرح إذا فطن بما لا يفطن به غيره أي:
أفصح أو أفطن (بحجته من بعض) فيزين كلامه بحيث أظنه صادقاً في دعواه (فأقضي له على
نحو ما أسمع) قال الراغب: اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة
الإِعراب والتصحيف وهو مذموم، وذلك أكثر استعمالاً، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه
بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود وإياه قصد الشاعر بقوله: وخير الأحاديث ما كان
لحناً، ومنه قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾(١). ومنه قيل للفطن لما لا تقتضي
فحوى الكلام لحن ومنه الحديث: ((ألحن بحجته)) أي: ألسن وأفصح وأبين كلاماً وأقدر
على الحجة قال العاقولي: وفي الحديث أنه يجوز عليه وسلّ في أمور الأحكام ما يجوز على
غيره، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، وهذا لطفٌ من الله تعالى ليستن الناس به ويبقوا
في ستر من الفضيحة العظمى، إذ لو اطلع أحد على الغيب لم يحتج أحد إلى شاهد في
دعواه، ولظهر من كل مبطل ما قصده ونواه، وهذا إنما هو في الحكم المستند إلى الشهادة،
أما الأحكام الشرعية فلا يقر على ما أمله أن يقع فيه الخطأ منها، بخلاف الأول؛ لأنه لا
يسمى خطأ إنما يسمى حكماً بالظاهر لم يوافق الباطن. وهو صحيحٌ لكونه مبنياً على القاعدة
(١) سورة محمد، الآية: ٣٠.

٥٤٣
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
((أَلْحَنَ)): أَيْ أَعْلَمَ(١).
٢٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ ﴿هَ: ((لَنْ يَزَالَ
الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَامً)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
الشرعية لكونه مرتباً على شهادة الشاهدین (فمن قضيت له بحق أخيه) لظاهر بیانه وحجته،
وهو يعلم أنه مبطل في نفس الأمر فلا يأخذه (فإنما أقطع له) أي: أعين له بناءً على ظاهر
الأمر (قطعة من النار) أي: فهو حرامٌ يؤول به إليها كقوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم
ناراً﴾ (٣) أي: جزاؤه ذلك إن لم يعف الله عنه (متفق عليه) في الجامع الصغير بلفظ: ((من
قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)) رواه مالك وأحمد
والستة عن أم سلمة. وفي رواية: ((فإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر)) (ألحن)
المذكور في الحديث (أي أعلم).
٢٢١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَ ل ور: لن يزال المؤمن في
فسحة) بضم الفاء وسكون السين وبالحاء المهملتين أي: سعة (من دينه) ورجاء رحمة من
ربه، وإن ارتكب الكبائر (ما لم يصب) بضم أوله وكسر ثانيه أي: يباشر (دماً حراماً) فإذا قتل
نفساً بغير حقٍ ضاقت عليه المسالك، ودخل في زمرة الآيسين من رحمة الله، كما ورد في
حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشطر كلمةٍ لقي الله مكتوباً بين عينيه
آيس من رحمة الله)) قيل: المراد بشطر الكلمة قول أف وهو من باب التغليظ (رواه البخاري)
وروى أبو داود عن أبي الدرداء عن رسول الله وَّر: ((لا يزال المؤمن معنقاً - بكسر النون بعد
العين المهملة أي مسرعاً - في صالح عمله ما لم يصب دماً حراماً؛ فإذا أصاب دماً حراماً
تلج)) وفي الجامع الصغير وروى الطبراني عن قتادة بن عياش مرفوعاً: ((لن يزال العبد في
فسحة من دينه ما لم يشرب الخمر، فإذا شربها خرق الله عنه ستره وكان الشيطان وليه وسمعه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: موعظة الإِمام للخصوم وغيره (٢٩٩/١٢، ٣٠٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (الحديث: ٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: أوائل كتاب الديات. (١٦٥/١٢).
(٣) سورة النساء، الآية: ١٠.

٥٤٤
كتاب: دليل الفالحين
٢٢٢ - وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ عَامِرِ الأَنْصَارِيَّةِ، وَهِيَ امْرَأَةُ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
وبصره ورجله يسوقه إلى كل شر ويصرفه عن كل مرقاة» قال الهروي في المرقاة وهذا يدل
على أن المراد الانتهاء عن الكبائر مطلقاً، وخص في كل موضع ما ذكر فيه لأمر يقتضيه
اهـ.
٢٢٢ - (وعن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ويقال لها: خويلة (بنت ثامر)
بالمثلثة وكسر الميم (الأنصارية وهي) أم محمد (امرأة حمزة) بن عبد المطلب (رضي الله
عنه وعنها) وفي نسخة: عنهما بضمير التثنية، وهي أخصر قال المزيّ في كتاب الأطراف،
قوله: بنت قيس بن فهد بالقاف بن قيس بن ميسر بن ثعلبة الأنصارية وقيل: امرأة حمزة خولة
بنت ثامر الخولانية وقيل: إن ثامراً لقب قيس بن قهد قال علي بن المديني : خولة بنت قيس
هي خولة بنت ثامر قلت: وبذلك قال أبو عمرو: قال ابن الأثير: وقد ذكر ترجمة خولة بنت
ثامر وأورد فيها حديث الباب، وترجمة خولة بنت قيس بن فهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن
مالك بن النجار الأنصارية النجارية زوج حمزة تكنى أم محمد وقيل: إن امرأة حمزة خولة
بنت ثامر وقيل: إن ثامراً لقب لقيس بن فهد، والأول أصح قاله أبو عمرو تكنى أم محمد
وقيل: أم حبيبة وصحفه ابن منده بأم صبية قتل عنها حمزة يوم أحد فخلف عليها النعمان بن
عجلان الأنصاري الذرقي، ثم قال ابن الأثير. قلت: ما أقرب أن يكون ثامر لقب قيس بن
قهد، فإن الحديث في الترجمتين واحد وهو: إن هذا المال حلوة خضرة والله أعلم اهـ.
ونقل الحافظ في فتح الباري قول من فرق بينهما وقول ابن المديني السابق قال ابن الجوزي
فيمن له ثمانية أحاديث عن رسول الله وَالر خولة بنت قيس، وقال في رواة الصحيحين من
الصحابة انفرد البخاري بخولة بنت ثامر روى عنها حديثاً واحداً (قال: سمعت رسول الله وَلخل
يقول: إن رجالاً يتخوضون) بالخاء والضاد المعجمتين أي: يتصرفون (في مال الله بغير
حق) أي: يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل، ففيه أن التصرف فيها لا يجوز بمجرد
التشهي (فلهم النار يوم القيامة) قال الحافظ في الفتح: هذا حكمٌ مرتبُ على الوصف
المناسب، وهو الخوض في مال الله، ففيه إشعارٌ بالعلية (رواه البخاري) ورواه الترمذي من
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: أبواب فرض الخمس، باب: ﴿فأن لله خمسه﴾(١٥٣/٦).

٥٤٥
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
حديث خولة بنت قيس، وزاد أوله: ((إن هذا المال حلوة خضرة، من أصابه بحقه بورك له
فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار)). قال
الترمذي حسن صحيح .
بعون الله تعالى
تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث
وأوله: ((باب تعظيم حرمات المسلمين
وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم)»

٤٤٦
فهرس الموضوعات
فهرس
الجزء الأول
مقدمة الكتاب
٢٣
١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية
٤٩
٢ - باب: في التوبة
٩٠
٣ - باب: في الصبر
١٤٥
٤ - باب: في الصدق
٢٠٧
٥ - باب: في المراقبة
٢١٨
٦ - باب: في التقوى
٢٥٠

٤٤٧
كتاب: دليل الفالحين
فهرس
الجزء الثاني
٧ - باب: في الیقین والتوكّل
٢٦٣
٨ - باب: في الاستقامة
٢٨٨
٩ - باب: في التفكير في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا
٢٩٢
١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال
٢٩٧
١١ - باب: في المجاهدة
٣٠٨
١٢ - باب: في الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر
٣٣٨
١٣ - باب: في بیان کثرة طرق الخير
٣٤٧
١٤ - باب: في الاقتصاد في العبادة
٣٨٣
١٥ - باب: في المحافظة على الأعمال الصالحة وترك التهاون بها
٤٠٩
١٦ - باب: في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
٤١٣
١٧ - باب: في وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دعي
٤٣٣
٤٣٨
١٨ - باب: في النهي عن البدع ومحدثات الأمور
١٩ - باب: فيمن سنّ سنة حسنة أو سيئة
٤٤٣
٢٠ - باب: في الدلالة على الخير والدعاء إلى هدى أو ضلالة
٤٤٨
٢١ - باب: في التعاون على البر والتقوى
٤٥٤
٢٢ - باب: في النصيحة
٤٥٩
٢٣ - باب: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٤٦٤
٢٤ - باب: في تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله
٤٨٩
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
٤٩٢
٢٦ - باب: في تحريم الظلم والأمر برد المظالم
٥١٤