النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
٢٣ - باب: في الأمر بالمعروف
دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ
لقي علي بن أبي طالب وأيده الشيخ ابن حجر الهيتمي في معجمه وقيل: يصح، وعليه
جرى جمهور المتأخرين قال المصنف في التهذيب: روينا عن الفضيل بن عياض قال:
سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من أصحاب رسول الله وَّ ر قال: مائة وثلاثين قلت:
وابن سيرين قال: ثلاثين. وروينا عن الحسن قال: غزونا غزوةً إلى خراسان معنا فيها
ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ويقر الحديث. ولم يصح للحسن سماع من أبي هريرة، ومن
حكم الحسن ما ذكره الشافعي في المختصر في قول الله عز وجل: ﴿وشاورهم في
الأمر﴾(١) قال الحسن: كان غنياً عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن به الحكام بعده، وقال
في قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾(٢) لولا هذه الآية لرأيت الحكام هلكوا، أثنى على هذا
بصوابه وعلى هذا باجتهاده اهـ. ومن كلامه كما في أحاسن المحاسن: يابن آدم إنك
لا تصيب حقيقة الإِيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك حتى تبدأ بصلاح ذلك العيب
من نفسك، فإذا فعلت ذلك لم تصلح عيباً إلا وجدت عيباً آخر، فإذا فعلت ذلك كان شغلك
في خاصة نفسك وأحب العباد إلى الله من كان كذلك (إن عائذ) بالعين المهملة وبعد الألف
همزة بعدها معجمة (ابن عمرو) ابن هلال المزني أبا هبيرة البصري صحابي شهد الحديبية
وبايع تحت الشجرة (رضي الله عنه) وهو أخو رافع بن عمرو وتوفي في ولاية عبيد الله بن زياد
سنة إحدى وستين. قال ابن الأثير: كان عائذ من صالحي الصحابة، سكن البصرة وابتنى بها
داراً وتوفي بها في إمارة عبيد الله بن زياد أيام يزيد بن معاوية، وأوصى أن يصلي عليه ابن
زياد، وروى عنه الحسن ومعاوية بن قسرة وعامر الأحول وغيرهم اهـ. قال الذهبي في
التهذيب: روى حشرج بن عبد الله بن حشرج بن عائذ المزني عن أبيه عن جده أن عائذ بن
عمرو كان يركب السروج المتمرة ويلبس الخز لا يرى بذلك بأساً، وقد زوج في غزاة واحدة
أربعين رجلاً من مزينة كل امرأة على ألف وصيف قال ثابت البناني: أوصى عائذ أن يصلي
عليه أبو برزة الأسلمي، وذلك في إمرة عبيد الله بن زياد اهـ. وكذا قال ابن الجوزي في
المستخرج المليح، وزاد قال ابن حزم في آخر سيرته: روي له عن رسول الله وَلقر ثمانية
أحاديث، أخرج له الشيخان ثلاثة أحاديث أحدها للبخاري موقوف عليه وآخران لمسلم
وشاركهما عنه النسائي (دخل على عبيد الله) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية
(ابن زياد) بن أبيه (فقال:) يعظه (أي) بفتح فسكون حرف لنداء القريب (بني) بضم الموحدة
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٩.

٤٨٢
كتاب: دليل الفالحين
إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهَ، يَقُولُ: ((إنَّ شَرَّ الرِّعاءِ الْحُطَمَةُ)) فَإِيَّكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ
لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخالَةٍ أَصْحابِ مُحَمَّدٍ وَهَ. فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إنَّما
كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٩٤ - الْعَاشِرُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّوَّهِ، قَالَ: ((وَالَّذي نَفْسي
بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
وفتح النون وتشديد التحتية مفتوحة ومكسورة وقد بينت وجههما في باب ما يقول إذا دخل بيته
من شرح الأذكار، وأتى به من باب الرفق في الوعظ ليسمع ويمتثل (إني سمعت
رسول الله وَّل يقول:) جملةٌ في محل الحال على حكاية الحال الماضية (إن شر الرعاء)
بكسر الراء والمد ويقال: بضمها وبالهاء بعد الألف بدل الهمزة، جمع راع (الحطمة) بضم
المهملة الأولى وفتح الثانية قال المصنف: قالوا: هو العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها
ومرعاها، بل يحطمها في ذلك، وفي سقيها وغيره، ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها
ويحطمها (فإياك) منصوب على التحذير (أن تكون منهم) فتهوي بتلك المذمة (فقال:) ابن
زياد (له) أي: لعائذ (اجلس فإنما أنت من نخالة) بضم النون وبعدها معجمة (أصحاب
رسول الله (*) النخالة هنا استعارة من نخالة الدقيق، وهي: قشوره. وهي: والحتافة
والحسافة بمعنى واحد (فقال) عائذ مستبعداً أن يكون في الصحابة من يستعار لهم النخالة
التي لا يعبأ بها (وهل كانت فيهم) أي: الصحابة (نخالة) وهم الذين اختارهم الله لصحبة
نبيه * وشرفهم باقتباس أنواره.
وإذا سخر الإِلّه أناسا لسعيد فكلهم سعداء
(إنما كانت النخالة) أي: السقط (بعدهم) أي: بعد قرنهم (وفي غيرهم) أما هم فكلهم سادة
قادة يكفيك في فضلهم حديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). ولا يضر ضعفه
لأنه يعمل به في هذا المقام (رواه مسلم) في المغازي.
١٩٤ - (وعن حذيفة) بن اليمان (رضي الله عنه عن النبي وسير قال: والذي نفسي بيده) أتى
به لتأكيد الأمر بعده، والقسم يسن لمثل ذلك (لتأمرن) بضم الراء، والفاعل ضمير الجماعة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل ... (الحديث: ٢٣).

٤٨٣
٢٣ - باب: في الأمر بالمعروف
عِقَابً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
١٩٥ - الْحَادِي عَشَرَ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
قَالَ: ((أَفْضَلُ الجِهادِ كَلَمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ
حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢).
١٩٦ - الثَّانِي عَشَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ طَارِقٍ بْنِ شِهَابِ الْبَجَلِيِّ
محذوف بعدها لالتقاء الساكنين، والضم دليل عليه والخطاب للأمة الموجودين حقيقة، ومن
سيأتي بطريق التبع (بالمعروف) شرعاً (ولتنهون) بضم واو الجماعة ولام الفعل محذوف
قبلها لالتقاء الساكنين، والفتح دليل عليه، ولم تقلب واو الضمير ألفاً لتحركها وانفتاح ما
قبلها لعروض حركتها (عن المنكر أو) عاطفة أي: ليكون أحد الأمرين إما امتثال ما أمرتم به
من الأمر والنهي، أو وقوع ما أنذرتم به في قوله (ليوشكن الله) بضم التحتية مضارع أوشك
من أفعال المقاربة (أن يبعث عليكم عقاباً منه) يجوز الولاة أو تسليط العداة أو غيره من البلاء
(ثم تدعونه) برفع ذلك (فلا يستجاب لكم) لكون الحكمة الإِلّهية جعلته جزاء لما فرطتم فيه
من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه أن المنكر إذا لم ينكر عم شؤمه، وبلاؤه
فاعله وغيره. وتقدم حديث: ((أنهلك وفينا الصالحون)) وإن إنكاره على قدر ما يتمكن منه
دافع لذلك (رواه الترمذي) في الفتن (وقال: حديث حسن).
١٩٥ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: أفضل الجهاد) من
الفضل زيادة الثواب (كلمة عدل) أي: حق (عند سلطان) أي: ذي أمر (جائر) سيأتي شرحه
في الحديث بعده (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال السيوطي في الجامع
الصغير: ورواه أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة وأحمد والترمذي
والبيهقي في الشعب أيضاً عن طارق بن شهاب.
١٩٦ - (وعن أبي عبد الله طارق) بمهملة أوله وبعد الألف راء مهملة بعدها قاف (ابن
شهاب) بكسر المعجمة أوله آخره موحدة. ابن عبد شمس أبوعبد الله (البجلي) بفتحتين
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (الحديث:
٢١٦٩).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في أفضل الجهاد ... (الحديث: ٢١٧٤).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي. (الحديث: ٤٣٤٤).

٤٨٤
كتاب : دليل الفالحين
الأَحْمَسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ:
أَيُّ الْجِهادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((كَلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ سُلْطانٍ جَائِرٍ» رَوَاهُ النَّسائِيُّ بِإِسْنَادٍ
صَحِيحٍ (الْغَرْز)) بِغَيْنِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ زَايٍ وَهُوَ: رِكّابُ ◌ُورٍ
الْجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ. وَقِيلَ: لَا يَخْتَصُ بِجِلْدٍ وَخَشَبٍ(١).
نسبة إلى بجيلة وتقدم بيانها في ترجمة جرير البجلي في باب النهي عن البدع (الأحمسي)
بالمهملتين نسبة لأحمس بن الغوث بن أنمار بن أراءس بن عمروبن الغوث بن كهلان قال
الحازمي: وإلى أحمس هذا ينسب جماعة من الصحابة والتابعين (رضي الله عنه) أدرك
الجاهلية وصحب النبي وسچور وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين، أو ثلاثاً وأربعين
غزوة. روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة سكن الكوفة وتوفي سنة اثنتين.
وقيل: سنة ثلاث وثمانين، روي له في أبي داود والنسائي أحاديث عن النبي ◌َّر عد منها
الحافظ المزي في الأطراف خمسة وسادساً رواه ابن مسعود عن النبي وَر (أن رجلاً سأل
النبي ◌َّير وقد وضع رجله في الغرز:) جملة حالية من مفعول سأل كما هو المتبادر (أي
الجهاد أفضل) أي: أكثر ثواباً (قال: كلمة حق) وفي: نسخة كلمة عدل أي: من أمر
بمعروف أو نهي عن منكر أو رد عن محترم من نفس أو مال أو نحو ذلك (عند سلطان جائر)
وإنما كان أفضل الجهاد لأنه يدل على كمال يقين فاعله وقوة إيمانه وشدة إيقانه، حيث تكلم
بتلك الكلمة عند ذلك الأمير الجائر المهلك عادة بجوره وظلمه، ولم يخف منه ولا من جوره
وبطشه، بل باع نفسه من الله وقدم أمر الله وحقه على حق نفسه، وهذا بخلاف المجاهد
للقرن فإنّه ليس في المخاطرة كمخاطرة من تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر (رواه
النسائي) في البيعة والمنشط (بإسناد صحيح) رواه عن إسحاق بن منصور عن ابن مهدي عن
سفيان عن علقمة بن مرثد عنه به قاله المزي في الأطراف (الغرز) المذكور في الحديث
(بغين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي وهو) لغةً (ركاب كور الجمل) أي: محل
الركوب من الكور، في الصحاح: الكور بالضم الرحل بأداته جمعه أكوار وكيران (إذا كان
من جلد أو خشب وقيل لا يختص بجلد وخشب) بل هو الكور مطلقاً مثل الركاب للسرج.
(١) أخرجه النسائي في كتاب: البيعة، باب: فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر. (الحديث: ٤٢٢٠).
الترغيب والترهيب: (١٦٨/٣).

٤٨٥
٢٣ - باب: في الأمر بالمعروف
١٩٧ - الثَّالثَ عَشَرَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرائيل أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ
اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَ يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ
أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ. فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ))
ثُمَّ قَالَ: ((﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ
١٩٧ - (وعن) عبد الله (ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: إن أول ما
دخل النقص) ما مصدرية أي: أول دخوله (على بني إسرائيل) في دينهم (أنه) أي: الشأن
(كان الرجل يلقى الرجل) الفاعل معصية (فيقول:) معطوف على يلقى (يا هذا اتق الله) أي:
اجعل امتثال أمره واجتناب نهيه وقاية لك من عذابه (ودع) اترك (ما تصنع) من المعاصي
(فإنه) أي: ما تصنعه (لا يحل لك) لكونه من المحرمات (ثم يلقاه من الغد وهو على حاله)
في المعصية (فلا يمنعه ذلك) أي: وجهان صاحبه ملازماً على المحرمات التي نهى عنها
من (أن يكون أكيله) أي: مواكله (وشريبه) أي: مشاربه (وقعيده) أي: مقاعده أي: لا
يمنعه ملازمة صاحبه لما نهاه الله عنه وحرمه عليه من مصاحبته ومداخلته ومباسطته، وهو
مأمور بمهاجرته حينئذ وترك ولائه إلا إن خاف محذوراً فيداريه ولا یباسطه ويداخله (فلما
فعلوا ذلك) المذكور، وأتى فيه باسم الإشارة الموضوع للبعيد تفخيماً لما أتوا به وتشيعاً له،
أو لأن اللفظ لما لم يبق زمانين صار كالبعيد فأشير إليه بما يشار به إلى البعيد (ضرب الله
قلوب بعضهم ببعض ثم قال:) مستدلاً على عموم اللعنة لجميعهم بقوله تعالى: ﴿لعن
الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ (١) قال أبوحيان في النهر: قال
ابن عباس: لعنوا بكل لسان على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى
عهد عيسى في الإِنجيل، ولعن مبني للمفعول حذف فاعله، فيجوز أن يكون الفاعل غيره
تعالى كالأنبياء، والمراد باللسان الجارحة لا اللغة أي: الناطق بلعنتهم هو لسان داود وعيسى
(ذلك) أي: اللعن كائن (بما عصوا) أي: بسبب عصيانهم وذكر هذا على سبيل التوكيد،
وإلا فقد فهم سبب اللعنة بإسنادها إلى من تعلق بهذا الوصف الدال على العلية وهو:
﴿الذين كفروا﴾(١) تقول: كما رجم الزاني فتعلم أن سبب رجمه الزنى، كذلك اللعن سببه
الكفر. ولكن أكد بذكره ثانياً في قوله: ﴿بما عصوا﴾(١) أو ما مصدرية أي: بعصيانهم
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٨.

٤٨٦
كتاب: دليل الفالحين
بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *
تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ إِلَى قَولِهِ:
﴿فَاسِقُونَ﴾(١) ثُمَّ قَالَ: ((كَلَّ وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْروفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ،
(وكانوا يعتدون) يجوز أن يكون معطوفاً على عصوا فيكون داخلاً في صلة ((ما)) أي:
بعصيانهم وكونهم معتدين، ويجوز أن يكون إخباراً من الله تعالى أن شأنهم الاعتداء (كانوا
لا يتناهون عن منكر فعلوه) ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي: لا ينهى بعضهم بعضاً،
وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه، والمعصية إذا فعلت
وقدرت على العبد ينبغي أن يسترها، فإذا فعلت جهاراً وتواطئوا على عدم إنكارها، أو ما في
معناها مما ذكر عن بني إسرائيل في الخبر، كان ذلك تحريضاً على فعلها وسبباً مثيراً
لإِفشائها (لبئس ما كانوا يفعلون) تعجیب من سوء فعالهم مؤكد باللام قال في الکشاف: یا
حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر وقلة عنایتهم به، كأنه ليس
من خلة الإِسلام مع ما يتلون من كتاب الله تعالى وما فيه من المبالغات في هذا الباب (ترى)
بصرية ويحتمل أن تكون قلبية (كثيراً منهم) أي: من بني إسرائيل (يتولون الذين كفروا)
قيل: المراد به كعب بن الأشرف وأصحابه الذين استجاشوا المشركين على رسول الله وله
(لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) أي: لبئس سبباً قدموه ليردوا عليه يوم القيامة ﴿أن سخط الله
عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾(٢) هو المخصوص بالذم والمعنى: موجب سخط الله والخلود
في العذاب أو علة الذم والمخصوص محذوف أي: لبئس شيئاً ذلك لأن كسبهم السخط
والخلود. كذا في البيضاوي تبعاً للكشاف. وتعقبه في الإِعراب الأول في النهر بأنه لا يأتي
على مذهب سيبويه من أن ما معرفة تامة بمعنى الشيء، فعليه، فالجملة بعد صفة
للمخصوص المحذوف، والتقدير: ولبئس الشيء شيئاً قدمت لهم أنفسهم، فيكون على
هذا: ((أن سخط)) في موضع رفع على البدل من المخصوص المحذوف، أو على أنه خبر
مبتدأ محذوف أي: هو أن سخط (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي) يعني: نبيهم وإن كانت الآية
في المنافقين فالمراد نبينا مّ (وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) إذ الإِيمان الصحيح يمنع
ذلك (ولكن كثيراً منهم) من ذلك الكثير (فاسقون) خارجون عن دينهم أو تمردوا في النفاق
أي: وقليل منهم قد آمن (ثم قال رَير: كلا) حقاً (والله لتأمرن) بضم الراء (بالمعروف) شرعاً
(ولتنهون) بفتح الهاء وضم واو الجمع الفاعل (عن المنكر) شرعاً (ولتأخذن) بضم الذال
(١) سورة المائدة، الآيات: ٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨١.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨٠.

٤٨٧
٢٣ - باب: في الأمر بالمعروف
وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً،
أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلوبٍ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد. ولَفْظُ التِّرْ مِذِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((لَمَّا
وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِلَ فِي المَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ،
وَوَاكُلوُهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانٍ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) فَجَلَّسَ رَسُولُ اللَّهِ مَ ﴿ وَكَانَ
مُتَّكِئاً، فَقَالَ: ((لَا وَالَّذِي
دليلاً على الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين (على يد الظالم) بمنعه باليد من الظلم وإن
عجزتم فباللسان (ولتأطرنه) بكسر الطاء وضم الراء أي: لتردنه (على الحق) أداءً وأخذاً
(أطرا) بفتح الهمزة وأصل الأطر العطف. قال في النهاية: ومن غريب ما يحكى فيه عن
نفطويه أنه قال: بالظاء المعجمة من باب ظاء ومنه الظئر المرضعة. وجعل الكلمة مقلوبة
فقدم الهمزة على الظاء (ولتقصرنه على الحق) أداءً وأخذاً (قصراً) أي: لتحبسنه عليه حبساً
وتمنعنه من مجاوزته أي: ليكونن منكم ما ذكر (أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم
ليلعنكم كما لعنهم) فلو لأحد الأمرين أي: ليكونن منكم ما أمرتم به أو ليكونن منكم ما
حذرتم منه عند عدم فعل ذلك (رواه أبو داود) في الملاحم (والترمذي) في التفسير وابن
ماجه في الفتن (وقال:) أي: الترمذي (حديث حسن هذا) اللفظ المذكور (لفظ) رواية (أبي
داود) فالإِضافة إليه للملابسة (ولفظ) رواية (الترمذي) من حديث ابن مسعود (فقال:) أي:
ابن مسعود (قال رسول الله مثل: لما) وجودية (وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم
علماؤهم) عنها (فلم ينتهوا) عنها فكان على العلماء هجرهم لله وبغضهم فيه، فلم يفعلوا
ذلك بل خالطوهم كما قال: (فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم) بالمد (وشاربوهم) أي :
جلسوا معهم وأكلوا وشربوا (فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم) أبعدهم (على لسان
داود) بن إيشا (وعيسى ابن مريم ذلك) المذكور من اللعنة، وضرب القلوب بعضها ببعض
(بما عصوا وكانوا يعتدون) تقدم نظيره وظاهر جريانه هنا وظاهر أنه على تقدير كون ((وكانوا))
خارجاً عن صلة ((ما)) فيكون من كلام النبي وَلّ لبيان أن الاعتداء وصفهم وشأنهم (فجلس
رسول الله وَله) تعظيماً للأمر الصادر منهم وتنبيهاً على فخامة شأنه ليتوجه إليه السامع (وكان
متكئاً) يحتمل أن يكون على تكاة وأن يكون على مرفقه والجملة حالية بتقدير قد (فقال: لا)
أي: لا يكفي مجرد النهي باللسان مع القدرة على المنع باليد والقصر على الحق (والذي

٤٨٨
كتاب: دليل الفالحين
نَفْسي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرَا)). قَوْلُهُ: ((تَأْطِرُوهُمْ)): أَيْ تَعْطِفُوهُمْ.
((وَلَتَقْصُرُنَّهُ»: أَيْ لَتَحْبِسُنَّهُ(١).
١٩٨ - الرَّابِعَ عَشَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّكُمْ تَقْرَؤون هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ﴾(٢) وَإِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ،وَهِ يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَمْ
يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَسائِيُّ
نفسي بيده) أي: بقدرته (حتى تأطروهم) أي: العصاة (على الحق أطراً قوله تأطروهم)
بالهمز وكسر الطاء المهملة (أي تعطفوهم) وأصل الأطر العطف (ولتقصرنه) بضم الصاد
المهملة (أي لتحبسنه) والقصر الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ (٣).
١٩٨ - (وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يأيها الناس) بضم السين اتباعاً للفظ
أي: بتشديد الياء وهي وصلة لنداء ما فيه أل، والناس اسم جنس، وهو من ألفاظ العموم إذا
حلي بأل كما هنا (إنكم تقرأُون هذه الآية) ثم بينها بقوله: (يا أيها الذين آمنوا عليكم
أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) أي: وتتوهمون منها أن الإِنسان إذا فعل ما أمر به
وترك ما نهى عنه في نفسه، ورأى غيره بضد ذلك فلم يأمره ولم ينهه لا حرج عليه، وليس
كذلك. وفى رواية زيادة: ((وتضعونها على غير موضعها)) (وإني سمعت رسول الله) كذا في
النسخ بالواو وفي المصابيح: ((فإني)) بالفاء، قال العاقولي: الفاء فيه فصيحة تدل على
محذوف، كأنه قال إنكم تقرأون هذه الآية وتجرون على عمومها وليس كذلك، فإني سمعت
رسول الله (َّ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم) يفعل الظلم ومنه المعصية (فلم يأخذوا
على يديه) بأن يمنعوه من ذلك باليد إن قدروا، وإلّ فباللسان فإن عجزوا بأن خافوا على
نفس محرمة أو مال، أو أن يقع المنكر عليه في منكر أشد مما أراد فعله، فلا حرج عليهم
فقوله: (أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) يقع على الظالم لظلمه وعلى غيره لإقراره عليه وقد
قدر على منعه، أما المعذور فلا يتناوله بفضل الله هذا المحذور: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي. (الحديث: ٤٣٣٦).
وأخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة. (الحديث: ٣٠٤٨).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٧٢.

٤٨٩
٢٤ - باب: في تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف ... وخالف
بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ (١).
٢٤ - باب: في تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف
أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ
وسعها﴾ (٣) والجملة: خبر إن والآية على هذا البيان عامة شاملة جميع الناس، فيجب العمل
بذلك قال العاقولي. والقول الصحيح: أن الآية ليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، إذ المعنى لا يضركم تقصير غيركم بعد سماع ذلك منكم فقد أديتم
الواجب عليكم اهـ. (رواه أبو داود) في الملاحم (والترمذي) في الفتن (والنسائي) في
التفسير وابن ماجه في الفتن (بأسانيد صحيحة) قال المزي رواه أبو داود عن وهب بن منبه
عن خالد الطحان وعن عمرو بن عوف عن هشيم كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد الطحان
عن قيس ابن أبي حازم عن الصديق، ورواه الترمذي في الفتن عن أحمد بن منيع ومحمد بن
بشار، فرفعهما كلاهما عن يزيد بن هارون عن إسماعيل نحوه وقال: هكذا روى غير واحد
نحو حديث يزيد ورفعه بعضهم ووقفه بعضهم، وأعاد حديث ابن منيع في التفسير عن
عقبة بن عبد الله عن ابن المبارك، وابن ماجه في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة عن
عبد الله بن نمير وأبي أسامة ثلاثتهم عن إسماعيل نحوه اهـ. فمدار سند الحديث عند
الثلاثة الذين ذكرهم المصنف على إسماعيل، فإسناد الحديث واحد ولعل قول المصنف
الأسانيد بالنسبة لأصحاب الكتب الثلاثة إلى إسماعيل والله أعلم.
باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف
أو نهى عن منكر وخالف قوله
بالرفع (فعله) بالنصب أي: كان أمره مخالفاً لفعله ويجوز العكس.
(قال الله تعالى:) عما لا يليق بشأنه علواً كبيراً معيراً لليهود قال في النهر: وبنو
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي. (الحديث: ٤٣٣٨).
وأخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة. (الحديث: ٣٠٥٧).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦

٤٩٠
كتاب: دليل الفالحين
أَفَلَا تَعْقِلونَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولونَ مَالَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ
اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ!﴾.
وَقَالَ تَعَالَى إِخْباراً عَنْ شُعَيْبٍ وَِّ: (٢) ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى
إسرائيل وإن كانوا المخاطبين بالآية إلا أنها عامة في المعنى (أتأمرون الناس) استفهام توبيخ
وتقريع (بالبر) فعل الخير من صلة رحم وإحسان وطاعة الله تعالى (وتنسون أنفسكم)
تتركونها من ذلك البر (وأنتم تتلون الكتاب) تقرأُونه عالمين بما انطوى عليه، فكيف
امتثلتموه بالنسبة إلى غيركم وخالفتموه وأنتم تتلونه، وهي حالية أبلغ من المفرد والكتاب
التوراة والإنجيل، وفيهما النهي عن هذا الوصف الذميم (أفلا تعقلون) تنبيه على أن ما صدر
منهم خارج عن أفعال العقلاء، إذ مركوز في العقل أن الإنسان إذا لم يحصل مصلحة لنفسه
كيف يحصل لغيره، ولا سيما مصلحة يكون فيها نجاته. والفاء للعطف وكان الأصل
تقديمها، لكن الهمزة لها صدر الكلام فقدمت على الفاء. هذا مذهب سيبويه والنحاة وذهب
الزمخشري إلى أن الفاء واقعة موضعها، ويقدر بين الهمزة والفاء فعلاً يصح العطف بالفاء
عليه، وحكم الواو وثم حكم الفاء فيما ذكر وقد رجع الزمخشري في بعض تصانيفه إلى
موافقة الجماعة اهـ. من النهر ملخصاً (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا
تفعلون) قال البيضاوي: روي أن المسلمين قالوا: لوعلمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه
أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله﴾(٣) فولوا يوم أحد
فنزلت ولم مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر،
لكثرة استعمالهما معاً واعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما
لا تفعلون) المقت أشد البغض وهو نصب على التمييز، للدلالة على أن قولهم: هذا مقت
خالص كبير عند من يحقر دونه كل عظيم مبالغة في المنع عنه. (وقال تعالى: إخباراً) مخبراً
(عن شعيب) بن منكيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم الخليل (صلى الله) على نبينا
و (عليه) وعلى سائر النبيين (وسلم) وفيه الصلاة على كل نبي وقد ورد مرفوعاً: ((صلوا على
(١) سورة الصف، الآيتان: ٣،٢.
(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.
(٣) سورة الصف، الآية: ٤.

٤٩١
٢٤ - باب: في تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف ... وخالف
مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
١٩٩ - وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِوَ﴿، يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القيامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ
بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِها كَمَا يَدُورُ الْحِمارُ فِي الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِليْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولونَ:
يَا فُلانُ مَالَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى كُنْتُ آمُرُ
بِالمَعْروفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِهِ)»
أنبياء الله فإنهم أرسلوا كما أرسلت)). رواه الطبراني، وما ذكرته من نسب شعيب هو ما نقله
المصنف في التهذيب عن الثعلبي عن عطاء وغيره. وقال ابن الجوزي في شذوذه: هو
شعيب بن عنقاء بن بويب بن مدين بن إبراهيم (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)
أي: وما أريد أن آتي بما أنهاكم عنه لأستبد به، فلو كان صواباً لآثرته ولم أعرض عنه فضلاً
عن أن أنهى عنه. يقال: خالفت زيداً إلى كذا. إذا قصدته. وهو مول عنه. وخالفته عنه إذا
کان الأمر بالعكس.
١٩٩ - (وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة) الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابي
(رضي الله عنهما) الأولى عنهم لما ذكر من أن جده صحابي أيضاً، وقد تقدم التنبيه على
ذلك في باب الصبر (قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: يؤتى بالرجل) أل فيه للجنس (يوم
القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه) أي: تخرج أمعاؤه من جوفه والاندلاق بالقاف
خروج الشيء من مكانه (فيدور) ذلك الرجل (بها) أي: فيها (كما يدور الحمار في الرحى)
كأنه أراد أن الرجل يدور فتلتف عليه أمعاؤه فيبقى هكذا يدور وهي تدور عليه عبرةً ونكالاً.
والأظهر أن المراد أنه يدور بسبب ألم خروجها منه حوله دوران الحمار حول الرحى بسببها،
اللهم ربنا قنا عذاب النار (فيجتمع إليه أهل النار) أي: الذين بها، ونسبتهم إليها باعتبار هذه
الملابسة متعجبين من دخوله النار، وقد كان يأمرهم بما يبعدهم منها (فيقولون: يا فلان)
كناية عن اسمه (مالك) مبتدأ وخبر (ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) ومن شأن
الآمر أن يفعل ما يأمر به والناهي أن يترك ما نهى عنه، وفعل المعروف وترك المنكر مانع
بالوعد الذي لا يخلف عن دخول النار (فيقول: بلى) جواب عن قولهم: ألم تك الخ. وبين
المقتضى لحلوله بالنار بقوله: (كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) فشدد
عليه الأمر لعصيانه مع العلم المقتضي للخشية والمباعدة عن المخالفة، والله غالب على

٤٩٢
كتاب : دليل الفالحين
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. قَوْلهُ: ((تَنْدَلِقُ)) هُوَ بِالدَّالِ المُهْمَلَةِ. وَمَعْنَاهُ: تَخْرُجُ و((الأَقْتَابُ)): الأَمْعَاءُ.
وَاحِدُهَا قِتْبٌ(١).
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
قَالَ اللَّهُ تعالى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا﴾.
أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله (متفق عليه) رواه البخاري في صفة النار وفي الفتن. ورواه
مسلم في آخر الكتاب (قوله تندلق هو بالدال المهملة ومعناه تخرج والأقتاب) بالقاف
والفوقية وبعد الألف موحدة (الأمعاء) جمع معي (واحدها) أي: مفردها (قتب) قال
العاقولي : بكسر القاف وسكون الفوقية. هذا قول الكسائي فيما نقله عنه الجوهري وقال
قال أبو عبيدة: القتب ما انحوى من البطن وهي الحوايا وأما الأمعاء فهي الأقصاب اهـ.
باب الأمر بأداء الأمانة
إلى صاحبها. (قال الله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) قال في
النهر بعد أن نقل أن سبب نزول الآية قصة مفتاح الكعبة، وعن ابن عباس وغيره: نزلت في
الأمراء وأن يؤدوا الأمانة فيما انتمنهم الله من أمر رعيته، ومناسبتها لما قبلها، هو أنه تعالى لما
ذكر وعد المؤمنين وذكر عمل الصالحات، نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من
اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة، فأحدهما: ما يختص به
الإِنسان فيما بينه وبين غيره، وهو أداء الأمانة، والثاني: ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما
بالحكم العدل الخالي عن الهوى، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه
والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المصالح ودفع
المضار، ثم يشتغل بحال غيره، أمر بأداء الأمانة ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق. (وقال
تعالى: إنا عرضنا الأمانة) قال في النهر: الظاهر أنها كل ما يؤمن عليه من أمرٍ ونهيٍ وشأن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة وفي الفتن، باب: الفتنة التي تموج
كموج البحر. (٢٣٨/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: التكلم بالكلمة يهوى بها في النار (الحديث: ٥١).
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٨.

٤٩٣
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ؛ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾.
٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاثٌ: إِذَ حَدَّثَ كَذَبَ،
من دين ودنيا، فالشرع كله أمانة والظاهر عرض الأمانة أي: الأوامر والنواهي (على السموات
والأرض والجبال) فتثاب إن أحسنت وتعاقب إن أساءت (فأبين أن يحملنها وأشفقن منها)
وذلك بإدراك خلقه الله تعالى فيها وهو غير مستحيل، إذ قد سبح الحصى في كفه وَلي وحنّ
إليه الجذع وكلمته الذراع، فيكون العرض والإِباء والإِشفاق على هذا حقيقة، قال ابن
عباس: أعطيت الجمادات فهماً وتمييزاً فخيرت في الحمل وذكر الجبال، مع أنها من
الأرض لزيادة قوتها وصلابتها تعظيماً للأمر وقيل: المراد الإِشارة إلى كمال عظمها، وأنها
لعظمة شأنها، بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذات شعور وإدراك لأبين
أن يحملنها وأشفقن منها (وحملها الإِنسان) مع ضعف بنيته ورخاوة قوته، لا جرم فإن الراعي
لها والقائم بحقوقها بخير الدارين (إنه كان ظلوماً) وصفه به لكونه تاركاً أداء الأمانة (جهولاً)
بكنه عاقبتها. وفي الآية وجوه أخر، ذكر بعضها القاضي البيضاوي.
٢٠٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ير قال: آية) بالمد واختلف في وزنها
على ستة أقوال تقدم في شرح خطبة الكتاب أنه ذكرها ابن الصائغ في شرح البردة. أي
علامة (المنافق) أي: علامة نفاقه الدال على قبح نيته وفساد طويته (ثلاث) أي: خصال.
وأفرد الآية على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، ويؤيد الأول أنه
جاء في صحيح أبي عوانة علامات المنافق ثلاث فإن قيل: ظاهر الحديث الحصر في
الثلاث وقد جاء في الحديث الآخر: ((أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً)) فالجواب ما قاله
القرطبي: لعله ◌َّي تجدد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وقال الحافظ العسقلاني:
لا منافاة بين الخبرين لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة على أن في رواية لمسلم في
حديث أبي هريرة ما يدل على عدم الحصر، فإن لفظه من علامة المنافق ثلاث، فيكون أخبر
ببعضها في وقت وببعضها في وقت آخر (إذا حدث كذب) الجملة خبر بعد خبر أو بدل مما
قبله بدل مفصل من مجمل، بتقدير سبق العطف على الإِبدال، وهذه الخصلة أقبح الثلاث
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.

٤٩٤
كتاب: دليل الفالحين
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا أَؤْتُمِنَ خَانَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى
وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ))(١).
(وإذا وعد) بخير (أخلف) أي: لم يف بوعده، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها، أن
الإِخلاف قد يكون بالفعل، وهو غير الكذب الذي هو وصف القول، ثم محله فيمن عزم
على الخلف حال الوعد. أما لو عزم على الوفاء حال الوعد ثم منعته الأقدار من ذلك، فلا
يكون فيه آية النفاق. نقله السيوطي وغيره، ولا يلزم مما ذكر وجوب الوفاء بالوعد؛ لأن ذم
الإِخلاف إنما هو من حيث تضمنه الكذب المذموم؛ لأنه عزم على الإِخلاف حال الوعد
على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها، إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون
علامةً على الحرام، ونظيره أشراط الساعة فإن منها ما ليس بمحرم (وإذا اؤتمن خان) وخص
هذه الخصال بالذكر لاشتمالها على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن،
والكذب: الإِخبار على خلاف الواقع، وحق الأمانة أن تؤدى إلى أهلها، والخيانة: مخالفة
لها. والإِخلاف في الوعد ظاهر، ولذا صرح بأخلف (متفق عليه) روياه في كتاب الإِيمان
ورواه الترمذي والنسائي. (وفي رواية:) هي لمسلم فقط (وإن صام وصلى) أي: وإن عمل
عمل المؤمنين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وهذا الشرط اعتراض بين الآيات
المجملة، ومفسرها المفصل وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب، وتسمى أن فيه وصلية والواو
الداخلة عليها. قيل: حالية وعليه جرى السعد التفتازاني في المطول. وقيل: عاطفة. وفي
رواية: ((وإن صلى وصام وحج واعتمر وقال: إني مسلم)) (وزعم أنه مسلم) أي: كامل
الإِسلام قال القرطبي: ظاهر الحديث أن من كانت فيه عدة الخصال الثلاث صار في النفاق
الذي هو الكفر الذي قال فيه مالك: النفاق على عهد رسول الله پر هو الزندقة عندنا اليوم،
وليس الأمر على مقتضى هذا الظاهر لما قررناه أول كتاب الإِيمان أي: من أن المعاصي لا
تخرج الإِنسان عن الإِيمان، ولما استحال حمل هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل
السنة. اختلف العلماء فيه على أقوال، فقيل: المراد من النفاق نفاق العمل أي: صفاتهم
الفعلية، ووجه ذلك أن من فيه هذه الصفات كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها، صدق عليه
اسم منافق. أو قيل: الحديث محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، واتخذها عادةً ولم
يبال بها تهاوناً واستخفافاً بأمرها، فإن من كان هكذا كان فاسد الاعتقاد غالباً فيكون منافقاً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: علامات المنافق. (٨٣/١، ٨٤) وغيره.
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان خصال المنافق (الحديث: ١٠٧)

٤٩٥
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
٢٠١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حَدِيثْنِ
قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ،
ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ
فَقَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ
وقيل: إن هذه الخصال كانت علامة المنافق في زمنه وَل#، فإن أصحاب النبي ◌َّ كانوا
مجتنبين لهذه الخصال، بحيث لا تقع منهم ولا تعرف فيما بينهم، وبهذا قال ابن عباس وابن
عمرو، روي عنهما ذلك في حديث أنهما أتيا يسألانه عن هذا الحديث فضحك النبي صل
وقال: ((ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين أنتم من ذلك برآء)) ذكر الحديث بطوله
القاضي عياض قال: وإلى هذا صار كثيرٌ من التابعين والأئمة اهـ.
٢٠١ - (وعن حذيفة بن اليمان) بضم المهملة وفتح المعجمة وسكون التحتية بعدها فاء
كما تقدم مع ترجمته (رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله وَالر حديثين) يعني في الأمانة.
وإلّ فروايات حذيفة كثيرةٌ وعنى بالحديثين قوله: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب
الرجال، والثاني قوله: ثم حدثنا عن رفع الأمانة (قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر) وقوع (الآخر)
الأول من الحديثين (حدثنا أن الأمانة) قال المصنف: الظاهر أن المراد بها التكليف الذي
كلف الله به عباده والعهد الذي أخذه عليهم، وهي التي في قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا
الأمانة﴾(١)، وقال صاحب التحرير هي عين الإِيمان، فإذا استمسكت من قلب العبد قام
حينئذ بأداء التكاليف واغتنم ما يرد عليه منها وجد في إقامتها (قد نزلت) بالفطرة (في جذر)
سيأتي ضبطه ومعناه في الأصل (قلوب الرجال) أي: في أصلها (ثم نزل القرآن) شفاءٌ من
أدواء الجهل مزيجاً لظلم الشبه (فعلموا) أي: علموها (من القرآن) بآية ﴿إنا عرضنا الأمانة
على السموات والأرض﴾(٢) (وعلموا) أي: علموها (من السنة) بالحديث المذكور.
والحاصل أن الأمانة كانت لهم بحسب الفطرة، وحصلت لهم أيضاً بطريق الكسب من
الكتاب والسنة (ثم حدثنا) هو الحديث الثاني كما تقدم (عن رفع الأمانة) من العالم (فقال:
ينام الرجل النومة) المرة من النوم (فتقبض الأمانة من قلبه) لسوء فعل منه تسبب عنه ذلك
قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (٣) ويحتمل أن ذلك لانتهاء
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١١.

٤٩٦
كتاب : دليل الفالحين
يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانة مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ، كَجَمْرٍ
دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرَاً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ))، ثُمَّ أَخَذَ حَصَّى فَدَحْرَجَهُ
عَلَى رِجْلِهِ ((فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤْذِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ في
بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أَمِيناً، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا في
قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ:
مدتها في العالم (فيظل أثرها مثل الوكت) قال الهروي: هو الأثر اليسير، وعليه اقتصر
المصنف فيما سيأتي وقال غيره: هو سواد يسير وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي
كان قبله (ثم ينام النومة فتقبض الأمانة) أي: أثرها التام المشبه بالوكت (من قلبه فيظل أثرها)
الباقي (مثل أثر المجل) والمجل (كـ) ـأثر جمر دحرجته على رجلك فنفط) بكسر الفاء.
وذكر مع أن الرجل مؤنثة لإِرادة العضو (فتراه) أي: النفط (منتبراً) أي: مرتفعاً افتعال من
النبر الارتفاع ومنه المنبر، ويجوز كون الظرف بدلاً من قوله: مثل أثر المجل. وخالف بين
لفظي أداة التشبيه تحاشياً عن نقل التكرار وجملة (وليس فيه شيء) حالية (ثم) قصد بيان
كيفية دحرجة الجمر على الرجل وتنفطها منه فـ (ـأخذ حصاة فدحرجها على رجله) قال
المصنف: هكذا وقع في أكثر الأصول، فدحرجه وهو صحيح أي: دحرج المأخوذ وفي
رواية: ((فأخذ حصى فدحرجه)) قال المصنف: هكذا ضبطناه وهو ظاهر، وما سلكته من أن
الوكت ثم المجل هنا الأثران الباقيان من أثر الأمانة هو ظاهر اللفظ، لكن قال صاحب
التحرير شرح مسلم معنى الحديث: أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً، فإذا زال أول
جزء منها زال نوره وخلفه ظلمة كالوكت، وهو أعراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال
شيء آخر صار كالمجل، وهو: أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي
قبلها. ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب
الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى النفط، وأخذه
الحصاة ودحرجته إياها أراد به زيادة البيان والإِيضاح والله أعلم. وما فسرناه به أظهر والعلم
عند الله تعالى (فيصبح الناس) بعد تلك النومة التي رفع فيها الأمانة (يتبايعون ولا يكاد) أي :
يقارب (أحد) منهم (يؤدي الأمانة) فضلاً عن أدائها بالفعل (حتى) غائية (يقال) لعزة هذا
الوصف وشهرة من يتصف به (إن في بني فلان رجلاً أميناً) ذا أمانة (حتى يقال للرجل: ما
أجلده) على العمل (ما أظرفه) من الظرف (ما أعقله) أي: ما أشد يقظته وفطانته (وما في
قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) فضلاً عن الأمانة التي هي من شعبه (ولقد أتى عليّ)

٤٩٧
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
:
لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَائِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ. وَأَمَّا
الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَنَاً وَفُلَانَا) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ ((جَذْر)) بِفَتْحِ الْجِيمِ
وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ: أَصْلُ الشَّيْءِ. وَ((الْوَكْتُ)) بِالنَّاءِ الْمُثَنَّةِ مِنْ فَوْقُ:
الأَثَرُ الْيَسِيرُ. وَ (الْمَجْلُ)) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكانِ الْجِيمِ وَهُوَ: تَنَفِّطُ فِي الْيَدِ وَنَحْوِهَا
بتشديد التحتية (زمان وما أبالي أيكم بايعت) المراد المبايعة المعروفة. ونقل عياض
وصاحب التحرير أن المراد: عقد بيعة الخلافة وغيرها من التحالف في أمور الدين. قال
المصنف: وهذا خطأ من قائله، وفي الحديث مواضع تبطله، منها قوله: ولئن كان يهودياً أو
نصرانياً، ومعلوم أن اليهودي والنصراني لا يعاقد على شيء من أمور الدين اهـ. والجملة
حاليةٌ وعائد أي: محذوف. أي: لا أبالي بالذي بايعته لعلمي بأن الأمانة لم ترتفع، وأن في
الناس وفاءً بالعهد فكنت أقدم على مبايعة من لقيت غير باحث عن حاله وثوقاً بالناس
وأمانتهم فإنه والله (لئن كان مسلماً ليردنه) بفتح الدال (على دينه) لما يحمله على أداء الأمانة
لأهلها وترك الخيانة (وإن كان نصرانياً أو يهودياً) ليس عنده من الإِيمان ما يحمله على أداء
الأمانة لأهلها (ليردنه على ساعيه) أي: الوالي عليه أي: يقوم بالأمانة فيستخرج حقي منه
(وأما اليوم) فقد ذهبت الأمانة إلا القليل فلذا قال: (فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً)
يعني أفراداً أعرفهم وأثق بهم قال الكرماني: إن قلت: رفع الأمانة ظهر في زمان
رسول الله وَيلة، فما وجه قول: حذيفة وأنا أنتظر الثانية. قلت: المنتظر هو الرفع بحيث يبقى
أثرها مثل المجل، ولا يصح الاستثناء بمثل فلاناً وفلاناً. وهذا الحديث من أعلام النبوة
(متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق والفتن والاعتصام، ورواه مسلم في الإِيمان، ورواه
الترمذي وابن ماجه في الفتن، كذا في الأطراف للمزي (قوله: جذر بفتح الجيم) قال
المصنف: وكسرها لغتان. قال القاضي عياض: مذهب الأصمعي في الحديث فتح الجيم
وأبو عمرو بكسرها (وإسكان الذال المعجمة) مع الوجهين في الجيم (وهو أصل الشيء
والوكت) بوزن الفلس (بالتاء المثناة الأثر اليسير والمجل بفتح الميم وإسكان الجيم)
وفتحها لغتان حكاهما صاحب التحرير والمشهور الإِسكان، فلذا اقتصر عليه المصنف هنا
يقال: مجلت يده بكسر الجيم تمجل بفتحها مجلًا بفتحها أيضاً، ومجلت بفتح الجيم تمجل
بضمها مجلاً بإسكانها لغتان مشهورتان. وأمجلها غيره. قال أهل اللغة والغريب: المجل
(تنفط في اليد ونحوها من أثر عمل) بفاس أو نحوها، وتصير كالقبة فيه ماء قليل(١) (قوله:
(١) عبارة ابن الأثير يقال مجلت يده تمجل مجلاً ومجلت تمجل مجلاً إذا ثخن جلدها وتعجر وظهر فيها ما =

٤٩٨
كتاب: دليل الفالحين
مِنْ أَثَرِ عَمَلٍ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (مُنْتَبِراً)): مُرْتَفِعَاً. قَوْلُهُ(سَاعِيهِ)): الْوَالِي عَلَيْهِ (١).
٢٠٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
((يَجْمَعُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالِى النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ
فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّ خَطِيئَةُ
آبِيكُمْ؟
منتبراً اسم فاعل أي مرتفعاً قوله ساعيه الوالي عليه).
٢٠٢ - (وعن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ويلي: يجمع) بالبناء
للفاعل ومرجع الضمير هو الله تعالى، وقد صرح به في نسخة وقوله: (تبارك) أي: بارك
(وتعالى) علواً معنوياً عما لا يليق بشأنه جملة في محل الحال و (الناس) مفعول يجمع أي:
يجمعهم بعد البعث بأرض المحشر (فيقوم المؤمنون) أي: دون الكفار، ويحتمل أن يكون
معهم المنافقون ثم يميزوا عند المرور على الصراط (حتى تزلف) بضم الفوقية وسكون
الزاي وفتح اللام أي: تقرب (لهم الجنة) قال تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين (فيأتون آدم
فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة) أي: اسأل لنا من الله فتحها لندخلها (فيقول: وهل
أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم) قال المصنف في باب إثبات الشفاعة من شرح مسلم :
اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا في جواز المعاصي على الأنبياء
صلى الله عليهم وسلم، وقد لخص القاضي عياض مقاصد المسألة فقال: لا خلاف أن
الكفر عليهم بعد النبوة ليس بجائز، بل هم معصومون منه. واختلف فيه قبل النبوة،
والصحيح أنه لا يجوز. وأما المعاصي فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة، واختلف
هل ذلك بطريق العقل أو الشرع؟ فقال الأستاذ أبو إسحاق ومن معه: ذلك ممتنع من مقتضى
دليل المعجزة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني ومن وافقه: ذلك من طريق الإِجماع. وذهب
المعتزلة: إلى أن ذلك من طريق العقل. وكذلك اتفقوا على أن كل ما كان طريقه الإِبلاغ
في القول فهم معصومون فيه على كل حال. أما ما كان من طريق الإِبلاغ في الفعل، فذهب
= يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة اهـ. ع.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: رفع الأمانة والفتن، باب: رفع الأمانة والإيمان (٢٨٦/١١
و ٣٣/١٣، ٣٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: رفع الأمانة والإِيمان ... (الحديث: ٢٣٠).

٤٩٩
٢٥ - باب: في الأمر بأداء الأمانة
لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ. اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالَ: فَيَقُولُ
بعضهم إلى العصمة فيه رأساً وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه، وتأولوا أحاديث السهو
في الصلاة، وهذا مذهب الأستاذ أبي المظفر الإِسفراييني من أئمتنا الخراسانيين المتكلمين
وغيره من مشايخ المتصوفة. وذهب بعض المحققين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه
منهم، وهذا هو الحق. ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم إياه إما في الحين على قول
جمهور المتكلمين، وإما قبل وفاتهم على قول بعضهم، ليبينوا حكمه قبل انخرام مدتهم
وليصح تبليغهم ما أنزل إليهم، وكذا لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري
بفاعلها أو تحط منزلته أو تسقط مروءته، واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر، فذهب
جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر
كعصمتهم من الكبائر. فإن منصب النبوة يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله عمداً، وتكلموا
على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها، وأن ما ذكر عنهم في ذلك إنما هو فيما
كان منهم عن تأويلٍ أو سهوٍ أو من غير إذن من الله تعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها،
وهذا المذهب هو الحق؛ وأنه لو صح منهم ذلك لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وإقرارهم، وكثير
من أقوالهم ولا خلاف في الاقتداء بذلك، وإنما اختلاف العلماء في أنه واجبٌ أو مندوبٌ أو
مباحٌ أو يفرق بين القرب وغيرها قال القاضي: وقد بسطنا القول في هذا الباب في كتاب
الشفاء. وبلغنا فيه المبلغ الذي لا يوجد في غيره، وتكلمنا على الظواهر في ذلك بما فيه
كفاية اهـ. قلت: وقد ألف في عصمة الأنبياء وتأويل الآيات الظاهرة في خلاف ذلك
الصابوني البخاري كتاباً خافلا (لست بصاحب ذلك) أي: لست صاحب التشريف بهذا
المقام المنيف قال القاضي عياض: هذا المنقول عن آدم وغيره من الأنبياء يقولونه تواضعاً
وإكباراً بما يسألونه، وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس له بل لغيره، وكل واحد
منهم يدل على الآخر، حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها
محمد وَلّ معيناً، وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى
نبينا وَّ قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء. والحكمة في إلهامهم سؤال آدم
والبدء به ثم من بعده، واعتذار کل بأنه ليس أهل ذلك ليظهر کمال شرفه على سائر الرسل،
إذ لو جاءوا إليه و18 وأجابهم وأجيب لهم لم يظهر كمال التمييز، إذ كان احتمال أن هذا الأمر
له ولغيره من الرسل، فلما تأخر كل عن ذلك وتقدم هوله علم أنه السيد المقدم (اذهبوا إلى
نبي الله إبراهيم خليل الرحمن) أصل الخلة الاختصاص والاستصفاء وقيل: أصلها الانقطاع
إلى من خاللت، مأخوذة من الخلة الحاجة. تسمى إبراهيم بذلك لأنه قصر حاجته على الله

٥٠٠
كتاب: دليل الفالحين
إِبْراهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إلى مُوسَى
الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيماً، فَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهُبُوا إلى
تعالى وقيل: الخلة صفاء المودة التي توجب تخلل الأسرار وقيل معناه: المحبة والألطاف.
هذا كلام القاضي عياض. قال المصنف: وقال ابن الأنباري: معناه المحب الكامل المحبة
والمحب الموفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقصٌ ولا خللٌ قال الواحدي هذا
القول هو الاختيار، لأن الله عز وجل خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال الله
تعالى خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة والله أعلم. (فيقول إبراهيم: لست بصاحب
ذلك) المقام (إنما كنت خليلاً من وراء وراء) قال المصنف: قال صاحب التحرير: هذه
كلمة تذكر على سبيل التواضع. أي: لست بتلك الدرجة الرفيعة قال: وقد وقع لي فيه معنى
مليح، هو أن معناه أن المكارم التي أعطيتها كانت بسفارة جبريل ومي (اعمدوا) اقصدوا (إلى
موسى فإنه كلمه الله تكليماً) فحصل له السماع بلا واسطة. وكرر وراء لكون نبينا وَلاقد حصل
له السماع بغير واسطة وحصل له الرؤية فقال إبراهيم: أنا وراء موسى الذي هو وراء
محمد *. هذا كلام صاحب التحرير قال المصنف: وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه
الفتح بلا تنوين، ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم. وقد جرى في كلام بين
الحافظ أبي الخطاب بن دحية والإِمام أبي اليمن الكندي فرواه ابن دحية بالفتح وادعى أنه
الصواب، وأنكره الكندي وادعى أن الضم هو الصواب. ولذا قال أبو البقاء: الصواب الضم
لأن التقدير من وراء ذلك، أو من وراء شيء آخر. قلت: قال القرطبي: الأولى بنيت على
الضم لقطعها عن الإِضافة لفظاً، وأما الثانية فيحتمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من
الدلالة الأولى عليها، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيداً لفظياً للأولى، ويجوز أن تكون بدلاً
منها أو عطف بيان ا هـ. قال: فإن صح الفتح قبل وتكون الكلمة مؤكدة. كشذر مذر وسقطوا
بين بين، فركبهما وبناهما على الفتح فإن ورد منصوباً منوناً جاز جوازاً جيداً. قال المصنف:
ونقل الجوهري عن الأخفش أنه يقال: لقيته من وراء مرفوع على الغاية كقولك من قبل ومن
بعد قال الشاعر:
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء
بضمهما والله أعلم. وقال القرطبي في المفهم: صحيح الرواية فيه بالمد والفتح في
الهمزتين، ونقل عن أصل شيخه أبي الصبر أيوب أنه من وراء من وراء بتكرير من وفتح
الهمزة فيهما قال: وكان قد اعتنى بهذا الكتاب - يعني صحيح مسلم - أتم الاعتناء قال: