النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
٣ - باب: في الصبر
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ)) وَفِي
رِوَايَةٍ ((فِي قُلُوبٍ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى ((تَقَعْقَعُ)): تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ(١).
٣٠ - وَعَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ .
لما يعلمه من عادته وَّر من مقاومة المصيبة بالصبر عليها، ووقع عند ابن ماجه: فقال عبادة بن
الصامت: والصواب ما في الصحيح إن أخذ بالترجيح، وإلا فلا منافاة لإِمکان صدوره من کل
منهما (يا رسول الله ما هذا) أي: فيض الدمع وجاء في رواية: قال سعد بن عبادة: أتبكي؟ زاد
أبو نعيم في المستخرج: وتنهى عن البكاء. (فقال:) وَ ر (هذه) أي: الدمعة أثر (رحمة
جعلها الله في قلوب عباده) أي: بعض عباده بدليل قوله: (وفي رواية قلوب من شاء من عباده)
أي: ومثل هذا الفيضان الناشىء عن حزن القلب من غير تعمد من صاحبه، ولا استدعاء،
لا مؤاخذة عليه فيه، إنما النهي عن الجزع، وعدم الصبر، أو عما كان مع نوح، أو ندب (وإنما
يرحم الله من عباده الرحماء) بالنصب على أن ((ما)) في إنما كافة، وبالرفع على أنها موصولة،
والرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة، وقضيته أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف
بالرحمة الكاملة بخلاف من فيه رحمة ما، لكن قضية خبر أبي داود وغيره: ((الراحمون يرحمهم
الرحمن)) إنها تشمل كل من فيه رحمة ما إذا الراحمون جمع راحم وهذا هو الأوجه، وإنما بولغ
في الأول، لأن القصد به، الرد على من استبعد جواز فيض الدمع، ولأن لفظ الجلالة فيه دال
على العظمة فناسب فيه التعظيم، والمبالغة، ولما كان الرحمن يدل على المبالغة في العفو،
ذكر مع كل ذي رحمة وإن قلت. قاله ابن الحوفي (متفق عليه) في الديبع بعد إخراج الحديث
إلى قوله: ((ولتحتسب)) ما لفظه أخرجه الخمسة إلا الترمذي (ومعنى تقعقع) بفتح الفوقية
والقافين، مضارع حذفت إحدى تاءيه تخفيفاً (تتحرك وتضطرب) والقعقعة حكاية صوت
الشيء اليابس إذا حرك.
٣٠ - (وعن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية مصغر. تقدمت ترجمته
(رضي الله عنه) في الحديث الثاني من أحاديث الباب (أن) بفتح الهمزة هي ومدخولها في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: قول النبي ويه يعذب الميت ببكاء أهله عليه و(١٢٤/٣) وفي
المرض والإِيمان وغيرها من الأبواب.
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، (باب البكاء على الميت)، (الحديث: ١١).

١٦٢
كتاب : دليل الفالحين
رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاجِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ
قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَأَبْعَثْ إِلَيَّ غُلَاماً أَعَلِّمُهُ السِّحْرَ، فَبَعثَ
إِلَيْهِ غُلَاماً يُعَلِّمُهُ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ
وَسَمِعَ كَلَمَهُ، فَأَعْجَبَهُ، وَكَانَ إذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَّى
السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي
أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيْتَ أَهْلَكَ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إذْ أَتَّى عَلَى
تأويل مصدر مبتدأ خبره الظرف قبله، أي: عن صهيب قول رسول الله، ويجوز الكسر على
إضمار القول أي: أروي عن صهيب حال كونه قائلاً إن (رسول الله وسير قال: كان ملك)
بكسر اللام أي: ذو ملك بضم الميم (فيمن كان قبلكم) من الأمم السابقة (وكان له ساحر)
وعند الترمذي كان لبعض الملوك كاهن يتكهن له. أي والروايات يفسر بعضها بعضاً (فلما
كبر) بكسر الموحدة أي: كبرت سنه، أما كبر بضم الموحدة ففي القدر قال تعالى: ﴿كبرت
كلمة﴾(١) (قال للملك: إني قد كبرت فابعث) أي: أرسل (إلي غلاماً) زاد في رواية
الترمذي: فهماً. أو قال: فطناً نعتان، والغلام لغة الصبي من الفطام إلى البلوغ (أعلمه
السحر) جملة مستأنفة جواباً للسؤال المقدر وهو: ما تفعل به؟ وعند الترمذي (أعلمه علمي
فإني أخاف أن أموت وينقطع عنكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال، فنظروا له
على ما وصف)) (فبعث إليه غلاماً يعلمه) ذكر القرطبي في التفسير أن الضحاك روى عن ابن
عباس: ((كان ملك بنجران وفي رعيته رجل له ابن، واسم الغلام عبد الله بن تامر)) ثم ساق
القصة بنحو ما عند مسلم (وكان في طريقه) أي: الغلام (إذا سلك إلى الساحر راهب) هو
المتعبد من النصارى المتخلي من أشغال الدنيا، التارك لملاذها بالزهد فيها، الصابر على
مشاقها، المعتزل عن أهلها (فقعد) لغلام (إليه) أي: إلى الراهب (وسمع كلامه فأعجبه) زاد
الضحاك في روايته: ((فدخل في دين الراهب)) وعند الترمذي: ((فجعل الغلام يسأل ذلك
الراهب عن معبوده كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال: ((إني أعبد الله)) (وكان) الغلام
(إذا أتى) أي: أراد أن يصل (إلى الساحر مر بالراهب) لكونه في طريقه (وقعد إليه) لمحبته
لنهجه (فإذا أتى الساحر) ووصل إليه (ضربه) وعند الترمذي: ((أن الكاهن أرسل إلى أهل
(١) سورة الكهف، الآية: ٥.

١٦٣
٣ - باب: في الصبر
دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟
فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ
الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ. فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ
لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى! وَإِنَّكَ
سَنُبْتَلَى، فَإِنٍ.
الغلام إنه لا يكاد يحضرني)) (فشكا ذلك إلى الراهب فقال) أي: الراهب (إذا خشيت
الساحر) لتخلفك عندي في الذهاب إليه (فقل حبسني) أي: منعني (أهلي) أي: شغلهم،
وجوز ذلك إن قيل بإسلامه، واستقامته لأنه رأى أن مصلحة تخلفه عنده تزيد على مفسدة
تلك الكذبة، فهو نظير الكذب لإصلاح الخصمين، أو أنه من باب الكذب، لانقاذ المحترم
من التعدي عليه بالضرب (وإذا خشيت أهلك) لتخلفك عندي في العود من عند الساحر
(فقل حبسني الساحر فبينما هو على ذلك) المذكور من التردد بين الرجلين (إذ أتى على دابة
عظيمة) عند الترمذي قال بعضهم إن تلك الدابة كانت أسداً (قد حبست الناس) أي:
منعتهم من المرور لخوفهم من صولتها (فقال:) الغلام (اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب
أفضل) أي: ينكشف لي ذلك (فأخذ) الغلام (حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب) أي :
ما هو فيه الشؤون، والأمور (أحب إليك من أمر) أي: حال، وشأن (الساحر فاقتل هذه
الدابة) أي: عقب وصول الحجر إليها، ليكون ذلك آية على أحبية الراهب عندك وقوله:
(حتى يمضي الناس) يصح أن يكون غاية مترتبة على السؤال، وأن يكون علة له (فرماها)
الغلام (فقتلها) بتلك الرمية، وإسناد القتل إليه مجاز عقلي، لكونه السبب الصوري في
ذلك، والفاعل حقيقة هو الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء، وإهانة
أعداء الله الأغبياء (ومضى الناس) أي: انطلقت ألسنتهم بالثناء عليه، بالعلم. وعند الترمذي
ففزع الناس وقالوا: ((قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد)) ويحتمل أن يكون المراد
فمضى الناس في تلك السبيل لزوال المانع من سلوكها (فأتى) الغلام (الراهب فأخبره) فيه،
وفيما بعده من جهة حكايته بلي له وعدم إنكاره أنه لا بأس بذكر الإِنسان مفاخره، وحمد
الناس له، والثناء عليه بحضوره إذا لم يترتب عليه فتنة من نحو عجب (فقال له الراهب أي:
بني أنت اليوم) المراد منه الحين كما في يومئذ (أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى) أي:
من كمال اليقين وصدق الاعتقاد وقوله: ((قد بلغ الخ)) كالتعليل لما قبله (وإنك ستبتلى)
بالبناء للمجهول ثم يحتمل أن يكون هذا منه بطريق الكشف، فيكون كرامة، أو بطريق
الفراسة أو بطريق العادة والتجربة، إذ من خالف الناس في منهجهم ابتلوه وآذوه (فإن

١٦٤
كتاب : دليل الفالحين
أَبْتُلِيْتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَمُ يُبْرِىءُ الأَكَمَهَ وَالأَبْرَصَ، وَيُداوي
النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأُدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا
كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَداً، إِنَّمَا
يَشْفِي اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ تَعَالَى فَشَفَاهُ
ابتليت) بالبناء للمجهول، وأتى بحرف الشك ثانياً مع تحقيقه ذلك أولاً، وتأكيده لأن ذلك
بحسب ما قام عنده مما يقتضي وقوع ذلك حتى جزم به، وأخبر عما عنده منه، وما هنا
باعتبار الواقع، وما يبرز في عالم الشهادة: فإن الفراسة قد تخطىء، والتجربة قد تتخلف،
والكشف قد يعارض، أو قصد به التخفيف عن الغلام فلا يخاطبه بجملتين تدلان يقيناً على
الابتلاء، لئلا يصير في الكرب قبل حلول البلاء (فلا تدل) بضم المهملة (عليّ) بتشديد الياء
(وكان) أي: صار (الغلام يبرىء الأكمه) أي: يحصل البرء عقب علاجه فالإِسناد إليه مجاز
عقلي، والأكمه بفتح الهمزة وسكون الكاف هو الذي ولد أعمى (والأبرص) أي: من وقع به
البرص داء معروف (ويداوي الناس من سائر) أي: جميع (الأدواء) أي: الأمراض والأسقام
جمع داء، والجملة معطوفة على ((يبرىء الخ)) عطف عام على خاص، وخصا بالذكر لأنهما
داءا إعياء (فسمع) أي : به وهي ثابتة في الحديث في نسخة مصححة من التيسير للدييع غير
أني لم أرَ ذلك في أصله جامع الأصول فلعله من الكتاب (جليس للملك كان قد عمي فأتاه)
أي: فأتى الجليس الغلام (بهدايا كثيرة فقال) الجليس (ما) أي: الذي (ها هنا) أي: في
هذا المكانْ من الهدايا كائن (لك أجمع) تأكيد لما، أو للضمير المنتقل للظرف المستقر،
وما مبتدأ خبره لك، وها هنا صلة الموصول، ورواه الديبع بلفظ: هي لك. ولعل نسخته من
مسلم كانت كذلك (إن أنت شفيتني) أي: إن شفيتني أنت، لا غيرك كما يؤذن به المقام،
فإن شرطية وفعل الشرط محذوف، ولما حذف، انفصل الضمير المتصل به، وقوله:
((شفيتني)) تفسير لفعل الشرط المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة سابق الكلام عليه
أي: إن شفيتني فلك جميع ما ها هنا (فقال:) الغلام (إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله
تعالى) بفتح حرف المضارعة فيهما، والجملة الثانية مؤكدة لمضمون ما قبلها، أي: إذا كان
لا يشفي أحد إلا الله فلا أشفي أحداً، إذ لا شفاء إلا شفاؤه سبحانه، وحذف المفعول من
يشفي لعدم تعلق الغرض به نحو: زيد يعطي ويمنع. لبيان أنه يقع منه هذان الصنفان من
غير تعرض لبيان المعطي والممنوع، أو للتعميم (فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك) من عماك
الحسي كما شفاك بالإِيمان من عماك المعنوي (فآمن) أي: الجليس (بالله تعالى) عقب قول

١٦٥
٣ - باب: في الصبر
اللَّهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ
بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي . قَالَ: أَوَلَكَ رَبُّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ
يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلامِ. فَجِيءَ بِالْغُلامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنِيَّ قَدْ بَلَغَ
مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ! فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَداً إنَّما
يَشْفِي اللَّهُ تَعَالَى
الغلام لسبق العناية به، وليترتب عليه ما سبق ترتبه عليه في علم الله سبحانه (فشفاه الله) أي :
حصل له الشفاء الموعود بترتبه على الإِيمان ليزداد يقينه، وزاد الترمذي: ((أنه أخذ عليه
العهد إن رجع إليه بصره، أن يؤمن بالذي رده عليه، فقال: نعم، فدعا الله تعالى فرد عليه
بصره، فآمن الأعمى)) وما في الصحيحِ مقدم على ما في غيره عند التعارض (فأتى) الجليس
(الملك) بكسر اللام (فجلس) مفضياً (إليه) جلوساً (كما كان يجلس) أي: إن جلوسه بعد
شفائه مماثل لجلوسه قبل حلول دائه (فقال له الملك: من رد عليك بصرك) أي: إدراكك
للمبصرات (قال ربي) أي: رده ربي، أو ربي رده، فالأول مراعاة للخبر، والثاني للمبتدأ
(قال:) يعني الملك (ولك رب غيري؟) بتقدير همزة الاستفهام الإِنكاري قبل العاطف أي:
أو لك رب غيري (قال) يعني الجليس (ربي) أي: مالكي ومربي بألطافه (وربك) كذلك
(الله) خبر عن قوله ربي لأن المختلف فيه بينهما تعيينه ففيه قصر قلب (فأخذه فلم يزل)
الملك (يعذبه) بتشديد الذال والتضعيف: إما باعتبار أنواع العذاب، أو باعتبار شدته،
وغلظه، ليدل على من علمه ما هو فيه (حتى) غائية (دل على الغلام فجيء بالغلام) أي: فأمر
بالغلام فجيء به، ووضع الظاهر موضع المضمر دفعا لإِيهامه أن المراد فأتى بالجليس (فقال
له الملك: أي بني) بضم الموحدة، وفتح النون، وكسر التحتية المشددة، ويجوز فتحها
أصله ((بنيو)) اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء، وأدغمت في
مثلها ثم أضيف للياء فاجتمعت ثلاث ياءات فحذفت الثالثة تخفيفاً، وكسرت الثانية في لغة،
للدلالة على المحذوفة، وفتحت وسكنت في أخرى تخفيفاً. قاله على سبيل التلطف به، أو
على ما جرت به العادة من مخاطبة الكبير للصغير (قد بلغ من سحرك ما) موصول اسمي أو
نكرة موصوفة (تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل) كناية عن كثرة تصرفاته ومزيد أعماله،
وفي نسخة: وتفعل ما تفعل (فقال إني لا أشفي أحداً) رد لما يفهم من كلام الملك حيث
نسب إليه إبراء المريض دون الله عز وجل، ثم أثبت الغلام ذلك لله وحده بقوله: (إنما
يشفي الله تعالى) فهو قصر قلب، وما كافة، وإنما أداة حصر على الصحيح كما تقرر في

١٦٦
كتاب : دليل الفالحين
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ
ارْجَعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبِى، فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ، فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ
فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى،
فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلامِ فَقِيلَ لَهُ
ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا
وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّ فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا
بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِم الْجَبَلُ فَسَقَطُوا،
الأصول (فأخذه) أي: أخذ الملك الصبي (فلم يزل يعذبه) يدل على من علمه ما هو فيه
(حتى) غائية أي: كان غاية تعذيبه أن (دله على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن
دينك) حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض، ودينه هو ما دل عليه كلامه، وصرح به من
عبادة الله عز وجل (فأبى) أي: امتنع أشد الامتناع (فدعى بالمنشار) بالهمزة في رواية
الأكثرين، وهو الأفصح، ويجوز تخفيف الهمزة وقلبها ياء وروي: ((بالمنشار)) بالنون لغتان
صحيحتان، إذ يقال أشرت الخشبة ونشرتها (فوضع المنشار) بالبناء للمجهول (في مفرق
رأسه) بكسر الراء، وسطه (فشقه حتى وقع شقه) على الأرض (ثم جيء بجليس الملك فقيل
له: ارجع عن دينك فأبى) أي: امتنع أشد امتناع (فوضع المنشار) بالهمزة وبالنون (في
مفرق) بفتح الميم وكسر الراء أي: مكان فرق شعر (رأسه فشقه) مستعيناً (به) أي:
بالمنشار، واستمر يشقه (حتى وقع شقاه) بكسر الشين المعجمة أي: جانباه على الأرض (ثم
جيء بالغلام) ولعل تأخيره حتى يرى ما فعل بصاحبه فيرجع عما هو عليه (فقيل له: ارجع
عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر) بفتح أوليه اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة
ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه (من أصحابه) أي: الملك. أي: أتباعه
وخدمه أو من أصحاب الغلام، ويؤيده قوله فيما يأتي: ما فعل أصحابك، فقصد به زجرهم
عن أن يقعوا فيما تسبب عنه عذابه (فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا) من ألفاظ الكنايات
يكنى بها عن المجهول وعما لا يراد التصريح به قاله في النهاية (فاصعدوا به الجبل، فإذا
بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه) فاتركوه بدليل (وإلا فاطر حوه) أي: وإلا يرجع فاطرحوه،
فحذف فعل الشرط لدلالة سابق الكلام عليه (فذهبوا به فصعدوا) بكسر العين المهملة (به)
أي: جعلوه صاعداً، أو صعدوا بسببه، أو معه (الجبل فقال:) الغلام (اللهم اكفنيهم بما

١٦٧
٣ - باب: في الصبر
وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِك. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ
تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَذْهَبُوا بِهِ فَأَحْمِلُوهُ فِي قُرْفُورٍ وَتَوَسَّطُوا بِهِ
الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّ فَاقْذِفُوه، فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْفِيْهِمْ بِمَا شِئْتَ
فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلى الْمَلِكِ،، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ
أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِي حَتَّى تَفْعَلَ
مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِدْعِ
شئت) أي: بمشيئتك، فما مصدرية، أو موصول، أي: بالذي شئت من أنواع الكفاية إما
بإهلاكهم، أو بغيره (فرجف) بفتح أوليه الراء فالجيم، أي: تحرك واضطرب (بهم الجبل
فسقطوا) أي: بسبب اضطرابه. وفيه نصر من توكل على الله سبحانه، وانتصر به، وخرج عن
حول نفسه وقواها (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه آية الله تعالى بنصر أهل دينه
لينكشف عن قلبه حجب الغواية فيرجع إلى الإِيمان (فقال الملك: ما فعل أصحابك فقال:
كفانيهم الله تعالى) وحاق سوء فعلهم بهم (فدفعه إلى نفر) آخرين (من أصحابه فقال:
اذهبوا به فاحملوه في قرقور) في النهاية هي السفينة العظيمة(١) وجمعها قراقير (وتوسطوا به
البحر) أي: ليبعد الغور فيتعذر الخلاص (فإن رجع عن دينه) فاتركوه (وإلا) أي: وإلا يرجع
عنه (فاقذفوه) بكسر الذال المعجمة، أي ارموه بقوة (فذهبوا به) حتى بلغوا وسط البحر
(فقال:) الغلام (اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة) أي: انقلبت بهم (فغرقوا)
يحتمل أنه كان معهم في القرقور فنجاته دونهم آية، وهذا هو الأقرب ويحتمل أنه كان في
قرقور آخر فغرق قرقورهم ونجا ما كان هو فيه (وجاء) الغلام (يمشي إلى الملك) ليريه
الآيات الكبرى المرة بعد الأخرى ليبصر ضياء الإِيمان، ولكن لا تبصر أعين العميان (فقال له
الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله تعالى فقال) الغلام (للملك: إنك لست بقاتلي)
أي: في أي حال من الأحوال كما يقتضيه تأكيد النفي بزيادة الباء في الخبر (حتى تفعل)
أي: إلا في حال أن تفعل (ما آمرك به قال) الملك (ما هو) أي: أي شيء الأمر الذي تأمرني
به (قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد) أي: أرض واحدة ومقام واحد (وتصلبني) بضم
اللام من الصلب وهو تعليق الإِنسان للقتل، وقيل: شد صلبه على خشبة. كذا في مفردات
الراغب (على جذع) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، أي: عود من أعواد النخل،
(١) قوله العظيمة الذي في شرح مسلم قيل صغيرة وقيل كبيرة. ع.

١٦٨
كتاب : دليل الفالحين
ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنانَتِيْ ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ
اُلْغُلامِ ثُمَّ أَرْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ
وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ، ثُمَّ
قَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ
فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ
وجمعه جذوع (ثم خذ سهماً من كنانتي) بكسر الكاف وبنونين بينهما ألف بيت السهام (ثم
ضع السهم في كبد) بفتح فكسر، أو بفتح، أو كسر مع سكون للثاني فيهما، أي وسط
(القوس ثم قل:) أتى بثم لتفاوت منزلة ما بعدها، وما قبلها وهي قد تستعار لذلك كما في
الكشاف في قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾(١) وإلا فمقتضى المقام
الإِتيان بالفاء؛ لأن ذلك الذكر مطلوب منه عقب وضع السهم في كبد القوس بلا مهملة
(باسم الله) قال المصنف في شرح مسلم نقلاً عن الكتاب: إنها تكتب في هذا، وأمثاله
بإثبات الألف بعد الموحدة. قال: وإنما تحذف إذا كانت البسملة بجملتها لكثرته كذلك
فخفف بحذفها (رب الغلام) تمم به الغلام، لئلا يوهم الملك الحاضرين أن الغلام أراد
بقوله باسم الله معبود ذلك الملك، أو الملك، وإن كان لفظ الجلالة لم يسم به غير الله
تعالى، ونظيره ما حكي عن السحرة: ﴿قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾(٢) وإلا
فالجلالة أعرف الأسماء ومتعلق الأوصاف الحسنى (ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك) المذكور
(قتلتني ) إسناد القتل إليه مجاز عقلي. أي: أتيت بما جعله الله سبباً لقتلي، وقصد الغلام
من هذا الكلام إفشاء توحيد الله تعالى بين الناس وإظهار أن لا مؤثر في شيء سواه، ولم
يفطن الملك لذلك لفرط غباوته (فجمع) الملك (الناس في صعيد) مقام (واحد وصلبه)
الضمير المستكن يعود للملك، والبارز للغلام (على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته) أي:
كنانة الغلام (ثم وضع السهم في كبد) وتر (القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام) أي: أرميه
لأقتله (ثم رماه فوقع السهم في صدغه) بضم الصاد وسكون الدال المهملتين، هو ما بين
العين إلى شحمة الأذن (فوضع الغلام يده في) أي: على (صدغه) لتألمه من السهم (فمات
فقال الناس: ) لما رأوا الآية العظمى الشاهدة لله تعالى بالوحدانية، وأنه الفاعل المختار، ولا
فاعل سواه وأنه هو الإِلَه (آمنا برب الغلام، فأتى) بصيغة المجهول (الملك) أي: حين وقع
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٩.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢١ و١٢٢.

١٦٩
٣ - باب: في الصبر
تَحْذَرُ! قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ: قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالاخْدُودِ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ
فَخُدَّتْ وَأُضْرِمَ فِيهَا الِّيْرَانُ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ
آقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا،
فيما حذر منه من توحيد الله تعالى والإِيمان به (فقيل له أرأيت) بفتح التاء أي أخبرني (ما
كنت تحذر) ما مبتدأ، والجملة صلته، والعائد محذوف أي: تحذره، والخبر (قد والله نزل
بك حذرك) أي: ما كنت تحذر منه من إيمان الناس وقع بك، والفصل بين قد ومدخولها
بالقسم للتأكيد والاهتمام الذي يقتضيه المقام (قد آمن الناس) تفسير للذي كان يحذر منه
(فأمر) بالبناء للفاعل أي: الملك، أو بالبناء للمفعول (بالأخدود) بضم الهمزة والدال
المهملة الأولى وسكون المعجمة بينهما والواو بين الدالين (بأفواه السكك) الأفواه جمع فوه،
والسكك بكسر أوله المهمل وفتح ثانيه، جمع سكة وهي الطرق، والمراد من أفواهها أبوابها
(فخدت) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة أي: شقت الأخاديد (وأضرم) بالبناء
للمجهول (فيها) أي: في الأخدود (النيران) جمع نار (وقال:) أي: الملك (من لم يرجع
عن دينه) أي: الإِيمان الذي صار إليه (فأقحموه) بهمز القطع أي: القوه كرهاً (فيها أو) شك
من الراوي (قيل له) أي: لمن لم يرجع عن دينه (اقتحم) أي: النار فالمفعول محذوف،
والمراد أنه شك هل أمرهم بإلقاء من أبى، أو بأمره أن يلقي نفسه فيها (ففعلوا) أي: ما أمروا
به من الأخدود وما بعده، واستمروا كذلك (حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها) أي: في غير
أوان الكلام کما أشار إليه المصنف وزاد أنه کان سنه أکبر من سن صاحب المهد، وإن كان
صغيراً. قلت جاء في رواية عند ابن قتيبة: إنه كان ابن سبعة أشهر. ولم يذكره صاحب
الابتهاج في المعراج، وذكر ابن المشاطة، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن
مريم، وقال غيره: قد تكلم في الصغر جماعة، وبلغ عده لهم عشرة، ولا ينافي خبر
الصحيحين(١) لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، وذكر عيسى، وصاحب جريج وابن المرأة التي
مر عليها بامرأة يقال لها زنت، لاحتمال أنه قاله قبل أن يعلم الزيادة أو أن المراد ((من بني
إسرائيل)) وقد نظم الحافظ جلال الدين السيوطي أسماءهم فقال:
ويحيى وعيسى والخليل ومريم
تكلم في المهد النبي محمد
وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف
(١) سيأتي هذا الخبر في باب ضعفة المسلمين.

١٧٠
كتاب : دليل الفالحين
فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهَ اصْبِرِي عَلَى الْحَقِّ)) رَوَاهُ مُسْلِم(١).
(ذِرْوَةُ الْجَبَلِ)): أَعْلَهُ هِيَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا. و((القُرْقُورُ)) بِضَمِّ الْقَافَيْنِ:
نَوْعٌ مِنَ السُّفُنِ. وَ((الصَّعِيدُ)) هُنَا: الأَرْضُ الْبَارِزَةُ. وَ((الْأُخْدُودُ)): الشُّقُوقُ فِي
الأَرْضِ كَالنَّهْرِ الصَّغِيرِ. وَ((أُضْرِمَ)): أُوقِدَ. وَ ((انْكَفَأَتْ)): أَيْ انْقَلَبَتْ. وَ((تَقَاعَسَتْ)).
تَوَقَّفَتْ وَجَبِّنَتْ.
يقال لها تزني ولا تتكلم (٢)
وطفل عليه مر بالأمة التي
وفي زمن الهادي المبارك يختم
وماشطة في عهد فرعون طفلها
قلت وقد نظمت أسماءهم في أبيات ستأتي إن شاء الله تعالى في باب فضل ضعفة
المسلمين (فتقاعست) أي: توقفت، ولزمت موضعها، وكرهت (أن تقع فيها) أي: في النار
(فقال لها الغلام) بلسانه (يا أماه) بسكون الهاء وهي للوقف لحقت آخر المندوب المتفجع
عليه (اصبري) أي: على هذا العذاب فإنه يؤول إلى جزيل الثواب (فإنك على) الدين
(الحق) أي: الإِيمان وفي الكشاف وقيل: قال لها قعي، ولا تقاعسي وقيل: ما هي إلا
غميضة. فصبرت (رواه مسلم) وكذا رواه الترمذي، وفيه بعض اختلاف، وزيادة، ونقص.
وقوله في الحديث (ذروته) أي: أعلاه وهي بكسر الذال المعجمة. وضمها وجمعها ذرى
بضم ففتح (والقرقور) بضم القافين وإسكان الراء المهملة بينهما (نوع من السفن) تقدم عن
النهاية إنه السفينة العظيمة (وانكفأت السفينة) أي: انقلبت، وتقاعست بالقاف والعين
والسين المهملتين، توقفت وجبنت عن ولوج الأخدود، وقضية مراعاة سياق الحديث ذكر
هذه المادة آخر ما يذكر من غريب الحديث، وقد وجد كذلك في أصل قديم (والصعيد هنا)
أي: في قوله في صعيد واحد (الأرض البارزة) ومن هذه المادة قوله في الحديث القدسي :
((لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد)) الحديث: وقيده بقوله هنا
احتراز عنه في نحو قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٣) فإن المراد منه التراب (والأخدود
بضم الهمزة الشقوق) بضم أوليه جمع شق (في الأرض كالنهر الصغير وأضرم) بالضاد
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام (الحديث:
٧٣).
(٢) هذا البيت ليس من كلام السيوطي بل زاده بعضهم وزاد بعضهم اثنين بقوله:
ونوح ببطن الغارفي يوم وضعه
(٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.
وموسى من التنور والنار تضرم

١٧١
٣ - باب: في الصبر
٣١ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّلَهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرِ،
فَقَالَ: ((اتَّقِي اللَّهَ وَأَصْبِرِي)) فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي. وَلَمْ
تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ ◌َ
المعجمة (أوقد) وفي الحديث بيان شرف الصبر، وإنه وإن عظم في الألم، وتحمل
الشدائد، فهو سهل في جنب ما أعد لصاحبه من الثواب، وفيه فضل الثبات على الدين،
وإن عذب بأنواع العذاب، كما وقع من بلال في أول الإِسلام، وإن كان يجوز في مثل هذه
الحالة الإِتيان بألفاظ الكفر مع الإِيمان القلبي لعذر الإكراه كما وقع من عمار بن ياسر، إلا
أن ما وقع من بلال أفضل لما في الحديث: ((إن مسيلمة أخذ أسيرين من أصحاب
النبي ◌َّطاهر، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: وما تقول في؟
فقال: وأنت. فأرسله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: وما تقول
في؟ فقال: لا أدري، فلم يزل يسأله، وهو يجيبه بذلك حتى قطعه إرباً إرباً(١) فبلغ ذلك
رسول الله ﴿ فقال: أما أحدهما فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له))
وأورد الحديث ابن كثير، وغيره في تفاسيرهم.
٣١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: مرّ النبي ◌َّ بامرأة تبكي عند قبر) قال في فتح
الباري: لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم صاحب القبر، وفي رواية مسلم ما يشعر
بأنه ولدها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عن عبد الرزاق فقال: قد أصيبت بولدها
(فقال لها: اتقي الله واصبري) وفي رواية أبي نعيم في المستخرج ((فقال يا أمة الله اتقي الله))
قال القرطبي : الظاهر أنها كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى،
قال في فتح الباري: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: ((فسمع فيها ما يكره
فوقف عليها)) وقال الطيبي قوله: اتقي الله. توطئة لقوله واصبري، كأنه قال لها: خافي
غضب الله إن لم تصبري، واصبري، ليحصل لك الثواب (فقالت: إليك) اسم فعل بمعنى
تنح وابعد (عني فإنك لم تصب) بالبناء للمجهول (بمصيبتي) وفي رواية للبخاري: ((فإنك
خلو من مصيبتي)) وهو بكسر الخاء وسكون اللام، ولمسلم: ((وما تبالي بمصيبتي)) ولأبي
يعلى من حديث أبي هريرة: ((أنها قالت يا عبد الله إني الحراء الثكلى، ولو كنت مصاباً
لعذرتني)) (ولم تعرفه) جملة حالية أي: خاطبته بذلك غير عارفة أنه النبي ◌َّ (فقيل لها: إنه
النبي (وَ 184) وفي رواية لأبي يعلى: ((فمر بها رجل فقال لها هل تعرفينه قالت لا)) والطبراني في
(١) بسكون الراء أي عضواً عضواً ومن الخطأقولهم أرباًبكسر ففتح من غيرتكرار. ع.

١٧٢
كتاب : دليل الفالحين
فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ! فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ
عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا(١).
٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
الأوسط من طريق عطية عن أنس: أن الذي سألها هو الفضل بن العباس. زاد مسلم في
رواية له: ((فأخذها مثل الموت)) أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه
رسول الله * حياء منه، ومهابة (فأتت) للاعتذار (باب النبي ◌َّر فلم تجد عنده بوابين) قال
الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها إنه النبي و لتر استشعرت خوفاً، وهيبة في نفسها،
وتصورت أنه مثل الملوك له حاجب، أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر
بخلاف ما تصورته (فقالت: لم أعرفك) في حديث أبي هريرة: والله ما عرفتك (فقال:) وَله.
(إنما الصبر) أي: الذي يحمد عليه صاحبه كل الحمد ما كان (عند الصدمة الأولى) أي :
عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعدها فإنه على عود الأيام يسلوا قاله الخطابي، وقال
الطيبي : صدر الجواب منه # بهذا عن قولها لم أعرفك على أسلوب الحکیم، كأنه قال لها
دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغير الله، وانظري إلى نفسك في تفويتك الثواب الجزيل بعدم
الصبر عند مفاجأة المصيبة. وقال ابن كثير: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة
لما أمرها به من التقوى، والصبر معتذرة من قولها الصادر عن الحزن، بين لها أن حق هذا
الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب: أي كماله اهـ. (متفق عليه)
وكذا أخرجه الترمذي، والنسائي كما في أمالي الأذكار للحافظ ابن حجر، لكن في تيسير
الوصول للدييع: أخرجه الخمسة إلا النسائي، يعني الشيخين وأبا داود، والترمذي، فليحرر
ذلك. (وفي رواية) أي: أخرى (لمسلم تبكي على صبي لها) وهذه الرواية هي المشار إليها
في كلام فتح الباري السابق المشعرة بأن صاحب القبر كان ابناً للباكية .
٣٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ليل قال: يقول الله تعالى:) هذا من
الأحاديث القدسية وهي أكثر من مائة حديث جمعها بعضهم في جزء كبير، والفرق بينه وبين
القرآن أن القرآن اللفظ المنزل للإعجاز والقدسي ما أخبر الله به نبيه بالإلهام، أو رؤيا
المنام، أو غيره من كيفيات الوحي، فعبر عنه وَ له بعبارته، فلا يكون معجزاً، ولا متواتر،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور (١٣٨/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى. (الحديث: ١٤).

١٧٣
٣ - باب: في الصبر
مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنُ عِنْدِي جَزَاءٌ إذا قَبَضَتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّ الْجَنَّةُ))
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ لَه عَنِ الطَّاعُونِ؟
فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ كَانَ عَذَاباً بَبْعَتُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ فِي الطَّاعُونِ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً يَعْلَمُ أَنَّهُ
كالقرآن، ولذا لم يثبت له شيء من أحكامه: من حرمة حمله، ومسه على المحدث، وقراءته
على الجنب، وبيعه في رواية عن أحمد، وكراهته عندنا، وحصول الثواب على كل حرف
منه لقارئه بعشر حسنات وغير ذلك. ثم لروايته صيغتان تقدم ذكرهما في باب الإِخلاص.
وما عبر به في هذه الرواية فهو قريب من العبارة الأولى، وهي عبارة السلف التي عبر بها
المصنف ثمة والله أعلم (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت) بفتح الموحدة (صفيه)
أي: حبيبه لأنه يصافيه وده، ويخلصه محبته، فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول (من أهل الدنيا)
بيان للواقع (ثم احتسبه) بأن يرجو ثوابه، ويدخره عند الله تعالى، وذلك ينبىء عن الصبر،
والتسليم (إلا الجنة) أي: دخولها مع الناجين وذلك لا ينافي الورود تحلة القسم (رواه
البخاري) في كتاب الرقاق من صحيحه.
٣٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها) جملة دعائية مستأنفة أو خبرية في محل الحال ونظيره
فيهما جملة ◌َّر، وينبغي أن يراد بهما الأول منهما لإِحراز ثواب الدعاء به (أنها سألت
رسول الله وَر عن) شأن (الطاعون) وحقيقته كما يؤخذ من الأحاديث بثر مؤلم يخرج غالباً
في الآباط مع لهب واسوداد حواليه، وخفقان القلب، والقيء، وهو كما قال الحافظ ابن
حجر: أخص من الوباء لأنه وخز الجن، والوباء المرض العام (فأخبرها أنه كان عذاباً
يبعثه الله على من يشاء) في نسخة من البخاري على من شاء أي من كافر، أو عاص بارتكاب
كبيرة، أو إصرار على صغيرة (وجعله رحمة للمؤمنين) قال الشيخ زكريا في حاشيته على
البخاري أي: غير مرتكبي الكبائر. والتخصيص يحتاج للتوقيف (فليس من عبد يقع في
الطاعون) أي: به، أو في بلده، أو هو من قبيل التجريد(٢) نحو: ﴿لكم في رسول الله أسوة
حسنة﴾ (٣) وفي رواية بحذف في (فيمكث في بلده) التي وقع بها الطاعون (صابراً) على
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: العمل الذي يُبتغى به وجه الله تعالى. (٢٠٧/١١).
(٢) هذا الوجه لا أفقهه فليحرر. ع
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٢١ .

١٧٤
كتاب: دليل الفالحين
لا يُصِيبُهُ إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهيدِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ)) يُرِيدُ عَيْنَيْهِ.
ما نزل به، أو ببلده (محتسباً) أي: راجياً للأجر، والثواب من الله (يعلم أنه لا يصيبه) شيء
(إلا ما كتب له) العائد على ما محذوف (إلا كان له مثل أجر الشهيد) وإن مات بغير
الطاعون، فإنه حيث كان موصوفاً بما أشار إليه الحديث من قصده ثواب الله، ورجائه
وموعوده، عارفاً أنه لو وقع به فبتقدير الله، وإن صرف عنه فكذلك وهو غير متضجر لو وقع
به، معتمداً على ربه في حال صحته، وسقمه، كان له أجر الشهيد، وإن مات بغير
الطاعون، كما هو ظاهر الحديث، ويؤيده: رواية ((من مات في الطاعون، فهو شهيد)) ولم
يقل بالطاعون، وكذا لو وجد من اتصف بهذه الصفات، ثم مات بعد انقضاء زمن الطاعون،
فإن ظاهر الحديث أنه شهيد، ونية المؤمن أبلغ من عمله، أما من لم يتصف بالصفات
المذكورة فإن مفهوم الحديث أنه لا يكون شهيداً وإن مات بالطاعون، ومما يستفاد من هذا
الحديث أن الصابر في الطاعون المتصف بالصفات المذكورة يأمن من فتان القبر: لأنه نظير
المرابطة في سبيل الله، وقد صح ذلك في المرابط كما في حديث مسلم وغيره اهـ. ملخصاً
من فتح الباري (رواه البخاري) وكذا أحمد، والنسائي.
٣٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت النبي ◌ّله يقول:) جملة حالية من مفعول
سمعت، وأتى بها مضارعة بعد سمع حكاية للحال الماضية (إن الله عز وجل) أي: عز شأنه
وجل برهانه، وأتى بهما، وإن كانا في المعنى متقاربين لأن مقام الثناء مقام إطناب، وهذا
حديث قدسي لأنه ◌ّ روى عن ربه سبحانه أنه (قال) أي: بكلامه النفسي الذي هو صفة
ذاته (إذا ابتليت عبدي) أي: عاملته معاملة المبتلى أي: المختبر، فإن الابتلاء إنما يكون من
الجاهل بعواقب الأحوال، والله بكل شيء عليم، وهو يستعمل في الخير، والشر (بحبيبتيه
فصبر) على فقدهما محتسباً لأجرهما مدخراً له عند الله تعالى (عوضته منهما) أي: بدلهما
فهو كقوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ (٢) (الجنة) أي: مع الفائزين، أو
منازل مخصوصة منها (يريد) أي: النبي وَّ بحبيبتيه (عينيه) خصهما بذلك؛ لأنهما أحب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: أجر الصابر في الطاعون (١٦٣/١٠، ١٦٤).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٣٨.

١٧٥
٣ - باب: في الصبر
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٣٥ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ
النَّبِيِّ وَ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لي. قَالَ: ((إِنْ شِئْتٍ
صَبَرْتٍ وَلَكِ الْجَنَّةُ،
أعضاء الإِنسان إليه (رواه البخاري) وأخرج الترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَله: ((يقول الله عز وجل من أذهبت حبيبتيه، فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً
دون الجنة)) ووجه هذا الجزاء أن فاقدهما حبيس، فالدنيا سجنه حتى يدخل الجنة على
ما ورد في الحديث: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)).
٣٥ - (وعن عطاء) بالمهملتين المفتوحتين والمد (ابن أبي رباح) بالراء المفتوحة
وبالموحدة وبالمهملة. في الكاشف للذهبي: عطاء بن أبي رباح هو أبو محمد القرشي
مولاهم المكي أحد الأعلام، روى عن عائشة، وأبي هريرة، وعنه الأوزاعي، وابن جريج،
وأبو حنيفة، والليث، خرج عنه الستة أي: وغيرهم، عاش ثمانين سنة ومات سنة مائة وأربع
عشرة وقيل خمس عشرة اهـ. وسأذكر زيادة على هذا في الكلام على ترجمته في رجال
الشمائل أعانني الله على إتمامه (قال) عطاء (قال لي) اللام لام التبليغ (ابن عباس رضي الله
عنهما: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، أداة عرض بدىء بها ليتوجه السامع لما بعدها
(أريك امرأة) من الأراءة البصرية، ولذا تعدت المفعول فقط (من أهل الجنة) في محل
الصفة لامرأة (فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء) اسمها سعيرة بضم المهملة الأولى،
وفتح الثانية وسكون التحتية الأسدية، وكنيتها أم زفر بضم الزاي، وفتح الفاء، والراء آخره
(أتت النبي ◌َّر. فقالت:) مخبرة عما نزل بها من غير تبرم، ولا تضجر لأن البر يهدي إلى
البر طالبة منه الدعاء برفع دائها (إني أصرع) بضم الهمزة من الصرع، علة معروفة (وإني
أتكشف) من التفعل، وفي نسخة من الانفعال، أي: ينكشف بعض بدني من الصرع
(فادع الله لي) أي: برفع الصرع الناشيء عنه التكشف (قال: إن شئت) صبرت بكسر تاء
الخطاب فيهما. وصبرت مفعول شاء أي: الصبر على هذا الداء محتسبة (ولك الجنة) وفي
نسخة الأجر، جملة حالية أفادت فضل الصبر، وجواب الشرط محذوف أي: فاصبري،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: فضل من ذهب بصره (١٠٠/١٠).

١٧٦
كتاب: دليل الفالحين
وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَكِ))، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ
اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
٣٦ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ
إلى رَسُولِ اللَّهِ بَهِ يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ
ويجوز أن تكون جملة صبرت جواب الشرط ومفعول هاء محذوف أي: إن شئت جزيل
الأجر صبرت ومثل هذا الإِعراب يجري في قوله: (وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك،
فقالت) مختارة للبلاء، والصبر عليه لجزيل الثواب المرتب عليه (اصبر) أي: على الصرع
لأنه يرجع إلى النفس، (و) لما كان التكشف راجعاً لحق الله تعالى: إذ هي مأمورة بستر
جميع البدن؛ لكونه عورة (قالت إني اتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها) فهي من أهل
الجنة بوعد الصادق المصدوق وَ له (متفق عليه) قيل: أحاديث الباب تشعر أن نفس
المصائب لا ثواب فيها، إنما الثواب على الصبر عليها، والاحتساب، وقد بسطت الكلام
على ذلك في باب أذكار المريض من شرح الأذكار.
٣٦ - (وعن أبي عبد الرحمن) كنية (عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) ابن غافل بمعجمة
وفاء ابن حبيب الهذلي. وكان ابن مسعود حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة. أسلم
عبد الله قديماً بمكة سادس ستة، لما مر به وَله، وهو يرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فأراه
معجزة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة وشهد بدراً، وبيعة الرضوان،
والمشاهد كلها، وصلى للقبلتين، وكان ◌َّ يكرمه، ويدنيه، ولا يحجبه، وكان مشهوراً بين
الصحابة بأنه صاحب سر رسول الله وي ليه، وسواكه، ونعليه، وطهوره في السفر، وبشّره وَله
بالجنة وقال: ((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد. وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد»
وكان يشبه برسول الله 18 في هديه وسمته. ولي قضاء الكوفة، ومالها في خلافة عمر،
وصدراً من خلافة عثمان، ثم رجع إلى المدينة ومات بها. وقيل بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين
عن بضع وستين سنة، وصلى عليه الزبير ليلاً ودفنه بالبقيع بإيصائه له بذلك، لكونه وَ الر كان
قد آخى بينهما. روي له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً، أخرجا منها أربعة وستين،
وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين (قال: كأني أنظر إلى رسول الله واله
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: فضل من يصرع من الريح، (٩٩/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزق
أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها. (الحديث: ٥٤).

١٧٧
٣ - باب: في الصبر
فَأَدْمُوهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ مَمْ قَالَ:
يحكي نبياً من الأنبياء) جملة حالية أتى بها بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، وبقوله:
كأني أنظر الخ. إشارة لكمال استحضاره لها. قال مجاهد: وذلك النبي المحكي هو نوح
عليه السلام، لكن تعقبه الحافظ في الفتح بأن ظاهر صنيع البخاري إذ أورد الحديث في
أحاديث ترجمة ذكر بني إسرائيل، أن النبي من أنبيائهم فليحمل عليه (صلوات الله
وسلامه عليهم) وقوله: (ضربه قومه فأدموه) بيان للمحكي، ويحتمل على بعد كونه بياناً
للحكاية، فتكون الحكاية للفعل، أي أتى بفعل مثل فعل ذلك النبي المحكي فعله،
والمحكي به ما وقع له وَّر بأحد من شج رأسه، وكسر رباعيته (وهو) أي: ذلك النبي
المحكي عنه أو رسول الله وه يلر (يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم
لا يعلمون) وفي هذه الجملة أنواع من الصبر والحكم؛ ((الأول)) أنه مسح دمه لئلا يصيب
الأرض، فيحل بهم البلاء ((الثاني)) أنه قابل جهلهم بفضله فدعا لهم بالغفران. والمراد
غفران ذنب تلك الجريمة منهم، إن كان الدعاء من رسول الله وَ ط ◌َر لا مطلقاً، وإلا لآمنوا عن
آخرهم إذ هو ◌َّ مجاب الدعوة ((الثالث)) أنه اعتذر عن سوء فعلهم بعدم علمهم، ولا تنافي
بين الدعاء بما ذكر إن كان من نوح، وقوله: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾(١)
لإمكان حمل ما في حديث الباب على ما قبل إياسه من إيمانه وما في الآية على ما بعده
(متفق عليه) وينبغي للسالك التحلي بما فيه، كما روي أن جندياً ضرب بعض العارفين وهو
لا يعرفه، فقيل إنه فلان، فعاد إليه معتذراً، فقال إني قد أبرأت ذمتك، ودعوت لك لما
ضربتني، قال: وكيف ذاك؟ قال لأنك كنت سبباً لدخولي الجنة، فلا أكون سبباً لعذابك
فأكب على الشيخ، وتاب.
٣٧ - (وعن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان (وأبي هريرة) الدوسي
عبد الرحمن بن صخر (رضي الله عنهما) حال كونهما راويين (عن النبي ◌ََّ قال:) بيان
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: (ما ذكر عن بني إسرائيل) وفي المرتدين (٢٤٩/١٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد. (الحديث: ١٠٥).
(٢) سورة نوح، الآية: ٢٦ .

١٧٨
كتاب: دليل الفالحين
(مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَ وَصَبٍ، وَلَ هَمَّ ولَا حَزَنٍ، وَلَ أَذِّى وَلَ غَمَّ حَتَّى
الشَّوْكَةُ يُشاكُها، إلَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ((الوَصَبُ)): الْمَرَضُ(١).
للمروي (ما يصيب) بضم أوله (المسلم) حقيقة وخص، لأن الثواب الأخروي خاص به،
وهو مفعول الفعل (من نصب) بفتحتين، التعب ومن، صلة ونصب فاعله (ولا وصب)
بفتحتين وجع دائم، خاص بعد عام: لما في الوجع كذلك من الشدة المؤدية إلى التضجر،
والسخر بالقضاء المحبط للثواب، أو الإِسلام، والعياذ بالله، أو تأكيد بعطف مترادفات، أو
قريبة من الترادف اهتماماً بهذا المقام الخطير: ليكون العلم بعظم الثواب مانعاً من الوقوع
في ورطة خطر الضجر (ولا هم ولا حزن) فرق بينهما، بأن الأول للمستقبل، والثاني
للماضي، وقيل غير ذلك مما بينته في باب أذكار المساء، والصباح من شرح الأذكار، وقال
وكيع: لم يسمع في الهم أنه كفارة إلا في هذا الحديث (ولا أذى) هو كل ما لا يلائم النفس
فهو أعم الكل (ولا غم) هو أبلغ من الحزن؛ لأنه حزن يشتد بمن قام به حتى يصير بحيث
يغمى عليه (حتى) ابتدائية، أو عاطفة، أو بمعنى إلى الغائية بيان وتقريب لأدنى مراتب الأذى
(الشوكة) بالرفع، أو الجر (يشاكها) خبر أو حال، والضمير البارز هو المفعول الثاني على
تقدير الجار، والنصب كذلك سماعي وهذا منه، أو على تضمين فعل متعد لاثنين أي :
يذاقها، والأول مضمر نائب الفاعل يعود على المسلم من شكته أدخلت في جسده شوكة (إلا
كفر الله) استثناء من أعم الأحوال المقدرة أي: ما حصل للإِنسان في حال المصيبة حال من
الأحوال إلا الحالة التي يكفر الله (بها) أي: بسببها (من خطاياه) ابتدائية، أو تبعيضية قيل:
وهو أولى لأن بعض الذنوب لا تكفر بذلك، كحق الآدمي، والكبائر (متفق عليه) وأخرجه
الترمذي. وفيه أن الأمراض، وغيرها من المؤذيات التي تصيب المؤمن مطهرة له من
الذنوب، وأنه ينبغي للإنسان ألا يجمع على نفسه بين ضررين عظيمين الأذى الحاصل،
وتفويت ثوابه، وقد ورد مرفوعاً: المصاب من حرم الثواب (والوصب المرض) أي: الدائم
كما تقدم، أو الشديد الكثير الأوجاع، قال في الصحاح: قد وصب(٢) الرجل يوصب فهو
وصب وأوصبه الله فهو موصب. والوصب المرض الشديد الكثير الأوجاع اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٩١/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزق
أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها. (الحديث: ٥٢).
(٢) أي من باب تعب. ع.

١٧٩
٣ - باب: في الصبر
٣٨ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ بَ وَهُوَ يُوعَكُ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شديداً، قَالَ: ((أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ
رَجُلانٍ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ: ((أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ
يُصِيبُهُ أَذِّى: شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ
الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ((الْوَعْكُ)): مَغْتُ الْحُمَّى.
٣٨ - (وعن) عبد الله (ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي (وَّة) عائداً (وهو
يوعك) بالبناء للمجهول من الوعك وسيأتي تفسيره في الأصل (فقلت: يا رسول الله إنك
توعك) بالفوقية مبني للمفعول (وعكاً شديداً) يحتمل أنه عرف ذلك من لمس بعض
أعضائه و *، أو من ظهور الآثار عليه (قال: أجل) بفتحتين، وثانيه جيم وآخره لام ساكنة،
وتبدل الهمزة موحدة فيقال: بجل، في الصحاح: أجل جواب مثل نعم، قال الأخفش إلا أنه
أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام اهـ. (إني) بيان للإِجمال في
قوله أجل (أوعك) بالبناء للمجهول (كما يوعك رجلان منكم) فالكاف مفعول مطلق،
واحترز بقوله: منكم، عن نحو الأنبياء فإنه يحتمل أنه وأن وعك أشد من وعكهم - زيادة في
علو درجته المقتضية لمزيد الابتلاء الشاهد به: ((أشدكم بلاء الأنبياء)) الحديث - إلا أنه
لا يكون وعكه كوعك اثنين منهم اهـ. والله أعلم (قلت: ذلك) أي: زيادة الوعك (أن لك)
بفتح الهمزة أي: لأن لك (أجرين قال: أجل ذلك) أي: تضاعف الأجر (كذلك) أي:
كتضاعف المرض، ثم ذكر الدليل على ترتب الثواب على أنواع البلاء عند حصول الصبر
فقال (ما من مسلم) من مزيدة للاستغراق، فيدخل فيه الكامل وغيره (يصيبه) بضم أوله
(أذى) أي: ما يتأذى به (شوكة) بدل من أذى، وذكرها لأنها أخف أنواعه، ولما كان ما فوقها
تعجز العبارة عن تفصيل جميعه أجمله بقوله (فما فوقها إلا كفر الله به سيئاته) أي: الصغائر
المتعلقة بحقوق الله تعالى (كما تحط الشجرة ورقها. متفق عليه) وكذا رواه أحمد كما قال
الحافظ، وكذا رواه النسائي، وأخرج ابن سعد في الطبقات، والبخاري في الأدب المفرد
وابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد قال: دخلت على
رسول الله وَّر وهو محموم، فوضعت يدي فوق القطيفة، فوجدت حرارة الحمى فوق
القطيفة، فقلت: ((ما أشد حماك يا رسول الله)) قال: ((إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا
الوجع ليضاعف الأجر)) الحديث. ذكره صاحب المرقاة في شرح المشكاة (الوعك) بإسكان
المهملة (مغث الحمى) أي: حرارتها، ووهنها للبدن، وإضعافها إياه. وفي مختصر النهاية

١٨٠
كتاب: دليل الفالحين
وَقِيلَ: الْحُمَّى(١).
٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّه بِهِ
خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وضَبَطُوا ((يُصَبْ)) بِفَتْحِ الصَّادِ وكَسْرِهَا(٢).
٤٠ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمُ
للسيوطي : إنه ألم الحمى (وقيل الحمى) وهذا الحديث يشهد للقول المختار من حصول
الأجر على الأمراض، والأعراض، أي: بشرط الصبر، وعدم التبرم من القدر، والسخط
منه، وقد بسطت هذا المقام في شرح الأذكار.
٣٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّى: من يرد الله به خيراً)
حالاً، ومآلاً (يصب(٣) منه) إما في بدنه، أو ماله، أو محبوبه. وفي الحديث: ((المؤمن
لا يخلو من علة، أو قلة، أو ذلة)) وإنما كان خيراً حالاً لما فيه من اللجأ إلى المولى، ومآلاً
لما فيه من تكفير السيئات، أو كتب الحسنات، أو هما جميعاً (رواه البخاري) في صحيحه،
ورواه الإِمام أحمد (وضبطوا) أي: شراح الحديث الصحيح (يصب) المذكور في الحديث
(بفتح الصاد) أي: المهملة على البناء للمفعول، ولم يذكر الفاعل للعلم به، وأنه الله
سبحانه (وكسرها) على البناء للفاعل.
٤٠ - (وعن أنس) بن مالك رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صل﴿ لا يتمنين) بتشديد
النون (أحدكم) أي: الواحد منكم (الموت) وفي التعبير بيتمنى دون يسأل، إيماء إلى أنه قد
يكون من المستحيل لعدم مجيء حينه، فحصوله حينئذ محال، وإن كان بأنواع السؤال.
فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والمنهي عنه على وجه التنزيه تمني الموت (لضر)
يفتح الضاد المعجمة، وتضم وضبط هنا بذلك ضد النفع (أصابه) في نفسه، أو ماله، أو من
يلوذ به، أو نحوه: لما يدل عليه من الجزع في البلاء وعدم الرضا بالقضاء، أما يمينه شوقاً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى باب: شدة المرض (٩٦/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزق
أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها (الحديث: ٤٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى باب: ماجاء في كفارة المرض (٩٤/١٠)
(٣) أي يوجه إليه مصيبة ويصيبه ببلاء اهـ. منذري. وهذا التفسير يناسب ضبطه بكسر الصاد. ش.