النص المفهرس

صفحات 1-20

دائن الفُ الحَيْن
لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
تَأليف
العَالِ العَلَّمَة الْمُفْسِرِ، محمّد بنعلّان الصِدّيقي الشافعي
الأشعري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ
طبعة جديدة مصحّصَة
مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث
اعتنى بهًا
الشَّيّخ خَلِيْلِ مَأْمُون شْبَحَا
الجُزء الأول

.
..
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المعرفة
للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة الرابعة : 1425 هـ 2004 مـ
ISBN 9953-429-72-3
DAR EL-MAREFAH
Publishing & Distributing
جسر المطار - شارع البرجاوي - ص ب: ٧٨٧٦, هاتف: ٨٣٤٣٠١ - ٨٥٨٨٢٠، فاكس ٨٣٥٦١٤، بيروت - لبنان
Airport Square, P.O.Box :7876,Tel : 834301 , 858820, Fax : 835614 , Beirut - Lebanon
http: // www.marefah.com/
E.mail: info@marefah.com

لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحِين
٨٠
ر
د
١-٢

. . .

مقدمة الناشر
بِأَالرَّهِالَّيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي هيأ الجنة لعباده الصالحين، وأدخل في رحمته من
ء
عباده الفالحين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، والقائل: ((من يرد الله به خيرا
يفقهه في الدين))، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، وجميع التابعين، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فإن الله عز وجل يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فاتباع
الرسول عليه الصلاة والسلام فلاح في الدنيا والآخرة، والائتمار بما أمر به والانتهاء عما نهى
عنه يجعلك من الفالحين فسنته وَّ ر دليلاً للفالحين الذين يطبقونها ويحيونها، فلذلك
كان جهدنا أن نخرج لك كتاب: دليل الفالحين ليكون لك دليلاً للوصول إلى مرضاة رب
العالمين فتصبح حقاً وبإذن الله تعالى من الفالحين الصالحين، الذين يتولاهم الله عز وجل
فقال: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾، ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ أولئك
هم الصالحون حقاً، وأولئك ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ وهيأ لكل واحد من
الصالحين روضة من رياض الجنة، فكان كتاب: دليل الفالحين شرحاً لرياض الصالحين،
جعلنا الله وإياكم من الصالحين في الدنيا، الفالحين في الآخرة وثبتنا وإياكم بالقول الحسن
في الدنيا والآخرة ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
دار المعرفة

.

٧
ترجمة الإمام الصديقي
ترجمة الإِمام الصديقي رحمه الله تعالى
إسمه :
هو الشيخ العلامة محمد علي بن محمد علان بن إبراهيم بن محمد بن علان البكري
الصديقي الشافعي(١). واحد الدهر في الفضائل أحد العلماء المفسرين، والأئمة
المحدثين، عالِم الربع المعمور.
مولده :
ولد بمكة لعشر بقين من صفر سنة ٩٩٦ ست وتسعين وتسعمائة.
نشأته وطلبه العلم :
نشأ ببلده وحفظ القرآن بالقراءات، وحفظ عدة متون في كثير من الفنون وتفقه
بجماعة، وتصدر للإِقراء وله من السن ثمانية عشر عاماً، وباشر الإِفتاء وله من السن أربع
وعشرون سنة، وجمع بين الرواية والدراية والعلم، وكان إماماً ثقة من أفراد أهل زمانه معرفة
وحفظاً وإتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله وَّر وعلماً بعلله وصحيحه وأسانيده، وكان شبيهاً
بالجلال السيوطي في معرفة الحديث وضبطه، وكثرة مؤلفاته، ورسائله. قال الشيخ
عبد الرحمن الخياري: إنه سيوطي زمانه، وكان حسن الخط كثير الضبط. وأخذ عنه العلم
جماعة كثيرون يطول شرحهم. وقرأ صحيح البخاري في جوف الكعبة أيام بنائها لما انهدمت
في سنة ١٠٣٩ تسع وثلاثين وألف من جهة الحطيم بسبب سيل عظيم.
بعض سيره :
حكى تلميذه الفاضل محمد النبلاوي الدمياطي نقلاً عنه أنه قال: رؤي النبي ◌َّ في
المنام وهو يعطي الناس عطايا فقيل له: يا رسول الله وابن علان؟ فأخذ يحثو له بيده الشريفة
حثيات .
(١) انظر ترجمته في: إيضاح المكنون: ٥٧٨/١، والأعلام: ٢٩٣/٦، وخلاصة الأثر: ١٨٤/٤.

٨
كتاب: دليل الفالحين
وقال المترجم له أيضاً: أخبرني بعض الصالحين عن بعضهم في عام ١٠٣٧ سبع
وثلاثين وألف أنه رأى النبي ◌ّ# في المنام ليلة السادس والعشرين من رجب على ناقة عند
الحجون سائراً إلى مكة فقبل يده الكريمة الشريفة وقال يا سيد المرسلين يا رسول الله:
الناس قصدوا حضرتك الشريفة للزيارة فلماذا وصلت هنا قال لختم صحيح البخاري أو
لختم ابن علان - شك الرائي - ثم يوم الختم الثامن والعشرين من رجب ذلك العام حضر
بعض الصالحين وحصلت له واقعة، رأى خيمة خضراء بأعلى ما بين السماء والأرض فسأل
فقيل هذا النبي ◌َّ حضر لختم البخاري .
مؤلفاته :
ألف كتباً كثيرة في عدة فنون تزيد على الستين وتآليفه كلها غرر فمنها:
١ - تفسير سماه ضياء السبيل إلى معالم التنزيل.
٢ - رفع الالتباس لبيان اشتراك معاني الفاتحة والناس.
٣ - رسالة في ختم البخاري سماها الوجه الصبيح في ختم الصحيح.
٤ - فتح الكريم القادر ببيان ما يتعلق بعاشوراء من الفضائل والأعمال والمآثر.
٥ - القول الحق والنقل الصريح بجواز أن يدرس بجوف الكعبة الحديث الصحيح.
٦، ٧ - مؤلَفان في التنباك والدخان أحدهما تحفة ذوي الإِدراك في المنع من التنباك.
والآخر إعلام الإِخوان بتحريم الدخان.
٨ - العلم المفرد في فضل الحجر الأسود.
٩ - شمس الآفاق فيما للمصطفى عليه الصلاة والسلام من كرم الأخلاق.
١٠ - رسالة في تعريف واجب الاستثناء وجائزه سماها فتح المالك في تجويز طريق
ابن مالك .
١١ - نظم أنموذج اللبيب للسيوطي وشرحه وهو شرح عظيم.
١٢ - حسن العناية بالكفاية وهو شرح على تصريف الشيخ محمد البركلي.
١٣ - شرح الأذكار للنووي.
١٤ - شرح منسك النووي الكبير سماه فتح الفتاح في شرح الإِيضاح.

٩
ترجمة الإمام الصديقي
١٥ - شرح منظومة السيوطي في موافقة عمر رضي الله عنه للقرآن.
١٦ - شرح التعرف في الأصلين والتصوف لابن حجر سماه التلطف.
١٧ - شرح رياض الصالحين للنووي سماه دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين.
وفاته :
وقد توفي نهار الثلاثاء لتسع بقين من ذي الحجة سنة ١٠٥٧ هـ ودفن بالمصلاة
بالقرب من قبر شيخ الإسلام ابن حجر المكي رحمهما الله تعالى .

١١
ترجمة الإمام النووي
ترجمة الإمام النووي رحمه الله تعالى(١)
اسمه ونسبه :
الإِمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإِسلام علم الأولياء محيي الدين أبو زكرياء
يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة الحزامي
الحوراني الشافعي صاحب التصانيف النافعة.
كنيته :
أبو زكرياء.
لقبه :
محيي الدين.
نسبته :
الحزامي: بكسر الحاء المهملة والزاي والميم بعد الألف، هذه النسبة إلى الجد
الأعلى، واشتهر بها أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله المنذر بن المغيرة بن
عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد الحزامي القرشي. وذكر أبو كامل البصيري في
(١) انظر ترجمته في :
- تذكرة الحفاظ: ترجمة ١٤٧، العبر في خبرٍ من غبر: ٣٣٤/٣، ذيل مرآة الزمان: ٢٨٣/٣، طبقات
الشافعية الكبرى: ٣٩٥/٨، الدارس في أخبار المدارس: ٢٤/١، البداية والنهاية: ٢٧٨/١٣،
شذرات الذهب: ٣٥٤/٥، مرآة الجنان: ١٨٢/٤، طبقات ابن هداية الله: ص ٢٢٥، طبقات
الأسنوي: ٢٨٦/٢، تاريخ ابن الفرات: ١٠٨/٧، تاريخ ابن الوردي: ٢٢٦/٢، الأعلام: ١٤٩/٨،
طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ١٥٣/٢، الدليل الشافي: ٧٧٥/٢، والفتح المبين: ٨١/٢،
والعلماء العزب: ص ٩٢، والمنهاج السوي ترجمة مفردة له للسيوطي رحمه الله تعالى وتحفة الطالبين
لابن العطار رحمه الله تعالى.

١٢
كتاب: دليل الفالحين
كتاب المضافات أن إبراهيم بن المنذر الحزامي من ولد حكيم بن حزام رضي الله عنه لا من
ولد خالد(١). وقال الشيخ محيي الدين: وزعم بعض أجدادي أن نسبه إلى حزام والد
حكيم رضي الله عنه (٢).
والصحيح ما ذهب إليه أبو كامل البصيري ووافق قول ابن حزم في جمهرة أنساب
العرب(٣).
الحوراني: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الراء، هذه النسبة إلى حوزان
وهي ناحية كبيرة واسعة، كثيرة الخير وتشتمل على قرى كثيرة بنواحي دمشق (٤) من جهة
القبلة، وما زالت منازل العرب وذكرها في أشعارهم كثير وقصبتها بصرى، قال امرؤ القيس:
نظرت فلم تنظر بعينك منظر
ولما بدت حوران والآل دونها
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد ولى علقمة بن علاثة حوران((٥).
مولده :
ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى (٦).
نشأته :
فقد ذكر أبوه أن الشيخ كان نائماً إلى جنبه وقد بلغ من العمر سبع سنين ليلة السابع
والعشرين من شهر رمضان فانتبه نحو نصف الليل وقال: يا أبت ما هذا الضوء ملأ الدار
فاستيقظ الأهل جميعاً قال: لم نر كلنا شيئاً قال والده: لقد عرفت أنها ليلة القدر.
وقال شيخه في الطريقة الشيخ ياسين بن يوسف الزركشي : رأيت الشيخ محيي الدين
وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكي
الإِكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال فوقع في قلبي حبّه وجعله أبوه في دكان فجعل لا
يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصيته به وقلت: هذا
(١) اللباب في تهذيب الأنساب ٣٦٢/١، والإِكمال ٣٤/٣، والأنساب ١٢٩/٤.
(٢) فوات الوفيات ٢٦٥/٤ .
(٣) جمهرة أنساب العرب ص ١٢١ .
(٤) الأنساب ٢٦٨/٤، واللباب ٤٠٠/١ .
(٥) معجم البلدان ٣١٧/٢.
(٦) نَوَا: بلفظ جمع نواة التمر وغيره: بليدة من أعمال حوران. معجم البلدان ٣٠٦/٥.

١٣
ترجمة الإمام النووي
الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به فقال لي منجم: أنت
فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد
ناهز الاحتلام(١)
طلبه العلم :
ولما كان له تسع عشرة سنة قدم به أبوه إلى دمشق فسكن المدرسة الرواحية وبقي نحو
سنتين لا يضع جنبه إلى الأرض، وكان قوته جراية المدرسة. وحفظ (التنبيه) في نحو أربعة
أشهر ونصف، وبقي قريب الشهرين لما قرأ: يجب الغسل في إيلاج الحشفة في الفرج،
وهو يعتقد أنه قرقرة البطن ويستحم بالماء البارد كلما قرقر بطنه، وحفظ ربع المهذب في
باقي السنة وصحح وشرح على شيخه كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي، ثم حج هو
ووالده، وكانت وقفة جمعة، وأقاموا بالمدينة نحواً من شهر ونصف ولما رحل من نوى كانت
الحمى أخذته فلم تفارقه إلى يوم عرفة، وكان يقرأ فيما بعد على المشايخ شرحاً وتصحيحاً
كل يوم اثني عشر درساً، درسين في الوسيط ودرساً في المهذب ودرساً في الجمع بين
الصحيحين ودرساً في صحيح مسلم ودرساً في اللمع لابن جني ودرساً في إصلاح المنطق
ودرساً في التصريف ودرساً في أصول الفقه، ودرساً في أسماء الرجال ودرساً في أصول
الدين. قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة
وبارك الله تعالى في وقتي، وخطر لي أن أشتغل في الطب واشتريت كتاب القانون فأظلم
قلبي وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال فأفقت على نفسي وبعت القانون فأنار قلبي (٢).
وحاز قصب السبق في العلم والعمل ثم أخذ في التصنيف في حدود الستين وست مئة
إلى أن مات العبر ٣٣٤/٣ .
ورعه وزهده رحمه الله تعالى:
كان شديد الزهد، قدوة في الورع، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر قانعاً باليسير، راضياً عن الله والله عنه راضٍ، مقتصداً إلى الغاية في ملبسه ومطعمه
وإنائه، تعلوه سكينة وهيبة(٣)، تاركاً لجميع ملاذَ الدنيا(٤)، وسيداً وحصوراً، وليناً على
(١) طبقات الشافعي للسبكي ١٦٥/٥.
(٢) فوات الوفيات ٢٦٥/٤ - ٢٦٦، وتذكرة الحفاظ ١٤٧٠/٤، وشذرات الذهب ٣٣٥/٥.
(٣) العبر ٣٣٤/٣
(٤) طبقات الحفاظ ص ٥١٠.

١٤
كتاب: دليل الفالحين
النفس حصوراً، لم يُبال بخراب الدنيا إذ صير دينه ربعاً معموراً، له الزهد والقناعة ومتابعة
السالفين من أهل السنة والجماعة والمصابرة على أنواع الخير لا يصرف ساعة في غير
طاعة(١) ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على
العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها، ملبسه ثوب خام وعمامته
سبختانية صغيرة (٢) وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة (٣) ولا
يجمع بين إدامين (٤) ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر(٥)، وكان غالب قوته مما يحمله
إليه أبوه من نوى فيقتنع بالقليل مما يبعث به إليه (٦).
قال الرشيد ابن المعلم: عذلت الشيخ محيي الدين في عدم دخوله الحمام وتضيق
العيش في مأكله وملبسه وأحواله، وخوفته من مرض يعطله عن الاشتغال فقال: إن فلاناً صام
وعبد الله حتى اخضر جلده وكان يمنع من أكل الفواكه والخيار، ويقول: أخاف أن يرطب
جسمي ويجلب النوم.
قال ابن العطار: كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك من تحت
الحجر، والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة فيها على وجه
المساقاة، وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك(٧).
قال الذهبي: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة
وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله
وصحيحه وعليله في معرفة المذهب(٨).
وقال علاء الدين ابن العطار : ... وأخباره في الزهد والورع والكرامات مشهورة.
(١) طبقات الشافعية ١٦٦/٥.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤ /١٤٧١.
(٣) شذرات الذهب ٣٥٦/٥.
(٤) البداية والنهاية ٢٧٩/١٣.
(٥) شذرات الذهب ٣٥٦/٥.
(٦) العبر ٣٣٤/٣.
(٧) تذكرة الحفاظ ٤ /١٤٧٢.
(٨) تذكرة الحفاظ ١٤٧٢/٤.

١٥
ترجمة الإمام النووي
شيوخه :
كان القرن الذي عاش فيه النووي رحمه الله تعالى قرناً حافلاً بشيوخٍ جلَّة في سائر
أنواع المعارف والعلوم ولا سيما في فَنّي الحديث والفقه.
( أ) شيوخه في الحديث:
من أهم شيوخه في الحديث:
الشيخ الإِمام القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم ابن القاضي جمال الدين
عبد الصمد بن محمد المعروف بابن الحرستاني، وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن
محمد بن عبد المحسن الأنصاري الأوسي الدمشقي الأصل، والحافظ الزَّين خالد بن
يوسف بن سعد بن حسن بن مفرج أبو البقاء النابلسي، وابن برهان العدل الصدر
رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر بن فارس المُضري الواسطي
السّفار والإِمام الحافظ المتقن المحقق الضابط الزاهد الورع ضياء الدين أبو إسحاق
إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، وزين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن
نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم مسند الشام وفقيهها ومحدثها الحنبلي الناسخ، ومسند
الشام ابن أبي اليسر تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكربن
عبد الله التنوخي الكاتب المنشىء، والشيخ الإِمام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن
محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الحنبلي.
(ب) شيوخه في الفقه :
من أهم شيوخه في الفقه:
الإِمام العلامة الفقيه المفتي كمال الدين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان
المغربي، والشيخ الإِمام العلامة مفتي الشام كمال الدين أبو الفضائل سلَّار بن الحسن بن
عمر بن سعيد الإِربلي، والإِمام فقيه الشام وشيخ الإِسلام أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم
الفزاري الشافعي تاج الدين الملقب بالفركاح.
(ج) شيوخه في الأصول:
من أهم شيوخه في الأصول:
القاضي أبو الفتح كمال الدين عمر بن بندار بن عمر التفليسي .

١٦
كتاب: دليل الفالحين
(د) شيوخه في اللغة :
من أهم شيوخه في اللغة :
أبو العباس جمال الدين أحمد بن سالم المصري النحوي نزيل دمشق، والعلامة حجة
العرب جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجِيَّاني.
تلاميذه :
أبرز تلاميذه: الحافظ الزاهد علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان أبو
الحسن بن العطار الشافعي، والإِمام الحافظ محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج
يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي القُضاعي، ومحمد بن أبي بكر بن إبراهيم
القاضي شمس الدين بن النقيب الشافعي الدمشقي، والقاضي سليمان بن هلال بن شبل بن
فلاح بن حصيب الجعفري الحوراني الملقب بصدر الدين، وسالم بن عبد الرحمن بن
عبد الله الشافعي أمين الدين بن أبي الدُّر. وهناك الكثير من التلاميذ الذين اشتهروا بالفضل
والعلم منهم :
أبي العباس أحمد بن فرح الإِشبيلي، وأحمد الضرير الواسطي أبي العباس الملقب
بالخلال، وشهاب الدین أبي العباس أحمد بن محمد بن سلمان بن حمایل الجعفري، وابن
العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب وشهاب الدين أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان،
وإسماعيل بن المعلم الحنفي الرشيد، والنجم إسماعيل بن إبراهيم بن سالم، والشيخ
الناسك جبريل الكردي، والقاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الزرعي، وأبي
الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، وعبد الرحيم بن
محمد بن يوسف السهودي، والعلاء علي بن أيوب بن منصور المقدسي، وشهاب الدين أبي
حفص عمر بن كثير، والبدر محمد بن إبراهيم بن جماعة، والشهاب محمد بن
عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن أبي الفتح الحنبلي،
ومنصور بن نجم بن زيان الليثي، وهبة الله بن عبد الرحيم البارزي، ويوسف بن محمد بن
عبد الله المصري الدمشقي وغيرهم من التلاميذ الأجلاء.
مصنفاته :
قال الشيخ جمال الدين الأسنوي في أوائل المهمات: اعلَمْ أنّ الشيخ مُحيي الدين
رحمَهُ الله، لما تأهّل للنظر والتحصيل، رأى المسارعة إلى الخيرات، أن جعل ما يحصّلُه

١٧
ترجمة الإمام النووي
ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به النّاظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً وتحصيله تصنيفاً، وهو غرضٌ
صحيح وقصدٌ جميل، ولولا ذلك لم يتيسّر له من التصانيف ما تيسّر له.
وقال الأَذْرعيّ في أول التوسّط والفتح: بلغني أنّ الشيخ مُحیی الدین کان یکتب إلى
أن یعیی فیضع القلم لیستريح، ويُنشد:
لئن كان هذا الدمعُ يجري صبابةً على غير سُعْدَى فهو دمعٌ مَضِيْعٌ
فَمِن تصانيفه :
- الرّوضة؛ مختصر الشرح الكبير للرّافعي، ابتدأ في تأليفها يوم الخميس، الخامس
والعشرين من رمضان سنة ست وستين وستمائة، وختمها يوم الأحد خامس عشر
شهر ربيع الأول سنة تسع وستين وهي عُمدة المذهب الآن.
- شرح صحيح مسلم سمّاه بالمنهاج، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو عظيم
البركة .
- وشرح المهذّب سمّاه بالمجموع.
- ومنها: المنهاج مختصر المحرَّر، مجلّد لطيف، ودقائقه نحو ثلاث كراريس.
ورأيت بخطه أنه فرغه تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع وستين وهو الآن عُمدة
الطالبين والمدرّسين والمفتين.
- ومنها: تهذيب الأسماء واللّغات.
- ورياض الصالحين.
- والأذكار.
- ونكت التنبيه وهي من أوائل ما صنّف. ولا ينبغي الاعتماد على ما فيها من
التصحيحات المخالفة لكتبه المشهورة، ولعلّه جمعها من كلام شيوخه.
- والإِيضاح في مناسك الحج .
- والتبيان في آداب حملة القرآن.
- ومختصر وشرح التنبيه مطوّل سمّاه: تحفة الطالب النبيه، وصل فيه إلى أثناء
الصلاة .

١٨
كتاب : دليل الفالحين
- وشرح الوسيط المسمّى بالتنقيح. وصل فيه إلى شروط الصلاة. وهو كتاب جليل
من أواخر ما صنّف، جعله مشتملاً على أنواع متعلقة به ضرورية كافية لمن يريد
كثرة المسائل المأخوذة، كتصحيح مسائله، وتوضيح أدلَّته وذِكر أغاليطه، وحَلِّ
إشكالاته، وتخريج أحاديثه، وأحوال الفقهاء المذكورين فيه.
ـ ونكت على الوسيط في نحو مجلدين.
- والتحقيق: وصل فيه إلى صلاة المسافر.
- ومهمّات الأحكام. وهو قريب من التحقيق في كثرة الأحكام. وقد وصل فيه إلى
أثناء طهارة الثوب والبدن .
- وشرح البخاري: كتب منه مجلّدة.
- والعمدة في تصحيح التنبيه .
- والتحرير في لغات التنبيه .
- ونكت المهذب .
- ومختصر التذنيب للرافعي سمّاه بالمنتخب.
- ودقائق الروضة: كتب منها إلى أثناء الأذان.
- وطبقات الشافعية .
- ومختصر الترمذي .
- وقسمة القناعة ومختصره. وهذا الكتاب من أواخر ما صنف.
- وجزء في الاستسقاء وجزء في القيام لأهل الفضل.
- ومختصر تأليف الدارمي في المتحيرة.
- ومختصر تصنيف أبي شامة في البسملة.
- ومناقب الشافعي .
- والتقريب في علم الحديث، والإِرشاد فيه.
- والخلاصة في الحديث.
- ومختصر مبهمات الخطيب.
- والإِملاء على حديث إنّما الأعمال بالنيات، لم يتمّه.
-وشرح سنن أبي داود كتب منه يسيراً.
- وبستان العارفين، لم يتم.
- ورؤوس المسائل.

١٩
ترجمة الإمام النووي
- والأصول والضوابط كتب منه أوراقاً قلائل.
- ومختصر التنبيه، كتب منه ورقة واحدة.
- والمسائل المنثورة، وهي المعروفة بالفتاوى، وصنّفها غير مرتبة، فرتّبها تلميذه ابن
العطّار وزاد عليها أشياء سمعها منه .
- والأربعين، وشرح ألفاظها.
ويُنسب إليه تصنيفان ليسا له: النهاية في اختصار الغاية، والثاني: أغاليط على
الوسيط، مشتملة على خمسين موضعاً، بعضها فقهية وبعضها حديثية .
قال ابن العطار: وله شرح ألفاظ ومسودّات كثيرة. ولقد أمرني مرّة بجمع نحو ألف
كرّاس بخطّه، وأمرني أن أقف على غسلها في الورّاقة، وحلّفني إن خالفت أمره في ذلك.
فما أمْكنني إلّ طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حَسَرات.
نصحه للحكام:
قال ابن العطّار:
كَتَب ورقة إلى الملك الظّاهر، تتضمّن العدل في الرعيّة وإزالة المُكُوس. وكتب معه
فيها جماعة ووضعها في ورقة كتبها إلى الأمير بَدْر الدين بيلبك الخَزِنْدَار، بإيصال ورقة
العُلماء إلى السّلطان، وصُوْرتُها:
((بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النّوويّ، سلام الله تعالى ورحمته
وبركاته على المَوْلى المُحسِن، ملك الأمراء بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولّاه
بالحسنات، وبلّغه من أقصى الآخرة والأولى كُلّ آماله، وبارك له في جميع أحواله، آمين.
ويُنهي أهلُ العلوم الشريفة، أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش وضعف
حال، بسبب قلّة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلّة الغلّت والنبات، وهلاك المواشي وغير
ذلك. وأنتم تعلمون أنّه تجب الشفقة على الراعي والرعية، ونصيحته في مصلحته
ومصلحتهم، فإنّ الدين النّصيحة، وقد كتب خَدَمة الشّرع، النّاصحون للسلطان، المحبّون
له، كتاباً يذكّره النظر في أحوال الرعيّة والرّفق بهم. وليس فيه ضَرَرٌ بل هو نصيحة مَحْضَة،
وشفقة، وذكرى لُّأولي الألْبَاب. والمسؤول من الأمير أيّده الله تعالى تقديمه إلى السلطان،
أدام الله له الخيرات، ويتكلّم عنده من الإِشارة بالرّفق بالرعيّة بما يجده مدَّخراً له عند الله
تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّ عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحَضراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَذُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها
وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آلَ عمران، الآية: ٣٠]. وهذا الكتاب أرسله

٢٠
كتاب: دليل الفالحين
العلماء أمانةً ونصيحة للسلطان، أعزّ اللَّه أنصاره والمسلمين كلهم في الدنيا والآخرة، فيجب
عليكم إيصاله للسلطان، أعزّ الله أنصاره، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة، ولا عُذْر لكم في
التأخّر عنها. ولا حُجّة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، وتُسألون عنها: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ
مَالٌ وَلاَ بُنُونَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٨٨]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِهِ وَصَحِيَتِهِ
وبَنِيهِ، لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [سورة عبس، الآيات: ٣٤ -٣٧]، وأنتم
بحمد الله تحبّون الخير وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهمّ الخيرات، وأفضل
الطاعات، وقد أُهِّلْتُم له، وساقه الله إليكم، وهو فَضْلٌ من الله، ونحن خائفون أن يزداد الأمرُ
شِدْةً إنْ لم يحصِل النّظر في الرّفق بهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ أَتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ
مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٠١]، وقال الله تعالى:
﴿وَمَا تَفْعَلُوْا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٥].
والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فإذا فعلتُمُوه، فأجركم عند الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الَّذِينَ أَتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٨] والسلام عليكم ورحمة الله
وبر كاته)».
وفاته رحمه الله تعالى:
قال ابن العطار: كان الشيخ لا يأخذ من أحد شيئاً، إلّ مِمّن تحقّق دينه ومعرفته، ولا
له به عُلْقة من إقراء أو انتفاع به .
قال: وكنت جالساً بين يديه قبل انتقاله بشهرين، وإذا بفقيرٍ قد دخل عليه وقال:
((الشيخ فُلان من بلاد صَرْخَد يُسلِّم عليك وأَرسلَ معي هذا الإِبريق لك)). فقَبِلَه
وأَمَرني بوضعهِ في بيت حوائجه، فتعجّبتُ منهُ لِقَبولِه، فشعر بتعجّبي، وقال:
((أَرسلَ إليّ بعض الفقراء زِنْبيلاً، وهذا إبريق، فهذه آلة السَّفر)).
قال ابن العطار: ثم بعد أيام يسيرة كنتُ عنده، فقال: ((قد أُذِن لي في السَّفر)).
فقلت: كيف أُذن لك؟
قال: ((بينا أنا جالس ها هنا - يعني ببيته بالمدرسة الرَّواحيّة، وقُدّامه طاقة مشرفة
عليها - مستقبل القِبلة، إذ مرّ عليّ شخص في الهواء من هنا ومرّ)) كذا يُشير من غربيّ
المدرسة إلى شرقِّها - وقال: قُمْ سافِرْ لزيارة بيت المَقْدِس.
ثم قال النووي له: ((قُمْ حتى نُودِّع أصحابنا وأحبابنا)).