النص المفهرس
صفحات 41-60
رجّح هذا القول. وقال ابن كثير رحمه الله : ((وقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ ﴾ يعني القرآن، و ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة. قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة))(١). کما قد تقدم في أول الکتاب في بیان أن السنة من عند الله سبحانه کلام ابن جریر رحمه الله، ونصّ آخر لابن كثير، ولم أرد الإكثار في النقول. كما أن من وجوه الدلالة في ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) وهذا يقتضي أن الحكمة من الوحي. ومن المهم التنبيه أننا لا نقول بأن كل (حكمة) في القرآن، فهي السنّة، وإنما نقول، إنما السنّة منها ما كان معطوفًا على الكتاب مما كان في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، - أي أن عطف الحكمة على الكتاب يقتضي أن تكون الحكمة أمراً آخر غير الكتاب - . النوع الثاني : إثبات حجيتها من السنة النبوية. قد ينشأ سؤال هنا قبل ذِكر الأدلة، وهو: ما الفائدة من إثبات حجية السنة من السنة ،مع أن المخالف ينكر السنة من أصلها؟ فكيف نستدل بمحل النزاع على محل النزاع؟ !. والجواب، أن الفائدة تظهر في عدد من الأمور: الأول : أني لم أوجه كلامي في هذا الكتاب لمنكري السنّة والمشككين فيها -فقط-، بل حتى من يؤمنون بالسنّة، فإن كثيرا منهم ربما تغيب عنهم الأدلة التفصيلية التي تجعلهم على يقين بصحة ما يعتقدون، وتأسيس اليقين هو القاعدة الأولى في الانطلاق لنقاش المخالفين. الثاني : أن كثيراً ممن لديهم إشكالات تجاه السنة، ليس عندهم مذهب مطّرد فيما يأخذون ويَدَعون منها؛ فحين تسأل أحدهم ما الذي تقبله من السنة وما الذي تتركه؟ لا (١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٧٥). ٤١ يكون عنده جواب محدد، وليس له مذهب واضح، فقد يأخذ بشيء ويترك شيئًا. ومِثلُ هذا قد ينفعُ معه ذِكرُ الدلائل على حجيّة السنّة من السنة ذاتها لأنه لا ينكرها كلّها. الثالث: أن كثيراً من المجادلين والمخاصمين فيما يتعلق بقضايا السنة؛ يأخذون من السنة ما يوافق أقوالهم في إنكارها !! وهذا مع غرابته إلا أنه منتشر جداً !! فنحن نخاصمهم بالسنة أيضًا، ونذكر لهم النصوص التي نحتجّ بها، فمثلاً : من يقول منهم إن السنة ليست بحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن کتابتها؛ نقول له: إن الذي نهى عن کتابتها، هو مَن حثّ على حفظها وتبليغها، ونهى عن ردها. أفتؤمنون ببعض وتكفرون ببعض؟ !. الرابع : أن كثيراً من المنكرين لحجية السنة يقولون: نحن نؤمن مِن السنة بما وافق القرآن، فيقال لهم: إن الأحاديث الدالة على حجية السنة توافق القرآن فيلزمكم الأخذ بها !!. ولأجل ذلك كله ؛ فهذا إثبات حجية السنة من السنة : ويتحقق الإثبات من وجوه : . الوجه الأول : النصوص الآمرة بحفظ الحديث وتبليغه فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه خطبة ثم قال: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب(١) وهذا فيه حثّ ظاهر على البلاغ. وثبت في سنن الترمذي من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نَضّر الله امرأ سمع منا شيئاً ،فبلغه كما سمع، فربَّ مبلِّغ أوعی من سامع)»(٢). ووجه الدلالة: أن الحث علی تبلیغ أمر دیني إنما هو لا عتبار منزلته ومكانته لا للتحذير منه قطعا! وأي منزلة ومكانة أعظم من عمل دعا النبي صلى الله عليه وسلم بنضرة الوجه لمن قام به !. الوجه الثاني : النصوص التي فيها إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وتشجيعه لمن اعتنى (١) صحيح البخاري (١٠٥)، صحيح مسلم (١٦٧٩). (٢) سنن الترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٤٢ بالسنة في حیاته. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ،أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم: ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه)).(١) وهذا فيه تشجيع واضحٌ لأبي هريرة على المواصلة في طريق الحدیث. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لما رأيت من حرصك على الحديث)) وقارنه بدعوى بعض الطاعنين في أبي هريرة بأنه إنما لزم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حرصاً على الطعام !!. وأخرج الإمام أحمد وأبو داوود ،من طریق جید، أن عبد الله بن عمرو کان یکتب کل ما يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلامَه بعض الناس على ذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: ((اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق (٢). الوجه الثالث: النصوص التي جاء فيها التحذير من ردّ شيء من السنة، وهذا الوجه هو أکثر الوجوه صراحة. فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لا ألفينَّ أحدكم متكًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب ((الرسالة)) (٣) ورواه غير واحد من أصحاب السنن،(٤) من طريق عبيد الله بن أبي رافع ،عن أبيه ،عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث إسناده صحيح. (١) صحيح البخاري (٩٩). (٢) سنن أبي داود (٣٦٤٦). (٣) الرسالة (٤٠). (٤) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣). ٤٣ وهذا الحديث نص في المسألة دالٌّ على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما زاد على القرآن. وروي الحديث من وجه آخر ، من طريق المقدام بن معدي كرب (رضي الله تعالى عنه)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عنّي، وهو متکئ علی اریکته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّ مناه، وإنّ ما حرّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كما حرّم الله))(١). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فیه من حرام فحرّموه))(٢)، وإسناده لا بأس به. وصدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقيناً. النوع الثالث: إثبات حجّية السنة من عمل أصحاب رسول الله لا يشك المستقرئُ لأحوال الصَّحابة أنهم يعتمدون السنّة حجَّة ومصدرًا للتشريع، ويبنون أقضيتهم وأحكامهم وتعاملاتهم على ضوء ذلك، وأنهم بلّغوها لمن بعدهم كما بلّغوا القرآن. ونحن نقول لمنكري السنّة، الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن: قَدْ كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم منكم بالقرآن، وأكثر حبًا لرسول الله، وأغير عليه، فكيف كان موقفهم من السنّة؟. لقد ذكرتُ في هذا الكتاب في المرحلة الثانية من مراحل العناية بالسنة صوراً كثيرة لعناية الصحابة بالسنة، واعتبارهم إياها حجة تشريعية، وسأذكر -هنا- مواقف لم تذكر في الموضع السابق : إلا موقفاً واحداً أبداً به؛ وأکرره لأهميته : إنه موقف أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قضية الميراث. (١) أخرجه الترمذي (٢٦٦٤). (٢) سبق تخريجه. ٤٤ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وهذه الآية عامة؛ تقتضي أن المال ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالموت. فجاءت فاطمة رضوان الله عليها إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وطَلَبُها يوافق ظاهر القرآن، وكان عند أبي بكر نصّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لا يورثون. وأن ما تركوه من مال فهو صدقة . -وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم(١) -، فلم يعطها إياه لأجل ذلك. ولولا أنّه رأى في نفسه أن السّنة حُجّة ملزمة ومصدرٌ تشريعي؛ لما تمسّك بهذا القرار، في مقابل إصرار فاطمة رضوان الله تعالى عليها، وقال مُبيّنًاً أهمية النص النبوي وعدم جواز مخالفته: ((إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيخ)) (٢) وكان عمر (رضي الله) عنه لا يورّث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ؛كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فعدل عمر عن رأيه إلى هذا النقل (٣). وكان عمر (رضي الله) عنه يشدد في النهي عن أداء صلاة التطوّع ، في الأوقات المنهي عنها (٤)، وكان يضرب على ذلك بالدرة. مع أن هذا النهي إنما ثبت بسنة رسول الله صلی الله علیه وسلم ولیس في کتاب الله. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ((لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره)). حسنًا، وما المانع إذن -يا أبا الحسن - من المسح على باطنه؟، قال: ((ولكني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه) (٥). فعليٍّ رضي الله عنه ترك القياس العقليّ؛ الذي رآه في هذه المسألة وقدم عليه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على اعتباره الشديد لهذه القضية. (١) ينظر: صحيح البخاري (٣٠٩٢)، صحيح مسلم (١٧٥٩). (٢) صحيح البخاري (٣٠٩٣)، صحيح مسلم (١٧٥٩). (٣) سنن أبي داود (٢٩٢٧)، سنن الترمذي (١٤١٥)، سنن ابن ماجه (٢٦٤٢). (٤) يُنظر: موطأ مالك (٥٩٠)، مصنف عبدالرزاق (٣٩٦٤). (٥) يُنظر: مسند أحمد (٧٣٧)، سنن أبي داود (١٦٢) ٤٥ ومواقف الصحابة في احتجاجهم بالسنّة أشهر من أن يستدل عليها؛ إلا أنَّه حين تغيرت المفاهيم، وكثرت الشبهات، صار الإنسان محتاجًا إلى ذكر الأدلة والشواهد على ذلك !. والقضية المنهجية المهمة - هنا-، والتي أحب للقارئ الكريم أن يتنبّه لها هي أن يجعل هذه المواقف الكثيرة هي الأصل في فهم منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة، وأن يَرُدّ المواقف المجملة إلى هذه المواقف المفصّلة الواضحة، التي تظهر اعتبارهم السنة حجة ملزمة. فلو وقف على أي رواية تتعارض في فهمه هذه المواقف؛ فإنه يتأنى، ولا يضرب الروايات ببعض، وإنما يحاول فهم المتشابه على ضوء المُحكَم. النوع الرابع : إقامة حجّية السنّة عن طريق إجماع العلماء إنّ درجات الإجماع المنقول عن أهل العلم تتفاوت، ونستطيع معرفة مرتبة الإجماع عن طريق عدد من القرائن، منها : أن يتوارد على نقله جماعة من أهل العلم، من مختلف المذاهب، دون معرفة مخالف لذلك بعد البحث والاستقراء، ومنها أن يكون في سياق النقل عنهم بيان ضلال المخالف في هذه المسألة وانحرافه، ومن باب أولى لو كان في السياق بيان كفر المخالف فيها، فهذا يدل على أن المسألة قد أخذت صورة من القطعية عند أهل العلم. فالعلماء لا يُكفرون المنكر لأي مسألة شرعية؛ ما لم تأخذ صورة القطعية إضافة إلى كونها من الأمور الظاهرة المتواترة، كوجوب الصلاة والزكاة، وتحريم السحر والربا والزنا ونحو ذلك. وفي قضية السنّة نَجِدُ أنه قد نَقَل الإجماع على حجيتها غير واحد من أهل العلم وفي سیاق نقل بعضهم للإجماع تشدید علی المخالف وتضلیل له، بل وتکفیر کذلك، مما يدلّ على أن هذا الأمر قد أخذ صورة القَطعيّة عندهم. واستقصاءُ الإجماعات في ذلك يطول، وهذا شيء منها: ١ - في سياق مناظرة الإمام عبد العزيز الكِناني -رحمه الله تعالى- لبشر المرّيسي (رأس المبتدعة في ذلك الوقت)، قال الكناني معلقاً على قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ﴾ [النساء: ٥٩] قال: ((هذا ما لا خلاف ٤٦ فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته ؛فإنما هو إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون)) أ.هـ. (١) فتأمل قول الكناني: ((لا خلاف فيه بين المؤمنين))، وقوله: ((وإنما يشك في هذا الملحدون)). ٢ - وفي هذه الآية أيضاً يقول ابن حزم - رحمه الله -: ((الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلَق ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس)).(٢) وذكر أن المُراد بها القرآن والخبر عن رسول الله. ٣- وفي ذات الآية يقول ابن القيم - رحمه الله -: ((الناس أجمعوا أن الردّ إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والردّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الردّ إليه نفسه في حياته، وإلی سنته بعد وفاته»(٣). ٤ - وقال ابن عبد البرّ القرطبي المالكي -رحمه الله تعالى - في مقدمة التمهيد: ((أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً)) أهـ(٤). وهذا إجماع على حجية خبر الواحد فضلاً عن المتواتر. ٥ - وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في ((إرشاد الفحول)): ((إن ثبوت حجية السنة المطهرة ، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام)»(٥). وتأمل قوله: ((لا حظّ له في الإسلام))؛ فمثل هذه الجملة لا تقال في المسائل الفقهية المختلف فيها. ٦ - ويؤكد المعلمي -رحمه الله- في ((الأنوار الكاشفة)) حين تكلم عن حجية خبر الآحاد، (١) الحيدة والاعتذار (ص٦٩). (٢) الإحكام في أصول الأحكام (١ / ٩٧). (٣) إعلام الموقعين، لابن القيم (٣٩/١). (٤) التمهيد، لابن عبد البر (٢/١). (٥) إرشاد الفحول، للشوكاني (١ / ٩٧). ٤٧ قال: ((والحجج في هذا الباب كثيرة، وإجماع السلف على ذلك محقق))(١). وقوله: ((محقّق)) يدل على حتمية ثبوت هذا الإجماع عنده. ٧- بل إن الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى- نقل الإجماع على ما هو أكبر من ذلك، حيث ذكر في الجزء السابع من أبحاث الهيئة(٢): ((أنّ ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفرٌ وردةٌ عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما، أو أحدهما، فهو كافرٌ بالإجماع)) فهذا النص فيه نقلُ الإجماع على كُفر مُنكِرِها !. وإذا تأملت سياق هذه الإجماعات، فإنك ترى وضوح قضية حجية السنة عند علماء المسلمين، وقطعيتها، وأنها ليست من مسائل الخلاف المعتبر. فهذا منهج أهل العلم، وهذه طريقتهم وهديهم، وقد عرفنا طريقة مخالفيهم من المبتدعة والمستشرقين، والله یحب المؤمنین. (١) الأنوار الكاشفة، للمعلمي (١/ ٦٧). (٢) أبحاث هيئة كبار العلماء (١٤٢/٧). ٤٨ الطريقة الثالثة لبناء حجية السنّة: إقامة البرهان على صحة علم الحديث ما أكثر ما شكّك المنكرون للسنة في علم الحديث، وزهّدوا فيه، واستنقصوا علماءه؛ إذْ هو الطريق الموصل إلى معرفة السنّة. ولقد رأيتُ في مناقشة هؤلاء المشككين عجباً، ولا أذكر أنه - إلى ساعتي هذه- ناقشني مشكك في علم الحديث ، وله معرفة به، وما أسرع الناسَ إلى إنكار ما لا علم لهم به، ولذلك؛ سأبرهن في هذا الفصل على صحة هذا العلم الشريف، وصلاحيته لأن يكون ميزانًا لتمييز المنقول من الأخبار عن رسول الله صلى الله علیه وسلم. إنّ الله سبحانه وتعالى أَمَرنا برد النزاع إلى كتابه وإلى سنّة رسوله ، كما سبق بيانه وتقريره، وهذا يدلّ على أمرين جليلين عظيمين: الأول : أن الله سيحفظ كتابه وسنة رسوله حتى نستطيع رد النزاع إليهما. والثاني : شمولية الكتاب والسنة؛ إذ فيهما الفصل لكل نزاع. قال ابن القيم (رحمه الله تعالى): ((قوله: ﴿فَإِنِ تَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ﴾، نكرةٌ في سياق الشرط، تعمّ کل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدین دقه وجله، جليّه وخفیّه، ولو لم یکن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه؛ إذْ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع)) أهـ.(١) وإذا تقررت بذلك شمولية السنة، فهاهنا مقدمة أخرى، وهي أن من المعلوم وجود أخبار نُسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست تصح نسبتها إليه؛ إما لأنها مكذوبة؟ أو لوجود علّة فيها. فكيف لنا أن نميّز بين ما ثبت، مما لم يثبت، حتى نستطيع أن نرد التنازع إلى السنة؟ وحتى نؤمن بها ونبني عليها أحكامًا؟. لدینا طریقان: الطريق الأول: أنْ يعتمد كلَّ إنسان في سبيل تمييز ذلك على ذوقه ورأيه الشخصي، وكل منا يحكم على الحديث بما يراه مناسبًا. وهذا الطريق لا يجعل للسنة قيمة حقيقية، (١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٤٩/١). ٤٩ ولا تكون عندئذ مرجعاً في النزاع، لأنه إذا أراد شخص أن يستدل بشيء منها، فقد يقول الطرف الآخر: إن هذا الحديث ليس صحيحًا، بناء على ذوقه، وهكذا تضيع سنّة النبي صلی الله علیه وسلم بین أذواق الناس. الطريق الثاني: أن يكون هناك ميزان علمي موضوعي، يصلح لأن يكون حكمًا بين المتخاصمين في إثبات شيء من المنقول عن النبي أو ردّه. ولا شكّ أن وجود الميزان العلمي المعتبر الذي تثبت قوّته وحياديّته ، خير من العبثية والفوضى في الحكم على الأخبار المنقولة. ومن ثمّ فإن هذا الميزان: إما أن نستحدثه، وإما أن ننظر في ميزانٍ قائم مجربِّ معتبر مشهودٍ له من أهل العلم والخبرة والاختصاص؛ بأنه ميزانٌ يبلغ الغاية في تمييز ما ينقل من الأخبار. فأما الخيار الأول وهو استحداث ميزان جديد، ففيه عدد من الصعوبات، وذلك أنه ينقصنا كثير من المعطيات التي كانت موجودة في وقت المحدثين الكبار، كمعاصرة الرواة، ووجود أصول الكتب التي كانت عند الشيوخ والتلاميذ، والجو العام للرواية آنذاك. فمعاصرة الرواة والسماع منهم ،والقدرة على اختبارهم، ونحو ذلك؛ يُعطي معرفة تجريبية، لا تحصل لمن فاتته هذه الأمور، كما أن من الصعوبات في هذا الأمر: قلّة المختصّين الكبار ذوي الخبرة والمعرفة والإتقان بالعلل والرجال ودقائقهما ،مقارنة بعصور الرواية، وخاصة القرن الثالث؛ الذي اجتمع فيه من ذوي الخبرة بهذا العلم، ما لم يجتمع في عصر بعده البتّة، كالإمام أحمد والبخاري وابن معين وعلي بن المديني ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي وغيرهم. فلم يبق إلا الخيار الثاني، وهو النظر في الميزان المجرب القائم الذي هو: علم الحدیث. فهل هذا العلم كافٍ في تمييز المنقول من الأخبار صحيحها من سقيمها؟. سأقدّم الإجابة ثم أبرهن على صحتها، فأقول بكل طمأنينة ويقين: إن هذا العلم هو صمّام الأمان للسنّة، وهو كافٍ تمام الكفاية في تمييز المنقول من الأخبار صحة وضعفاً. ٥٠ وقد أجمع العلماء -من أهل السنّة - على اعتبار هذا العلم مأمونًا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أهل العلم قديمًا وحديثًا على اختلاف تخصصاتهم، يحيلون إلى موازين علم الحديث في صحة الأخبار؛ وذلك عبر نقل كلام أئمة هذا العلم. فقولهم: أخرجه البخاري في صحيحه، أو سكت عنه أبو داود، أو صححه الإمام أحمد، أو حسّنه الترمذي، أو ضعفه العُقيلي، هو اعتراف منهم بهؤلاء المحدثين ومنهجهم وطريقتهم في الجملة. كما أنهم يستعملون قواعد ومصطلحات هذا العلم، كقولهم: هذا حديث مرسل، وهذا منكر، وذا راوٍ متروك، والآخر صدوق، وهكذا ... وأيضًا فقد أجمعوا على صواب نتاج هذا العلم، فقد اتفق العلماء على صحة جمهور أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، والإمامان البخاري ومسلم إنما حكما على الأحاديث التي أخرجاها بالصحة بناءً على موازين علم الحديث، فالنتاج المترتب على هذا العلم - إذاً- أجمعت الأمة على صحته. وإقامة البرهان على كفاية علم الحديث، وصحته، وموضوعيته يكون بدراسة هذا العلم دراسة تفصيلية، والنظر في قواعده وقوانينه. وسألقي الضوء على عدد من القضايا التفصيلية في هذا الفن، والتي تدلّ على ما وراءها من الدقّة والإتقان، وسأذكر عناوينها أولاً ليحسن تصوّر ما سيأتي من تفصيلات تحت هذه العناوين: ١- موازين المحدثين في الجرح والتعديل. ٢ - اشتراط المحدثين اتصالَ أسانيد الروايات؛ ليحكموا عليها بالصحّة. ٣- أنهم يُدخلون الروايات في معامل اختبار دقيقة ؛ لاستخراج العلل الخفية. ٤- دقتهم في رصد الإشكالات العارضة. ٥- أن المحدثين عرفوا تلاميذ كل راوٍ وميّزوا المتقنين عنه ومراتبهم (مراتب الثقات). ٥١ القضية الأولى: موازين المحدثين في الجرح والتعديل: السنّة نقلت إلينا عن طريق سلسلة من الرواة، تبدأ بالصحابة فالتابعين فتابعيهم، إلى أصحاب الكتب والمصنّفات الحديثية: كأصحاب الكتب الستّة، ولا بد من معرفة أحوال هؤلاء الرواة قبل قبول أخبارهم؛ فنعلم عن راوي الحديث أثقة هو أم ضعيف؟ أعدلٌ أم فاسق؟ ولعلماء الحديث في تمييز أحوال الرواة، ومعرفة ثقتهم من ضعيفهم، موازين دقيقة، وشروط صارمة ، فمن ذلك: أولاً : اشتراط العدالة : والعدالة هي السلامة الدينية، فاشترطوا لقبول خبر الراوي أن يكون صالحاً في دينه لا يُعرَف بفسق؛ لأن الذي يتجرأ على الحرام ويتهاون في ارتكابه، قد يتجرأ ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن احتياطهم؛ أنهم لا يحتجون بحديث الراوي إذا كان مجهولًا لا يُعرف بفسق ولا بصلاح . فإن قال قائل: قد يتلبس إنسان بالصلاح ظاهرًا ويكون في باطنه فاسدًا، وربما يضع الحديث ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغلاً مظهره الزائف !. فنقول: إن هناك موازين أخرى عند المحدثين، لا يفوت منها شيء، فلذلك: تجدهم يقولون في بعض العُبّاد الكبار ذوي الصلاح الحقيقي: لا تقبلوا أحاديثهم! لماذا؟ لأنهم اختبروها وعرضوها على أحاديث الثقات فوجدوا أنهم لم يضبطوا الحديث؛ فإذا كانوا قد اكتشفوا أخطاء هؤلاء مع صلاحهم الحقيقي، فكيف لا يكتشفون كذب أولئك مع صلاحهم المزيف؟. ثانياً: اشتراط الضبط والإتقان. قد يكون الراوي صالحًا معروفًا بالعبادة والزهد والتقشف والجهاد والخير ولكنه لا يضبط الحديث، وهذا مشاهدٌ - أيضاً- خارج الرواية الحديثية، فقد يأتيك إنسان تعرف صلاحه بأخبار غريبة لا يشاركه فيها أحد، ولا تطمئن لصحتها، وحين يكثر ذلك منه؛ فإنك تتهم حفظه لا دینه؛ لأنك تعرف أنه لا یتعمد کذباً. والمحدثون لهم وسائل في معرفة ضبط الرواة: • فقد يختبرون الراوي اختبارًا مباشرًا ويسألونه. ومثال ذلك: اختبار حماد بن سلمة ٥٢ لشيخه ثابت البناني، فقد قال له: كيف حديث أنس في كذا وكذا؟ (وثابت لم يروِ هذا الحديث عن أنس، وإنما يرويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وحماد يخلط له متعمدًا؛ لأنه يريد أن يعرف هل يميز ثابتٌ بين ما روى عن أنس، وما روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فإذا لم يعرف، علم أن حفظه ليس بذاك، وإذا تنبّه، علم أنه متقن يقظ). ونصُّ كلام حماد بن سلمة هو: ((كنت أظن أن ثابتًا البناني لا يحفظ الأسانيد، كنت أقول له لحديث ابن أبي ليلى: كيف حديث أنس في كذا وكذا؟ فيقول: لا إنما حدثناه ابن أبي ليلى، وأقول له: كيف حديث فلان في كذا، فيقول: لا، إنما حدثناه فلان)) وهذا في كتاب ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد(١)، فعلم بهذا الامتحان أنه متقن يَقِظُّ. • ويعرفون ضبط الراوي باختبار مروياته -أي الأخبار التي رواها- ، وهذه الطريقة هي العمدة في الجرح والتعديل، فيختبرون أحاديثه، وقد یحکمون عليه بالكذب بناء على ذلك، بل وربما حكموا عليه وهم لا يعرفون شخصه، وإنما بناء على ما روى. وهذه بعض الأمثلة: هناك راوٍ اسمه: أحمد بن إبراهيم الحلبي، وهذا الراوي قد روى حديثًا منكرا، معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يناغي القمر وهو صغير، فيشير له إلى اليمين فيذهب يميناً، وإلى الشمال فيطيعه، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القمر کان يلهيه حين يبكي وهو صبي !. فسأل عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم والدَه الإمام أبا حاتم قائلاً: ((سألت أبي عنه (أحمد الحلبي)، وعرضتُ عليه حديثه، فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعةٌ كلها ليس لها أصول، يدلّ حديثه على أنه كذاب)» أ.هـ(٢). وقال المرّوذي للإمام أحمد عن راوٍ اسمُه: جابر الجُعفي: «یتهم في حديثه بالكذب؟ قال الإمام أحمد: من طعن فيه، فإنما يطعن بما يخاف من الكذب. قال المروذي: الكذب!؟ فقال الإمام أحمد: إي والله وذلك في حديثه بیّن))(٣). (١) العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣٤٧٨). (٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢ / ٤٠). (٣) ينظر: العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد رواية المروذي (٤٦٦). ٥٣ وقال ابن معين - إمام الجرح والتعديل - عن رَوْح بن عبادة: ((ليس به بأس صدوقٌ، حديثه يدلّ على صدقه))(١). ولذلك؛ قيل للإمام شعبة - رحمه الله تعالى - : من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: ((إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه يكذب))(٢). يقصد أن أمثال هذه الأحاديث من الواضح أنها كذب. والأمثلة كثيرة تركتُها لحال الاختصار، وفيما سبق رد على من يقول إن المحدثين لا ينقدون المتن، فهاهم يحكمون على عدد من الرواة بناء على المتون التي رووها !. ثالثًا : بُعد المحدثين عن المحاباة في الجرح والتعديل. • جاء في ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر - رحمه الله - في ترجمة أبان أبي عيّاش - وهو شديد الضعف ، وكان الإمامُ شعبة - رحمه الله - شديد القول فيه- قال عبّاد المُهلّبي: ((أتيتُ شعبة أنا وحمّاد بن زيد، فكلّمناه في أبان أن يُمسك عنه، (أي: يترك الكلام في تضعيفه) فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك فقال: ما أُراني يسعني السكوت عنه)). أهـ. وكان أبان مشهوراً بالصلاح ، ولكنه سيء الحفظ. والإمام علي بن المديني ضعّف والده. والإمام أبو داوود صاحب السنن تكلم في ابنه واتهمه بالكذب. وهذا يدل على أنهم كانوا أهل تديّن وصيانة للسنة، وليسوا أرباب مصالح. رابعًا: أنّ المحدثين كانوا يروون عن مخالفيهم من أهل المذاهب المبتدعة ؛ تقديماً لمصلحة السنّة والرواية. واجه المحدثون في زمن الرواية إشكالية انتشار الفرق التي تخالف طريقة الصحابة والتابعين في أبواب الاعتقاد، كالقدرية والخوارج والشيعة والنواصب، وكان كثير من المنتمين لهذه الفرق يطلبون الحديث ويحضرون مجالسه ويجتهدون في تحصيله ،ويُعرَفون بالضبط والإتقان، فاختلف المحدثون في الموقف من هؤلاء الرواة، هل يروون (١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي (٩/ ٢٤٢). (٢) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهر مزي (٣١٦/١). ٥٤ عنهم، ويحكمون بثقتهم وقبول ما عندهم، أم يتركون الرواية عنهم وينهون الناس عن سماع الحدیث منهم؟ فالذين منعوا الرواية عن هؤلاء رأوا أنَّ هجرهم هو الوسيلة الأنجع لتقليل شرهم؛ وعودتهم إلى الصواب والسنّة. كما أن بعضهم يرى أن المبتدع لا يؤمَن جانبه، حيث يُخاف أن ينتصر لمذهبه الخاطئ برواية يضعها وينسجها، إضافة إلى أن بعض هذه البدع قد تصل بالإنسان إلى الكفر بالله، كما في بعض أقوال الجهمية. بينما تجاوزت طائفة أخرى من نقّاد الحديث هذه السلبيات وقدموا مصلحة الرواية والسنّة، حيث عُرف بعض هؤلاء المبتدعة بجودة الحفظ، وكثرة ما عندهم من الروايات الصحيحة. واشترط النّقاد لقبول رواية هؤلاء أن يكونوا معروفين بالصدق والسلامة الدينيّة؛ بحيث لا يعرف عنهم الفسق في العمل والسلوك، كما أن بدعتهم لا تصل بهم إلى حدّ الكفر بالله. واشترط كثير منهم مع ذلك؛ ألا يكونوا من رؤوس المبتدعة الداعين إلى بدعتهم. وعلى هذا الرأي استقر عمل أكثر المحدّثين. وإذا تأملت في صحيحي البخاري ومسلم تجد أن عددا غير قليل ممن احتجا بهم من الرواة عرفوا بشيء من البدعة. فهذه أمور أربعة تلقي الضوء على شيء من منهجية المحدثين في الجرح والتعديل، ٩ وتطمئن إلى نتائج هذا العلم الدقيق. وهذا كله في أول قضية من القضايا التفصيلية التي تثبت لنا صحة علم الحديث. القضية الثانية : اشتراط المحدثين اتصالَ أسانيد الروايات ؛ ليحكموا عليها بالصحّة. يحرص المحدّثون على التأكد من اتصال الرواية التي يُراد الحُكم عليها، فإذا وجدوا انقطاعًا فيها فإنهم يحكمون عليها بالضعف -في الجملة -. والانقطاع في الرواية قد يكون ظاهراً، كأن يروي راوٍ عن شيخ توفي قبل مولده، وهذا النوع من الانقطاع معرفته لا عناء فيها. وقد يكون الانقطاع في الرواية خفيّاً، كأن يكون بالتدليس (وهو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة؛ كـ((قال) و((عن))، فإن قوله: ((قال فلان)) و ((عن فلان)) لا تقتضي الاتصال بحدّ ذاتها، كما لا تقتضي الانقطاع) ، ولأن الراوي المُدلّس لا يريد أن يكذب كذباً صريحاً ٥٥ فإنه يجتنب الألفاظ الصريحة في السماع نحو ((سمعتُ وحدثني)) فيقول ((قال فلان)) وهو لم يسمعه منه مباشرة، وللمُحدّثين في كشف التدليس طرق يضيق هذا المقام المختصر عن بیانها. والمراد من هذه القضية أن من مميزات منهج المحدثين أنهم يدققون في اتصال الأسانيد وانقطاعها، ويشترطون لصحة الحديث أن يكون متصلاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. القضية الثالثة : أنهم يُدخلون الروايات في معامل اختبار دقيقة ؛ لاستخراج العلل الخفية: إن المُحدّثين لا يكتفون باتصال الإسناد مع عدالة رواته وضبطهم ؛ ليحكموا عليه بالصحة، فقد قال ابن القيم - رحمه الله- كما في كتابه ((الفروسيّة)): ((وقد عُلم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث ؛ وليست موجبةً لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصحّ بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وألّا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذّ عنهم)) أهـ(١). ولذلك؛ فإن الناقد إذا أراد الحكم على رواية فإنه يجمع أسانيدها، ويُقارن بينها متأملاً بعين الخبير، ويستعمل قرائن كثيرة؛ ليرجح بعض هذه الأسانيد على بعض حال اختلافها. وبطريقة المقارنة هذه يكتشف علماء الحديث أخطاءَ الثقات، وههنا تظهر عظمة علم الحدیث، ودقّته. مثال ذلك: ما حصل للراوي جرير بن حازم -وهو ثقة-، فقد كان في مجلس ثابتٍ البُناني، وكان الراوي: حجاج الصواف حاضراً ذاك المجلس -أيضا-، فروى حجاجٌ حديثًا عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))(٢). وبعد انقضاء المجلس، صار جرير يحدث بهذا الحديث عن ثابت البناني (صاحب البيت) فيقول: حدثنا ثابت عن أنس أن (١) الفروسية لابن القيم (١٨٦). (٢) صحيح البخاري (٦٣٧) صحيح مسلم (٦٠٤). ٥٦ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أقيمت الصلاة ... )) مع أن ثابتًا لا دخل له في هذه الرواية، ولكن لأن جريراً سمع الحديث في مجلس ثابت فارتبط في ذهنه اسم ثابت مع هذا الحديث، ولأن ثابتاً أكثر ما يروي عن أنس، فقال جرير: عن ثابت عن أنس! والحديث إنما يعرف من رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. فاكتشف المحدثون هذا الخطأ، وعرفوا سببه، مع أن ظاهر الإسناد الصحة!(١). القضية الرابعة : دقتهم في رصد الإشكالات العارضة : إذا حكم المحدثون على راوٍ بأنه ثقة، فالأصل في رواياته الصحّة، غير أن هناك حالات عارضة تعتري بعض الرواة أو الروايات؛ فتجعلها ضعيفة. وقد رصد المحدثون هذه الحالات العارضة بدقّة عجيبة. مثال ذلك : تغيُّر ذهن الراوي بسبب كبر سنّه، أو لمصيبة أو كارثة أصابته ؛ فأضعفت من قدراته الذهنية. كقولهم في بعض الرواة: مات أخوه فتغيّر حفظه، أو فلان احترقت كتبه فساء حفظه. وكثيراً ما يُعبّر المحدثون عن التغير الطارئ على ذهن الراوي بلفظ: الاختلاط، ولهم دقة في تمييز المختلطين ودرجة الاختلاط، وتمییز من روى عنه قبل اختلاطه وبعده، فتجدهم يقولون عن بعض الرواة: فلان اختلط عام كذا فكل من روى عنه قبل هذا العام فروايته عنه صحیحة، ومن روى عنه بعد هذا العام فروايته عنه ضعيفة. مثال ذلك: عطاء بن السائب الکوفي، وهو من المشهورین وهو صدوق لا بأس به، إلا أنه اختلط في آخر عمره، قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح علل الترمذي)): ((ذكر الترمذي في باب كراهية التزعفر والخلوق للرجال ، من كتاب الأدب من جامعه هذا قال: يُقال إن عطاء بن السائب كان في آخر عمره قد ساء حفظه، وذَكَرَ عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قال: من سمع من عطاء بن السائب قديمًا فسماعه صحيح، وسماع شعبة (١) يُنظر: سنن الترمذي (٥١٧). ٥٧ وسفيان من عطاء بن السائب صحيح، إلا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان قال شعبة: سمعتهما منه بأخرةٍ)) أهـ(١). وهذا نصّ بديع، فزيادة على تمييز المحدثين لمن روى عن (عطاء) قديمًا قبل اختلاطه -ومنهم شعبة- ؛ إلا أنهم لم يغفلوا كذلك عن حديثين رواهما عنه شعبة بعد اختلاطه !. ومن الأمور الدقيقة في الأحوال العارضة: أن المحدّثين رصدوا تغيّر جودة رواية الراوي في بعض البلدان دون بعض !. وقد ينشأ سؤال في ذهن القارئ الكريم: کیف تتغير جودة رواية الراوي في بلد دون الآخر؟. دعونا نتأمل هذا النصّ: جاء في كتاب ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب - رحمه الله - متحدثاً عن طائفة من الرواة فقال : ((النوع الثاني : مَن ضُعِّف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وهو على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: من حدث في مکان لم تکن معه فیه کتب فخلّط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط، أو من سمع في مكانٍ من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضعٍ آخر فضبط، فمنهم معمر بن راشد، حديثه في البصرة فیه اضطراب کثیر، وحديثه بالیمن جيد، قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحبّ إلي من حديث هؤلاء البصریین (وعبد الرزاق في الیمن)؛ کان یتعاهد کتبه وینظر - یعني بالیمن - و کان یحدثهم بخطأٍ بالبصرة. وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأن كتبه لم تكن معه))(٢) أهـ. فتأمّل هذه الدقة العجيبة. ثم ابتدأ ابن رجب - رحمه الله - بذكر بعض الأحاديث؛ التي اختلفت فيها رواية معمر ما بين اليمن والبصرة، فقال: فمما اختلف فيه باليمن والبصرة حديث: ((أن النبي الله -صلى الله عليه وسلم- (١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٧٣٤). (٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٧٦٧/٢ -٧٦٨). ٥٨ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة)). رواه باليمن عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس - رضي الله عنه -. وقال: والصواب مرسل، ومنه حديث: ((إنما الناس كابل مائة)) رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا، ورواه بالبصرة مرةً كذلك، ومرةً عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة)) أهـ. وهذا رصد دقيق جدا للحالات العارضة التي تعتري الراوة ، أو الروايات. ثم يأتي من يُشكك في هذا العلم بمجرّد الدعاوى !!. القضية الخامسة : أن المحدثين عرفوا تلاميذ كل راوٍ، وميّزوا المتقنين عنه ، ومراتبهم (مراتب الثقات) : وهذه القضية يجهلها عامة المُشكّكين في علم الحديث، مع أنها من أهم وأدق مباحث هذا الفَنّ الشريف، وهي تُظهر بحق علوّ كعب أئمة المحدثين وتُبرز قيمة هذا العلم. ولِشَرح القضية نقف عند هذا النصّ: ((أصحاب الزهري -أي تلاميذه - : ... خمسُ طبقات، وهم خلق كثير يطول عددهم، واختلفوا في أثبتهم وأوثقهم فقالت طائفة: مالك، قاله أحمد في رواية، وابن معين. وذكر الفلاس أنه لا يُختلف في ذلك قال أحمد في رواية ابنه عبد الله: مالك ثم ابن عيينة، قال: وأكثرهم عنه رواية يونس وعقيل ومعمر ... وقال أبو حاتم الرازي: مالك أثبت أصحاب الزهري، فإذا خالفوا مالكًا من أهل الحجاز حُكم لمالك. وهو أقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه. وأقوى من معمر، وابن أبي ذئب)). ويواصل صاحب النصّ في كلامه موضّحًا دقّتهم حين يقولون: فلان أحفظ لحديث هذا الشيخ من فلان؛ وذلك برصدهم عدد أخطاء كل راوٍ منهم عن هذا الشيخ؛ فالأقل خطأ عنه هو الأثبت، فقال: ((وقالت طائفة : أثبتهم ابن عيينة، قاله: ابن المديني، وتناظر هو وأحمد في ذلك، وبيّن أحمد أن ابن عيينة أخطأ في أكثر من عشرين ٥٩ حديثًا عن الزهري. وأما مالك فذكر له مسلم في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثة أوهام)) أهـ. من شرح العلل لابن رجب(١) قد يكون في الكلام السابق نوع من الصعوبة على من ليس له اطلاع على علم الحديث، ولعلّ خلاصة القول أن المُحدّثين من دقّتهم عرفوا درجات الرواة في الضبط والإتقان، حتى بين الثقات أنفسهم، ومعرفتهم هذه مبنية على دراسة أحاديثهم، كما في كلام الإمام أحمد حين ذكر عدد أخطاء سفيان بن عيينة في روايته عن الزهري. (١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٦٧١/٢). ٦٠