النص المفهرس

صفحات 201-220

٠
أقول : يتظاهر الدكتور في هذه الفقرة بمظهر المحدث القدير النقاد للأحاديث
الموضوعة والمشفق على الأمة أن يغتروا بها، فإذا به ينقلب الأمر عليه لجهله بهذا
العلم والكتابة فيه إلى نقيض ما رمي إليه. ألا وهو تحذيره من الركون إلى الأخذ
بكل ما في الكتاب المذكور لقوله فيه ((فهو ملفق من مجموعة أحاديث .. )، الخ
-فهل كل ما في الكتاب ملفق باطل؟ !ذلك ما أريد بيانه ببعض الامثلة لكي لا يغتربهذ.
(الكلمة من ابتلى بقراءة كتابه هذا ((فقه السيرة)) أو بالتتلمذ عليه والاصغاء لجهالاته
وادعاآته . جاء في الكتاب المذكور ( معراج ابن عباس ) الحقائق الآتية:
١ - قال في البراق (ص ٢): ((وإذا هو دابة تشبه الدواب فوق الحمار
بودون البغل »
٢ - وفي ( ص ٥ ): فطرق جبريل الباب، فقالوا : من هذا ? قال جبريل.
قالوا: ومن معك؟قال: محمد ، قالوا أأرسل اليه؟ قال: نعم ، قالوا مرحباً بك
, وبمن معك .
٤ :
٣ - وفي (ص ٢٥): ((وفي حديث آخر: لا يفنى أكثر أمتك إلا بالطعن
والطاعون)).
٤ - (ص ٢٧): ( وفرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة في كل
يوم وليلة)).
تلك أمثلة أربعة مما جاء في كتاب ((مَعراج ابن عباس)) وهي كلها
صحيحة ثابتة في عدة أحاديث صحيحة ، فالمثال الأول أخرجه الشيخان وقد عزاه
اليها الدكتور نفسه ( ص ١٤٦) وهو من حديث أنس، وله شواهد كثيرة
منها عن حذيفة، وقد خرجته في ((الأحاديث الصحيحة)) (ص ٨٧٤ ).
وكذلك المثال الثاني والرابع فها في ((الصحيحين)) أيضاً من حديث أنس
المشار إليه آنفاً .
والمثال الثالث حديث صحيح أخرجه أحمد (١٤٥,١٣٣/٦ ,٢٥٥)
٧٣

من حديث عائشة مرفوعا، وله شواهد مخرجة عندي ((في الروض النضير ٥٢٦)).
و((إرواء الغليل)) (١٦٣٦)، فكيف يجوز للد كنور أن يقول في الكتاب
المذكور أنه ((ملفق من مجموعة أحاديث باطلة، وفيه هذه الأمثلة المجموعة من
الأحاديث الصحيحة !! إني على مثل اليقين أن الدكتور لم يقرأ الكتاب المذكور
مطاقاً ، أو عند كتابته هذه الكلمة على أقل تقدير ، وإلا لم يقع في مثل هذا
الخطأ الفاحش وفيه إبطال بعض ما اعترف هو بصحته قبله بصفحات مما جاء في المثال
الأول كما سبقت الاشارة اليه . ويؤيدني فيما أقول أنه كتب في حاشية الصفحة
(١٤٦) ما نصه :
((وحاذر أن تعتمد على مثل كتاب ((معراج ابن عباس)) فهو مليء-
بالكذب والأباطيل وابن عباس برىء من هذا الكتاب)).
وهذا كلام سليم لا يرد عليه ما أوردته على قوله السابق ؛ وهو على الغالب.
ما استفاده من غيره ، وربما نقله بالحرف الواحد ، فلما تصرف فيه بقلمه ونقله
من الحاشية إلى صلب الكتاب وقع فيما ذكرنا من الجهل الفاضح ، ولولا حبه
تكثير صفحات الكتاب والتظاهر بالتحقيق الذي هو به غير حقيق لما وقع
منه ذلك . فاللهم هداك .
٣ - قال في حاشية ( ص ١٩٧ ) بعد أن نبه إلى معجزة فرس سراقة
وغوص قائمتيها في الأرض ، ومعجزة خروجه صّ ◌َ ◌ّ؛ من بيته وقد أحاط به
المشركون ، وتبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه ، ثم استطرد فذكر تبرك أم
سلمة بشعره صَّ له وأم سليم بعرقه وغير ذلك ثم علق عليه فقال :
((يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا
العصر ، ذكر ذلك في نقدله على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر
الكتاني نطلاب كلية الشريعة .
ونحن نرى أن هذا كلام خطير لا ينبغي أن يتفوه به مسلم ، فجميع أقوال
٧٤

1
الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع ، والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما لم
ينسخه كتاب أو سنة صحيحة ، ومن أهم فوائد التشريع ودليله معرفة الحكم.
والاعتقاد بموجبه .
وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولاسنة مثلها فيمضمونهما.
التشريعي باق إلى يوم القيامة . ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوصل والتبرك
بآثار النبي عليه الصلاة والسلام فضلا عن التوسل بذاته وجاهه عند الله تعالى ،
وأن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن ، فكيف يقال مع ذلك أنه لا فائدة منها
في هذا العصر !!
أكبر اخان أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الأستاذ الشيخ ناصر أنها
تخالف مذهب، في التوسل غير أن ذلك وحده لا يكفي موجباً لنسخها وانهاء
فائدتها كما هو معلوم)) .
هذا كلام البوطي بالحرف الواحد نقلته على طوله وقلة فائدتة ليكون القراء
على يقين من مبلغ علم هذا الرجل وخوفه من الله تعالى، وعدم مبالاته بتهمة الأبرياء
والطعن فيهم بغير حق ، ولبيان هذه الحقيقة هنا أقول:
أولا: إن مانسبه إلى من الرأي إن هو إلا اختلاق. وإن مما يدل على جرأة الرجل
وقلة خوف من الله وحيائه من الناس عزوه ذلك إلى نقدي لأحاديث الكتاني ،
وليس فيه هذه القرية الباطلة ك - ترى ولو كان الدكتور ينتقد باخلاص وعلم
لنقل عبارتي، وأنقدها انتقاداً علمياً موضوعياً، ولكنه يعلم أنه لو فعل ذلك
لا نكشف عند القراء ، ولذلك فهو جرى على هذه الطريقة من النقد يعزو القول
إلى القائل وهو لم يقل ذلك أملا، أو قال شيئاً منه ولكن الدكتور يأخذ
بعضاً ، ويترك بعضا كمثل من يقول ((ولا تقربوا الصلاة)) ويسكت! فاسمع
نص كلامي في نقدي المذكور الكتاني ، قلت (ص ٥٦ ) منه مانصه :
٦ - إيراده أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة تحت العناوين
الآتية ( ص ٢١): ((التبرك بآثار رسول الله مَّ الله بأمره)). وذكر فيه حديث
٧٥
١
-،
-- .
'۔
٦
٠٫٠

علي بن أبي طالب وفيه أمره وعرّ الله له ولغيره أن يشربا من إناء مج فيه مزيد
وأن يفرغاه على وجوهها، ثم قال: ((تبرك الصحابة بآثار رسول الله عَ لخ )).
ثم أوردفيه حديث طلق بن علي وفيه أنه مَّ الّه توضأ وتمضمص ثم صبه في إدارة
لهم. ثم أعاد الترجمة ذاتها وذكر تحتها حديثاً ثالثاً فيه تبرك أسماء بجبته مح طه.
ثم أعاد الترجمة للمرة الرابعة وأورد فيه حديثاً في تبرك أم سلمة بشعر رسول
الله صد .
فما هو الفائدة من تكرار هذه العناوين والتراجم في الوقت الذي لا يمكن
اليوم التبرك بآثاره صَّةٍ لعدم وجودها !! وما يفعلونه اليوم في بعض البلاد من
التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شىء لا أصل له في
الشرع ، ولا يثبت ذلك بطرق صحيحة .
نعم إنما يستفيد من هذه التراجم بعض مشايخ الطرق كما سبق ذكره في
المقدمة ، ولعل المصنف وضع هذه التراجم مساعدة منه لهم على استعباد مريدهم
وإخضاعهم لهم باسم التبرك بهم والله المستعان)).
هذا الذي قلته في النقد المذكور نقلته مضطر ◌ً بالحرف الواحد ليقابله القارئ.
الكريم بما نسبه البوطي إلي، ليتبين له افتراؤه وغلواءه في قوله: ((هذا كلام
خطير لا ينبغي أن يتفوه به مسلم،))! فأنت ترى أن الدكتور تعمد حذف لفظة
((كبير) المضافة إلى ((فائدة)) والتي هي نص صريح في أنني لا أنفي الفائدة
مطلقاً من معرفتها كما زعم البوطي، وإنما أنفي فائدتها الكبرى وهذا أمر واضح
لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وقد علت ذلك بتعليل بين فقلت :
(((لا يمكن اليوم التبرك بآثاره صية لله لعدم وجودها ... )) فتبقى الفائدة التي
ليست بكبيرة إنما هي معرفتها لمجرد العلم بالشيء ولا الجهل به ، فكيف ينسب
البوطي إلي تلك الفرية: ((هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر)) !!
ثانياً : هب أني قلت ذلك، فهلا ذكر السبب الذي قلته في تعليل ذلك
بديل أن يكتمه عن الناس فيوقعهم في الولوغ في عرض الألباني وذهابهم
٧٦

٢٦
مذاهب شتى في تعليل ذلك والطعن فيه ، أم أن هذا هو الذي يقصده البوطي
بكل ما يكتبه ضد الألباني ، وليس هو النصح لهم ؟!
ثالثاً : أما كان من الواجب على الدكتور البوطي أن يرد علي تعليلي المذكور
إن كان عنده رد ، بديل أن يأخذ من نقدي المتقدم على الكتاني - على طوله -
تلك الجملة المبتورة ((لا فائدة منها))؛ فيكذب علي !
رابعاً : لا أشك أن هناك خلافاً كبيراً بيننا وبين الدكتور البوطي في
تقدير فائدة أحاديث التبرك فهي عندي وعند كل ذي علم فيما اعتقد غير ذي
موضوع اليوم، وهذا لا ينافي فائدةمعر فتها كما سبق بيانه، بینا یری الدكتورأنها
ذات موضوع، لأنها تدل على التبرك، وهو والتوسل بمعنى واحد عنده كمايدل عليه
قوله المتقدم: ((ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي عليه الصلاة
والسلام فضلا عن التوسل بذاته وجاهه .... الخ. وأصرح منه قوله في صلب
الكتاب في الصفحة ( ١٩٧ ):
((فان التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير
والبركة عن طريق التوسل به. وكل من التوصل بجاهه صَّ اللّه عند الله والتوسل
بآثاره أو فضلاته أو ثيابه ، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق
التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة ، وكل الصور الجزئية له تدخل
تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بـ ( تنقيح المناط ) عند علماء الأصول)).
وصرح في مكان آخر (ص ٣٥٥) أن المناط إنما هو كونه عَبد الله أفضل
الخلائق عند الله على الاطلاق.
فأقول: في هذا الكلام خبط وخاط كثير وادعاء ما لا أصل له ، وما
لا يعقل ، كما أنه ليس هناك ولا حديث واحد يثبت به مطلق التوصل الذي
زعمه الدكتور ( المقلد الذي يقول مالم يقله أي مجتهد في الدنيا !! ) فهلا ذكر
شيئاً من تلك الأحاديث التي تثبت مطلق التوسل ، وبين وجه دلالتها على ما
زعم، وأعرض عن هذا الكلام والجعجعة التي لا طحن فيها .
- --

ثم كيف يجعل التوسل بمعنى التبرك، والتوسل عنده لا يستلزم حضور المتوسل
به، كما هو صريح كلامه، وبين التبرك الذي يقتضي حضور الشيء المتبرك به، كما
هو ظاهر الأحاديث التي ذكرها الاستاذ البوطي ومن قبله الكتاني وغيرهما !!
وإلا فكيف يمكن التبرك بها؟!
وأيضاً فكلامه صريح في جواز التوسل بقوله في دعائه : اللهم إني أتوسل
إليك بفضلات نبيك وعرقه و ... وغير ذلك مما يستحي من كتابته فضلا عن النطق
به كل مسلم عاقل غيور على مقام الألوهية، وياخجلتا. إذا قام الدكتور على المنبر يوم
الجمعة يدعو بهذا الدعاء تحقيقاً منه لما ذهب إليه من فلسفة التوسل بالفضلات !!
وتا الله لقد ازددنا يقيناً بعدم مشروعية التوسل بالذات لما رأينا الدكتور
البوطي قد استلزم منه مشروعية التوسل بجزء من أجزاء الذات حتى ولو كان
من الجنس الذي كان رسول اللّه صٍََّّ نفسه يتطهر وبتنزه منه كما هو ثابت في
((الصحيحين ) وغيرهما من كتب السنة المطهرة .
خامساً : لقد تبين ما سبق أن ما ظنه الدكتور البوطي من السبب ظن إثم،
لأني أولاً لم ألغ فائدة أحاديث التبرك بآثاره عن خ ل كما سبق بيانه. وثانياً لأنه
قائم على تسويته الباطلة بين التبرك والتوسل من جهة ، وعلى مشروعية التوسل
بالذات من جهة أخرى ، وكلاهما غير صحيح كما قدمنا ولو بإيجاز .
وأما غمزه إياي بالشذوذ في قوله: ((أنها تخالف مذهبه في التوسل ، فهو
قاشيء من عدم مراعاته الأدب مع الأئمة الذين يخالفون رأيه ولا - أقول مذهبه؛
فانه لا مذهب له على الرغم من لا مذهبيته ! وإلا فاين هو من قول الإمام أبي
حنيفة: ((أكره أن يسأل الله إلا بالله، فلم يجز الامام السؤال بالذات فضلا عن
الفضلات كما هو رأي المقلد المجتهد الجامع للمتناقضات !! وما ذهب إليه الإمام
هو مذهب صاحبيه أيضاً فضلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من
المحققين، وهو المذهب المنصور بالأحاديث النبوية والآثار السلفية، كما تراه
.مفصلا في رسالتي الخاصة في التوسل، مع الرد على شبهات المخالفين ونقدها رواية
٧٨

-١
ودراية، ومن ذلك الرد مفصلا على البوطي في خلطه بين التوسل والتبرك ،
وتجويزه التوسل بالفضلات ، وما يصل هذا المقال إلى أيدي القراء الكرام إلا
وتكون الرسالة قد تداولتها الأيدي وانتفع بها إن شاء الله كل من كان له قلب
أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعذرة إلى القراء مما اضطررنا اليه من الاطالة في
الرد على البوطي في هذه الفقرة التي جرتنا إلى الخروج عما نحن بصدده من الرد
عليه من الناحية الحديثية المحضة التي توجهت إليها في هذه المقالات دون مناقشته
في آرائه الفقهية التي خالف فيها الأدلة الشرعية ، ولعلي أتفرغ بعد الكتابة في
ذلك باذن الله تعالى.
ولنعد الآن إلى ما نحن بصدده فأقول :
٤ - قال ( ص ٢١٣) :
(( وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون اسناد ، وذكره ابن خيثمة
فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد ، حدثنا بعيسى بن يونس ثنا كثير ابن
عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صَّ له كتب كتاباً بين
المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ماذكره ابن إسحاق . انظر عيون الأثر لإبن
سيد الناس))، (١٩٨/١).
أقول فيه مؤاخذات .
أولاً : هذا الاسناد لا قيمة له لأن كثير بن عبد الله بن عمرو المزني
ضعيف جداً قال الذهبي في ((في الضعفاء والمتروكين)):
((قال الشافعي عنه : من أركان الكذب . وقال ابن حيان : له عن أبيه عن
جده نسخة موضوعة، وقال آخرون : ضعيف)).
ثانياً: إن كان الدكتور لا يعلم هذا الضعف الشديد لجهله بتراجم رواة
الحديث فلماذا ذكر إسناده ! !و طلابه وجمهور قراء كتابه هم بالطبع ليسوا خيراً منه
في ذلك ، وإن كان يعلمه فلم كتمه ولميبينه !! ألا يحق لنا مع هذا كله أن نروي
قول من قال :
٧٩
i

:
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة
ثالثاً : إن كان يعلم ذلك فما الفائدة من ذلك سوى تضخيم حجم الكتاب.
ألا يعلم الدكتور أن الحديث الضعيف لا يتقوى بما هو شديد الضعف عند علماء
الحديث ولا يستشهد به، لا سيما إذا كان المشهود له لا إسناد له أصلا كما هو
شأن هذا الكتاب عند ابن اسحاق .
رابعاً: كيف يتفق هذا كله مع قوله انه اعتمد على ماصح من أخبار السيرة .
فأين الصحة فيما لا سند له ، وشاهده ضعيف جداً؟!
خامساً: قوله: ((ابن خيثمة)) خطأ يدل على مبلغ علم الدكتور بالتراجم
والصواب ((ابن ابي خيثمة)) كما في ((العيون)) وغيره.
٥ - ثم قال عقب ذلك مباشرة ( ص ٢١٤):
((وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن مريج قال: حدثنا عباد عن
حجاج عن عمرو شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صَ لّ كتب كتاباً بين
المهاجرين والأنصار ... الخ انظار مسند أحمد ١٠/٢١ شرح البنا)).
قلت : فيه مؤاخذات أيضا :
الأولى: أن اسناده ضعيف لا تقوم به حجة لأن حجاجاً هذا هو ابن أرطاة
وقد قال فيه الحافظ في ((التقريب))((صدوق كثير الخطأ والتدليس))، ويبدو
أن الشيخ عبد الرحمن البنا توهم أنه غيره من الثقات فقال: ((وسنده صحيح)»!
الثانية والثالثة والرابعة مثل ما تقدم في الحديث الذي قبله .
الخامسة قوله: (( ... الخ)) فأقول فيه إِهام بما يخالف الواقع ، لا يصدر
ممن مه أن يكون كلامه أو ما يكتبه مطابقاً للواقع ، فان كل من يقف على
قوله هذا بعد الحديث الذي قبله وفيه (( فذكر نحوما ذكره ابن اسحاق)) ، ثم
عطف عليه فقال ((وذكره الإمام أحمد في مسنده ... )) لا يفهم منه الا أن الذي.
ذكره أحمد هو مثل أو على الأقل نحو ما ذكره ابن اسحاق في المعنى والنمام وهذا
خلاف رواية أحمد فانها مختصرة جداً بالنسبة لسياق ابن اسحاق ، فان لفظها :
٨٠

١
كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يغدوا عانهم
بالمعروف والإصلاح بين المسلمين )).
فأين هذا السياق المختصر من سياق ابن إسحاق الذي يبلغ نحو صفحتين من قياس
صفحة هذه المجلة ! !ويكفيك دلالة على ذلك أن البوطي ذكر منه ( ١٣) فقرة،
وهي مع ذلك قل من جل !
.
فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه في كتابته لا يتحرى الصواب والتعبير
الدقيق المطابق الواقع، هذا إن لم يكن متعمداً لذلك ، ليسد الطريق على من قد
ينتقده في اعتماده رواية بن إسحاق التي لا سند لها ، فندها هو بالحديثين المذكورين
كشاهدين لها ، وفيها ما علمت من الضعف الشديد في الأول والاختصار الشديد
مع الضعف في الآخر ! !
٦ - قال (ص ٢٢٦) بعد أن ذكر حديث الحباب بن المنذر في إشارته
على النبي صَّ لّهِ بالنزول في مكان غير المكان الذي نزله وَل:
٦
((روى ابن هشام في سيرته حديث الحباب بن المنذر هذا عن ابن إسحاق عن
رجال من بني سلمة ، فهي فيما رواه ابن هشام رواية عن قوم مجهولين . وذكر
الحافظ ابن حجر هذا الحديث في ((الاصابة)) فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد
بن رومان عن عروة بن الزبير وغير واحد في قصة بدر . وهذا سند صحيح
والحافظ ابن حجر ثقة فيما ينقل ويروي. (راجع الاصابة ٣٠٢/١).
أقول : لنا عليه ملاحظات :
٢٠٠.
الأولى: إذلاله رواية ابن هشام بأنها عن قوم مجهولين ، ليس بقادح لأنهم جمع
تغتفر جهالتهم عند أهل العلم بهذا الشأن ، لاسيما ويحتمل أنهم من الصحابة ، لأن
ابن إسحاق رواه هكذا : فحدثت عن رجال من بني سلمة ، فلو أن ابن إسحاق
صرح بالتحديث عن الرجال لانتفى الاحتمال المذكور ، لأن ابن إسحاق من
أتباع التابعين ، ولجزمنا بأن الحديث مرسل .
٨١
٠- ٦

ولكن قوله: ((فحدثت)) دليل على أن بينه وبين الرجال واسطة ، ومن
الممكن أن يكون من التابعين ، فيظل الاحتمال المذكور قائماً، وإنما العلة
القادحة في هذه الرواية هي جهالة الواسطة مع احتمال الإرسال.
الثانية: قوله في رواية عروة: ((وهذا إسناد صحيح)). ليس بصحيح
على إطلاقه لأمرين .
الأول : أن ابن إسحاق فيه كلام من قبل حفظه ، والذي استقر عليه
رأي العلماء المحققين أن حديثه في مرتبة الحسن بشرطين : أن يصرح بالتحديث ،
وأن لا يخالف من هو أوثق منه .
والأمر الآخر: أن عروة تابعى لم يدرك الواقعة. فالصواب أن يقال: إسناده
مرسل حسن. وحينئذفه و إسناد ضعيف، لأن المرسل من أقسام الضعيف على قواعد علماء
الحديث كماهو مقرر في محله، ولا أجد وجهاً لقول الدكتور المذكور إلا أنه يظن أن
عروة بن الزبير صحابي كأخيه عبد الله، فان كان كذلك ، فهو ظن عجيب ينبي*
عن مبلغ علم الدكتور برجال السلف، وقد مضى له حديث آخر من هذا
النوع في الفصل الثالث الحديث السادس، ص (١٩ - ٢٠).
الثالثة: قوله عن الحافظ: ((فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد)) خطأ،
ومثله قوله بعد: ((ينقل ويروي)) لأن الرواية عند المحدثين لا تعني مجرد ذكر
المروي ونقله وإنما ذكره باسناد الراوي لفعنه إلى منتهاه ، وقد سبق تفصيل ذلك
في الرد على قول الدكتور: (( روى ابن كثير))! (ص ١٥) فراجعه . ولو قال:
(((يروي وينقل)) لـكان أقرب إلى الصواب على اعتبار قوله: ((وينقل)) تغيراً
لقوله: ((يروي)) أما العكس فغير صحيح لما ذكرته .
الرابعة: قوله عن الحافظ أيضاً: ((عن ابن إسحاق عن يزيد)) خطأً منه
على الحافظ، لأنه إنما قال: ((قال ابن إسحاق في ((السيرة)): حدثني يزيد بن
٨٢

رومان .. ، وفرق كبير بين القولين عند من يعلم أن ابن إسحاق مدلس ، وإنه
إذا قال ((عن)) فليس بحجة، وإذا قال: ((حدثني)) فهو حجة. فلو كان الدكتور
على علم بهذا لم يقل على الحافظ ما لم يقل إن شاء الله تعالى !
الخامسة : لا منك أن الحافظ ثقة بل فوق الثقة، لكن ذلك لا يعني أنه
معصوم من الخطأ كما تقول الشيعة في أئمتهم ، وهذه الرواية التي ذكرها عن عروة
لم أر أحداً غيره ذكرها كابن سيد الناس ، وابن كثير وغيرهما، وبالاضافة إلى
ذلك فهي ليست ((في سيرة بن هشام)) (٢٧٢/٢). نعم قد جاء فيها قبل ذلك
(٢٦٣/١): ((قال ابن إسحاق: وحدثنى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير
قال ... )
قلت : فذكر طرفاً من غزوة بدر ، ثم أتبعه باطراف أخرى كثيرة منها ،
مصدراً كل طرف منها بقوله: ((قال ابن إسحق)). ثم قال ابن هشام . قال ابن
إسحاق : فحدثت عن رجال ... الخ فذكر قصة الحجاب .
قلت: فمن المحتمل أن الحافظ لمانقلها وقع بصره على الإسناد الأول عن عروة، ولم يقع
نظره على إسناده الثاني: عن رجال من بني سلمة، فصارت من رواية عروة، ولكن لقائل
أن يقول: هذا احتمال قوي، لولا أن الحافظ قرن إلى عروة قوله: ((وغير
واحد )) وهذا ليس في السيرة مطلقاً ، فمن أين جاء به ؟
فأقول : وهذا مما لا جواب عليه عندي الآن. ويحتمل احتمالاً بعيداً أن
يكون الحافظ نقل رواية عروة وغير واحد من ((سيرة ابن إسحاق)) مباشرة
فيكون فيها ما ليس في ((سيرة ابن هشام)) عنه، وهذا مستبعد جداً، والله أعلم .
٧ - قال (ص ٢٤٦): ((ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله مَّةٍ فيما
رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه: ((إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم))
ويقول فيما رواه الشيخان: ((إنكم تختصمون إلى ... )) الحديث.
قلت : وهذه خطيئة فاحشة لاتطاق فإن الحديث عند البخاري وغيره ليس
من قول النبي سَّ الله ، وإنما هو من قول عمر رضي الله عنه موقوفا عليه، وهو عند
٨٣
.!

البخاري في أول كتاب ((الشهادات)) من طريق عبد الله بن عتبة قال: سمعت.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
(((إن قلاً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صَّ له وإن الوحي
قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم)). وكذلك أخرجه الإمام
أحمد من طريق أخرى عن عمر موقوفاً بنحوه .
وغالب الظن في تعليل صدور هذه الخطيئة من الدكتور البوطي إنماهو عدم.
الإطلاع علىما جاء في السنة كما ينبغى أولا ، وسرعة المنقل بغير وعي وانتباه ثانيا
لأنه ينقل مالم يهضمه، وإلا فانهلو كان واعياً لم يقع منه ذلك باذن الله، ولعله لا
رآي في الحديث قول: ((رسول الله عَّ له)) توهم أن الذي بعده هو قوله صَّ الٍِّ!
ومن قول الدكتور بعده: ((ويقول فيما رواه الشيخان ... )) يعلم القارىء أن
قوله في الحديث الأول: ((يقول رسول الله صَّ اله )) ليس زيادة من الطابع غفل
عنها الدكتور عند تصحيح التجارب ، بدليل عطفه الحديث الثاني على الحديث
الأول الذي صرح الدكتور وكتب بقلمه رفعه إلى النبي منتظلة، فعطف عليه الثاني،
وهذا معروف رفعه إلى النبي صَفي بخلاف الأول! ولولا ذلك التصريح لم يصح
العطف المذكور كما هو ظاهر .
ومن طرائف الدكتور وغرائبه أنه كان جعل في الطبعة الأولى مكان
حديث عمر هذا حديثاً آخر لفظه فيها: (( ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله
مَّ اللّه: أمرنا أن تحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)). فلما انتقده صاحبنا
الأستاذعيد عباسي وبين له أن هذا الحديث لا أصل له ، حذفه وطبع الدكتور مكانه
حديث عمر هذا الموقوف عند البخاري فعزاه إليه مرفوعاً! وهذا إن دل على شيء
فهر أن الدكتور لم يكن موفقاً في هذا التعديل الذي ازدادبه بعداً عن الصواب.
ولعل الدكتور قد أخذدرساً بألا يستكبر مرة أخرى عن الاعتراف بخطئه وشكر من
نيهه إليه، فيعطي بذلك درساً عملياًللطلاب والقراء مذكر آلهم بأخلاق العلماء الأنقياء.
٨ - قال (ص ٢٨٨): ((وثبت في الصحيحين أيضاً أن رسول الله صَ الله
٠ ٦٠٠,
٨٤

٠,١
- سأل جابراً في غزوة ذات الرقاع هل تزوجت بعد؟ قال نعم)).
قلت: ليس في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما ذكر غزوة ذات الرقاع.
فعزو الدكتور ذلك اليها من أخطائة التي لا تتناهى، وإنما ذلك في «سيرة ابن
-هشام) عن ابن إسحاق عن جابر وسنده حسن، وكذلك رواه أحمد (٣٧٥-٣٧٦)،
وعلق البخاري طرفاً من أوله في ((المغازي، بل عنده في ((الشروط)) معلقاً أيضاً
من طريق أخرى عن جابر ما يؤخذ منه أن ذلك كان في غزوة تبوك ، ولكن
موجح الحافظ رواية ابن إسحاق عليها فليراجعه من شاء .
صَلى الله
٩ - قال (ص ٣٦٦ - ٣٦٧) وقد ذكر حديث تقبيل رسول
جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الجيشة .
(((والحديث رواه أبو داود بسند صحيح)).
قلت : وهذا خطأ، كخطئه في قوله المتقدم في حديث عروة المرسل :
(((إسناد صحيح)) كما سبق بيانه (ص٨١ فقرة ٦)، فات أبا داود أخرجه
في آخر كتابه من طريق علي بن مسهر عن أجلح عن الشعبي أن النبي صَّ له تلقى
جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل ما بين عينيه .
قلت : فالشعبي تابعي معروف لم يدرك الحادثة بطبيعة الحال ، فالاسناد
منقطع مرسل ، والأجلح وهو ابن عبد الله بن حجية الكندي مختلف فيه فوثقه
جماعة ، وضعفه آخرون ، منهم أبو داود نفسه . وقال العقيلي : روى عن
الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها، وأورده الذهبي في ((الضعفاء)) رقم
(٢٢٩) من ((المغني)) وقال:
((شيعي لا بأس بحديثه، ولينه بعضهم، وقال الجوزجاني: الأجلح مفتر»
وقال الحافظ في ((التقريب)).
(((صدوق ، شيعي)).
قلت : فمثله لا يصحح حديثه إلا من لا معرفة عنده بعلم مصطلح الحديث
وتراجم الرجال، وإنما يحسنه فقط إذا لم يكن من المتشددين ، فالصواب إذن
٨٥
2
ھ

أن يقال: ((رواه أبو داود بسند حسن مرسل)) والأصوب أن يقال رواه أبو
داود بسند ضعيف، لأن أكثر القراء لا يعلمون أن المرسل - عند المحدثين - من
قسم الحديث الضعيف كالمنقطع ، والمدلس، والمعضل ، وغيرها .
وهذا كله بالنسبة لرواية أبي داود، وإلا فقد رواه الحاكم (٢١١/٣) من
طريق الحسن بن الحسين العرني ثنا أجلح بن عبد الله عن الشعبي عن جابر قال :
فذكر الحديث هكذا مسنداً عن جابر ، لكن العوني هذا أورده الذهبى في
((الضعفاء)) وقال (١٣٨٩ ):
(( ليس بصدوق)).
قلت : فمثله لا يحتج به مطلقاً فكيف إذا خالف مثل علي بن مسهر الثقة
المحتج به في ((الصحيحين))، بل لو رواه الثقات عن الأجلح مسنداً عن جابر
لم يصح، لأنه خالفه ثقتان، وهما إسماعيل بن أبي خالد وزكريا بن أبي زائدة
فروياه عن الشعبي مرسلا. أخرجه الحاكم ، فكيف وقد وافقها الأجلح في الرواية
الصحيحة عنه، ولذلك قال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)):
((قلت : والمرسل هو الصواب)).
١٠ - ثم قال: ((وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم.
زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صَّ لّه في بيتي فأناه فقرع الباب دقام إليه النبي
حَدِ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله)).
قلت : إسناده ضعيف مسلسل بثلاثة ضعفاء على نسق واحد ، كما بينته في
في نقدي للكتاني ( ص ١٦ - الحديث الثامن ) ولذلك قال الذهبي: «حديث
منكر))، فكيف يلتقي إيراد الدكتور لهذا الحديث في كتابه مع قوله أنه اعتمد
فيه على صحاح السنة؟! وإذا كان له رأي خاص ينافي حكم الإمام الذهبي وما
شرحته هناك فهلا رد علينا كما فعل في الأحاديث الثلاثة التي سبق الرد عليه فيها ،
أم أنه مقتنع في نفسه بضعف إسناده المشروح هناك فانه مطلع عليه قطعاً ،
ولذلك لم يتوجه لنقده، وحينئذ فالوزر في إيراده إياه أكبر. أصلحه الله وهداه.
٨٦
:

1
!
. ----
21
١١ - ذكر (ص ٤٤١) حديث عمر بن الخطاب في مسابقته لأبي بكر
الصديق، وتصدق أبي بكر بكل ماله، وقوله رضي الله عنه: ((أبقيت لهم
الله ورسوله)). وقال في تخريجه في الحاشية:
((رواه الترمذي والحاكم وأبو داود ، وفي سنده هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم وقد ضعفه الإمام أحمد والنسائي ( الأصل الكسائي! ) واعتبره الحافظ ابن
حجر من المرتبة الخامسة فقال عنه :
صدوق له أوهام، إلا أن الذهبى نقل عن أبي داود أنه أثبت الناس إذا روى
عن زيد بن أسلم كما في هذا الحديث، ونقل عن الحاكم أن مسلماً أخرج له في الشواهد)).
وقال الدكتور عقب الحديث في صلب الكتاب: ((وإذا صح هذا الحديث ... »
وأشار إليه ( ص ٤٥١ ) وقال :
((على ما فيه من احتمالات الضعف التي بينتها في تخريج الحديث)).
قلت : وهذا نوع جديد من الدكتور في التخريج ! فبينما كنا نراه سابقاً
يقتصر في تخريج الأحاديث على مجرد ذكر من خرجه ، دون أن يحكم عليه بما
يستحقه من صحة أو ضعف، وكثيراً ما يكون ضعيفاً فيكت عليه موهماً
صحته كما سبق مرارا إذا بنا تراه هنا يعكس ذلك، ويحاول أن يضعف الحديث
الثابت متمسكاً بما في هشام بن سعد المذكور من الكلام، مع أن حديثه عند أهل
المعرفة بعلم الجرح والتعديل وتراحم الرجال لا ينزل عن مرتبة الحن؛ لأنهم يعلمون
أن مجرد كون الراوي متكلماً فيه لا يجعل حديثه في مرتبة الضعف ؛لأن
هناك مرتبة وسطى بينها وبين مرتبة الصحة وهي الحسن، وهشام هذا من هذا القبيل،
لاسيما في روايته عن بن أسلم؛ لكثرة روايته عنه، وصحبته إياه، فلاجرم أنه صحح حديثه
الترمذي والحاكم والذهبي، بل واحتج به وعلقه الإمام البخاري في (صحيحه) بصيغة
الجزم (رقم ٢٢٨ - مختصر صحيح البخاري) ، ولذلك خرجته في ((صحيح أبي.
٠٩١٠
- :
٨٧

٠٠
داود)، ومع هذا كله نجد الدكتور البوطي يتجاهل إن لم يكن يجهل
تصحيح هؤلاء الأئمة إباه ويحاول نسبة الضعف إليه ! كأنه ينظر إلى نفسه أنه
بلغ المرتبة العليا في علم الحديث ونقده ، وأخذ الاستقلال التام فيه ، ولو أن غيره
فعل ذلك - لا سيما إذا كان من السلفيين - لقام وقعد ، وأرعد وأزيد ، وتظاهر
بالحمية الإسلامية والغيرة الدينية ، على مقام الأئمة ، في صدور الأمة، ولنبه الى
الطعن فيهم، وعدم توقيرهم ، تماماً كما يقول هو في السلفيين، ويتممهم بالتهم
الكثيرة، لانهم لا يلتزمون مذهب إمام معين، وإنما يأخذون بقول أي إمام منهم فيما
.وافق الكتاب والسنة عندهم ، فليتأمل القاريء الكريم في حكمة الحكيم العليم
كيف يجعل الدائرة تدور على الباغي .
هذا أولاً .
واما ثانياً : فلينطر اللبيب إلى قوله :
(«على مافيه من احتمالات الضعف التي بينتها)).
فأقول : فأين هذه الاحتمالات المزعومة ! فإن الدكتور لم يبين إلا إحتمالاً
واحداً ، وهو مع ذلك مردود بتصحيح أولئك الأئمة له ؟ ! .
ثالثاً: لقد قال الحافظ في «الفتح)) (٢٢٩/٣) في الحديث وقد علق البخاري
طرفاً منه كما تقدم :
(( هذا مشهور في السير ، ورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه
الترمذي والحاكم ... )) فذكره ثم قال :
((تفرد به هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق فيه مقال من جهة حفظه)).
فأقول: لقد ذكر الدكتور كثيراً من أحاديث السيرة وقصصها مما دون هذا
الحديث في الشهرة، وفيها مما لا يعرف له إسناد مطلقاً ، ذكرها على أنها صحيحة ،
فكيف لم يشفع لديه شهرة هذا الحديث مع تصحيح الأمة له أن يورده دون أي
نقد له من نفسه؟ وهو يعلم أنه لا منهج ولا مذهب له يلتزمه في تصحيح الأحاديث
٨٨

وتصنيفها، وإنما أمره في ذلك كما تقول العامة (قطع والخش ) !
رابعاً: لقد قدم البوطي الترمذي والحاكم على أبي داود في الذكر، والمعروف
عند العلماء خلافه، فلا أحد منهم يقدم الترمذي فضلا عن الحاكم على أبي داود ، بل
يقولون: رواه أبو داود والترمذي والحاكم، كما يقولون: رواه البخاري ومسلم وأبو
داود. ولا يعكون ذلك مطلقاً. وذلك تأدب منهم من باب إنزال الناس منازلهم .
1
فهل لم يحفظ البوطي هذا الأدب منهم إلى اليوم وقد صار د كتوراً أم تبين له من
ثالعلم مالم يحط به الأوائل، واستجاز مخالفتهم في أدبهم ونهجهم !!
ولا يظنن القارىء أن ذلك سبق قلم من الدكتور فقد قال في صفحة ٤٥٠ :
(( ذكرنا الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن تقديم أبي بكر ماله
كله .. ))! وقال في الصفحة التي بعدها: (( إن حديث الترمذي والحاكم
وأبي داود )) !
وهذا إن دل على شيء فهو أن الدكتور لا يرجع إلى كتب الحديث إلا
قادراً جداً وإلا لم يخف عليه أدبهم في الترقب المذكور وهذا بين لا يخفى
واحمد لله. لقد كدت قول لكثرة هذه الأخطاء: إن هذه التخريجات والتعليقات
ليست بقلم الدكتور نفسه ، بل هي بقلم أحد طلابه ومن غير النابغين منهم !!
١٢ - قال ( ص ٤٤٢): ((وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة
-قال: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ... )) قلت : فذكر الحديث
بطوله وعلق عليه بقوله :
J»
((رواه أحمد في مسنده وأورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ثم قال: رواه
مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش )).
1
٠ ٠
أقول: هذا التعليق مع قصره فيه تكرار مخل لا يخفى على القاريء ، وأسوأ
منه نقله كلام ابن كثير مبتوراً، فان تمام كلام ابن كثير (( ... عن الأعمش به))
وقد يكون لفظة ((به)) سقطت من الطابع ولم يتنبه لها الدكتور عند تصحيح
التجارب ، ولكن مع ذلك ما فائدة هذا النقل حينئذ لا سيما وهو أمر لم يجر عليه
٨٩

الدكتورفي كل تعليقاته دون تمهيد وتوضيح له !! وما معنى قوله :
(((عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش) وهل منتهى هذا الاسناد وهو
الأعمش واسمه سليمان بن مهران من صغار التابعين فيكون الحديث على هذا
مرسلا، أهذا هو المعنى المقصود من الاسناد المذكور كلا، فما هو إذن ? ولو
فرضنا أن لفظة ((به)) سقطت من الطابع، وليس من الدكتور نفسه . .
لقد ذكر الحافظ ابن كثير الحديث ، وقدم بين يديه إسناده فقال :
((رواه الامام أحمد عن معاوبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ،
أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال ... ))
قلت: فذكر الحديث ثم قال في آخره :
(((ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش به)).
فيهذا يمكن لمن كان عنده معرفة بالحديث وأسانيده أن يفهم أن قول ابن
كثير هذا معناه أن مسلماً رواه من طريق أبي كريب الذي تابع أبا معاوية
شيخ الإمام أحمد على روايته للحديث عن أبي معاوية عن الأعمش به أي باسناد
الأعمش المذكور عند أحمد أي أن كلا من أبي معاوية وأبي كريب روى
الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري .
هكذا على الشك بين أبي هريرة وأبي سعيد الخدري .
إذا عرفت هذا أيها القاريء الكريم ، فقل بربك ما هى الفائدة التي يجنيها
قاريء كتاب البوطي لو أنه تولى سان هذا المعنى الذي أراده ابن كثير بقوله المتقدم
فكيف وهو عنده غير مبين !! فما كان أغناه عن ذكرها لو اقتصر في التخريج
على قوله: ((رواه أحمد ومسلم)) كما هي عادته عن هذا الكتاب وغيره !
وبعد هذا فإنه تبين للقراء خطأ جديد الأستاذ البوطي في تخريجه المذكور
وهو أنه عزا الحديث لرواية أحمد ومسلم من حديث أبى هريرة ، وهو عندهما
عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري ، على الشك كما بينته، وكذلك عزاه
ابن كثير إليهما .
٩٠
٠٫٠
٠
٠٠

i
1
٦
1
١٣ - ذكر (ص ٥٠٢) الحديث المتفق عليه: لعنة الله على اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقال عقبة: كأنه مواقع يحذر المسلمين من أن
يصنعوا صنيعهم به.
قلت هذا القول من الدكتور ينبىء العالم بالحديث بأحد أمرين: إما ان
الدكتور من الجهل بحيث لا علم له بالحديث ، أو انه يتعمد تحريف رواية الحديث،
ذلك أن التحذير المذكور الذي جعله الدكتور من قوله، هو من تمام الحديث المتفق
عليه، وهو من حديث عائشة وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، فقدقالا عقب الحديث مباشرة
(((يحذر ماصنعوا)). هكذا أخرجه البخاري (٤٢٢/١و ٣٨٦/٦و ٢٢٧/١٠ - فتح
الباري) ومسلم (٦٧/٢) والدارمي (٣٢٦/١) وأحمد (٢١٨/١) وصرح هذا
أنه من قول عائشة رضي الله عنها، وهذه فائدة فاتت الحافظ ابن حجر التنبيه عليها
فقال في ((الفتح (٤٢٣/١):
((قوله: ((يحذر ما صنعوا)) جملة أخرى مستأنفة من كلام الراوي، كأنه
سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت ، فأجيب إلى ذلك)).
فإذن قوله: ((يحذر ماصنعوا )) من كلام راوي الحديث كما صرح الحافظ ،
وهو عائشة رضي الله عنها ، كما في رواية أحمد ، فكيف جعلها الدكتور من
كلامه هو ?! وصنعه هذا يذكرني بنوع من أنواع جرح رواة الحديث وهو
المعروف بسرقة الحديث؛ كان الراوي يبلغه حديث يرويه بعضهم فيوقه منه
وير كب عليه إسناداً من أسانيده، ثم يرفعه إلى النبى صدرحية ، أمما الدكتور،
فقد نسب ما في الحديث إلى نفسه ! إلا أنني لا أستطيع ان اجزم بأنه تعمد ذلك
ليقيني أن محفوظاته الأحاديث النبوية قليلة جداً، فمن المحتمل احتمالا قوياً أنه
لا يعلم أن في الحديث تلك الجملة: (ويحذر ماصنعوا)) ، فشرحه من عندياته !على أن في
قول الدكتور:«كأنه منير الله يحذر) تشكيكاً واضحاًمنه في أنه من وأراد التحذير،
٩١
..--
٠٠٠
i
::.
73
٦

وهذا مخالف مخالفة صريحة لجزم السيدة عائشة بذلك بقولها: ((يحدر ماصنعوا))،
كيف لا والشاهديرى ما لا يرى الغائب؟ كما قال صديقي. (١) فتأمل ما يضع الجهل
بالحديث من التحريف والتبديل للنص الصحيح الصريح .
١٤ - قال ( ص ٥٢١) وهو يسرد الوجوه الدالة على مشروعية زيارة قبره
صلى الله عليه وسلم .
(« الوجه الثاني مايثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة
قبره فَ اله والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة. روى ذلك الأئمة
الأعلام وجماهير العلماء بما فيهم ابن تيمية رحمه الله)).
أقول : هذا كذب على الأئمة الأعلام ، وبخاصة ابن تيمية شيخ الاسلام ،
فإن أحداً منهم لم يرو عن المذكورين زيارتهم القبر الشريف كلما مروا على الروضة
فضلا عن أن ينقلوا الاجماع عليه ! !بل نص الإمام مالك على كراهة ذلك. وأقوال
العلماء الشاهدة لما أقول كثيرة، اجتزىء منها على قولين اثنين: أحدهما لابن
قيمية المفترى عليه ، والآخر للامام النووي باعتباره من أئمة الشافعية الذين يقدم
الدكتور البوطي !
١ - أما ابن تيمية فأقواله كثيرة جداً في هذا الصدد وإليك نصين منها:
الأول قوله: ((ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر، ولا يقفون عنده
خارجاً ، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلاً ونهاراً ، وكانوا يقدمون من الأسفار
للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة
وعند دخول المسجد والخروج منه ولا يأتون القبر، إذ كان هذا عندهم ما لم
بأمرهم به ولم يسنه لهم، وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند
دخولهم المساجد ، وغير ذلك ، ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه
عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضاً . فلهذا رأى من رأى
من العلماء هذا جائزاً اقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم . وابن عمر كان يسلم
(١) قلت وهو مخرج عندي في ((الأحاديث الصحيحة)) برقم (١٩٠٤).
٩٢