النص المفهرس
صفحات 141-160
ت وحدك وضعتها واصطلحت عليها ، فتفضل ببيانها لننظر فيها ونبين لك. بطلانها ، مع ما في ذلك من خروجك عن اتباع الأئمة ، الامر الذي تنكر مادونه على غيرك ممن يتبع الدليل عند اختلافهم ، فما بالك خالفتهم جميعاً؟! وإن كانت هي القواعد المعروفة في علم الحديث الشريف، فاسمح لي ان أقول لك بصراحة: إنك بين أمرين: إما أنك على علم بها، ولكنك لم تلتزمها، بل لم تلتفت إليها إطلاقاً، لتنظر هل تنطبق على الأخبار المشار اليها أم لا؟ وإما أنك لاعلم عندك بها أصلا، واستميح القراء عذراً بهذه المصارحة لأنني تألمت على هذا العلم كل الألم أن يتعدى عليه مثل الدكتور تعدياً لا أعرف له مثيلا فيما علمت ، عشرات الأخبار لا يمكن أن تكون صحيحة على وفق القواعد العلمية . ومع ذلك يقدمها إلى الطلاب على أنها أخبار صحيحة ، فإلى الله المشتكى. وإليك الأخبار التي عزاها إلى بعض المصادر التي ذكرها في كلمته السابقة صراحة وإشارة مما لا يصح إسناده، وأما الاخبار التي أطلقها ولم يعزها إلى أحد، فلم أجد فائدة كبرى في إضاعة الوقت باستقصائها وبيان ما لا يصح منها فأقول : الخبر الأول: قال (٣٦/١): (( قال عليه السلام فيما يرويه عن نفسه : ( ماهممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبينه ، ثم ماهممت به حتى أكرمني الله بالرسالة ، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال : أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفاً ، فقلت : ماهذا ? فقالوا : عرس ، فجلست أسمع ، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس .... ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة، مثل أول ليلة ، ثم ماهمت بعده بسوء ) . ١٣ = رواه ابن الأثير ، ورواه الحاكم عن علي ابن أبي طالب ، وقال عنه صحيح على شرط مسلم . ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر ». قلت : هذا الحديث ضعيف ، واغترار الدكتور بتصحيح الحاكم له على شرط مسلم مما يدل على أنه لاعلم عنده بتساهل الحاكم في التصحيح في كتابه ((المستدرك)) كما هو معلوم لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف، وكتب المصطلح طافحة بالتنبيه على ذلك قال السيوطي في ألفيته : فيه مناكر وموضوع يرد)) (( وكم به تساهل حتى ورد ولذلك وضع عليه الحافظ الذهبي كتابه «التلخيص)) وتعقبه في مئات الأحاديث الموضوعة التي رواها الحاكم في ((المستدرك»، على أنه يشايعه أحياناً على تصحيح بعض الأحاديث ويكون قد نص في بعض كتبه الأخرى على ضعفها . ولهذا الإسناد علتان شرحتها في ((تخريج فقه السيرة للغزالي» (ص ٣٢-٣٣) ونقلت هناك عن الحافظ ابن كثير أنه قال: ((وهذا حديث غريب جداً ، وقد يكون عن علي نفسه يعني موقوفاً عليه)). وأما حديث الطبراني عن عمار ففيه جماعة لا يعرفون كما قال الهيتمي فى ((المجمع))، وذكرته فى ((التخريج)) المذكور. (١) والدكتور عافانا الله تعالى وإياه ، قد وقف عليه ، ومنه لخص تخريجه للحديث إلاقوله : ((رواه بن الأثير)) فهو من عنده، ويعني في تاريخه، وأنا أترفع عن مثل هذا العزو ، لأنه ليس من شيمة المحققين الاعتماد على الأخبار الرسالة والمعضلة التي ترسل إرسالا بدون إسناد، لا سيما إذا كان مثل هذا الحديث الذي لا يتفق مع كماله عَد وعصمته، على الرغم مما وجهه به (١) وأزيدهنا فأقول: إن حديث عمار مخالف لحديث علي فإن فيه : « ... على ميعاديه أما أحدهما فغلبتني عيني، وأما الآخر فحال بيني وبينه سامر قومي » ! ١٤ f ١٠ حضرة الدكتور ( ص ٣٩ - ٤٠) وتأوله به ، فإن التأويل فرع التصحيح، ونحن بحاجة أن ند بعض الثغرات التي ينفذ منها المغرضون على اختلاف مذاهبهم بالنقد العلمي الحديثي الصحيح ، فإذا لم يصح الحديث فلا مبرر حينئذ للتأويل اتفاقاً . الثاني: قال (٦٠/١) : ((ولذا روي أن النبي صَ لّه قال بعد نزول هذه الآية: لا أشك ولا أسأل. رواه ابن كثير عن قتادة)) ! : ۔ طق كذا قال الدكتور المسكين: ((رواه ابن كثير))! ومتى كان ابن كثير راوية ? فان قول المرء: رواه فلان . معناه عند العلماء باسناده ، ولذلك لا يجوز عندهم أن يقال: ((رواه البخاري)) في حديث عنده لم يسق إسناده ، بل يقول إشارة إلى ذلك: ((رواه البخاري معلقاً)). ففي قول الدكتور هذا إيهام للقارىء الذي لاعلم عنده بطريقة ذكر ابن كثير للحديث أنه رواه باسناده ! فالصواب أن يقال: ((قال ابن كثير: قال قتادة: بلغنا أن رسول الله صَّ اللّه قال. فذكره لأنه هو الذي قاله ابن كثير ، ولا إبهام فيه . بل فيه التصريح بأن قتادة بلغه الحديث ولم يسمعه من أحد من الصحابة فهو مرسل ، فهو ضعيف. وقد أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١١٦/١١) من طريقين عن قتادة . فهو ثابت عنه مرسلا. نعم قد روى موصولا ، فأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه) والضياء في ((المختارة)) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (فإن كنت في منك، أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ): لميشك رسول الله صيد ولم يسأل. ذكره في ((الدر المنثور)) (٣١٧/٣). قلت : وهذا مع كونه يختلف بعض الشيء عن مرسل قتادة ، فإن في هذا إخباراً من ابن عباس أن النبي صَّ لهلم يشك ولم يسأل، وفي المرسل أن النبي حَ اله قال عن نفسه: (( لا أشْك ولا أسأل)). أقول مع هذا الاختلاف في اللفظ ، فإني ١٥ : ! ـT ١ لا أدري حال إسناد هذا الموصول، وإن مما يؤسف له ، أن المصادر التي عزي الحديث إليها لا يوجد شيء منها مطبوعاً ولا مخطوطاً، اللهم إلا ((المختارة)) للضياء المقدسي ، فيوجد منها مجلدات بخط المؤلف رحمه الله تعالى ، لاتزال محفوظة في المكتبة الظاهرية المحروسة ، وهى مرتبة على مسانيد الصحابة ، فرجعت الى مسند ابن عباس منه البالغ عدد صفحاته نحو (٤٦٠) فمررت عليها كلها باحثاً عن هذا الحديث ، فلم أعثر عليه مع الأسف الشديد ، ولعله قد أودعه على هامش بعض الصفحات التي كان يستدرك عليها ما قد فاته ، ويكتبها بخط دقيق ، أو فى بعض الورقات المستدركة والضائعة. نعم وجدت فيه (١/٢٦٦/٦١) حديثاً آخر، يرويه من طريق أبي داود وهذا في ((سنته)) (٣٣١/٢) بإسناد جيد عن ابن عباس ، من رواية أبي زميل قال : سألت ابن عباس فقلت: ماشىء أجده في صدري ؟ قال: ماهو ؟ قلت: والله لا أتكلم به ! قال: فقال لي: أشىء من منك؟ قال: وضحك، قال : مانجا من ذلك أحد ، حتى أنزل الله عز وجل ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ) الآيَة، قال: فقال لي: إذا وجدت فى نفسك شيئاً فقل (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم ))). وهذا كماترى غير الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه ، وأستبعد جداً أن يكون السيوطى عناه فيما عزاه للضّياء. والله اعلم. الثالث : قال (٩٨/١-٩٨): . . و کانوا ((وفد إلى رسول الله صَّ اله أول وفد من خارج مكة . بضعة وثلاثين رجلا من نصارى الحبشة جاؤوا مع جعفر بن أبى طالب . . . فنزل فى حقهم قوله تعالى: ((الذين آنيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ... )) رواه ابن اسحاق ومقاتل والطبراني عن سعد بن جبير . وانظر ابن كثير والقرطبي والنيسابوري )). ١٦ ٠ ١ it ٣ .١- قلت هذه مراسيل كلها ، وليس فيها شيء مسند ، وابن إسحاق لما رواه في السيرة (٣٢/٢ - ابن هشام) علقه تعليقاً، ولم يذكر له إسناداً! والروايات على إرسالها مختلفة أشد الاختلاف في تعبين من نزلت الآيات المذكورة في حقهم ، وفي عددهم كما تراه في بعض المصادر التي أمر الدكتور بالرجوع إليها مثل تفسير القرطبي (٢٩٦/١٣) وخير منه في هذا ((الدر المنثور)) للسيوطي (١٣١/٥ - ١٣٣)، ورواية الطبراني عن سعيد بن جبير لم يذكرها الهيثمي في ((المجمع)) (٨٨/٧)، فالله أعلم بصحة هذا العزو! وقد رواها ابن أبي حاتم عن سعيد كما في ((الدر))، وهي مع كونها مرسلة فهي مغايرة لرواية الكتاب. وهذه في الحقيقة لابن إسحاق، لكن عنده أن عددهم عشرون رجلا ! ثم إن من الغريب أن يجزم الدكتور بأن الآيات الذ كورة نزلت في حق أولئك الأحباش، ويعزو ذلك لابن إسحاق، مع أن هذا لم يجزم بذلك ، فقدقال قبل قوله : ((فنزل في حقهم ... )): ((ويقال: إن النفر من النصارى من أهل نجران. فالله أعلم أي ذلك كان )). ثم هو لم يجزم أيضاً - خلافاً للدكتور ! - بأن الآيات نزلت فيهم، فقد أتبع قوله السابق بقوله : ((فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات ((الذين آتيناهم الكتاب ... )). وهكذا ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) عن ابن إسحاق! فكيف استجاز الدكتور الجزم أولاً بأن الآيات نزلت في أولئك الأشخاص وليس في ذلك إسناد صحيح !! وثانياً كيف نسب ذلك إلى ابن إسحاق وهو قد منك في ذلك ولم يجزم !! أهكذا يكون صنيع من يقول: ((اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة)). أفهذا وذاك وما يأتي مما صح .. بافضيلة الدكتور !! فإلى ١٧ ٢ - ٢ الله المشتكى من هذا الجهل الفاضح بالأصل الثاني من الشرع ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . الرابع . قال (١ /١٠١) بعد أن ذكر وفاة خديجة وعمه أبي طالب في العام العاشر من بعثته حَ له: (((ولقد أطلق النبي صَّ الله على هذا العام اسم ( عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة ». قلت : من أي مصدر من المصادر الموثوقة أخذ الدكتور هذا الخبر ، وهل إسناده - إن كان له إسناد - ما تقوم به الحجة ؟! فإني بعد مزيد البحث عنه لم أقف عليه، وإنما أورده الشيخ الغزالي في كتابه «فقه السيرة)). بدون عزو ، ولعل الدكتور قلده في ذلك مع أن الغزالي حفظه الله تعالى لم يدع ما ادعاه الدكتور: أنه اعتمد على ((صحاح السنة)) و((على ما صح من أخبار كتب السيرة)) ! !فلايرد عليه ما يرد على الدكتور، وإن كان المنهج العلمي الصحيح يوجب الاعتماد على ما صح من الأخبار ، وإلا فعلى الأقل ذكر الخبر مع المصدر الذي يمكن الباحث من التحقق منه ، وهذا ما يصنعه المحققون من أهل العلم بطرق التخريج والنقد ، مثل الحافظ ابن كثير وغيره ، خلافاً للدكتور وأمثاله من المؤلفين النقلة القماسين الجماعين ، فهو مع جزمه بصحة هذا الخبر بقوله: ((ولقد أطلق ... )) لا يذكر على الأقل مصدره! فمن أين عرف صحته !! إذن هذه الصحة وغيرها مجرد دعوى أو هوى من الدكتور ليس إلا . ومما يدل على ذلك أن المصدر الوحيد الذي رأيته قد أورده إنما هو القسطلاني في ((المواهب اللدنية)، فلم يزد على قوله: (فيما ذكره صاعد))! وصاعد هذا هو ابن عبيد البجلي كما قال الزرقاني في شرحه عليه (٢٤٤/١)، فما حال صاعد هذا? إنه مجهول لا يعرف ، ولم يوثقه أحد ، بل أشار الحافظ إلى أنه لين الحديث إذا لم يتابع، كما هو حاله في هذا الخبر! على أن قول القسطلاني: «ذكره ١٨ تـ ١٩ صاعد)) يشعر أنه ذكره معلقاً بدون إسناد فيكون معضلا . فيكون الخبر ضعيفاً لا يصح، حتى ولو كان صاعد معروفاً بالثقة والحفظ ، وهيهات هيهات . الخامس: ذكر (١ /١٠٥ - ١٠٧) قصة ذهابه صَّ اله إلى الطائف ودعوته لثقيف، وشجهم رأسه الشريف بالحجارة ، ودعائه صديقة: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس ... )) وقصته مع عداس النصراني ، وانكباب عداس عليه صِّ الّ يقبل رأسه ويديه وقدميه. وذكر مصدراً لها (( طبقات بن سعد، وتهذيب السيرة لابن هشام))! قلت أما (( الطبقات) فلم يذكر من القصة كلها إلا أحرفاً يسيرة! ومع ذلك فهو عنده (٢١١/١ - ٢١٢) من قول محمد بن عمر بغير إسناد! وغالب الظن أن الدكتور لا يعلم أن ابن عمر هذا هو الواقدي المتروك كما يأتي . وأما ((تهذيب السيرة)) فقد ذكره (٦٠/٢) من طريق ابن إسحاق بإسناد له مرسل ، إلا الدعاء فلم يسق له سنداً ، فقد قال : (فلما اطمأن رسول الله صَّ اللّه قال فيما ذكرلي -: اللهم .... )). وقد أخرج القصة باختصار - وفيه الدعاء - الطبراني بإسناده عن ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن جعفر. وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه ؛ ولذلك ضعفت الحديث في ((تخريج الفقه)) (ص ١٣٢) والدكتور على علم بذلك ، فلا هو يستفيد من مثل هذا التحقيق هناك، ولا هو يأتي بما ينافيه، لينظر فيه ، وإنما يكتفي بمجرد العزو للمصدرين السابقين وهو يعلم أن فيها ما لا يصح ، ثم هو يزعم أنه اعتمد على ماصح فيها !! السادس: قال (١٠١/١): ١ ١ ((يقول ابن هشام: ودخل رسول الله صَّةٍ بيته، والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله مَ له يقول لها : لا تبكي بابنية فإن الله مانع أباك ». ١٩ قلت: أخرجه ابن هشام في «السيرة)) (٥٨/٢) من طريق ابن اسحاق بسنده الصحيح عن عروة بن الزبير قال : فذكره . وعروة تابعي فلم يدرك الحادثة، فهو مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين، ولعل الدكتور يعلم ذلك ! فلا يكون الخبر حينئذ مما صح عنده! فلماذا أورده وليس على شرطه ?! أو لعله يظن أن عروة صحابي كأخيه عبد الله بن الزبير !وماذلك ببعيد عن معرفته بهذا العلم الشريف! ومنه تصديره إياه بقوله: ((يقول ابن هشام)): الحديث السابع : قال (١٢٤/١): فإن هذا إنما يقال عند أهل العلم فيما كان معلقاً دون إسناد ، كما سابينه في الحديث الآتي ، والواقع هنا أن ابن هشام قد ذكر إسناده كما رأيت ، فالتصدير المذكور خطأ واضح، والصواب: ((روى ابن هشام)) وروى ابن سعد، وهكذا . ((يقول ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٢٠٠ و ٢٠١ : . ويقول : . كان رسول الله صَّ الهيوافي الموسم كل عام يقبع الحاج يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا العرب وتذل لكم العجم ، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة ، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه ... )). قلت: فيه أولاً: أن تصديره لهذا الحديث بقوله ((يقول ابن سعد)) يشعر في اصطلاح المحدثين أنه حديث معلق عند ابن سعد . يعني أنه لم يسق إسناده ، وليس الأمر كذلك كما يأتي ، ومن المعروف عند أهل العلم أن في صحيح البخاري كثيراً من الأحاديث المعلقة عن النبي صَّ له أو بعض أصحابه، فإذا أراد طالب العلم أن ينقل شيئاً من هذه الأحاديث، فلا يقول فيها: ((روى البخاري)) لأن هذا التعبير خاص بالأحاديث المسندة، وإنما يقول ((قال البخاري قال رسول الله صَ لّه ... أو كان رسول الله صَّ اله ... )) ولا يقول في هذا الجنس (((روى البخاري)) كما ذكرنا، إلا أن يقيد ذلك بقوله ((روى البخارى معلقاً)) كما أنه لا يقول في الجنس المسند من الأحاديث قال البخاري : قال رسول الله مَالّهِ )؛ لأنه يوهم أنه من المعلقات عنده! وهذا ما وقع فيه حضرة الدكتور بتصديره ٢٠ للحديث بالقول المذكور ، فأوهم خلاف الواقع إما لعدم علمه بالفرق بين التعبيرين ((قال)) و((روى))، أو لتساهله في التعبير، والأول أليق بحاله الذي يدل عليه أسلوبه في كتابه، وكثرة أخطائه فيه ! من ذلك قوله فيما علقه ابن كثير : (((رواه ابن كثير)) ! كما تقدم التنبيه عليه في الحديث الثاني (ص ١٥). ثانياً : أن الحديث عند ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر ، فقال: أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبوب بن النعمان ... فذكر له عدة أسانيد ، وكلها مرسلة . ومع إرسالها فشيخة المذكور متهم بالكذب ، وهو الواقدي المشهور صاحب ((كتاب المغازي)) المطبوع في الهند ثم في مصر، وظني أن الدكتور لا يعلم أن محمد بن عمر هذا هو الواقدي، وإن كان يعلم ذلك ، فظني أنه لا يعرف شيئاً من ترجمته عند أهل الحديث، ولذلك أنقل إليه شهادة حافظين من حفاظ المحدثين المشهورين ، فقال الإمام الذهبي في كتابه ((الضعفاء والمتروكين)): (أمحمد بن عمربن واقد الواقدي، قال النسائي: يضع الحديث. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة، والبلاء منه )). ٦٠٠٠ د وقال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((متروك مع سعة علمه)). يعني أنه شديد الضعف في الرواية (١) وإنما ظننت أن الدكتور لا يعلم ذلك ، للأمر بحسن الظن بالمسلم ! وإلا فهل يعقل أن يعرف الدكتور حال الواقدي هذه وسقوط روايته ، ويعلم (١) قلت: ولذلك، فلا ينبغي أن يغتر أحد بما ذهب إليه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه: ((عيون الأثر)) من توثيق الواقدي ، فأنه خلاف ماعليه المحققون من الأئمة قديماً وحديثاً ، ولمنافاته علم المصطلح الذي ينص على وجوب تقديم الجرح المفسر على التعديل، وأي جوح أقوى من الوضع ؟! وقد اتهمه به أيضاً الإمام الشافعي الذي يزعم البوطي أنه يقلده! وأبو داود وأبو حاتم ، وقال أحمد : كذاب . ٢١ . ٠ مع ذلك أن محمد بن عمر المذكور في سند هذا الحديث هو الواقدي هذا المتهم ، ثم هو مع ذلك يتجاهل هذه الحقيقة ، ويروي له عدة أحاديث من رواية ابن سعد عنه ، هذا بعيد جداً عن مقتضى حسن الظن به أيضاً في أمانته العلمية ، لاسيما وهر قد صرح في مقدمة كتابه أنه اعتمد على ماصح من الأخبار في كتب السيرة فإيراده مثل هذه الأحاديث الواهية يضطرنا إلى افتراض أحد أمرين، إما إنه لا يعلم ، أو إنه يعلم ولا يعمل بما يعلم ! ولما كان من المقرر عند أهل العلم أن الإنسان إذا وقع بين شرين اختار أقلهما شراً، فلذلك قلنا في الدكتور: إنه لا يعلم ، وما أظنه يفضل هو الأمر الآخر عليه ، ولا بد من أحدهما !! وأحلاهما مو ! ويشهد لما أقول: أن هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٤١,٦٣/٤,٤٩٢/٣و٣٧٦/٥) والبيهقي بأسانيد عن غير واحد من الصحابة، وأحدم) عند ابن اسحاق في ((السيرة)) (٦٤/٢ - ٦٥) بنحوه وأحد إسنادي أحمد صحيح، وأخرجه البيهقي أيضاً كما في ((البداية)) (١٣٩/٣)، وطرفه الأول له شاهد في ((المستدرك)) (٦٢٤/٢) من حديث جابر مطولاً وصححه ووافقه الذهبي. قلت : فلو أن الدكتور كان يعلم هذه الطرق ، ويعلم ذلك الضعف الشديد الذي في طريق ابن سعد بسبب الواقدي المتهم ، أفتظن أيها القاري. أنه يؤثر هذا الطريق على تلك الطرق وهو يعلم !! أما أنا فلا أظن إلا خيراً ! وما يؤيد ماذكرت الحديث الآتي . وهو : الحديث الثامن. قال (١٤٧/١): ((قال ابن سعد في طبقاته يروي عن عائشة رضي الله عنها: لما صدر السبعون من عند رسوله الله صَ لّه طابت نفسه .... ) قلت: في إسناده عند ابن سعد (٢٢٥/١ - طبع بيروت) محمد بن عمر الأسلمي وهو الواقدي ، وقد عرفت من الحديث السابق أنه متهم بالكذب والوضع وأن الدكتور لا يعرف ذلك ! ٢٢ ٠ على أن قوله: ((قال ابن سعد يروي ... )) ليس تعبيراً علمياً فإنه غير ظاهر المراد منه ، هل هو رواه مسنداً أم معلقاً ! راجع الكلام على الحديث السابع ص (٢٠ - ٢١) والحديث الثاني الذي سبقت الإشارة إليه هناك الحديث التاسع: قال (١٥٣/١) في قصة الهجرة : ((فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صََّ ◌ّه يأمره بالهجرة، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة. سيرة ابن هشام ١٥٥/١ وطبقات ابن سعد٢١٢/١)). قلت : هو عند إبن سعد من رواية الواقدي الكذاب المتقدم ! وفي اسناد ابن هشام من لم يسم ! وقد رواه من طريق ابن إسحاق . وكذلك أخرجه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) ( ص ٦٣ ) ثم أخرجه من طريق الفضل بن غانم قال ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر المكي عن عبد الله بن عباس. وهذا إسناد متصل، لكن الفضل وشيخه سلمة ضعيفان، وهو في (( السيرة)) هكذا : قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح ... فقد أسقط أحد هذين الضعيفين من المند شيخ ابن إسحاق المجهول الذي لم يسم ، فظهر السند متصلا لا جهالة فيه ! وذلك من بلايا الضعفاء وتضليلاتهم التي قد لا تكون مقصودة من بعضهم ، فمن لم يكن على علم بأحوالهم ، ولم يأخذ حذره من رواياتهم ، ضل بهم وهو لا يشعر ! الحديث العاشر: قال (١٥٧/١): ((وخرجت ولائد من بني النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحات بمقدم النبي صَّ اله وجواره لهن، وهن ينشدن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فقال عليه السلام لهن أتحبينني ؟ فقلن نعم ، فقال اللهم يعلم أن قلبي يجبكن». قلت: هذالم أره عند ابن هشام في ((السيرة)) !وقد ذكره الحافظ ابن كثير ٢٣ ! ـة نحوه في «البداية)) (١٩٩/٣ -٠٠٠) من رواية البيهقي في ((الدلائل)) بإسناده عن إبراهيم بن صرمة بسنده عن أنس قال : فذكره بلفظ : (( فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن ... فذكره وقال الحافظ : (( هذا حديث غريب من هذا الوجه )) : قلت : وعلته ابن صرمة هذا ، فقد قال ابن معين فيه: كذاب خبيث. وضعفه غيره. وقد أخرجه ابن ماجه في «سننه)) (٥٨٧/١) والبيهقي من طريق أخرى عن أنس به . وليس فيه أن ذلك كان عند قدومه المدينة . وسنده صحيح. بل في ((صحيح البخاري )) وغيره من طريق ثالثة عن أنس أن ذلك كان في عرس ، ولكنه لم يذكر الرجز . الحادي عشر. قال (٨/٢) : ((وقيل له: ألا نسقفه - يعني مسجد المدينة - فقال: ( عريش إكعريش موسى : خشيبات وتمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك . طبقات ابن سعد ٥/٢)). قلت : فيه عنده الواقدي وهو كذاب كما تقدم غير مرة! ومع ذلك، فإن إسناده ينتهي إلى الزهري (٢٣٩/١ - ٢٤٠ طبع بيروت) فهو مرسل! ولو أن الدكتور كلف نفسه قليلا من البحث ، لوجد من الطرق ما يغنيه عن الاعتماد على رواية الكذاب المذكور . ولكنه قنع بما لديه من مصادر قليلة ، ثم لاعليه بعد ذلك أن لا يحقق وعده الذي قطعه على نفسه من الاعتماد على الأخبار الصحيحة ! فقد جاء الحديث من طرق عديدة يرتقي بها إلى درجة الحسن في أقل المراتب ، فأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) وابن أبي الدنيا في ((قصر الامل)) ( مخطوطان) عن الحسن البصري مرسلاً، والسند إليه صحيح . وأبو سعيد المفضل الجندي في (( كتاب فضائل المدنية)) (مخطوط) عن راشد بن سعد مرسلا. وإسناده صحيح أيضاً. وأبو حامد الحضرمي في ((حديثه)) والمخلص في ((الفوائد المنتقاة)) ٢٤ - 2 (١/١٩٣/٩) والضياء المقدمي في ((الأحاديث المختارة)) (مخطوطات) عن أبي الدرداء مرفوعا، وابن أبي الدنيا أيضاً عن عبادة بن الصامت، وقد خرجت أسانيدها في كتابى: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة) في المجلد الثاني رقم ( ٦١٦)، وعسى أن يطبع قريباً إن شاء الله. (١) أقول : كل هذه الطرق التي بهـا يتقوى الحديث أهملها الدكتور البوطي ، ولم يعزها إلى أحد من أولئك المخرجين - مع كثرتهم - فحط بذلك من قوة الحديث ، وهذا مما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث اتفاقاً، وليس هذا لجها البوطي بها فقط كما هو شأنه في غيره، بل هو أيضا لعجزه وقصر باعه في التخريج، وإلا فهو القائل كما سيأتي : ((( ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف ، والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه ، لما في ذلك من الإيهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث)). أنظر الحديث ((الرابع والعشرون)) الآتي وتعليقنا عليه ترَ العجب العجاب من هذا الدكتور المتعالم ! الحديث الثاني عشر، قال: (١٨/٢ ) ((روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام ... كتب كتاباً بين المهاجرين والانصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ، وأفرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم.» قلت : هذا مما لا يعرف صحته، فإن ابن هشام رواه في ((السيرة» (١٤٧/٢) قال: ابن اسحاق ... فذكره هكذا بدون اسناد، فهو معضل، وقد نقله ابن كثير (٢٢٤/٣ - ٢٢٥) عن ابن إسحاق ، ولم يزد عليه -. (١) ثم طبع والحمد لله تعالى في المكتب الاسلامي. ٢٥ : هـ٠٫ في تخريجه شيئاً على خلاف عادته ، مما يدل على أنه ليس مشهوراً عند أهل العلم والمعوفة بالسيرة والأسانيد . الحديث الثالث عشر، قال ( ٢٩/٣ ): (( فقال الحباب بن المنذر : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل امنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ... ) قلت: هو عند ابن هشام في ((السيرة)) (٢٧٢/٢) قال ابن اسحاق : فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب ... وهذا إسناد مرسل مجهول ، فهو ضعيف، وقد وصله بعضهم ، وفيه من لا يعرف وآخر كذاب ! كما كنت خرجته في كتاب الغزالي ص (٢٤٠) وقال الذهبي فيه: ((حديث منكر، فأين الصحة التي وعدت بها يا دكتور؟! لاسيما وقد بنيت عليه فصلا عقدته (٣٧/٢) بعنوان (( أقسام تصرفاته ◌َا))! الحديث الرابع عشر ، قال (٤٤/٢ ) : ((( روى ابن هشام عن محمد بن إسحاق أن امرأة من العرب قدمت يجلب لها فاعته بسوق بني قينقاع .... فجعلوا يريدونها على كشف وجها فأبت .... قلت: إسناده «رسل معلق، فإن ابن هشام قال (٥١/٣ ) : ((وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال ... » فذكره. وأبو عون اسمه محمد بن عبد الله الثقفي الكوفي الأعور ، مات سنة (١١٦) فهو تابعي صغير ، فلم يدرك الحادثة ، وعبد الله بن جعفر المخرمي، من شيوخ الإمام أحمد مات سنة ( ١٧٠) فبينه وبين ابن هشام ٢٦ .4 مفاوز، فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف، فمن الغرائب أن يسندل الدكتور بمثله على وجوب ستر المرأة لوجهها! وهو لو صح لم يدل على أكثر من مشروعية ذلك ، أما الوجوب فمن أين ؟ ! وقد ذكرت في كتابي (( حجاب المرأة المسلمة)) اختلاف الفقهاء في ذلك وأن الجمهور على استحباب السترثلا الوجوب، وحققت أنه هو الذي يقتضيه الدليل، فليراجعه من شاء. ثم إن بعض إخواننا هنا من طلاب كلية الشريعة ، لما اطلع على هذا تساءل عن تاريخ غزوة بني قينقاع ، التي وقعت فيها هذه الحادثة ؟ فقلت له : وما وراء ذلك ؟ قال: إن آية الحجاب نزلت في غزوة الأحزاب، كما هو معلوم ، فإذا كانت الغزوة الأولى قبل هذه ، كان دليلا على أن حجاب المرأه في الحادثة لم يكن عن أمر به في الآية . فقات : صدقت. فنظرنا فاذا الغزوة الأولى قد ذكرت في كتب السيرة قبل الأحزاب ، وعلى ذلك جرى الدكتور نفسه ، وقال: إنها كانت في السنة الثالثة للهجرة ، وكانت الأحزاب سنة خمس . وقيل سنة أربع منها. فهذا مما يدل على أن الدكتور لما درس الحادثة لم يكن قد استحضر في ذهنه أنها كانت قبل نزول الآية، وأن ستر المرأة لوجهها إن صح لم يكن دينياً لابد من التزامه ، وإنما كان تعففاً منها ، وإن مما يؤيد ذلك ما في البخاري أن عائشة وأم سلمة رئيت خلاخيل سوقهما يوم أحد وهما يحملان القرب على متونها، فقال الحافظ ابن حجر : ث ( كانت هذه الواقعة قبل الحجاب)) (١) قلت : وغزوة أحد كانت بعد غزوة بني قينقاع أيضاً . الحديث الخامس عشر، قال : (٤٠/٢ ): ((ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله صَّ الله: أمرنا أن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر )). !! (١) أنظر كتابي ((حجاب المرأة المسلمة)) (ص ١٨) طبع المكتب الاسلامي. ٢٧ قلت : القاعدة المشار إليها صحيحة ، لكن الحديث المذكور غير صحيح ، بل هو مما لا أصل له، كما نص على ذلك علماء الحديث كالحافظ العراقي والعسقلاني والسخاوي والسيوطي وغيرهم. قال في ((المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة)) ( ص ٩١ رقم ١٧٨ ) : ((ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وجزم العراقي بأنه لا أصل له (١)، وكذا أنكره المزي وغيره )). وكذا في ((كشف الخفاء)) للعجلوني (١٩٢/١ /٥٨٥) وغيره من الكتب التي وضعت لتمييز ما صح مما لم يصح من الحديث، قبل لم يقرأ الدكتور شيئاً منها أصلا، حتى وقع في هذا التقول على رسول الله مستقب ليه، أم أن له رأياً خاصاً يخالف به حكم أئمة الحديث وأهل العلم به ؟! ولقد كان باستطاعته لو اهتدى بهديهم وكان على علم بالحديث أن يستدل على القاعدة المشار إليها بقوله من اله: ((إنكم تختصون إلى ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشىء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا)). زاد في رواية: ((فانما أقطع له به قطعة من النار)). أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أم سلمة رضي الله عنها . وترجم له النسائي ، ثم النووي في ((صحيح مسلم) بـ ((باب الحكم بالظاهر)) وهو مخرج عندي في ((إرواء الغليل، (٢٧٠٢ )، و((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (١١٩٢).(٢) (١) كذا في ((تخريج الأحياء)) (٢٨٣/٤) له)، وقال: ((وكذا قال المزي لما سئل عنه))، ولا منك أن البوطي قرأ ((الاحياء)) ولو مرة واحدة، فهل لم يقرأ تخريج الحافظ العراقي عليه ليعلم منه الحديث الضعيف وما لا أصل له، أم هذا علم لا قيمة له عنده لأنه صار علماً لمن ينبزهم الدكتور بـ (( الوهابية)) فهو لا يريد أن يتشبه بهم! (٢) ثم وقفت على الطبعة الثالثة من كتاب الدكتور ، فاذا به قد أقامهذا الحديث الصحيح مقام ذاك الحديث الباطل فأحسن ، ولكنه أساء أيضاً حين= ٢٨ TF الحديث السادس عشر ( ٦٨/٢ ): ((روى ابن هشام أن النبي صَ لّ قال لأصحابه: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء أو الأموات؟ ... )). قلت: قال في ((السيرة» (١٠٠/٣): قال ابن إسحاق: فقال رسول اللّه صَّه كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار ... )) فذكره . قلت: وهذا إسناد معضل، وقد روي موصولاً، كما بينته في ((تخريج فقه السيرة للغزالي» (٢٨٩ - ٢٩٠). الحديث السابع عشر ، قال ( ١٧٤/٢ ) : ((وقال لهم رسول الله صَّ له: أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة ، فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم . رواه البخاري واحمد وابن سعد في ((طبقاته)) ولكن ليس في البخاري: ((فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا )) . قلت فيه أمور : اولاً: قوله مستدر كاً: ((لكن ليس في البخاري ... ))له مفهوم والدكتور يعلم إن شاء الله تعالى أن مفاهيم الكتب معتبرة! وهو أن الإمام أحمد أخرج هذه الزيادة التي ليست في البخاري ، وليس الأمر كذلك، فإن روايته خالية أيضاً من هذه الزيادة، وقد أخرج الحديث في مواطن من ((مسنده)) كما كنت = لم يذَكر صاحب الفضل عليه في ذلك، وهو الأستاذ الفاضل عيد عباسي فقد كان انتقده في كتابه ((بدعة التعصب)) (ص ٢٨٦) وبين له بإيجاز أنه حديث لا أصل له، فكان على الدكتور أن يبين ذلك ويشكره عليه لقوله صلّ اله: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، ومع ذلك وقع هناك في طامة أخرى لم يسبق إليها، حيث رفع حديثاً إلى رسول الله صَّخ اليه من رواية البخاري ، وهو عنده موقوف من قول عمر كماسيأتي في الفصل ٧ من ((التذييل)) بإذن الله تعالى. : 7 أشرت إليها بالأرقام في تخريجي لـ ((فقه السيرة للغزالي)) (ص ٣٩٦)، والدكتور مطلع عليه، وقد استفاد منه ومن أصله كما سبقت الإشارة إليه ، فقد كان باستطاعته أن يستعين بتلك الأرقام لمراجعة رواية أحمد ، لكي لا يقع في مثل هذا الخطأ فما الذي صده عن ذلك ، أهو ضيق الوقت، أم ظنه أن لا أحد من القراء سيرجع إلى ((المسند) فيكثف مثل هذا الخطأ أو غيره مما قدلا يخطر في بال أحد، إلا في بال المتهاون بالتحقيق العلمي أو العاجز عنه !! ثانياً: كيف استجاز الدكتور إيثار رواية ابن سعد على رواية البخاري وهو يعلم أن ليس كل ما فيه صحيح ثابت ، بخلاف ما في البخاري ؟ ثالثاً : إن قيل لعله آثرها لمافيها من الزيادة ، وهي صحيحة الإسناد عنده؟ فأقول : هيهات هيهات ، فقد ثبت لدينا من دراستنا لكتابه هذا أنه لاعلم عنده أصلا بطريقة تصحيح الأحاديث ، ونقد الأسانيد، ولذا نرى أنه يجب على الدكتور وأمثاله تقليد أهل الاختصاص والمعرفة بذلك من علماء الحديث وأن يقتصروا على نقل أقوالهم تصحيحا وتضعيفاً، فإن لم يفعلوا ، ضلوا وأضلوا . وقد مضت الأمثلة الكثيرة التي تشهد لما قلنا. هذا شيء. وشيء آخر، وهو أن الحديث عندابن سعد (١٢٨/٢ طبع بيروت) بدون إسناد، فكيف يمكن الحكم على المعدوم بالصحة؟ نعم ، قد عرفت مستند ابن سعد في ذلك ألا وهو شيخه الواقدي ! فقد قال ابن كثير في «البداية)) (٢٤١/٤): ((وقال الواقدي : حدثني ربيعة بن عثمان .. )) فذكره. قلت: والواقدي منهم بالوضع كما سبق (ص ٢١)، فلو أن الدكتور يبحث بحث العلماء ، لاسيما وقد قدم تلك المقدمة الضخمة: ((اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة في كتبها )) ! وكان قادراً وحريصاً على الوفاء بما قال لم يبادر إلى الاعتماد على رواية ابن سعد المعلقة بدون إسناد ، ولا سيما وفي آخرها ما ينبه (١) قلت: ومن طريق الواقدي رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٩/١ - ٣٩٠) . ٣٠ (اللبيب إلى عدم ثبوتها، ولو كان جاهلا بعلم الحديث ونقد الأسانيد! ألا وهو قوله (١٢٩/٢) : ((فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين، تلقوهم بـ (الجرف)، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار (!) أفروتم من سبيل الله ؟! فيقول رسول الله صَ لّه: ليسوا بفرار، ولكنهم كوار إن مناء الله?)) قلت: فهذا منكر بل باطل ظاهر البطلان ، إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عدده وعدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العدد والعدد أضعافاً مضاعفة، كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفرار من الجهاد وهم لم يفروا ، بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم ، كما في حديث البخاري (( ... حتى أخذ الراية سيف من سيوف اله حتى فتح الله عليهم)) ؟! ومن العجائب أن الدكتور بعد أن ذكر هذا الحديث الصحيح وأتبعه بقوله : ((وهذا الحديث يدل كما ترى أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيراً)). فإنه مع ذلك ، أورد هذه الزيادة المنكرة فقال ( ١٧٧/٢): ((( وجعل الناس يصيحون بالجيش: بافرار، فورتم في سبيل الله ... )). ثم حاول تأويل ذلك بقوله (٢ / ١٨٠) : (( وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم الى المدينة: بافرار ... فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم ... ))! فنقول: إن هذا التأويل بعيد جداً، ثم إن التأويل فرع التصحيح، كما هو مقرر في ((الأصول))، فهلا أثبت هذه الرواية يافضيلة الدكتور ! حتى يسوغ لك أن تتأولها لتقضي به على هذا المعنى المستنكر الظاهر منها 17 وإلا فالواقع أن الأمر كما تقول العامة : هذا الميت لا يستحق هذا العزاء ا ٣١ - - -- أ. ! . : وإن كان هذا التأويل يدل على شىء ، فهو أن الدكتور ، لا يفرق بين ماصح وما لم يصح من الأخبار، فهو يسوقها كلها مساقاً واحداً، ويعاملها معاملة واحدة! فهو مثلا لا يفرق بين ما رواه البخاري وما رواه ابن سعد ولو بدون إسناد ! وما هكذا يكون صنيع العلماء! وإذا شئت مثالاً على نقيض صنيعه، مصدره حافظ من حفاظ المسلمين ، فخذ الحافظ ابن كثير مثلا ، فإنه ذكر هذه الرواية المستنكرة ، في كتابه ((البداية))، (٤ /٢٤٨) من رواية ابن إسحاق عن عروة مرسلا. ثم قال ((وهذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا الجمهور: الجيش، وإنما كان الذين فروامعين التقى الجمعان ، وأما بقيتهم فلم يفروا ، بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صِّخلّة المسلمين وهو على المنبر، فما كان المسلمون ليمونهم فراراً بعد ذلك، وإذا تلقوه إكراماً وإعظاماً ». فليت أن الدكتور رجع إلى كتاب هذا الحافظ ، فاستعان به على تجليته ما قد يغمض عليه من الحقائق والمعارف ، لا سيماوموضوعه في نفس موضوع كتابه وفي مندول يده ، ولكن العجلة في التأليف وعدم التروي في البحث، والعجز عن التحقيق فيه وشهوة التأليف فيما ليس من اختصاصه هو الذي يوقع صاحبه في مثل هذه الأخطاء الظاهرة . والله المستعان . الحديث الثامن عشر. قال (٢ / ١٨٨): ((ثم قال عليّ ◌ُله: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيراً، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)). قلت : هذا الحديث على شهرته ليس له أسناد ثابت، وهو عند ابن هشام معضل، وقد ضعفه الحافظ العراقي كما بيته في ((تخريخ فقه السيرة)) (ص ٤١٥) ، فلست أدري ما الذي منع الدكتور من أن يستفيد من هذا الحافظ تضعيفه ٣٢