النص المفهرس
صفحات 121-140
دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي في كتابه (( فقه السيرة» بقَلم محمد ناصر الدين الألباني منشورات مؤسسة ومكتبة الخافقين محمد مفيد الخيمي دمشق - هاتف : ١١٥٣٧٦ ص.ب ٥٢٧٩ مِ اللَّهِ الرَّحْمِنِ الرَّحِيمْ كلمة بين يدي الرسالة الحمد الله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على .. نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد ، فبين يديك أيها القارئ الكريم بحوث علمية حديثية، في نقد كتاب (( فقه السيرة)) للدكتور محمد سعيد البوطي الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة دمشق ، كان وضعه لطلاب السنة الثانية في الكلية ، وكنت نشرت هذا النقد في مجلة التمدن الاسلامي الغراء بحوثاً متتابعة ، وجوت منها أن يجد الطلاب وغيرهم فيها ((نموذجاً صالحاً للنقد العلمي النزيه . القائم على البحث والالتزام القواعد العلمية الصحيحة، عسى أن يزيدهم ذلك عناية بدراسة الحديث الشريف دراسة عملية ، وبذلك يجيون ما كاد يندرس من هذا العلم العظيم ، بسبب اقتصار المدرسين والأسائذة على تدريسه دراسة نظرية محمضة ، وإصدارهم على أساسها تأليفاتهم التي يؤلفونها لطلابهم أو لغيرهم ، غير مراعين فيها أبط تلك القواعد العلمية ، من اختيار النصوص الصحيحة ، والأحاديث الثابتة ، من المصادر الموثوقة والمراجع المعتمدة، مع العزو اليها، وتخريجها تخريجاً علمياً دقيقاً، فترى أحدهم - وهو أستاذهذه المادة: الحديث - يورد حديثاً نبوياً، أو خبراً متعلقاً بديرته عليه الصلاة والسلام أو أخلاقه؛ يقول في تخريجه: (( رواه أبو داود )) أو ( رواه ابن هشام في ( السيرة ) !! وهو يظن أنه بذلك قد أدى الأمانة العلمية المطوقة في عنقه ، وأنه نصح لطلابه ! هيهات هيهات! فإن التزام المنهج العلمي المشار اليه في الدراسة الحديثية يوجب عليه قبل هذا التخريج المقتضب أن يدرس إسناد ذلك الحديث أو الخبر، وبتتبع رجاله، ويتعرف عليه ، وأقوال أهل الاختصاص - أ - خيه ثم يحكم عليه بما تقتضيه هذه الدراسة من صحة أو ضعف ، ثم يقدم خلاصتها إلى طلابه مع التخريج المذكور ، وإلا فمثل هذا التخريج المبتور الذي جرى عليه الأستاذ المشار اليه ؛ ما لا يعجز عنه أحد من الطلاب أنفسهم إن شاء الله تعالى )). ذلك ما كنت كتبته في مقدمة رسالتي ((نقد نصوص حديثية في الثقافة العامة (١) للشيخ محمد المنتصر الكتاني، وهو ينطبق على الدكتور البوطي تمام الانطباق بل إن هذا زاد على الشيخ فادعى لكتابه ((فقه السيرة)) من الصحة ما ليس له كما كنت أشرت إلى ذلك في التعليق على المقدمة المذكورة فقلت مانصه : (ثم وقفت على كتاب ((فقه السيرة)) للاستاذ الفاضل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فرأبته نحا فيه نحو الأستاذ الكتاني ، فأورد فيه كثيراً من الأحاديث الضعيفة والمنكرة ، بل ومالا أصل له ألبتة ، ولكنه زاد عليه فنص في المقدمة أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار ! ولكن دراستي الكتاب بينت أنها دعوى مجودة، وأن جل اعتماده كان على كتاب فضيلة الشيخ محمد الغزالي: ((فقه السيرة)) الذي لم يقتصر الدكتور على أن يأخذ اسمه فقط ، بل زاد علية فاستفاد منه كثيراً من بحوثه ونصوصه ، بل وعناوينه ! كما استفاد من تخريجي إياه المطبوع معه، مع اختصار له مخل ، ليستر بذلك ما قد فعل ، وقد انتقدني في ثلاث مواطن منه تمنيت - يشهد الله - أن يكون مصيباً ولو في واحد منها، ولكنه على العكس من ذلك ، فقد كشف بذلك كله أن هذه الشهادات العالية، وما يسمونه بـ (الدكتوراه ) لا تعطي لصاحبها علماً وتحقيقاً وأدباً، وإني لأرجو أن تتاح لي الفرصة،لأتمكن من بيان هذا الاجمال والله المستعان)). (١) نشرت أولاً في مجلة النمدن الاسلامي الغراء (مجلد ٣٣ و٣٤) ثم أفردت في رسالة ، وذلك قبل عشر سنين . - ب - ٢ ثم أتيحت لي الفرصة، فبينت الإجمال المشار إليه في هذه الرسالة ، التي يعود الفضل الأول في نشرها للسادة القائمين على مجلة التمدن الاسلامي الغراء . وبخاصة منهم الأستاذ أحمد مظهر العظمة شفاء الله وقواه ، فقد نشرت فيها تباعاً في مقالات متسلسلة من العدد ( ٧ - مجلد ٤٢ - ٢ - مجلد ٤٤)، ثم أفردتها في هذه الرسالة ليعم النفع بها ، ويطلع عليها من لم يتمكن من متابعتها في المجلة الغراء. هذا ، وقد نفي إلي أن بعض الأساتذة رأى في ردي هذا على الدكتور شيئاً من الشدة والقسوة في بعض الأحيان ، مما لا يعهدون مثله في سائر كتاباتي وردودي العلمية ، وتمنوا أنه لو كان رداً علمياً محضاً . فأقول : إنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنني لم أفعل إلا ما يجوز لي شرعاً، وأنه لاسبيل لمنصف إلى انتقادنا، كيف والله عز وجل يقول في كتابه الكريم في - وصف عباده المؤمنين: ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ، ولمن انتصر بعد ظلمه وأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم . ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور). فان كل من يتقبع ما يكتبه الدكتور البوطي في كتبه ورسائله ويتحدث به فى خطبه ومجالسه يجده لا يفتأ يتهجم فيها على السلفيين عامة ، وعلي من دونهم خاصة، ويشهر بهم بين العامة والغوغاء، ويرميهم بالجهل والضلال ، وبالتبله والجنون، ويلقبهم بـ ( السفليين) و (السخفيين ) !! وليس هذا فقط ، بل هو يحاول أن يغير الحكام ضدهم برميه إياهم بأنهم عملاء للاستعمار: إلى غير ذلك من الأ كاذيب والترهات التي سجلها عليه الأستاذ محمد عيد عباسي في كتابه القيم ((بدعة التعصب المذهبي)) (ص ٢٧٤ - ٣٠٠) وغيرها، داعماً ذلك بذكر الكتاب والصفحة التي جاءت فيها هذه الأكاذيب . ومن طاماته وافتراءاته قوله في (فقه السيرة)) (ص ٣٥٤ - الطبعة الثالثة) بعد أن نبزهم بلقب الوهابية: ((ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله : صَ لِّ وراحوا يستنكرون التوصل بذاته مِنَّ له بعد وفاته)). وهذا كأنه. اجترار من الدكتور لفرية ذلك المتعصب الجائر: ((إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر إسم محمد عبد ال)).(١) والدكتور حين يلفظ هذه الفرية يتذكر أن الواقع الذي هو على علم به - يكذبها فإن السلفيين وأمثالهم بفضل الله تعالى - من بين المسلمين جميعاً - شعارهم. اتباعهم النبي صَّ له وحده دون سواه؛ وهو الدليل القاطع على حبهم الخالص له الذي لازمه حبهم الله عز وجل ، كما قال: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحييكم الله). ولعلم الدكتور بهذا الفضل الإلهي على السلفيين حمله حقده عليهم على أن يحاول إبطال دلالة الآية المذكورة على ١٠سلف، بل وعلى تضليل السلفيين مجدداً لفهمهم إياها هذا الفهم الواضح وأنها تعني ان الاتباع دليل المحبة وأنها لا تنفك عنه فقال (ص ١٩٥ - الطبعة الثالثة): ((ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة رسول الله صَ لّه ليس لها من معنى إلا الاتباع والاقتداء، وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلا بوازع وذافع، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة ٠ القلبية . وأقول: إن الذي (ضل ) إنما هر الذي يناقض نفسه بنفسه من جهة، فأول كلامه ينقض آخره لأنه إذا كان لا يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية، وهو كذلك وهو الذي نعتقده ونعمل به فكيف يتفق هذا مع أول كلامه الصريح في أن المحبة لها معنى غير الاقباع ! !ولو كان الأمر كذلك وثبت الدكتور عليه لأبطل دلالة الآية والعياذ بالله تعالى. ومن جهة أخرى فقد افترى علينا بقوله: ((وفاتهم أن الاقتداء .... )) الخ . فلم يفتنا ذلك مطلقاً بحمد الله بل نعلم علم اليقين أنه كلما ازداد المسلم اتباعاً للنبي صَ لّ ازداد حباً له، وأنه كلما ازداد حباً له ازداد اتباعاً له مؤلف، فهما أمران أنظر مقدمتي لشرح العقيدة الطحارية ( ص ٤٤ - الطبعة الرابعة ) - ٥ - متلازمان كالايمان والعمل الصالح تماماً. فهذا الحب الصادق المقرون بالاتباع الخالص للنبي صدور اله ، هو الذي أراد الدكتور أن ينفيه عن السلفيين بقريته السابقة، فاله تعالى حسيبه، ( وكفى بالله حسيبا ). ذلك قليل من كثير من افتراءات الدكتور البوطي وترهاته ، الذي أشفق عليه ذلك البعض ، أن قسونا عليه أحياناً في الرد ، ولعله قد تبين لهم أننا كنا معذورين في ذلك، واننا لم نستوف حقنا منه بعد ، ( وجزاء سيئة سيئة مثلها) ولكن ن نستطيع الاستيفاء، لأن الافتراء لا يجوز مقابلته بمثله ؛ وكل الذي صنعته أنني بينت جهله في هذا العلم وتطفله عليه ومخالفته العلماء، وافتراءه عليهم وعلى الأبرياء ، بصورة رهيبة لاتكاد تصدق ، فمن شاء أن يأخذ فكرة سريعة عن ذلك ، فليرجع إلى فهرس الرسالة هذه ير العجب العجاب . هذا، وهناك سبب أقوى استوجب القسوة المذكورة في الرد ينبغي على ذلك البعض المشفق على الدكتور أن يدركه ، ألا وهو جلالة الموضوع وخطورته الذي خاض فيه الدكتور بغير علم، مع التبجح والادعاء الفارغ الذي لم يسبق اليه ، فصحح أحاديث وأخباراً كثيرة لم يقل بصحتها أحد، وضعف أحاديث أخرى تعصباً للمذهب ، وهي ثابتة عند أهل العلم بهذا الفن والمشرب ، مع جهله التام بمصطلح الحديث وتراجم رواته ، وإعراضهعن الاستفادة من أهل العلم العارفين به ، ففتح بذلك بابا خطيراً أمام الجهال وأهل الأهواء أن يصححوا من الاحاديث ماشاؤا، ويضعفوا ما أرادوا، ((ومن من في الاسلام سنة سيئة فعليه وزرهاووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». وسبحان الله العظيم ، إن الدكتور مايفتأ يتهم السلفيين في جملة ما يتهمهم به بأنهم يجتهدون في الفقه وإن لم يكونوا أهلا لذلك، فإذا به يقع فيما هو شر ما اتهمهم به تحقيقاً منه للأثر السائر: ((من حفر بثراً لأخيه وقع فيه)) ! أم أن - ٨ - ۔ ١ الدكتور يرى أن الاجتهاد في علم الحديث من غير المجتهد بل من جاهل يجوز ، وإن كان هذا العلم يقوم عليه الفقه كله أو جله !! من أجل ذلك فإني أرى من الواجب على أولئك المشفقين على الدكتور أن ينصحوه ( والدين النصيحة ) بأن يتراجع عن كل جهالاته وافتراءاته ، وان يمسك قلمه ولسانه عن الخوض في مثلها مرة أخرى، عملا بقول نبينا محمد مفيدة : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره )). أخرجه البخاري من حديث أنس ، ومسلم من حديث جابر، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٥١٥). فان استجاب الدكتور فذلك مانرجو ، و (عفا الله عما سلف)، وإن كانت الأخرى فلا يلومن الانفه، والعاقبة للمتقين ، وصدق الله العظيم إذ يقول : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنو في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) . وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. دمشق في ٢٧ جمادى الآخرة سنة ١٣٩٧ هـ محمد ناصر الدين الألباني - و - إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ، فهذه تعليقات سريعة على أحاديث كتاب ((فقه السيرة)) تأليف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في جزأين، طبع دار الفكر الحديث في لبنان . قال في المقدمة : (وبعد فهذه ابحاث في فقه السيرة النبوية، كنت ألقيتها محاضرات على طلاب السنة الاولى - والثانية - بكلية الشريعة في جامعة دمشق)). أقول : لقد كان من أقوى الحوافز على دراسة هذا الكتاب - مع ضيق الوقت، وضعف الرغبة في قراءة مؤلفات المعاصرين - أنني رأيت مؤلفه الفاضل يقول فى مقدمة الجزء الثاني منه ( ص٣ ) : (( ولقد سلكت فيه الطريقة التي سلكتها في الجزء الأول فأفردت أبحاث السيرة ، على شكل نصوص، اعتمدت فيها أولاً على صحاح السنة، ثانياً على ماصح من أخبار السيرة في كتبها ، وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد)) . فلما قرأت هذا استبشرت خيراً، وقلت في نفسي: إذا صدق الخبر الخبر فلا شك ان الدكتور بكتابه هذايكون قد طرق باباًجديداً من التأليف في سيرة النبي صَّ الله، وهو اختيار الروايات التي صحت فيها من كتب الحديث والسيرة، ولازمه الإعراض عن ذكر ما لم يصح منها على طريقة علماء الحديث ونقاده . وهذا أمر هام جداً، فان ما ألف في السيرة النبوية الكريمة حتى الآن يعد بالألوف ١ ٠٫٠ ٠٠٠ Hi ١ -- كما قال العلامة السيد سليمان الندوي في كتابه القيم («الرسالة المحمدية) (١) (ص ٦٥) ومع ذلك ، فاني لا أعلم في كل ما ألف من ذلك، من نحا هذا المنحى من الاختيار الذي ذكر فضيلة الدكتور أنه سلكه في هذا الكتاب، ولطالما راودتني نفسي أن أسلك هذا السبيل فأضع كتاباً جامعاً تحت عنوان ((صحيح السيرة النبوية)) على نحو ما جريت عليه في (صحيح سنن أبي داود)) وغيره مما أنا في سبيله الآن ، ولكن الفرصة لم تسنح لي حتى هذه الساعة للقيام بمثل هذا الواجب ، فلما قرأت عبارة الدكتور السابقة ظننت أنه قد قام بالواجب وتحقق الرجاء . وكيف لا يكون ذلك واجباً، وسيرته ص ٣ إنما هي ((صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دستوراً يتمسك به ويسير عليه ، ولا ريب أنه مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة ، فإنه واجد كله في حياة رسول الله صَّ الله على أعظم ما يكون الوضوح والكمال. ولذا جعله الله قدوة للانسانية كلها فقال: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) - الأحزاب ٢١)). كما قال الدكتور في مقدمة كتابه ( ص ٧ - ٨) ولكن هل استطاع الدكتور ان يحقق الرجاء، أو على الأقل أن يحصر اعتماده فيما نقله من النصوص على ما صح منها في كتب السيرة ، ودواوين السنة التي سماها ((صحاح السنة)? ذلك ما أريد ان أبط الكلام فيه الآن في هذه العجالة، راجياً المولى سبحانه وتعالى أن يسدد خطانا، ويلهمنا الصواب والاخلاص في أقوالنا وأفعالنا . ١ - لقد استرعى انتباهي قوله تحت عنوان ((مصادر السيرة النبوية)) ( ١١/١ ) : (١) وهي ثماني محاضرات في السيرة النبوية ورسالة الاسلام، كان القاها في جامعة مدراس بالهند. وهي ذات فوائد هامة تدل على غزارة علم المؤلف رحمه الله تعالى وجزاء خيراً ٢ - السنة النبوية الصحيحة : وهي ما تضمنتها كتب أئمة الحديث المعروفين بصدقهم وأمانتهم، كالكتب الستة وموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد(١). فأقول : إن ما تضمنته الكتب المذكورة وغيرها - باستثناء الصحيحين - : ليس كل ما فيها من الحديث صحيحاً . بل منه الصحيح، والحسن والضعيف ، . وفي بعضها الموضوع أيضاً، كما هو معلوم عند أهل العلم بالحديث الشريف، ويأتي قريباً ذكر بعض النصوص المؤيدة لذلك مما ذكروه في ((علم مصطلح الحديث)) وعلى ذلك فقول الدكتور في السنة الصحيحة: «هي ما تضمنته كتب ائمة الحديث.)) تعميم غير صحيح، ولقد وددت أن أقول: لعله سبق قلم منه، وأنه لم يرد هذا لعموم الظاهر منه، والمعروف بطلانه بداهة وددت ذلك ، ولكني لم أجد في كلماته الاخرى، وفي المنهج الذي جرى عليه عمليا ، ما يساعدني على ذلك، فقدسبق قولهوهو يتحدث عن طريقته في الكتاب: ((اعتمدت فيها على صحاح السنة)) فقوله ((صحاح)) بصيغة الجمع بدل ((الصحيحين والسنن الأربعة)، كما هو التعبير العلمي الصحيح - مما يشعر الباحث بان الكتب التي تجمع الأحاديث الصحيحة فقط ليست محصورة عنده (١) ثم تبين لي ان الدكتور البوطي، قلد في هذا الكلام الدكتور السباعي رحمه الله تعالى . فقد قال هذا في كتابه ((مذكرات في فقه السيرة» ( ص ١٠): (تنحصر المصادر الرئيسية المعتمدة للسيرة على أربعة مصادر .... القرآن الكريم ، ثم السنة الصحيحة التي تضمنتها كتب أئمة الحديث، المعترف بصدقهم، والثقة بهم . وهي الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود ، والنسائي، والترمذي وابن ماجه، ويضاف اليها. ((الموطأ)) للامام مالك، و((مسند الإمام أحمد))، فهذه الكتب في الذروة العليا في الصحة ، والثقة والتحقيق. اما الكتب الأخرى، فقد تضمنت الصحيح والحسن ، وفي بعضها الضعيف أيضاً ، ! 1: ٣ بـ ((الصحيحين)) من بين الكتب الستة. ولا يقال أيضاً: لعله سبق قلم منه، لأننى رأيته أعاد هذا القول ((صحاح السنة)) في مكان آخر من كتابه (ج١ ص ١٥). وهو يعني بذلك الكتب الستة بل لعله يعني معها ((الموطأ) و((المسند))، فقد قرنها معها في هذه الكلمة التي نحن في صدد نقدها . ومما يؤيد ذلك قوله المتقدم: ((اعتمدت)) فيها أولاً على صحاح السنة ، ثانياً على ما صح من أخبار السيرة. فهذا نص منه فيماذكر لأنه صرح بأن أخبار السيرة فيهاما لا يصح ، فاعتمد هو - بزعمه - على ماصح منها. ولو كانت كتب السنة عنده مثل كتب السيرة في احتوائها على ما صح وما لم يصح ما كان به حاجة إلى هذا التقسيم والتفريق: (( .... صحاح السنة))(٠٠٠٠ ما صح من أخبار السيرة ))! ولقال مثلًا: اعتمدت فيها على ما صح من كتب السنة والسيرة . فهذا التفريق منه دليل قاطع على أنه يعني ما ذكرنا من أن السنة الصحيحة ليست مختصة بـ(الصحيحين) فقط! بل السنن الأربعة من صحاح السنة أيضاًبز عمه! فهل الأمر كذلك ? ذلك ما -أبينه قريباً، ولكني بياناً للحقيقة أقول: إن الدكتور ليس هو أول من أتى بمثل هذا الاطلاق ، بل هو مسبوق اليه فهذا هو العلامة سلمان الندوي يقول في كتابه ((الرسالة المحمدية)) ص ٦٣: ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة الصحاح ! وهذا الاطلاق شائع في الهند جداً ، وسمعته كثيراً من بعض طلابها في الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة ومن غيرهم أيضاً ، ثم تبعهم على ذلك فضيلة الدكتور، وبنى كتابه على هذا الاطلاق فهل هو صحيح !! والجواب : لا ، وهاك البيان : إن هذا الاطلاق خطأ محض ، ذلك لانه يخالف الواقع في هذه الكتب ما عدا الصحيحين كما قرره العلماء بهذا العلم في كتبهم، ولقد كان له آثار خطيرة في صرف المؤلفين المحدثين عن نقد الأحاديث الواردة فيها بزعم أنها من الصحاح ! وهذا ما وقع فيه الدكتور نفسه ، فنجده يكتفي بعزو الحديث إلى بعض السنن ، فلا فرق عنده بين حديث رواه البخاري أو مسلم ، وبين آخر رواه أبو داوود أو غيره من أصحاب السنن !مع أن الواجب النظر في أحاديث السنن لورود ٤ is 1 الأحاديث الضعيفة فيها، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((التقريب)): ((واما تقسيم البغوي أحاديث المصابيح إلى حسان وصحاح مريداًبـ (الصحاح) ما في الصحيحين و بـ«الحسان)) ما في السنن فليس بصواب، لأن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر)). وقال السيوطي في شرحه : (ومن أطلق عليها الصحيح كقول السِّفي في الكتب الخمسة ( يعني الستة ما عدا ابن ماجه): اتفق على صحتم، علماء المشرق والمغرب. وكاطلاق الحاكم على الترمذي ((الجامع الصحيح))، وإطلاق الخطيب عليه وعلى النسائي اسم ((الصحيح)) فقد تساهل)) قال في ((ألفيته)): ثم الضعيف حيث غيره فقد يروي أبو داود أقوى ما وجد تركاله، والآخرين ألحقوا والنسئي من لم يكونوا اتفقوا ماز بهم فان فيهمو وهن بالخمسة ابن ماجه ، قيل : ومن صحيحة ، والدارمي والمنتقى تساهل الذي عليها اطلقا منها الذي لأحمد والختظلي ودونها مساند ، والمعتلي قلت : ولا أدل على بطلان هذا التقسيم والاطلاق من كون الترمذي نفسه قد صرح في سننه بتضعيف عشرات بل مئات الأحاديث ، وكشف عن علمها، فكيف يصح أن يوصف كتابه بـ ((الجامع الصحيح)، او يحكم على كل حديث فيه بأنه حسن !! ونحو هذا يقال في سنن أبي داود وسنن النسائي، فانهما يتكلمان على بعض الاحاديث أحيانا، ويضعفانها. واما ماضعفه العلماء من احاديث الكتابين فحدث ولاحرج ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، ومن شاء الوقوف على طائفة منها فليراجع كتبنا: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) و(تخريج مشكاة المصابيح) واخيراً كتابنا ((نقد نصوص حديثية للشيخ منتصر الكتاني)). وأما(( الموطأ) للامام مالك، فهو مع جلالته ، لا يخلو من كثير من الأحاديث المرسلة والمعضلة، وبعضها ما لم يوجد له أصل أصلًا كحديث ((إني لا أنسى ولكن الجبا - ٥٠,٠ : انسى))(١) وبعضها وجد له أصل عند بعض المحدثين وفيه الصحيح والضعيف، فلا بد من التحري. ولذلك قال السيوطي في (التدريب ص ٥٤)): «صرح الخطيب وغيره بان الموطأ مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد فعلى هذا هو بعد ((صحيح الحاكم)) ... وأحصيت مافي (موطأمالك) وما في ((حديث سفيان بن عيينة))، فوجدت في كل واحد منهما من المسند خمسمائة ونيفا مسنداً، وثلاثمائة مرسلا ونيفا، وفيه نيف وسبعون حديثاً ، قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيها أحاديث ضعيفة ، وهاها جمهور العلماء». قلت : وهذا هو الصواب الذي يشهدبه كل عارف بهذا العلم، درس احاديث الموطأ دراسة علمية عن كثب ، وكل ما قديقال على خلافه فهو مردود بشهادة الواقع والنقد العلمي الصحيح . واما مسند الامام أحمد ، فهو لغزارة مادته تكثر فيه الاحاديث الضعيفه، وهذا مما لا خلاف فيه عند أهل العلم . قال الحافظ العراقي : واما وجود الضعيف فيه فهو يحقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء . ذكره السيوطي في كتابه ( ص ١٠٠) . ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه رد في كتابه «القول المسدد في الذب عن المسند) قول من قال بأن في المسند أحاديث موضوعة . قلت : فهذا موضع خلاف وبحث ، ولشيخ الاسلام ابن تيمية فيه رأي وسط لا داعي لذكره الآن ، والقصد بيان ان وجود الأحاديث الضعيفة في المسند أمر متفق عليه بين حفاظ الحديث، وقد كشف عن ذلك كشفا عملياً دقيقاً العلامة أحمد شاكر فيما علقه على المسند الجديد في طبعته ، رحمه الله تعالى وجزاء خيراً . (١) انظر الكلام عليه وبيان أنه معارض الأحاديث الصحيحة في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)، رقم (١٠١) ٦ ٢ - قوله : اعتمدت فيها أولاً على صحاح السنة . أقول: سبق بيان خطأ هذا الأطلاق ((صحاح السنة)) على الكتب الستة والموطأ والمسند التي اعتمد عليها فضيلة الدكتور . فاريد أن أبين الآن حقيقة أخرى ظهرت لي من تتبعي الأحاديث الكتاب وهي : = إن مجموع أحاديث الكتاب بجزأيه ما عدا أحاديث ((الصحيحين)) أحد عشر حديثاً ! اثنان منهما في الجزء الاول ، والبقية في الجزء الآخر، لمالك منها حديث واحد فقط لا غير مع أنه عزاه البخاري فهذا يغنيه عن عزوه اليه في مثل كتابه ! ولا حمد ثلاثة ! اثنان منها ضعيفان احدهما لا وجود له عنده في مسنده مع ضعفه! والبقية لأصحاب السنن منها اثنان ضعيفان، أحدهما للترمذي، والآخر لا بي داود فهذا العدد الضئيل بالنسبة لحجم الكتاب ، مع أن ثلثه ضعيف، هل يستحق التقدمة له بهذا القول: ((اعتمدت فيها على صحاح السنة)) .!! فإن كل من يقرأ هذا في المقدمة يتوهم أن الكتاب غني المادة من أحاديث هذه الكتب ، وعند التحقيق لا يجد فيها إلا هذا العدد المحدود ! وأما الاحاديث الضعيفة الأربعة فهي : الأول . قال ص ٢١٦: ((وقال له بعض الصحابة: يارسول الله ادع الله على ثقيف ، فقال اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم. رواه ابن سعد في ((الطبقات))، وأخرجه الترمذي في سنته ، وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكناني عن الأشهب عن الحسن ) ؟ ١ ـا. وعلة الحديث عنعنة أبي الزبير عند الترمذي ، وقد كنت خرجته في «تخريج فقه السيرة للغزالي )) ( ص ٤٣٣ الطبعة الرابعة) فلا أعيد القول في تخريجه . ونأخذ على الدكتور في تخريجه لهذا الحديث أموراً : ٧ أولاً : عزوه لابن سعد بعد الترمذي يوهم نه لم يخرجه من هو أعلى طبقة منه ، وممن اعتمدهم في كتابه ، وليس كذلك، فقد أخرجه أحمد ولكن إسناده منقطع ، كما بينته في المصدر السابق . ثانياً : كان ينبغي أن يذكر في تخريجه إياه قول الترمذي فيه (((حسن صحيح))، لأنه أقوى لتخريجه، ولعله لم يذكر ذلك اعتماداً منه على أن مجرد العزو للترمذي كاف لتصحيحه لكونه من ((الصحاح)) عنده! نقول هذا تنبيها على الطريقة الفضلى في التخريج وإن كنت لا أوافق الترمذي على قوله هذا العلة السابقة الذكر في إسناده . ثالثاً: قوله: (( رواه ابن سعد في الطبقات .... وقد رواه ابن سعد .... )) تكرار مخل في التصنيف، لاسيما وهو في التعليق الذي لا يتحمل التطويل فضلا عن التكوير : رابعاً: قوله: ((وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب عن الحسن)). خطأ صوابه كما في أول ((غزوة رسول الله صَّ له الطائف)» منْ ((طبقات ابن سعد)) (١٥٩/٢ - طبع بيروت): وعن عمرو بن عاصم الكلابي أخبرنا أبو الأشهب ، أخبرنا الحسن ». خامساً : إن هذا الاسناد عند ابن سعد ليس لهذا اللفظ من الحديث بل هو بلفظ: ((إن الله لم يأذن في ثقيف)). وأما لفظ الترجمة فهو عنده قبيل هذا بدون إسناد ، فلا فائدة حينئذ من العزو إليه . سادساً : هو باللفظ الآخر ضعيف أيضاً ، لأنه مرسل ، والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند أهل الحديث ، لاسيما إذا كان من مراسيل الحسن وهو البصري، فقد قال فيها بعض الأئمة: ((مرسلات الحسن البصري كالريح! » . ٨ I' الحديث الثاني : قال ( ص ٢٣٢): ((روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ، وأصابهم عطش شديد ، حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها. رواه ابن سعد في طبقاته ٢٢٠/٣)). قلت : فيه أولاً: أن إطلاق العزو لأحمد يفيد اصطلاحاً ((مسنده)) وهذا الحديث ليس فيه، ولذلك لم يورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ولو كان فيه لأورده لأنه على شرطه. وقال الحافظ السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٨٦/٣): ((وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ((الدلائل)» عن عبد الله بن محمد بن عقيل (١) بن أبي طالب في قوله : ( الذين اتبعود في ساعة العسرة ). قال .... )) فذكره. فلو كان الحديث في ((مسند أحمد )، لم يدع العزو إليه، إلى عزوه إلى هؤلاء الذين هم دونه . وإن مما يبعد كونه عنده أنه مرسل ، فإن ابن عقيل هذا تابعي على ضعف فيه، قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير بآخره من الرابعة)). و((المسند)) خاص بالموصول من الحديث كما هو معلوم . والدكتور قلد في هذا الاطلاق فضيلة الشيخ محمد الغزالي ، فهو سلفه فيه في كتابه ((فقه السيرة)) (ص ٤٤٠) ، الذي لم يتورع فضيلة الدكتور من أن يطلق هذا الاسم على كتابه أيضاً ، وقد استفاد من (١) الأصل: محمد بن عبد الله بن عقيل . وهو خطأ صححته من (( ابن سعد )) وغيره . السير 2 تخريجنا إياه ، دون أن يشير إلى ذلك كله أدنى إشارة !! وقد كنت بيضت هذا الحديث حين خرجت كتاب الغزالي ، لأني لم أجده في (( المسند))، وأقول الآن: إن الحديث أورده الحافظ ابن كثير في («البداية ، فقال ( ٩/٥ ): (( قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله: ( الذين اتبعوه ساعة العسرة) قال : ، فذكره ورواه ابن سعد (١٧٢ - طبع بيروت ) من طريق أخرى عن معمربه . ولا يقال : فما بال الحافظ ابن كثير قد أطلق العزو أيضاً ؟ لأننا نقول : لما ساق الحافظ الحديث باسناده، وهو مرسل ، كان ذلك قرينة على أنه لا يعني ((مسنده)) لما سبق بيانه ثم ساقه الحافظ من طريق سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن ساعة العسرة ، فقال عمر: فذكره بنحوه دون الآية . وقال: (( إسناده حيد)). قلت : وفيه عندي نظر، لأن عتبة هذا أورده الحافظ في («اللسان» وقال: ((له عن عكرمة ولا يتابع عليه قاله العقيلي)). ووافقه الحافظ على ذلك . لكن لعله قد وثقه ابن حبان أو توبع عليه فقد قال الهيثمي في هذا الحديث ( ١٩٥/٦ ) : (((رواه البزار والطبراني في ((الاوسط))، ورجال البزار ثقات)). قلت : وفيه علة أخرى ، وهي ابن أبي هلال ، قال أحمد : كان اختلط . نعم يمكن أن يقال : إن الحديث قوي بمجموع الطريقين . والله أعلم. وقد رواه ابن حبان في (صحيحه)) كما في ((موارد الظمآن)» (١٧٠٧)، لكن سقط من إسناده عتبة المذكور. فليتنبه . ١٠ ٠٠ أ. الحديث الثالث : قال ( ص٢٥٩) : (( وروى خبر المصالحة على الجزية (يعني مع وفد نجران) أبو داود في كتاب الخراج باب أخذ الجزية ) . قلت : في إسناده أسباط بن نصر الهمداني وهو ضعيف لسوء حفظه، قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق كثير الخطأ)). ومن طريق أبي داود أخرجه الضياء المقدمي في (( الأحاديث المختارة مما ليس في (صحيح البخاري ) و (صحيح مسلم)، (١/١٨٧/٥٨) فاقتضى التنبيه . الحديث الرابع: قال ( ص ٢٦١) وقد ذكر حديث إسلام عدي ابن حاتم مفصلا : ((رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد والبغوي في معجمه بألفاط متقاربة وانظر الإصابة للحافظ ابن حجر : ٤٦١/٢). قلت: رجعت إلى ((الإصابة)) فرأيته قال: ((وروى أحمد والبغوي في ((معجمه)) وغيرهما من طريق أبي عبيدة بن حذيفة قال : كنت أحدث حديث عدي بن حاتم ، فقلت : هذا عدي في ناحية الكوفة فأتيته فقال .... )) قلت: فذكره بنحو سياق كتاب الدكتور وأحضر منه. ثم رجعت إلى ((مسند أحمد)) فوجدت الحديث فيه (٣٧٩,٣٧٨/٤) من الوجه المذكور . وأبو عبيدة هذا لم يَوثقه أحد غير ابن حبان ، وهو لين التوثيق، ولذلك لم يعتمده الحافظ في ((التقريب))، فقال فيه: (( مقبول)) يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة ، ولما كان الحديث لا يعرف إلا من طريقه فهو ضعيف، لا سيما وهو في ((الصحيح)) مختصر بغير هذا السياق كما يأتي . وأما ابن اسحاق فأورده (٢٢٧/٤ - ابن هشام) بدون إسناد ، فلا فائدة من عزو الدكتور إليه ، لأن ابن إسحاق لو ساق الحديث بالسند إلى النبي صَ لّه، ولم يصرح بسماعه إياه من شيخه الذي رواه عنه، لم ١١ يقبل منه لأنه كان مدلساً ، ولذلك ترى العلماء المحققين العارفين بهذا الشأن يعللون مئات الأحاديث بعنعنة ابن إسحاق وغيره من المدلسين ، فكيف يقبل حديثه إذا أعضله ولم يسق إسناده ؟! ولست أدري إذا كان هذا مما خفي على الدكتور ، أم تجاهله لضرورة التأليف! فقد رأيته أكثر من مثل هذا العزو الذي لا فائدة فيه ، وقد مضى بعض الأمثلة منه. نعم قد أخرج البخاري في ((المناقب)) من ((صحيحه)) من طريق أخرى عن عدي آخر الحديث بنحوه . والذي يتلخص من هذا الفصل أن الدكتور ، لم يكن الصواب حليفه حين أطلق: ((صحاح السنة)) على غير الصحيحين من الكتب المتقدمة ، وأننا أثبتنا له ضعف أربعة أحاديث من أصل أحد عشر حديثاً عزاها إليها! فكيف يكون الحال لو أن عددها كان بلغ المائة أو المئات ? لا منك أن نسبة الضعف فيها سيرتفع بنسبة الزيادة فيها ؟ وإذا كان هذا حال أحاديثه التي نقلها من ((الصحاح)) بزعمه فكيف يكون حال الأحاديث الأخرى التي نقلها من كتب السيرة ، وقد أشار إلى أن في هذه الكتب مالا يصح ، وصرح أنه إنما اعتمد على ما صح من الأخبار فيها ? ذلك ما أريد تحقيقه في الفصل التالي إن بناء الله تعالى . ٣ - وقال الدكتور فيما تقدم: ((ثانياً: [ اعتمدت] على ما صح من أخبار السيرة في كتبها، وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك سيرة ابن هشام ، وطبقات ابن سعد)). قلت : كم كنت مغتبطاً لو أن الدكتور كان صادقاً في قوله هذا، وقبل ان أبين مافيه ، أتوجه إلى فضيلته إن سمح بالسؤال الآتي : ماهي القواعد والأصول التي استندت إليها حين حكمت بالصحة على الأخبار التي أوردتها في الكتاب ؟ فإن كانت هي أصولاً أنت ١٢