النص المفهرس

صفحات 81-100

١
كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يغدوا عانهم
بالمعروف والإصلاح بين المسلمين )).
فأين هذا السياق المختصر من سياق ابن إسحاق الذي يبلغ نحو صفحتين من قياس
صفحة هذه المجلة ! !ويكفيك دلالة على ذلك أن البوطي ذكر منه ( ١٣) فقرة،
وهي مع ذلك قل من جل !
.
فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه في كتابته لا يتحرى الصواب والتعبير
الدقيق المطابق الواقع، هذا إن لم يكن متعمداً لذلك ، ليسد الطريق على من قد
ينتقده في اعتماده رواية بن إسحاق التي لا سند لها ، فندها هو بالحديثين المذكورين
كشاهدين لها ، وفيها ما علمت من الضعف الشديد في الأول والاختصار الشديد
مع الضعف في الآخر ! !
٦ - قال (ص ٢٢٦) بعد أن ذكر حديث الحباب بن المنذر في إشارته
على النبي صَّ لّهِ بالنزول في مكان غير المكان الذي نزله وَل:
٦
((روى ابن هشام في سيرته حديث الحباب بن المنذر هذا عن ابن إسحاق عن
رجال من بني سلمة ، فهي فيما رواه ابن هشام رواية عن قوم مجهولين . وذكر
الحافظ ابن حجر هذا الحديث في ((الاصابة)) فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد
بن رومان عن عروة بن الزبير وغير واحد في قصة بدر . وهذا سند صحيح
والحافظ ابن حجر ثقة فيما ينقل ويروي. (راجع الاصابة ٣٠٢/١).
أقول : لنا عليه ملاحظات :
٢٠٠.
الأولى: إذلاله رواية ابن هشام بأنها عن قوم مجهولين ، ليس بقادح لأنهم جمع
تغتفر جهالتهم عند أهل العلم بهذا الشأن ، لاسيما ويحتمل أنهم من الصحابة ، لأن
ابن إسحاق رواه هكذا : فحدثت عن رجال من بني سلمة ، فلو أن ابن إسحاق
صرح بالتحديث عن الرجال لانتفى الاحتمال المذكور ، لأن ابن إسحاق من
أتباع التابعين ، ولجزمنا بأن الحديث مرسل .
٨١
٠- ٦

ولكن قوله: ((فحدثت)) دليل على أن بينه وبين الرجال واسطة ، ومن
الممكن أن يكون من التابعين ، فيظل الاحتمال المذكور قائماً، وإنما العلة
القادحة في هذه الرواية هي جهالة الواسطة مع احتمال الإرسال.
الثانية: قوله في رواية عروة: ((وهذا إسناد صحيح)). ليس بصحيح
على إطلاقه لأمرين .
الأول : أن ابن إسحاق فيه كلام من قبل حفظه ، والذي استقر عليه
رأي العلماء المحققين أن حديثه في مرتبة الحسن بشرطين : أن يصرح بالتحديث ،
وأن لا يخالف من هو أوثق منه .
والأمر الآخر: أن عروة تابعى لم يدرك الواقعة. فالصواب أن يقال: إسناده
مرسل حسن. وحينئذفه و إسناد ضعيف، لأن المرسل من أقسام الضعيف على قواعد علماء
الحديث كماهو مقرر في محله، ولا أجد وجهاً لقول الدكتور المذكور إلا أنه يظن أن
عروة بن الزبير صحابي كأخيه عبد الله، فان كان كذلك ، فهو ظن عجيب ينبي*
عن مبلغ علم الدكتور برجال السلف، وقد مضى له حديث آخر من هذا
النوع في الفصل الثالث الحديث السادس، ص (١٩ - ٢٠).
الثالثة: قوله عن الحافظ: ((فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد )) خطأ،
ومثله قوله بعد: ((ينقل ويروي)) لأن الرواية عند المحدثين لا تعني مجرد ذكر
المروي ونقله وإنما ذكره باسناد الراوي لفعنه إلى منتهاه ، وقد سبق تفصيل ذلك
في الرد على قول الدكتور: (( روى ابن كثير))! (ص ١٥) فراجعه . ولو قال:
(((يروي وينقل)) لـكان أقرب إلى الصواب على اعتبار قوله: ((وينقل)) تغيراً
لقوله: ((يروي)) أما العكس فغير صحيح لما ذكرته .
الرابعة: قوله عن الحافظ أيضاً: ((عن ابن إسحاق عن يزيد)) خطأً منه
على الحافظ، لأنه إنما قال: ((قال ابن إسحاق في ((السيرة)): حدثني يزيد بن
٨٢

رومان .. ، وفرق كبير بين القولين عند من يعلم أن ابن إسحاق مدلس ، وإنه
إذا قال ((عن)) فليس بحجة، وإذا قال: ((حدثني)) فهو حجة. فلو كان الدكتور
على علم بهذا لم يقل على الحافظ ما لم يقل إن شاء الله تعالى !
الخامسة : لا منك أن الحافظ ثقة بل فوق الثقة، لكن ذلك لا يعني أنه
معصوم من الخطأ كما تقول الشيعة في أئمتهم ، وهذه الرواية التي ذكرها عن عروة
لم أر أحداً غيره ذكرها كابن سيد الناس ، وابن كثير وغيرهما، وبالاضافة إلى
ذلك فهي ليست ((في سيرة بن هشام)) (٢٧٢/٢). نعم قد جاء فيها قبل ذلك
(٢٦٣/١): ((قال ابن إسحاق: وحدثنى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير
قال ... )
قلت : فذكر طرفاً من غزوة بدر ، ثم أتبعه باطراف أخرى كثيرة منها ،
مصدراً كل طرف منها بقوله: ((قال ابن إسحق)). ثم قال ابن هشام . قال ابن
إسحاق : فحدثت عن رجال ... الخ فذكر قصة الحجاب .
قلت: فمن المحتمل أن الحافظ لمانقلها وقع بصره على الإسناد الأول عن عروة، ولم يقع
نظره على إسناده الثاني: عن رجال من بني سلمة، فصارت من رواية عروة، ولكن لقائل
أن يقول: هذا احتمال قوي، لولا أن الحافظ قرن إلى عروة قوله: ((وغير
واحد )) وهذا ليس في السيرة مطلقاً ، فمن أين جاء به ؟
فأقول : وهذا مما لا جواب عليه عندي الآن. ويحتمل احتمالاً بعيداً أن
يكون الحافظ نقل رواية عروة وغير واحد من ((سيرة ابن إسحاق)) مباشرة
فيكون فيها ما ليس في ((سيرة ابن هشام)) عنه، وهذا مستبعد جداً، والله أعلم .
٧ - قال (ص ٢٤٦): ((ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله مَّةٍ فيما
رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه: ((إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم))
ويقول فيما رواه الشيخان: ((إنكم تختصمون إلى ... )) الحديث.
قلت : وهذه خطيئة فاحشة لاتطاق فإن الحديث عند البخاري وغيره ليس
من قول النبي سَّ الله ، وإنما هو من قول عمر رضي الله عنه موقوفا عليه، وهو عند
٨٣
.!

البخاري في أول كتاب ((الشهادات)) من طريق عبد الله بن عتبة قال: سمعت.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
(((إن قلاً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صَّ له وإن الوحي
قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم)). وكذلك أخرجه الإمام
أحمد من طريق أخرى عن عمر موقوفاً بنحوه .
وغالب الظن في تعليل صدور هذه الخطيئة من الدكتور البوطي إنماهو عدم.
الإطلاع علىما جاء في السنة كما ينبغى أولا ، وسرعة المنقل بغير وعي وانتباه ثانيا
لأنه ينقل مالم يهضمه، وإلا فانهلو كان واعياً لم يقع منه ذلك باذن الله، ولعله لا
رآي في الحديث قول: ((رسول الله عَّ له)) توهم أن الذي بعده هو قوله صَّ الٍِّ!
ومن قول الدكتور بعده: ((ويقول فيما رواه الشيخان ... )) يعلم القارىء أن
قوله في الحديث الأول: ((يقول رسول الله صَّ اله )) ليس زيادة من الطابع غفل
عنها الدكتور عند تصحيح التجارب ، بدليل عطفه الحديث الثاني على الحديث
الأول الذي صرح الدكتور وكتب بقلمه رفعه إلى النبي منتظلة، فعطف عليه الثاني،
وهذا معروف رفعه إلى النبي صَفي بخلاف الأول! ولولا ذلك التصريح لم يصح
العطف المذكور كما هو ظاهر .
ومن طرائف الدكتور وغرائبه أنه كان جعل في الطبعة الأولى مكان
حديث عمر هذا حديثاً آخر لفظه فيها: (( ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله
مَّ اللّه: أمرنا أن تحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)). فلما انتقده صاحبنا
الأستاذعيد عباسي وبين له أن هذا الحديث لا أصل له ، حذفه وطبع الدكتور مكانه
حديث عمر هذا الموقوف عند البخاري فعزاه إليه مرفوعاً! وهذا إن دل على شيء
فهر أن الدكتور لم يكن موفقاً في هذا التعديل الذي ازدادبه بعداً عن الصواب.
ولعل الدكتور قد أخذدرساً بألا يستكبر مرة أخرى عن الاعتراف بخطئه وشكر من
نيهه إليه، فيعطي بذلك درساً عملياًللطلاب والقراء مذكر آلهم بأخلاق العلماء الأنقياء.
٨ - قال (ص ٢٨٨): ((وثبت في الصحيحين أيضاً أن رسول الله صَ الله
٠ ٦٠٠,
٨٤

٠,١
- سأل جابراً في غزوة ذات الرقاع هل تزوجت بعد؟ قال نعم)).
قلت: ليس في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما ذكر غزوة ذات الرقاع.
فعزو الدكتور ذلك اليها من أخطائة التي لا تتناهى، وإنما ذلك في «سيرة ابن
-هشام) عن ابن إسحاق عن جابر وسنده حسن، وكذلك رواه أحمد (٣٧٥-٣٧٦)،
وعلق البخاري طرفاً من أوله في ((المغازي، بل عنده في ((الشروط)) معلقاً أيضاً
من طريق أخرى عن جابر ما يؤخذ منه أن ذلك كان في غزوة تبوك ، ولكن
موجح الحافظ رواية ابن إسحاق عليها فليراجعه من شاء .
صَلى الله
٩ - قال (ص ٣٦٦ - ٣٦٧) وقد ذكر حديث تقبيل رسول
جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الجيشة .
(((والحديث رواه أبو داود بسند صحيح)).
قلت : وهذا خطأ، كخطئه في قوله المتقدم في حديث عروة المرسل :
(((إسناد صحيح)) كما سبق بيانه (ص٨١ فقرة ٦)، فات أبا داود أخرجه
في آخر كتابه من طريق علي بن مسهر عن أجلح عن الشعبي أن النبي صَّ له تلقى
جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل ما بين عينيه .
قلت : فالشعبي تابعي معروف لم يدرك الحادثة بطبيعة الحال ، فالاسناد
منقطع مرسل ، والأجلح وهو ابن عبد الله بن حجية الكندي مختلف فيه فوثقه
جماعة ، وضعفه آخرون ، منهم أبو داود نفسه . وقال العقيلي : روى عن
الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها، وأورده الذهبي في ((الضعفاء)) رقم
(٢٢٩) من ((المغني)) وقال:
((شيعي لا بأس بحديثه، ولينه بعضهم، وقال الجوزجاني: الأجلح مفتر»
وقال الحافظ في ((التقريب)).
(((صدوق ، شيعي)).
قلت : فمثله لا يصحح حديثه إلا من لا معرفة عنده بعلم مصطلح الحديث
وتراجم الرجال، وإنما يحسنه فقط إذا لم يكن من المتشددين ، فالصواب إذن
٨٥
2
ھ

أن يقال: ((رواه أبو داود بسند حسن مرسل)) والأصوب أن يقال رواه أبو
داود بسند ضعيف، لأن أكثر القراء لا يعلمون أن المرسل - عند المحدثين - من
قسم الحديث الضعيف كالمنقطع ، والمدلس، والمعضل ، وغيرها .
وهذا كله بالنسبة لرواية أبي داود، وإلا فقد رواه الحاكم (٢١١/٣) من
طريق الحسن بن الحسين العرني ثنا أجلح بن عبد الله عن الشعبي عن جابر قال :
فذكر الحديث هكذا مسنداً عن جابر ، لكن العوني هذا أورده الذهبى في
((الضعفاء)) وقال (١٣٨٩ ):
(( ليس بصدوق)).
قلت : فمثله لا يحتج به مطلقاً فكيف إذا خالف مثل علي بن مسهر الثقة
المحتج به في ((الصحيحين))، بل لو رواه الثقات عن الأجلح مسنداً عن جابر
لم يصح، لأنه خالفه ثقتان، وهما إسماعيل بن أبي خالد وزكريا بن أبي زائدة
فروياه عن الشعبي مرسلا. أخرجه الحاكم ، فكيف وقد وافقها الأجلح في الرواية
الصحيحة عنه، ولذلك قال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)):
((قلت : والمرسل هو الصواب)).
١٠ - ثم قال: ((وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم.
زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صَّ لّه في بيتي فأناه فقرع الباب دقام إليه النبي
حَدِ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله)).
قلت : إسناده ضعيف مسلسل بثلاثة ضعفاء على نسق واحد ، كما بينته في
في نقدي للكتاني ( ص ١٦ - الحديث الثامن ) ولذلك قال الذهبي: «حديث
منكر))، فكيف يلتقي إيراد الدكتور لهذا الحديث في كتابه مع قوله أنه اعتمد
فيه على صحاح السنة؟! وإذا كان له رأي خاص ينافي حكم الإمام الذهبي وما
شرحته هناك فهلا رد علينا كما فعل في الأحاديث الثلاثة التي سبق الرد عليه فيها ،
أم أنه مقتنع في نفسه بضعف إسناده المشروح هناك فانه مطلع عليه قطعاً ،
ولذلك لم يتوجه لنقده، وحينئذ فالوزر في إيراده إياه أكبر. أصلحه الله وهداه.
٨٦
:

1
!
. ----
21
١١ - ذكر (ص ٤٤١) حديث عمر بن الخطاب في مسابقته لأبي بكر
الصديق، وتصدق أبي بكر بكل ماله، وقوله رضي الله عنه: ((أبقيت لهم
الله ورسوله)). وقال في تخريجه في الحاشية:
((رواه الترمذي والحاكم وأبو داود ، وفي سنده هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم وقد ضعفه الإمام أحمد والنسائي ( الأصل الكسائي! ) واعتبره الحافظ ابن
حجر من المرتبة الخامسة فقال عنه :
صدوق له أوهام، إلا أن الذهبى نقل عن أبي داود أنه أثبت الناس إذا روى
عن زيد بن أسلم كما في هذا الحديث، ونقل عن الحاكم أن مسلماً أخرج له في الشواهد)).
وقال الدكتور عقب الحديث في صلب الكتاب: ((وإذا صح هذا الحديث ... »
وأشار إليه ( ص ٤٥١ ) وقال :
((على ما فيه من احتمالات الضعف التي بينتها في تخريج الحديث)).
قلت : وهذا نوع جديد من الدكتور في التخريج ! فبينما كنا نراه سابقاً
يقتصر في تخريج الأحاديث على مجرد ذكر من خرجه ، دون أن يحكم عليه بما
يستحقه من صحة أو ضعف، وكثيراً ما يكون ضعيفاً فيكت عليه موهماً
صحته كما سبق مرارا إذا بنا تراه هنا يعكس ذلك، ويحاول أن يضعف الحديث
الثابت متمسكاً بما في هشام بن سعد المذكور من الكلام، مع أن حديثه عند أهل
المعرفة بعلم الجرح والتعديل وتراحم الرجال لا ينزل عن مرتبة الحن؛ لأنهم يعلمون
أن مجرد كون الراوي متكلماً فيه لا يجعل حديثه في مرتبة الضعف ؛لأن
هناك مرتبة وسطى بينها وبين مرتبة الصحة وهي الحسن، وهشام هذا من هذا القبيل،
لاسيما في روايته عن بن أسلم؛ لكثرة روايته عنه، وصحبته إياه، فلاجرم أنه صحح حديثه
الترمذي والحاكم والذهبي، بل واحتج به وعلقه الإمام البخاري في (صحيحه) بصيغة
الجزم (رقم ٢٢٨ - مختصر صحيح البخاري) ، ولذلك خرجته في ((صحيح أبي.
٠٩١٠
- :
٨٧

٠٠
داود)، ومع هذا كله نجد الدكتور البوطي يتجاهل إن لم يكن يجهل
تصحيح هؤلاء الأئمة إباه ويحاول نسبة الضعف إليه ! كأنه ينظر إلى نفسه أنه
بلغ المرتبة العليا في علم الحديث ونقده ، وأخذ الاستقلال التام فيه ، ولو أن غيره
فعل ذلك - لا سيما إذا كان من السلفيين - لقام وقعد ، وأرعد وأزيد ، وتظاهر
بالحمية الإسلامية والغيرة الدينية ، على مقام الأئمة ، في صدور الأمة، ولنبه الى
الطعن فيهم، وعدم توقيرهم ، تماماً كما يقول هو في السلفيين، ويتممهم بالتهم
الكثيرة، لانهم لا يلتزمون مذهب إمام معين، وإنما يأخذون بقول أي إمام منهم فيما
.وافق الكتاب والسنة عندهم ، فليتأمل القاريء الكريم في حكمة الحكيم العليم
كيف يجعل الدائرة تدور على الباغي .
هذا أولاً .
واما ثانياً : فلينطر اللبيب إلى قوله :
(«على مافيه من احتمالات الضعف التي بينتها)).
فأقول : فأين هذه الاحتمالات المزعومة ! فإن الدكتور لم يبين إلا إحتمالاً
واحداً ، وهو مع ذلك مردود بتصحيح أولئك الأئمة له ؟ ! .
ثالثاً: لقد قال الحافظ في «الفتح)) (٢٢٩/٣) في الحديث وقد علق البخاري
طرفاً منه كما تقدم :
(( هذا مشهور في السير ، ورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه
الترمذي والحاكم ... )) فذكره ثم قال :
((تفرد به هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق فيه مقال من جهة حفظه)).
فأقول: لقد ذكر الدكتور كثيراً من أحاديث السيرة وقصصها مما دون هذا
الحديث في الشهرة، وفيها مما لا يعرف له إسناد مطلقاً ، ذكرها على أنها صحيحة ،
فكيف لم يشفع لديه شهرة هذا الحديث مع تصحيح الأمة له أن يورده دون أي
نقد له من نفسه؟ وهو يعلم أنه لا منهج ولا مذهب له يلتزمه في تصحيح الأحاديث
٨٨

وتصنيفها، وإنما أمره في ذلك كما تقول العامة (قطع والخش ) !
رابعاً: لقد قدم البوطي الترمذي والحاكم على أبي داود في الذكر، والمعروف
عند العلماء خلافه، فلا أحد منهم يقدم الترمذي فضلا عن الحاكم على أبي داود ، بل
يقولون: رواه أبو داود والترمذي والحاكم، كما يقولون: رواه البخاري ومسلم وأبو
داود. ولا يعكون ذلك مطلقاً. وذلك تأدب منهم من باب إنزال الناس منازلهم .
1
فهل لم يحفظ البوطي هذا الأدب منهم إلى اليوم وقد صار د كتوراً أم تبين له من
ثالعلم مالم يحط به الأوائل، واستجاز مخالفتهم في أدبهم ونهجهم !!
ولا يظنن القارىء أن ذلك سبق قلم من الدكتور فقد قال في صفحة ٤٥٠ :
(( ذكرنا الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن تقديم أبي بكر ماله
كله .. ))! وقال في الصفحة التي بعدها: (( إن حديث الترمذي والحاكم
وأبي داود )) !
وهذا إن دل على شيء فهو أن الدكتور لا يرجع إلى كتب الحديث إلا
قادراً جداً وإلا لم يخف عليه أدبهم في الترقب المذكور وهذا بين لا يخفى
واحمد لله. لقد كدت قول لكثرة هذه الأخطاء: إن هذه التخريجات والتعليقات
ليست بقلم الدكتور نفسه ، بل هي بقلم أحد طلابه ومن غير النابغين منهم !!
١٢ - قال ( ص ٤٤٢): ((وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة
-قال: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ... )) قلت : فذكر الحديث
بطوله وعلق عليه بقوله :
J»
((رواه أحمد في مسنده وأورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ثم قال: رواه
مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش )).
1
٠ ٠
أقول: هذا التعليق مع قصره فيه تكرار مخل لا يخفى على القاريء ، وأسوأ
منه نقله كلام ابن كثير مبتوراً، فان تمام كلام ابن كثير (( ... عن الأعمش به))
وقد يكون لفظة ((به)) سقطت من الطابع ولم يتنبه لها الدكتور عند تصحيح
التجارب ، ولكن مع ذلك ما فائدة هذا النقل حينئذ لا سيما وهو أمر لم يجر عليه
٨٩

الدكتورفي كل تعليقاته دون تمهيد وتوضيح له !! وما معنى قوله :
(((عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش) وهل منتهى هذا الاسناد وهو
الأعمش واسمه سليمان بن مهران من صغار التابعين فيكون الحديث على هذا
مرسلا، أهذا هو المعنى المقصود من الاسناد المذكور كلا، فما هو إذن ? ولو
فرضنا أن لفظة ((به)) سقطت من الطابع، وليس من الدكتور نفسه . .
لقد ذكر الحافظ ابن كثير الحديث ، وقدم بين يديه إسناده فقال :
((رواه الامام أحمد عن معاوبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ،
أو عن أبي سعيد الخدري - شك الأعمش - قال ... ))
قلت: فذكر الحديث ثم قال في آخره :
(((ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش به)).
فيهذا يمكن لمن كان عنده معرفة بالحديث وأسانيده أن يفهم أن قول ابن
كثير هذا معناه أن مسلماً رواه من طريق أبي كريب الذي تابع أبا معاوية
شيخ الإمام أحمد على روايته للحديث عن أبي معاوية عن الأعمش به أي باسناد
الأعمش المذكور عند أحمد أي أن كلا من أبي معاوية وأبي كريب روى
الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري .
هكذا على الشك بين أبي هريرة وأبي سعيد الخدري .
إذا عرفت هذا أيها القاريء الكريم ، فقل بربك ما هى الفائدة التي يجنيها
قاريء كتاب البوطي لو أنه تولى سان هذا المعنى الذي أراده ابن كثير بقوله المتقدم
فكيف وهو عنده غير مبين !! فما كان أغناه عن ذكرها لو اقتصر في التخريج
على قوله: ((رواه أحمد ومسلم)) كما هي عادته عن هذا الكتاب وغيره !
وبعد هذا فإنه تبين للقراء خطأ جديد الأستاذ البوطي في تخريجه المذكور
وهو أنه عزا الحديث لرواية أحمد ومسلم من حديث أبى هريرة ، وهو عندهما
عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري ، على الشك كما بينته، وكذلك عزاه
ابن كثير إليهما .
٩٠
٠٫٠
٠
٠٠

i
1
٦
1
١٣ - ذكر (ص ٥٠٢) الحديث المتفق عليه: لعنة الله على اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقال عقبة: كأنه مواقع يحذر المسلمين من أن
يصنعوا صنيعهم به.
قلت هذا القول من الدكتور ينبىء العالم بالحديث بأحد أمرين: إما ان
الدكتور من الجهل بحيث لا علم له بالحديث ، أو انه يتعمد تحريف رواية الحديث،
ذلك أن التحذير المذكور الذي جعله الدكتور من قوله، هو من تمام الحديث المتفق
عليه، وهو من حديث عائشة وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، فقدقالا عقب الحديث مباشرة
(((يحذر ماصنعوا)). هكذا أخرجه البخاري (٤٢٢/١و ٣٨٦/٦و ٢٢٧/١٠ - فتح
الباري) ومسلم (٦٧/٢) والدارمي (٣٢٦/١) وأحمد (٢١٨/١) وصرح هذا
أنه من قول عائشة رضي الله عنها، وهذه فائدة فاتت الحافظ ابن حجر التنبيه عليها
فقال في ((الفتح (٤٢٣/١):
((قوله: ((يحذر ما صنعوا)) جملة أخرى مستأنفة من كلام الراوي، كأنه
سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت ، فأجيب إلى ذلك)).
فإذن قوله: ((يحذر ماصنعوا )) من كلام راوي الحديث كما صرح الحافظ ،
وهو عائشة رضي الله عنها ، كما في رواية أحمد ، فكيف جعلها الدكتور من
كلامه هو ?! وصنعه هذا يذكرني بنوع من أنواع جرح رواة الحديث وهو
المعروف بسرقة الحديث؛ كان الراوي يبلغه حديث يرويه بعضهم فيوقه منه
وير كب عليه إسناداً من أسانيده، ثم يرفعه إلى النبى صدرحية ، أمما الدكتور،
فقد نسب ما في الحديث إلى نفسه ! إلا أنني لا أستطيع ان اجزم بأنه تعمد ذلك
ليقيني أن محفوظاته الأحاديث النبوية قليلة جداً، فمن المحتمل احتمالا قوياً أنه
لا يعلم أن في الحديث تلك الجملة: (ويحذر ماصنعوا)) ، فشرحه من عندياته !على أن في
قول الدكتور:«كأنه منير الله يحذر) تشكيكاً واضحاًمنه في أنه من وأراد التحذير،
٩١
..--
٠٠٠
i
::.
73
٦

وهذا مخالف مخالفة صريحة لجزم السيدة عائشة بذلك بقولها: ((يحدر ماصنعوا))،
كيف لا والشاهديرى ما لا يرى الغائب؟ كما قال صديقي. (١) فتأمل ما يضع الجهل
بالحديث من التحريف والتبديل للنص الصحيح الصريح .
١٤ - قال ( ص ٥٢١) وهو يسرد الوجوه الدالة على مشروعية زيارة قبره
صلى الله عليه وسلم .
(« الوجه الثاني مايثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة
قبره فَ اله والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة. روى ذلك الأئمة
الأعلام وجماهير العلماء بما فيهم ابن تيمية رحمه الله)).
أقول : هذا كذب على الأئمة الأعلام ، وبخاصة ابن تيمية شيخ الاسلام ،
فإن أحداً منهم لم يرو عن المذكورين زيارتهم القبر الشريف كلما مروا على الروضة
فضلا عن أن ينقلوا الاجماع عليه ! !بل نص الإمام مالك على كراهة ذلك. وأقوال
العلماء الشاهدة لما أقول كثيرة، اجتزىء منها على قولين اثنين: أحدهما لابن
قيمية المفترى عليه ، والآخر للامام النووي باعتباره من أئمة الشافعية الذين يقدم
الدكتور البوطي !
١ - أما ابن تيمية فأقواله كثيرة جداً في هذا الصدد وإليك نصين منها:
الأول قوله: ((ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر، ولا يقفون عنده
خارجاً ، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلاً ونهاراً ، وكانوا يقدمون من الأسفار
للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة
وعند دخول المسجد والخروج منه ولا يأتون القبر، إذ كان هذا عندهم ما لم
بأمرهم به ولم يسنه لهم، وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند
دخولهم المساجد ، وغير ذلك ، ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه
عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضاً . فلهذا رأى من رأى
من العلماء هذا جائزاً اقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم . وابن عمر كان يسلم
(١) قلت وهو مخرج عندي في ((الأحاديث الصحيحة)) برقم (١٩٠٤).
٩٢

1
.ليـ
ثم ينصرف ولا يقف، يقول: السلام عليك يارسول الله ، السلام عليك يا أبا بكم
السلام عليك ياأبت ، ثم ينصرف . ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن
عمر ، بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ، ويرجعون ، ولا يفعلون ذلك،
إذ لم يكن هذا عندهم سنة سنها لهم. وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم
يسافرن إلى الحج ، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصامن بذلك . وكانت
أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) على
عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجاً من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصفون خلف
أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم الى داخل الحجرة، ولا يقف
في المسجد خارجاً منها، لالدعاء ولا لصلاة ولالسلام ولا لغير ذلك، وكانواعالمين
بسنته كما علمتهم الصحابة والتابعون)).
كذا في كتابه ((الجواب الباهر في زوار المقابر)) (ص ٦٠ - الطبعة السلفية).
الثاني : قوله في رده على الأخنائي ( ص ٤٥ ) :
((وأما ما يظن أنه زيارة قبره صي الله مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام
والدعاء فهذا لا يستحب لأهل المدينة، بل ينهون عنه ، لأن السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - الخلفاء الراشدين وغيرهم - كانوا
يدخلون الى مسجده للصلاة الخمس وغير ذلك ، والقبر عند جدار المسجد، ولم
يكونوا يذهبون آليه ، ولا يقفون عنده، وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء
ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر السلام أو غيره
لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك اذا دخلوا المسجد للصاوات
الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله
عنهم ، فأنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد ، وكان الناس يقدمون من الأمصار
يصلون معهم. ومعلوم أنه لو كان مستحباً لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو
يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر. لكن
مالك وغيره خصوا من ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر ، قال القاضي عياض :-
٩٣

قال مالك: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي
صَّ له فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناساً من أهل
المدينة لا يقدمون من سفر ، ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ،
وربما وقفوا في الجمعة وفي الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر
يسلمون وبدعون ساعة ؟ فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع
ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها
أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده)).
٢ - قال النووي ((في كتابه) مناسك الحج)) (٢/٦٩ - مخطوط):
((كره مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف على
القبر . قال وإنما ذلك للغرباء . قال : ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر
أن يقف عند قبر النبي صَّ لل فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي
الله عنهما . قال الباجي : فرق مالك بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا
ذلك، وأهل المدينة مقيمون بهــا، وقد قال صَ لّه اللهم لا تجعل قبري
وثناً يعبد ».
قلت : وهذه الأقوال من الإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية، صريحة
فى إبطال الإجماع الذي نقله البوطي ، بل هي ناطقة بعدم مشروعية ماذكره،
وأنه كذب على العلماء عامة، وابن تيمية خاصة فيما عزاه إليهم من الرواية .
فماذا يقول المنصف المتجرد في مثل هذا الانسان الذي لا يبالى بما يخرج من
فيه. فإلى الله المشتكى.
ثم قال الدكتور: ((الوجه الثالث: ماثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره
حَ لّه منهم بلال رضي الله عنه رواه ابن عساكر بإسناد جيد)).
قلت فيه أمور :
أولاً : أنه أبهم على القراء نص رواية ابن عساكر واكتفى بالإشارة إليها ،
٩٤

-
-------
لأنه لو ساقها بتمامها لتبين للناس بطلانها، ولو لم يقفوا على ضعف إسنادها،
فكان لابد لي من أن أسوق الرواية ليتيقن القراء الكرام معنا أن الدكتور
لا يجري فيما يكتب على منهج علمي محقق ، وانما هو الهوى والغرض وعلى القاعدة
المزعومة ((الغاية تبرر الوسيلة))! فروى الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري
(ج ٢ ق ١/٢٥٤) بإسناده عنه قال : حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان
ابن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال ( فذكر قصة قدوم بلال إلى الشام
في عهد عمر ثم قال ) :
(( ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي صَ لّه وهو يقول له، ماهذه الجفوة يا
بلال ! أما آن لك أن تزورني يابلال ؟ فانتبه حزينا وجلا خائفاً ، فر كب راحلته
وقصد المدينة، فأتي قبر النبي صلّى الله فجعل يبكي عنده وبمرغ وجهه عليه،
وأقبل الحسن والحسين ، فجعل يضمها ويقبلها ، فقالا له : يابلال تشتهي نسمع
أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله صَ لّه في السحر، ففعل، فعلا سطح
المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: ((الله أكبر)) عجت المدينة،
فلما أن قال: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) زاد عجيجها، فلما أن قال: ((أشهد أن محمداً
رسول اللّه)، عَّ له خرج العوائق من خدورهن، فقالوا: ((أبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله صَ لّه من
ذلك اليوم» .
قلت : فهذه الرواية باطلة موضوعة، ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه
عديدة أذكر أهمها :
٠
١ - قوله: ((فأتى قبر النبي وَي فجعل يبكي عنده)) فإنه يصور لنا أن
قبره في كان ظاهراً كسائر القبور التي في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه !
وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي ء في حجرة عائشة رضي
٩٥

الله عنها وبيتها الذي لا يجوز لأحد أن يدخله الا بإذن منها، كذلك كان الأمر في
عهد عمر رضي الله عنه ، فقد ثبت أنه لما طعن رضي الله عنه أمر ابنه عبد الله أن
يذهب الى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك
فإني أحب أن أدفن مع صاحبي . فقالت : ان ذلك لا يضرني ولا يضيق علي . قال:
فادفنوني معهما. أخرجه الحاكم (٩٣/٣).
ثم أخرج (٧/٤) باسناده الصحيح عنها قالت ((كنت أدخل البيت الذي دفن
معها عمر والله مادخلت إلا وأنا مشدود علي ثيابي حياء من عمر رضي
الله عنه )).
ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها، بل إلى آخر قرن ثم
الصحابة رضي الله عنهم ثم أدخلوا البيت وضموه إلى المسجدلتوسعته، فصار بذلك في المسجد على
النحو المشاهد اليوم، فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي صلّى الله لمامات دفنه الصحابة
في المسجد-وحاماهم من ذلك وإنما فنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ماذكرنا، خلافاً لما
يظنه كثير من الجهال ومنهم واضع هذه القصة، الذي أعطى صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذ
والصحابة رضي الله عنهم كما شرحه شيخ الاالإسلام وغيره من المحققين، وذكرت
طرفاً منه في كتابي (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))، فليراجعه
من يشاء .
٢ - قوله: ((ويمرغ وجهه عليه)). قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة
وجهل واضعها ، فانه يصور لنا أن بلالاً رضي الله عنه من أولئك الجهلة الذين
لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأوا القبور ، فيفعلون عندها ما لا يجوز من
الشركيات والوثنيات ، كتلمس القبر والتمسح به وتقبيله ، وغير ذلك مما هو
مذكور في محله ، وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهة ، الذين لاعلم عندهم بالكتاب
والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم من يسايرون العامة على أهوائهم، ويبررون لهم كثيراً
من ضلالاتهم .
ولقد أعجبني حقاً أن لا يكون الدكتور البوطي منهم في هذه المرة ، فقد
٩٦

رأيته يقول في آداب زيارة قبره صَّ ◌َلَّهِ (ص ٥٢٣) :.
(( فإياك أن تهجم عليه، أو تلتصق بالشبابيك، أو تتمسح بها كما يفعل كثير
من الجهال ، فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة )).
أ.
فهذا القول من الدكتور على مافيه من التردد في حكم ماذكر ممايدل على أنه لم
يفقه بعد قوله ◌ِيّ اله: ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) يدل دلالة واضحة على
أنه لا يمكن أن يعتقد أن بلالاً مرغ وجهه على قبر النبي صَّ اله، وهو الحق، وحينئذ.
فكيف يحتج الدكتور برواية ابن عساكر هذه وفيها هدا المنكر باعترافه !!
الحق أن الدكتور لا يريد التحقيق ، ولو أراده لما أمكنه ! لانه لا يملك الوسائل
التي تمكنه من ذلك ، فهو يأخذ من الروابة الواحدة ما يشتهي ويحتج به، ويعرض
عما لا يشتهي بل وينكره !! وإلا فماذا يقول الدكتور لمن قد يحتج عليه من المبتدعة
والمتفقهة برواية ابن عساكر هذه على جواز التمرغ بالقبر الشريف، وهو نفسه.
قد احتج بها وقواها !!
٣ - قوله: ((خرج العوائق من خدورهن ... )) الخ كلام شعري خيالي.
ظاهر الوضع، وإلا فما علاقة خروجهن بسماعهن الشهادة الأخرى وقولهن «أبعث
رسول اللّه عَتك٣))! من أجل ذلك جزم الحافظ ابن حجر بأن هذه القصة.
موضوعة كما يأتي .
ثانياً: قول اليوطي: ((رواه ابن عساكر بإسناد جيد)).
فأقول : فيه مؤاخذتان :
الأولى: أن هذا التجويد ليس من علم الدكتور واجتهاده ، لأنه لا علم عنده
مطلقا يؤهله لاصدار مثل هذا الحكم، كما عرف القراء من المقالات السابقة ، وأن
كان هذا الحكم خطأ في ذاته كما يأتي، فكان من الواجب عليه أن يعزوه إلى
من نقله عنه، لكي لا يتشبع بما ليس له لقوله متخالية، ((المتشبع بما لم يعط
كلابس ثوبي زور ) متفق عليه .
٩٧
٢ - ٧
i
٠
:
- -

الثانية أن القول المذكور إنما هو للشيخ السبكي الشافعي قاله في كتابه
(((شفاء السقام في زيارة خير الأنام)) وقد رده عليه الحافظ المحقق محمد بن عبد
الهادي الحنبلى في كتابه العظيم: ((الصارم المنكي في الرد على السبكي))
(ص ٢١٠ - ٢١٥) وأطال النفس فيه بما حاصله أن إسناده لا يصلح الاعتماد
عليه ولا يرجع عند التنازع اليه عند أحد من أئمة هذا الشأن . وسأبين علته قريباً
إن شاء الله تعالى، فهل الدكتور على علم بهذا ومع ذلك آثر عليه قول السبكي
لالشيء إلا لأنه شافعي المذهب مثله، أم انه لم يعلم به مطلقاً ? الأمر كما قبل
فان كنت لا تدري
الثالثة : أن إسناد القصة أبعد ما يكون عن الجودة ، فانه عند ابن عساكر
كما سبق - من رواية إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال ...
وهذا إسناد مظلم فيه مجهولان :
الأول : سليمان بن بلال ، قال الحافظ ابن عبد الهادي: ((غير معروف ،
بل هو مجهول الحال ( كذا الاصل ) قليل الرواية ، لم يشتهر بحمل العام ونقله ،
ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمنا، ولم يذكر البخاري ترجمته في كتابه ، وكذلك
ابن أبي حاتم ، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء)).
قلت فهو مجهول العين، وما في الأصل (( مجهول الحال)) لعله خطأ مطبعي،
أو سبق قلم من المؤلف رحمه الله تعالى. وتبعاً للبخاري وابن أبي حاتم لم يذكره
الذهبي في ((الميزان)) ولا الحافظ في ((اللسان)).
والآخر : إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال ، قال الحافظ ابن عبد الهادي
((شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة، بل هو مجهول غير معروف
بالنقل ، ولا مشهور بالرواية ، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض ، روى عنه
هذا الأثر المنكر ).
وأورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال: ((لا يعرف)) وقال في ((الميزان))
(((فيه جهاله، حدث عنه محمد بن الفيض الغساني)).
٩٨
:
--

2
:.
!E
وأقره الحافظ ابن حجر في ((اللسان)، وزاد عليه ، فقال :
((ترجمه ابن عساكر أم ساق من روايته عن أبيه عن جده عن الم الدرداء
عن أبي الدرداء في قصة رحيل بلال إلى الشام، وفي قصة مجيئه الى المدينة وأذا نه
بها وارتجاج المدينة بالبكاء لأجل ذلك ، وهي قصة بينة الوضع)).
قلت : وقد أشار الى ضعف هذه القصة كل من الحافظين المزي ، وابن كثير.
أما الأول ففي ترجمة بلال في كتابه ((تهذيب الكمال، والآخر في ترجمته من
كتابه (البداية)) (١٠٢/٢)، فرؤلاء خمسة من الحفاظ المشهورين - وكلهم
شافعية من حظ البوطي ! - الا ابن عبد الهادي جزموا بعدم صحتها مابين
مصرح بالوضع ومضعف ، يقابلهم السبكي وحده الذي جود إسنادها ، والنقد
العلمي يقطع بوهمه ؛ إن لم يقل باتباعه لهواه ، ومع هذا. قلده فضيلة الدكتور
دون أولئك ! ماذا يقول كل متجرد عن الهوى منصف في هذا الدكتور الذي
يؤلف في السيرة، ويقرر أحكاماً شرعية ، وهو لا يحسن الاتباع ولا التقليد !!
فاللهم هد ك .
(تنبهان ) :
الأول : محمد بن سليمان بن بلال ترجمه الحافظ ابن عبد الهادي (ص ٢٢٤)
بما يؤخذ منه أنه مجهول الحال ، لكني وجدت ابن أبي حاتم روى في «الجرح
والتعديل )) (٢٦٧/٢/٣) عن أبيه أنه قال فيه: (( ما يحديثه بأس)). وبذلك
تجنبت إعلال القصة به أيضا .
والآخر: أورد البوطي رواية ابن عساكر السابقة عن بلال محتجا بها على
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في مخالفته - بزعم البوطي - الاجماع القائل
بمشروعية زيارة قبره عليه الصلاة والسلام ، وهي قرية على شيخ الاسلام ابن
تيمية رحمه الله تعالى حمل رايتها الشيخ الأخنائي والسبكي وغيرهما قديما ،
وزيني دحلان وأمثاله في محاربته لمجدد دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله
عليه ومن تبعهم عليها من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم البوطي المسكين ،
فقال ( ص ٥٢٠) :
٩٩
!
٢

((( واعلم أن زيارة مسجده وقبره صَ لّع من أعظم القربات إلى الله عز وجل
أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا لم يخالف في ذلك
إلا ابن تيمية غفر الله له. فقد ذهب إلى أن زيارة قبره صَّ الّ غير مشروعة)).
ثم استدل على الاجماع المذكوربوجوه أربعة منها رواية ابن عساكر ، ثم قال :
(« فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية رحمه الله من دفعه هذه الأوجه في.
غير ما دافع، والقول بأن زيارة قبره صَ لّه غير مشروع)).
قلت : وهذا كذب وافتراء عظيم من هذا الدعي على شيخ الاسلام رحمه
الله تعالى ، فكتبه وفتاويه طافحة مصرحة بمشروعية زيارة قبور المسلمين عامة،
وزيارة قبره عليه الصلاة والسلام خاصة ، كما يعلم ذلك كل من اطلع على شيء من
كتب الشيخ ودرسها، ومن ذلك كتابه ((الرد على الاخنائي))، وهو من
المعاصرين للشيخ الذين ردوا عليه بظلم مقروناً بالافتراء عليه، ومن ذلك هذه
التهمة التي تلقفها البوطي عنه أو عن أمثاله من المفترين الكذابين ، دون أن
يرجع إلى بعض كتب الشيخ ليتبين حقيقة الأمر ، فقد قال الشيخ رحمه الله في
أول ((الرد على الاخناني ، بعد أن ذكر فريته المذكورة عليه:
((والمجيب ( يعني نفسه) قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونه باستحباب زيارة
القبور ، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء
أحد، ويذكر زيارة قبر النبي بس ده إذا دخل مسجده والأدب في ذلك)).
وقال في أول كتابه (( الجواب الباهر في زوار المقابر)) ( ص ١٤) :
((قد ذكرت فيما كتبت من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما
يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب، وذكرت السنة في
ذلك، وكيف يسلم عليه، فهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين ... ))
وقد شرح هذا ابن عبد الهادي في رده على السبكي ، فليراجعه من ثاء
الزيادة ، فماذا يقول القائل في الدكتور البوطي وفريته هذه ! هل لم يطلع على
١٠٠