النص المفهرس
صفحات 1-20
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد ، فهذه تعليقات سريعة على أحاديث كتاب ((فقه السيرة)) تأليف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في جزأين، طبع دار الفكر الحديث في لبنان . قال في المقدمة : (وبعد فهذه ابحاث في فقه السيرة النبوية، كنت ألقيتها محاضرات على طلاب السنة الاولى - والثانية - بكلية الشريعة في جامعة دمشق)). أقول : لقد كان من أقوى الحوافز على دراسة هذا الكتاب - مع ضيق الوقت، وضعف الرغبة في قراءة مؤلفات المعاصرين - أنني رأيت مؤلفه الفاضل يقول فى مقدمة الجزء الثاني منه ( ص٣ ) : (( ولقد سلكت فيه الطريقة التي سلكتها في الجزء الأول فأفردت أبحاث السيرة ، على شكل نصوص، اعتمدت فيها أولاً على صحاح السنة، ثانياً على ماصح من أخبار السيرة في كتبها ، وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد)) . فلما قرأت هذا استبشرت خيراً، وقلت في نفسي: إذا صدق الخبر الخبر فلا شك ان الدكتور بكتابه هذايكون قد طرق باباًجديداً من التأليف في سيرة النبي صَّ الله، وهو اختيار الروايات التي صحت فيها من كتب الحديث والسيرة، ولازمه الإعراض عن ذكر ما لم يصح منها على طريقة علماء الحديث ونقاده. وهذا أمر هام جداً، فان ما ألف في السيرة النبوية الكريمة حتى الآن يعد بالألوف ١ ٠٫٠ ٠٠٠ Hi ١ -- كما قال العلامة السيد سليمان الندوي في كتابه القيم («الرسالة المحمدية) (١) (ص ٦٥) ومع ذلك ، فاني لا أعلم في كل ما ألف من ذلك، من نحا هذا المنحى من الاختيار الذي ذكر فضيلة الدكتور أنه سلكه في هذا الكتاب، ولطالما راودتني نفسي أن أسلك هذا السبيل فأضع كتاباً جامعاً تحت عنوان ((صحيح السيرة النبوية)) على نحو ما جريت عليه في (صحيح سنن أبي داود)) وغيره مما أنا في سبيله الآن ، ولكن الفرصة لم تسنح لي حتى هذه الساعة للقيام بمثل هذا الواجب ، فلما قرأت عبارة الدكتور السابقة ظننت أنه قد قام بالواجب وتحقق الرجاء . وكيف لا يكون ذلك واجباً، وسيرته ص ٣ إنما هي ((صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دستوراً يتمسك به ويسير عليه ، ولا ريب أنه مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة ، فإنه واجد كله في حياة رسول الله صَّ الله على أعظم ما يكون الوضوح والكمال. ولذا جعله الله قدوة للانسانية كلها فقال: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) - الأحزاب ٢١)). كما قال الدكتور في مقدمة كتابه ( ص ٧ - ٨) ولكن هل استطاع الدكتور ان يحقق الرجاء، أو على الأقل أن يحصر اعتماده فيما نقله من النصوص على ما صح منها في كتب السيرة ، ودواوين السنة التي سماها ((صحاح السنة)? ذلك ما أريد ان أبط الكلام فيه الآن في هذه العجالة، راجياً المولى سبحانه وتعالى أن يسدد خطانا، ويلهمنا الصواب والاخلاص في أقوالنا وأفعالنا . ١ - لقد استرعى انتباهي قوله تحت عنوان ((مصادر السيرة النبوية)) ( ١١/١ ) : (١) وهي ثماني محاضرات في السيرة النبوية ورسالة الاسلام، كان القاها في جامعة مدراس بالهند. وهي ذات فوائد هامة تدل على غزارة علم المؤلف رحمه الله تعالى وجزاء خيراً ٢ - السنة النبوية الصحيحة : وهي ما تضمنتها كتب أئمة الحديث المعروفين بصدقهم وأمانتهم، كالكتب الستة وموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد(١). فأقول : إن ما تضمنته الكتب المذكورة وغيرها - باستثناء الصحيحين - : ليس كل ما فيها من الحديث صحيحاً . بل منه الصحيح، والحسن والضعيف ، . وفي بعضها الموضوع أيضاً، كما هو معلوم عند أهل العلم بالحديث الشريف، ويأتي قريباً ذكر بعض النصوص المؤيدة لذلك مما ذكروه في ((علم مصطلح الحديث)) وعلى ذلك فقول الدكتور في السنة الصحيحة: «هي ما تضمنته كتب ائمة الحديث.)) تعميم غير صحيح، ولقد وددت أن أقول: لعله سبق قلم منه، وأنه لم يرد هذا لعموم الظاهر منه، والمعروف بطلانه بداهة وددت ذلك ، ولكني لم أجد في كلماته الاخرى، وفي المنهج الذي جرى عليه عمليا ، ما يساعدني على ذلك، فقدسبق قولهوهو يتحدث عن طريقته في الكتاب: ((اعتمدت فيها على صحاح السنة)) فقوله ((صحاح)) بصيغة الجمع بدل ((الصحيحين والسنن الأربعة)، كما هو التعبير العلمي الصحيح - مما يشعر الباحث بان الكتب التي تجمع الأحاديث الصحيحة فقط ليست محصورة عنده (١) ثم تبين لي ان الدكتور البوطي، قلد في هذا الكلام الدكتور السباعي رحمه الله تعالى . فقد قال هذا في كتابه ((مذكرات في فقه السيرة» ( ص ١٠): (تنحصر المصادر الرئيسية المعتمدة للسيرة على أربعة مصادر .... القرآن الكريم ، ثم السنة الصحيحة التي تضمنتها كتب أئمة الحديث، المعترف بصدقهم، والثقة بهم . وهي الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود ، والنسائي، والترمذي وابن ماجه، ويضاف اليها. ((الموطأ)) للامام مالك، و((مسند الإمام أحمد))، فهذه الكتب في الذروة العليا في الصحة ، والثقة والتحقيق. اما الكتب الأخرى، فقد تضمنت الصحيح والحسن ، وفي بعضها الضعيف أيضاً ، ! 1: ٣ بـ ((الصحيحين)) من بين الكتب الستة. ولا يقال أيضاً: لعله سبق قلم منه، لأننى رأيته أعاد هذا القول ((صحاح السنة)) في مكان آخر من كتابه (ج١ ص ١٥). وهو يعني بذلك الكتب الستة بل لعله يعني معها ((الموطأ) و((المسند))، فقد قرنها معها في هذه الكلمة التي نحن في صدد نقدها . ومما يؤيد ذلك قوله المتقدم: ((اعتمدت)) فيها أولاً على صحاح السنة ، ثانياً على ما صح من أخبار السيرة. فهذا نص منه فيماذكر لأنه صرح بأن أخبار السيرة فيهاما لا يصح ، فاعتمد هو - بزعمه - على ماصح منها. ولو كانت كتب السنة عنده مثل كتب السيرة في احتوائها على ما صح وما لم يصح ما كان به حاجة إلى هذا التقسيم والتفريق: (( .... صحاح السنة))(٠٠٠٠ ما صح من أخبار السيرة ))! ولقال مثلًا: اعتمدت فيها على ما صح من كتب السنة والسيرة . فهذا التفريق منه دليل قاطع على أنه يعني ما ذكرنا من أن السنة الصحيحة ليست مختصة بـ(الصحيحين) فقط! بل السنن الأربعة من صحاح السنة أيضاًبز عمه! فهل الأمر كذلك ? ذلك ما -أبينه قريباً، ولكني بياناً للحقيقة أقول: إن الدكتور ليس هو أول من أتى بمثل هذا الاطلاق ، بل هو مسبوق اليه فهذا هو العلامة سلمان الندوي يقول في كتابه ((الرسالة المحمدية)) ص ٦٣: ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة الصحاح ! وهذا الاطلاق شائع في الهند جداً ، وسمعته كثيراً من بعض طلابها في الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة ومن غيرهم أيضاً ، ثم تبعهم على ذلك فضيلة الدكتور، وبنى كتابه على هذا الاطلاق فهل هو صحيح !! والجواب : لا ، وهاك البيان : إن هذا الاطلاق خطأ محض ، ذلك لانه يخالف الواقع في هذه الكتب ما عدا الصحيحين كما قرره العلماء بهذا العلم في كتبهم، ولقد كان له آثار خطيرة في صرف المؤلفين المحدثين عن نقد الأحاديث الواردة فيها بزعم أنها من الصحاح ! وهذا ما وقع فيه الدكتور نفسه ، فنجده يكتفي بعزو الحديث إلى بعض السنن ، فلا فرق عنده بين حديث رواه البخاري أو مسلم ، وبين آخر رواه أبو داوود أو غيره من أصحاب السنن !مع أن الواجب النظر في أحاديث السنن لورود ٤ is 1 الأحاديث الضعيفة فيها، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((التقريب)): ((واما تقسيم البغوي أحاديث المصابيح إلى حسان وصحاح مريداًبـ (الصحاح) ما في الصحيحين و بـ«الحسان)) ما في السنن فليس بصواب، لأن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر)). وقال السيوطي في شرحه : (ومن أطلق عليها الصحيح كقول السِّفي في الكتب الخمسة ( يعني الستة ما عدا ابن ماجه): اتفق على صحتم، علماء المشرق والمغرب. وكاطلاق الحاكم على الترمذي ((الجامع الصحيح))، وإطلاق الخطيب عليه وعلى النسائي اسم ((الصحيح)) فقد تساهل)) قال في ((ألفيته)): ثم الضعيف حيث غيره فقد يروي أبو داود أقوى ما وجد تركاله، والآخرين ألحقوا والنسئي من لم يكونوا اتفقوا ماز بهم فان فيهمو وهن بالخمسة ابن ماجه ، قيل : ومن صحيحة ، والدارمي والمنتقى تساهل الذي عليها اطلقا منها الذي لأحمد والختظلي ودونها مساند ، والمعتلي قلت : ولا أدل على بطلان هذا التقسيم والاطلاق من كون الترمذي نفسه قد صرح في سننه بتضعيف عشرات بل مئات الأحاديث ، وكشف عن علمها، فكيف يصح أن يوصف كتابه بـ ((الجامع الصحيح)، او يحكم على كل حديث فيه بأنه حسن !! ونحو هذا يقال في سنن أبي داود وسنن النسائي، فانهما يتكلمان على بعض الاحاديث أحيانا، ويضعفانها. واما ماضعفه العلماء من احاديث الكتابين فحدث ولاحرج ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، ومن شاء الوقوف على طائفة منها فليراجع كتبنا: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) و(تخريج مشكاة المصابيح) واخيراً كتابنا ((نقد نصوص حديثية للشيخ منتصر الكتاني)). وأما(( الموطأ) للامام مالك، فهو مع جلالته ، لا يخلو من كثير من الأحاديث المرسلة والمعضلة، وبعضها ما لم يوجد له أصل أصلًا كحديث ((إني لا أنسى ولكن الجبا - ٥٠,٠ : انسى))(١) وبعضها وجد له أصل عند بعض المحدثين وفيه الصحيح والضعيف، فلا بد من التحري. ولذلك قال السيوطي في (التدريب ص ٥٤)): «صرح الخطيب وغيره بان الموطأ مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد فعلى هذا هو بعد ((صحيح الحاكم)) ... وأحصيت مافي (موطأمالك) وما في ((حديث سفيان بن عيينة))، فوجدت في كل واحد منهما من المسند خمسمائة ونيفا مسنداً، وثلاثمائة مرسلا ونيفا، وفيه نيف وسبعون حديثاً ، قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيها أحاديث ضعيفة ، وهاها جمهور العلماء». قلت : وهذا هو الصواب الذي يشهدبه كل عارف بهذا العلم، درس احاديث الموطأ دراسة علمية عن كثب ، وكل ما قديقال على خلافه فهو مردود بشهادة الواقع والنقد العلمي الصحيح . واما مسند الامام أحمد ، فهو لغزارة مادته تكثر فيه الاحاديث الضعيفه، وهذا مما لا خلاف فيه عند أهل العلم . قال الحافظ العراقي : واما وجود الضعيف فيه فهو يحقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء . ذكره السيوطي في كتابه ( ص ١٠٠) . ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه رد في كتابه «القول المسدد في الذب عن المسند) قول من قال بأن في المسند أحاديث موضوعة . قلت : فهذا موضع خلاف وبحث ، ولشيخ الاسلام ابن تيمية فيه رأي وسط لا داعي لذكره الآن ، والقصد بيان ان وجود الأحاديث الضعيفة في المسند أمر متفق عليه بين حفاظ الحديث، وقد كشف عن ذلك كشفا عملياً دقيقاً العلامة أحمد شاكر فيما علقه على المسند الجديد في طبعته ، رحمه الله تعالى وجزاء خيراً . (١) انظر الكلام عليه وبيان أنه معارض الأحاديث الصحيحة في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)، رقم (١٠١) ٦ ٢ - قوله : اعتمدت فيها أولاً على صحاح السنة . أقول: سبق بيان خطأ هذا الأطلاق ((صحاح السنة)) على الكتب الستة والموطأ والمسند التي اعتمد عليها فضيلة الدكتور . فاريد أن أبين الآن حقيقة أخرى ظهرت لي من تتبعي الأحاديث الكتاب وهي : = إن مجموع أحاديث الكتاب بجزأيه ما عدا أحاديث ((الصحيحين)) أحد عشر حديثاً ! اثنان منهما في الجزء الاول ، والبقية في الجزء الآخر، لمالك منها حديث واحد فقط لا غير مع أنه عزاه البخاري فهذا يغنيه عن عزوه اليه في مثل كتابه ! ولا حمد ثلاثة ! اثنان منها ضعيفان احدهما لا وجود له عنده في مسنده مع ضعفه! والبقية لأصحاب السنن منها اثنان ضعيفان، أحدهما للترمذي، والآخر لا بي داود فهذا العدد الضئيل بالنسبة لحجم الكتاب ، مع أن ثلثه ضعيف، هل يستحق التقدمة له بهذا القول: ((اعتمدت فيها على صحاح السنة)) .!! فإن كل من يقرأ هذا في المقدمة يتوهم أن الكتاب غني المادة من أحاديث هذه الكتب ، وعند التحقيق لا يجد فيها إلا هذا العدد المحدود ! وأما الاحاديث الضعيفة الأربعة فهي : الأول . قال ص ٢١٦: ((وقال له بعض الصحابة: يارسول الله ادع الله على ثقيف ، فقال اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم. رواه ابن سعد في ((الطبقات))، وأخرجه الترمذي في سنته ، وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكناني عن الأشهب عن الحسن ) ؟ ١ ـا. وعلة الحديث عنعنة أبي الزبير عند الترمذي ، وقد كنت خرجته في «تخريج فقه السيرة للغزالي )) ( ص ٤٣٣ الطبعة الرابعة) فلا أعيد القول في تخريجه . ونأخذ على الدكتور في تخريجه لهذا الحديث أموراً : ٧ أولاً : عزوه لابن سعد بعد الترمذي يوهم نه لم يخرجه من هو أعلى طبقة منه ، وممن اعتمدهم في كتابه ، وليس كذلك، فقد أخرجه أحمد ولكن إسناده منقطع ، كما بينته في المصدر السابق . ثانياً : كان ينبغي أن يذكر في تخريجه إياه قول الترمذي فيه (((حسن صحيح))، لأنه أقوى لتخريجه، ولعله لم يذكر ذلك اعتماداً منه على أن مجرد العزو للترمذي كاف لتصحيحه لكونه من ((الصحاح)) عنده! نقول هذا تنبيها على الطريقة الفضلى في التخريج وإن كنت لا أوافق الترمذي على قوله هذا العلة السابقة الذكر في إسناده . ثالثاً: قوله: (( رواه ابن سعد في الطبقات .... وقد رواه ابن سعد .... )) تكرار مخل في التصنيف، لاسيما وهو في التعليق الذي لا يتحمل التطويل فضلا عن التكوير : رابعاً: قوله: ((وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب عن الحسن)). خطأ صوابه كما في أول ((غزوة رسول الله صَّ له الطائف)» منْ ((طبقات ابن سعد)) (١٥٩/٢ - طبع بيروت): وعن عمرو بن عاصم الكلابي أخبرنا أبو الأشهب ، أخبرنا الحسن ». خامساً : إن هذا الاسناد عند ابن سعد ليس لهذا اللفظ من الحديث بل هو بلفظ: ((إن الله لم يأذن في ثقيف)). وأما لفظ الترجمة فهو عنده قبيل هذا بدون إسناد ، فلا فائدة حينئذ من العزو إليه . سادساً : هو باللفظ الآخر ضعيف أيضاً ، لأنه مرسل ، والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند أهل الحديث ، لاسيما إذا كان من مراسيل الحسن وهو البصري، فقد قال فيها بعض الأئمة: ((مرسلات الحسن البصري كالريح! » . ٨ I' الحديث الثاني : قال ( ص ٢٣٢): ((روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ، وأصابهم عطش شديد ، حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها. رواه ابن سعد في طبقاته ٢٢٠/٣)). قلت : فيه أولاً: أن إطلاق العزو لأحمد يفيد اصطلاحاً ((مسنده)) وهذا الحديث ليس فيه، ولذلك لم يورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ولو كان فيه لأورده لأنه على شرطه. وقال الحافظ السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٨٦/٣): ((وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ((الدلائل)» عن عبد الله بن محمد بن عقيل (١) بن أبي طالب في قوله : ( الذين اتبعود في ساعة العسرة ). قال .... )) فذكره. فلو كان الحديث في ((مسند أحمد )، لم يدع العزو إليه، إلى عزوه إلى هؤلاء الذين هم دونه . وإن مما يبعد كونه عنده أنه مرسل ، فإن ابن عقيل هذا تابعي على ضعف فيه، قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير بآخره من الرابعة)). و((المسند)) خاص بالموصول من الحديث كما هو معلوم . والدكتور قلد في هذا الاطلاق فضيلة الشيخ محمد الغزالي ، فهو سلفه فيه في كتابه ((فقه السيرة)) (ص ٤٤٠) ، الذي لم يتورع فضيلة الدكتور من أن يطلق هذا الاسم على كتابه أيضاً ، وقد استفاد من (١) الأصل: محمد بن عبد الله بن عقيل . وهو خطأ صححته من (( ابن سعد )) وغيره . السير 2 تخريجنا إياه ، دون أن يشير إلى ذلك كله أدنى إشارة !! وقد كنت بيضت هذا الحديث حين خرجت كتاب الغزالي ، لأني لم أجده في (( المسند))، وأقول الآن: إن الحديث أورده الحافظ ابن كثير في («البداية ، فقال ( ٩/٥ ): (( قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله: ( الذين اتبعوه ساعة العسرة) قال : ، فذكره ورواه ابن سعد (١٧٢ - طبع بيروت ) من طريق أخرى عن معمربه . ولا يقال : فما بال الحافظ ابن كثير قد أطلق العزو أيضاً ؟ لأننا نقول : لما ساق الحافظ الحديث باسناده، وهو مرسل ، كان ذلك قرينة على أنه لا يعني ((مسنده)) لما سبق بيانه ثم ساقه الحافظ من طريق سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن ساعة العسرة ، فقال عمر: فذكره بنحوه دون الآية . وقال: (( إسناده حيد)). قلت : وفيه عندي نظر، لأن عتبة هذا أورده الحافظ في («اللسان» وقال: ((له عن عكرمة ولا يتابع عليه قاله العقيلي)). ووافقه الحافظ على ذلك . لكن لعله قد وثقه ابن حبان أو توبع عليه فقد قال الهيثمي في هذا الحديث ( ١٩٥/٦ ) : (((رواه البزار والطبراني في ((الاوسط))، ورجال البزار ثقات)). قلت : وفيه علة أخرى ، وهي ابن أبي هلال ، قال أحمد : كان اختلط . نعم يمكن أن يقال : إن الحديث قوي بمجموع الطريقين . والله أعلم. وقد رواه ابن حبان في (صحيحه)) كما في ((موارد الظمآن)» (١٧٠٧)، لكن سقط من إسناده عتبة المذكور. فليتنبه . ١٠ ٠٠ أ. الحديث الثالث : قال ( ص٢٥٩) : (( وروى خبر المصالحة على الجزية (يعني مع وفد نجران) أبو داود في كتاب الخراج باب أخذ الجزية ) . قلت : في إسناده أسباط بن نصر الهمداني وهو ضعيف لسوء حفظه، قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق كثير الخطأ)). ومن طريق أبي داود أخرجه الضياء المقدمي في (( الأحاديث المختارة مما ليس في (صحيح البخاري ) و (صحيح مسلم)، (١/١٨٧/٥٨) فاقتضى التنبيه . الحديث الرابع: قال ( ص ٢٦١) وقد ذكر حديث إسلام عدي ابن حاتم مفصلا : ((رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد والبغوي في معجمه بألفاط متقاربة وانظر الإصابة للحافظ ابن حجر : ٤٦١/٢). قلت: رجعت إلى ((الإصابة)) فرأيته قال: ((وروى أحمد والبغوي في ((معجمه)) وغيرهما من طريق أبي عبيدة بن حذيفة قال : كنت أحدث حديث عدي بن حاتم ، فقلت : هذا عدي في ناحية الكوفة فأتيته فقال .... )) قلت: فذكره بنحو سياق كتاب الدكتور وأحضر منه. ثم رجعت إلى ((مسند أحمد)) فوجدت الحديث فيه (٣٧٩,٣٧٨/٤) من الوجه المذكور . وأبو عبيدة هذا لم يَوثقه أحد غير ابن حبان ، وهو لين التوثيق، ولذلك لم يعتمده الحافظ في ((التقريب))، فقال فيه: (( مقبول)) يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص عليه في المقدمة ، ولما كان الحديث لا يعرف إلا من طريقه فهو ضعيف، لا سيما وهو في ((الصحيح)) مختصر بغير هذا السياق كما يأتي . وأما ابن اسحاق فأورده (٢٢٧/٤ - ابن هشام) بدون إسناد ، فلا فائدة من عزو الدكتور إليه ، لأن ابن إسحاق لو ساق الحديث بالسند إلى النبي صَ لّه، ولم يصرح بسماعه إياه من شيخه الذي رواه عنه، لم ١١ يقبل منه لأنه كان مدلساً ، ولذلك ترى العلماء المحققين العارفين بهذا الشأن يعللون مئات الأحاديث بعنعنة ابن إسحاق وغيره من المدلسين ، فكيف يقبل حديثه إذا أعضله ولم يسق إسناده ؟! ولست أدري إذا كان هذا مما خفي على الدكتور ، أم تجاهله لضرورة التأليف! فقد رأيته أكثر من مثل هذا العزو الذي لا فائدة فيه ، وقد مضى بعض الأمثلة منه. نعم قد أخرج البخاري في ((المناقب)) من ((صحيحه)) من طريق أخرى عن عدي آخر الحديث بنحوه . والذي يتلخص من هذا الفصل أن الدكتور ، لم يكن الصواب حليفه حين أطلق: ((صحاح السنة)) على غير الصحيحين من الكتب المتقدمة ، وأننا أثبتنا له ضعف أربعة أحاديث من أصل أحد عشر حديثاً عزاها إليها! فكيف يكون الحال لو أن عددها كان بلغ المائة أو المئات ? لا منك أن نسبة الضعف فيها سيرتفع بنسبة الزيادة فيها ؟ وإذا كان هذا حال أحاديثه التي نقلها من ((الصحاح)) بزعمه فكيف يكون حال الأحاديث الأخرى التي نقلها من كتب السيرة ، وقد أشار إلى أن في هذه الكتب مالا يصح ، وصرح أنه إنما اعتمد على ما صح من الأخبار فيها ? ذلك ما أريد تحقيقه في الفصل التالي إن بناء الله تعالى . ٣ - وقال الدكتور فيما تقدم: ((ثانياً: [ اعتمدت] على ما صح من أخبار السيرة في كتبها، وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك سيرة ابن هشام ، وطبقات ابن سعد)). قلت : كم كنت مغتبطاً لو أن الدكتور كان صادقاً في قوله هذا، وقبل ان أبين مافيه ، أتوجه إلى فضيلته إن سمح بالسؤال الآتي : ماهي القواعد والأصول التي استندت إليها حين حكمت بالصحة على الأخبار التي أوردتها في الكتاب ؟ فإن كانت هي أصولاً أنت ١٢ ت وحدك وضعتها واصطلحت عليها ، فتفضل ببيانها لننظر فيها ونبين لك. بطلانها ، مع ما في ذلك من خروجك عن اتباع الأئمة ، الامر الذي تنكر مادونه على غيرك ممن يتبع الدليل عند اختلافهم ، فما بالك خالفتهم جميعاً؟! وإن كانت هي القواعد المعروفة في علم الحديث الشريف، فاسمح لي ان أقول لك بصراحة: إنك بين أمرين: إما أنك على علم بها، ولكنك لم تلتزمها، بل لم تلتفت إليها إطلاقاً، لتنظر هل تنطبق على الأخبار المشار اليها أم لا؟ وإما أنك لاعلم عندك بها أصلا، واستميح القراء عذراً بهذه المصارحة لأنني تألمت على هذا العلم كل الألم أن يتعدى عليه مثل الدكتور تعدياً لا أعرف له مثيلا فيما علمت ، عشرات الأخبار لا يمكن أن تكون صحيحة على وفق القواعد العلمية . ومع ذلك يقدمها إلى الطلاب على أنها أخبار صحيحة ، فإلى الله المشتكى. وإليك الأخبار التي عزاها إلى بعض المصادر التي ذكرها في كلمته السابقة صراحة وإشارة مما لا يصح إسناده، وأما الاخبار التي أطلقها ولم يعزها إلى أحد، فلم أجد فائدة كبرى في إضاعة الوقت باستقصائها وبيان ما لا يصح منها فأقول : الخبر الأول: قال (٣٦/١): (( قال عليه السلام فيما يرويه عن نفسه : ( ماهممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبينه ، ثم ماهممت به حتى أكرمني الله بالرسالة ، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال : أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفاً ، فقلت : ماهذا ? فقالوا : عرس ، فجلست أسمع ، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس .... ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة، مثل أول ليلة ، ثم ماهمت بعده بسوء ) . ١٣ = رواه ابن الأثير ، ورواه الحاكم عن علي ابن أبي طالب ، وقال عنه صحيح على شرط مسلم . ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر ». قلت : هذا الحديث ضعيف ، واغترار الدكتور بتصحيح الحاكم له على شرط مسلم مما يدل على أنه لاعلم عنده بتساهل الحاكم في التصحيح في كتابه ((المستدرك)) كما هو معلوم لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف، وكتب المصطلح طافحة بالتنبيه على ذلك قال السيوطي في ألفيته : فيه مناكر وموضوع يرد)) (( وكم به تساهل حتى ورد ولذلك وضع عليه الحافظ الذهبي كتابه «التلخيص)) وتعقبه في مئات الأحاديث الموضوعة التي رواها الحاكم في ((المستدرك»، على أنه يشايعه أحياناً على تصحيح بعض الأحاديث ويكون قد نص في بعض كتبه الأخرى على ضعفها . ولهذا الإسناد علتان شرحتها في ((تخريج فقه السيرة للغزالي» (ص ٣٢-٣٣) ونقلت هناك عن الحافظ ابن كثير أنه قال: ((وهذا حديث غريب جداً ، وقد يكون عن علي نفسه يعني موقوفاً عليه)). وأما حديث الطبراني عن عمار ففيه جماعة لا يعرفون كما قال الهيتمي فى ((المجمع))، وذكرته فى ((التخريج)) المذكور. (١) والدكتور عافانا الله تعالى وإياه ، قد وقف عليه ، ومنه لخص تخريجه للحديث إلاقوله : ((رواه بن الأثير)) فهو من عنده، ويعني في تاريخه، وأنا أترفع عن مثل هذا العزو ، لأنه ليس من شيمة المحققين الاعتماد على الأخبار الرسالة والمعضلة التي ترسل إرسالا بدون إسناد، لا سيما إذا كان مثل هذا الحديث الذي لا يتفق مع كماله عَد وعصمته، على الرغم مما وجهه به (١) وأزيدهنا فأقول: إن حديث عمار مخالف لحديث علي فإن فيه : « ... على ميعاديه أما أحدهما فغلبتني عيني، وأما الآخر فحال بيني وبينه سامر قومي » ! ١٤ f ١٠ حضرة الدكتور ( ص ٣٩ - ٤٠) وتأوله به ، فإن التأويل فرع التصحيح، ونحن بحاجة أن ند بعض الثغرات التي ينفذ منها المغرضون على اختلاف مذاهبهم بالنقد العلمي الحديثي الصحيح ، فإذا لم يصح الحديث فلا مبرر حينئذ للتأويل اتفاقاً . الثاني: قال (٦٠/١) : ((ولذا روي أن النبي صَ لّه قال بعد نزول هذه الآية: لا أشك ولا أسأل. رواه ابن كثير عن قتادة)) ! : ۔ طق كذا قال الدكتور المسكين: ((رواه ابن كثير))! ومتى كان ابن كثير راوية ? فان قول المرء: رواه فلان . معناه عند العلماء باسناده ، ولذلك لا يجوز عندهم أن يقال: ((رواه البخاري)) في حديث عنده لم يسق إسناده ، بل يقول إشارة إلى ذلك: ((رواه البخاري معلقاً)). ففي قول الدكتور هذا إيهام للقارىء الذي لاعلم عنده بطريقة ذكر ابن كثير للحديث أنه رواه باسناده ! فالصواب أن يقال: ((قال ابن كثير: قال قتادة: بلغنا أن رسول الله صَّ اللّه قال. فذكره لأنه هو الذي قاله ابن كثير ، ولا إبهام فيه . بل فيه التصريح بأن قتادة بلغه الحديث ولم يسمعه من أحد من الصحابة فهو مرسل ، فهو ضعيف. وقد أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١١٦/١١) من طريقين عن قتادة . فهو ثابت عنه مرسلا. نعم قد روى موصولا ، فأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه) والضياء في ((المختارة)) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (فإن كنت في منك، أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ): لميشك رسول الله صيد ولم يسأل. ذكره في ((الدر المنثور)) (٣١٧/٣). قلت : وهذا مع كونه يختلف بعض الشيء عن مرسل قتادة ، فإن في هذا إخباراً من ابن عباس أن النبي صَّ لهلم يشك ولم يسأل، وفي المرسل أن النبي حَ اله قال عن نفسه: (( لا أشْك ولا أسأل)). أقول مع هذا الاختلاف في اللفظ ، فإني ١٥ : ! ـT ١ لا أدري حال إسناد هذا الموصول، وإن مما يؤسف له ، أن المصادر التي عزي الحديث إليها لا يوجد شيء منها مطبوعاً ولا مخطوطاً، اللهم إلا ((المختارة)) للضياء المقدسي ، فيوجد منها مجلدات بخط المؤلف رحمه الله تعالى ، لاتزال محفوظة في المكتبة الظاهرية المحروسة ، وهى مرتبة على مسانيد الصحابة ، فرجعت الى مسند ابن عباس منه البالغ عدد صفحاته نحو (٤٦٠) فمررت عليها كلها باحثاً عن هذا الحديث ، فلم أعثر عليه مع الأسف الشديد ، ولعله قد أودعه على هامش بعض الصفحات التي كان يستدرك عليها ما قد فاته ، ويكتبها بخط دقيق ، أو فى بعض الورقات المستدركة والضائعة. نعم وجدت فيه (١/٢٦٦/٦١) حديثاً آخر، يرويه من طريق أبي داود وهذا في ((سنته)) (٣٣١/٢) بإسناد جيد عن ابن عباس ، من رواية أبي زميل قال : سألت ابن عباس فقلت: ماشىء أجده في صدري ؟ قال: ماهو ؟ قلت: والله لا أتكلم به ! قال: فقال لي: أشىء من منك؟ قال: وضحك، قال : مانجا من ذلك أحد ، حتى أنزل الله عز وجل ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ) الآيَة، قال: فقال لي: إذا وجدت فى نفسك شيئاً فقل (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم ))). وهذا كماترى غير الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه ، وأستبعد جداً أن يكون السيوطى عناه فيما عزاه للضّياء. والله اعلم. الثالث : قال (٩٨/١-٩٨): . . و کانوا ((وفد إلى رسول الله صَّ اله أول وفد من خارج مكة . بضعة وثلاثين رجلا من نصارى الحبشة جاؤوا مع جعفر بن أبى طالب . . . فنزل فى حقهم قوله تعالى: ((الذين آنيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ... )) رواه ابن اسحاق ومقاتل والطبراني عن سعد بن جبير . وانظر ابن كثير والقرطبي والنيسابوري )). ١٦ ٠ ١ it ٣ .١- قلت هذه مراسيل كلها ، وليس فيها شيء مسند ، وابن إسحاق لما رواه في السيرة (٣٢/٢ - ابن هشام) علقه تعليقاً، ولم يذكر له إسناداً! والروايات على إرسالها مختلفة أشد الاختلاف في تعبين من نزلت الآيات المذكورة في حقهم ، وفي عددهم كما تراه في بعض المصادر التي أمر الدكتور بالرجوع إليها مثل تفسير القرطبي (٢٩٦/١٣) وخير منه في هذا ((الدر المنثور)) للسيوطي (١٣١/٥ - ١٣٣)، ورواية الطبراني عن سعيد بن جبير لم يذكرها الهيثمي في ((المجمع)) (٨٨/٧)، فالله أعلم بصحة هذا العزو! وقد رواها ابن أبي حاتم عن سعيد كما في ((الدر))، وهي مع كونها مرسلة فهي مغايرة لرواية الكتاب. وهذه في الحقيقة لابن إسحاق، لكن عنده أن عددهم عشرون رجلا ! ثم إن من الغريب أن يجزم الدكتور بأن الآيات الذ كورة نزلت في حق أولئك الأحباش، ويعزو ذلك لابن إسحاق، مع أن هذا لم يجزم بذلك ، فقدقال قبل قوله : ((فنزل في حقهم ... )): ((ويقال: إن النفر من النصارى من أهل نجران. فالله أعلم أي ذلك كان )). ثم هو لم يجزم أيضاً - خلافاً للدكتور ! - بأن الآيات نزلت فيهم، فقد أتبع قوله السابق بقوله : ((فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات ((الذين آتيناهم الكتاب ... )). وهكذا ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) عن ابن إسحاق! فكيف استجاز الدكتور الجزم أولاً بأن الآيات نزلت في أولئك الأشخاص وليس في ذلك إسناد صحيح !! وثانياً كيف نسب ذلك إلى ابن إسحاق وهو قد منك في ذلك ولم يجزم !! أهكذا يكون صنيع من يقول: ((اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة)). أفهذا وذاك وما يأتي مما صح .. بافضيلة الدكتور !! فإلى ١٧ ٢ - ٢ الله المشتكى من هذا الجهل الفاضح بالأصل الثاني من الشرع ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . الرابع . قال (١ /١٠١) بعد أن ذكر وفاة خديجة وعمه أبي طالب في العام العاشر من بعثته حَ له: (((ولقد أطلق النبي صَّ الله على هذا العام اسم ( عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة ». قلت : من أي مصدر من المصادر الموثوقة أخذ الدكتور هذا الخبر ، وهل إسناده - إن كان له إسناد - ما تقوم به الحجة ؟! فإني بعد مزيد البحث عنه لم أقف عليه، وإنما أورده الشيخ الغزالي في كتابه «فقه السيرة)). بدون عزو ، ولعل الدكتور قلده في ذلك مع أن الغزالي حفظه الله تعالى لم يدع ما ادعاه الدكتور: أنه اعتمد على ((صحاح السنة)) و((على ما صح من أخبار كتب السيرة)) ! !فلايرد عليه ما يرد على الدكتور، وإن كان المنهج العلمي الصحيح يوجب الاعتماد على ما صح من الأخبار ، وإلا فعلى الأقل ذكر الخبر مع المصدر الذي يمكن الباحث من التحقق منه ، وهذا ما يصنعه المحققون من أهل العلم بطرق التخريج والنقد ، مثل الحافظ ابن كثير وغيره ، خلافاً للدكتور وأمثاله من المؤلفين النقلة القماسين الجماعين ، فهو مع جزمه بصحة هذا الخبر بقوله: ((ولقد أطلق ... )) لا يذكر على الأقل مصدره! فمن أين عرف صحته !! إذن هذه الصحة وغيرها مجرد دعوى أو هوى من الدكتور ليس إلا . ومما يدل على ذلك أن المصدر الوحيد الذي رأيته قد أورده إنما هو القسطلاني في ((المواهب اللدنية)، فلم يزد على قوله: (فيما ذكره صاعد))! وصاعد هذا هو ابن عبيد البجلي كما قال الزرقاني في شرحه عليه (٢٤٤/١)، فما حال صاعد هذا? إنه مجهول لا يعرف ، ولم يوثقه أحد ، بل أشار الحافظ إلى أنه لين الحديث إذا لم يتابع، كما هو حاله في هذا الخبر! على أن قول القسطلاني: «ذكره ١٨ تـ ١٩ صاعد)) يشعر أنه ذكره معلقاً بدون إسناد فيكون معضلا . فيكون الخبر ضعيفاً لا يصح، حتى ولو كان صاعد معروفاً بالثقة والحفظ ، وهيهات هيهات . الخامس: ذكر (١ /١٠٥ - ١٠٧) قصة ذهابه صَّ اله إلى الطائف ودعوته لثقيف، وشجهم رأسه الشريف بالحجارة ، ودعائه صديقة: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس ... )) وقصته مع عداس النصراني ، وانكباب عداس عليه صِّ الّ يقبل رأسه ويديه وقدميه. وذكر مصدراً لها (( طبقات بن سعد، وتهذيب السيرة لابن هشام))! قلت أما (( الطبقات) فلم يذكر من القصة كلها إلا أحرفاً يسيرة! ومع ذلك فهو عنده (٢١١/١ - ٢١٢) من قول محمد بن عمر بغير إسناد! وغالب الظن أن الدكتور لا يعلم أن ابن عمر هذا هو الواقدي المتروك كما يأتي . وأما ((تهذيب السيرة)) فقد ذكره (٦٠/٢) من طريق ابن إسحاق بإسناد له مرسل ، إلا الدعاء فلم يسق له سنداً ، فقد قال : (فلما اطمأن رسول الله صَّ اللّه قال فيما ذكرلي -: اللهم .... )). وقد أخرج القصة باختصار - وفيه الدعاء - الطبراني بإسناده عن ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن جعفر. وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه ؛ ولذلك ضعفت الحديث في ((تخريج الفقه)) (ص ١٣٢) والدكتور على علم بذلك ، فلا هو يستفيد من مثل هذا التحقيق هناك، ولا هو يأتي بما ينافيه، لينظر فيه ، وإنما يكتفي بمجرد العزو للمصدرين السابقين وهو يعلم أن فيها ما لا يصح ، ثم هو يزعم أنه اعتمد على ماصح فيها !! السادس: قال (١٠١/١): ١ ١ ((يقول ابن هشام: ودخل رسول الله صَّةٍ بيته، والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله مَ له يقول لها : لا تبكي بابنية فإن الله مانع أباك ». ١٩ قلت: أخرجه ابن هشام في «السيرة)) (٥٨/٢) من طريق ابن اسحاق بسنده الصحيح عن عروة بن الزبير قال : فذكره . وعروة تابعي فلم يدرك الحادثة، فهو مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين، ولعل الدكتور يعلم ذلك ! فلا يكون الخبر حينئذ مما صح عنده! فلماذا أورده وليس على شرطه ?! أو لعله يظن أن عروة صحابي كأخيه عبد الله بن الزبير !وماذلك ببعيد عن معرفته بهذا العلم الشريف! ومنه تصديره إياه بقوله: ((يقول ابن هشام)): الحديث السابع : قال (١٢٤/١): فإن هذا إنما يقال عند أهل العلم فيما كان معلقاً دون إسناد ، كما سابينه في الحديث الآتي ، والواقع هنا أن ابن هشام قد ذكر إسناده كما رأيت ، فالتصدير المذكور خطأ واضح، والصواب: ((روى ابن هشام)) وروى ابن سعد، وهكذا . ((يقول ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٢٠٠ و ٢٠١ : . ويقول : . كان رسول الله صَّ الهيوافي الموسم كل عام يقبع الحاج يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا العرب وتذل لكم العجم ، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة ، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه ... )). قلت: فيه أولاً: أن تصديره لهذا الحديث بقوله ((يقول ابن سعد)) يشعر في اصطلاح المحدثين أنه حديث معلق عند ابن سعد . يعني أنه لم يسق إسناده ، وليس الأمر كذلك كما يأتي ، ومن المعروف عند أهل العلم أن في صحيح البخاري كثيراً من الأحاديث المعلقة عن النبي صَّ له أو بعض أصحابه، فإذا أراد طالب العلم أن ينقل شيئاً من هذه الأحاديث، فلا يقول فيها: ((روى البخاري)) لأن هذا التعبير خاص بالأحاديث المسندة، وإنما يقول ((قال البخاري قال رسول الله صَ لّه ... أو كان رسول الله صَّ اله ... )) ولا يقول في هذا الجنس (((روى البخاري)) كما ذكرنا، إلا أن يقيد ذلك بقوله ((روى البخارى معلقاً)) كما أنه لا يقول في الجنس المسند من الأحاديث قال البخاري : قال رسول الله مَالّهِ )؛ لأنه يوهم أنه من المعلقات عنده! وهذا ما وقع فيه حضرة الدكتور بتصديره ٢٠