النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠ المِسْتَدِيَكُ عَلَى الصَّحِحِين المُسْتَدَرَةَ على الصَّحْيُصَن ٨ هذا الشأن، وتبين له ما ذكرنا ، وأن الحال ليس مطردا على قانون واحد ، ونظير هذا من یری الرجل قد تكلم في بعض حديثه وضعف في شیخ أو في حدیث فيجعل ذلك سببا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده - كما يفعله كثير من المتأخرين من الظاهرية وغيرهم- وهو غلط ؛ فإن تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلطه لا يوجب ضعف حديثه مطلقا))(١) . وصرح بذلك -أيضا- ابن حجر فقال : «ووراء ذلك كله، أن يروى إسناد ملفق من رجالهما ؛ كأن يقال : سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ فسماك على شرط مسلم فقط ، لم يخرج له البخاري ، وعكرمة انفرد به البخاري، والحق أن هذا ليس على شرط واحد منهما ، وأدق من هذا أن يرويا عن أناس ثقات ، ضعفوا في أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه برجال كلهم في أحد الكتابين ، أو فيهما ، فنسبته أنه على شرط من خرج له غلط . كأن يقال في هشيم، عن الزهري، كل من هشيم والزهري أخرجاله فهو على شرطهما ، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما ؛ لأنهما إنما أخرجالهشيم من غير حديث الزهري ؛ فإنه ضعف فيه ؛ لأنه كان رحل إليه، فأخذ عنه عشرين حديثا ، فلقيه صاحب له وهو راجع فسأله روايته، وكان ثم ريح شديدة، فذهبت بالأوراق من يد الرجل فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه من حفظه، ولم يكن أتقن حفظها، فوهم في أشياء منها ؛ ضعف في الزهري بسببها . وكذا همام ضعيف في ابن جريج، مع أن كلا منهما أخرج له، لكن لم يخرجاله عن ابن جریج شیئا . فعلى من يعزو إلى شرطهما ، أو شرط أحدهما أن يسوق ذلك السند بنسق ما رتبه به من نسبه إلى شرطه ، ولو في موضع من كتابه، فیکون حينئذ مع أمننا من ضعف رواته، (١) ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) (١٩٩/١، ٢٠٠). المُشْتَدَرَة المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٦١ قد أمنا من وجود علة فيه أو قادح من القوادح؛ فإن الراوي قد يكون ضعيفا في راو ، ثقة في غيره - كما تقدم، ومن إغفال هذا القيد أتي الحاكم وغيره ممن خرجوا على شرطهما، فهو مزلة عظيمة»(١) . اهـ. وقال الحافظ ابن حجر -أيضا(٢) : ((إذا أخرجالرجل، وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة حيثشفه ما لم يتفرد به . فلا يحسن أن يقال : إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعد أن تبين أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما)). وهذا مثل ما قال أبو يعلى الخليلي في ترجمة العلاء هذا من ((الإرشاد)): ((مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَالر: ((إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان)). وقد أخرج مسلم في ((الصحيح)) المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ))(٣). الشرط الخامس : أن تقع رواية رواة هذا الحديث في ((الصحيحين)) قصدا، لا عرضا. من ذلك : قال البخاري في المناقب من ((صحيحه)) (٤): ((حدثنا علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحي يحدثون عن عروة، أن النبي ټ# أعطاه دينارا یشتري له به شاة، فاشترى له به شاتین ، فباع إحداهما بدینار، وجاءه بدینار وشاة، فدعا له بالبركة في بیعه، و کان لو اشترى التراب لربح فيه . قال سفيان : كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه - يعني : عن شبيب، قال : سمعه شبيب من عروة، فأتيته ، فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: (١) ((النكت الوفية)) (١٦٤/١، ١٦٥). (٢) ((النكت)) (٣١٦/١). (٣) ((الإرشاد)) (٢١٨/١، ٢١٩). (٤) ((صحيح البخاري)) (٣٦٣٤) ط دار التأصيل. ٦٢ على الصَّحْـ /١٠ المِسْيَدِدَكَ عَلَى الصَّحِصَيْ المُسْتَدَوَك سمعت الحي يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت النبي وَ و يقول: ((الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة)) قال : وقد رأيت في داره سبعین فرسا)) .اهـ. قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): ((فهذا - كما ترى - لم يقصد البخاري الرواية عن الحسن بن عمارة، ولا الاستشهاد به، بل أراد بسياقه ذلك أن يبين أنه لم يحفظ الإسناد الذي حدثه به عروة، ومما يدل على أن البخاري لم يقصد تخريج الحديث الأول أنه أخرج هذا في أثناء أحاديث عدة في فضل الخيل، وقد بالغ أبو الحسن بن القطان في كتاب ((بيان الوهم)) في الإنكار على من زعم أن البخاري أخرج حديث شراء الشاة، قال : ((وإنما أخرج حديث الخيل، فانجر به سياق القصة إلى تخريج حديث الشاة))، وهذا ما قلناه، وهو لائح لا خفاء به. والله الموفق)) (١). (١) («هدي الساري)) (ص ٣٩٧). ZA المُنْتَدَرَةَ على الص المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٦٣ الفَضْلُ الجُرَائِعْ في آراء العلماء في ((المستدرك)) وتساهل الإمام الحاكم فيه اختلفت كلمة العلماء في ((المستدرك))، لكن أطبقت كلمتهم على وصف الإمام الحاكم بالتساهل فيه ، حتى صار مضرب المثل في ذلك ، وهذه بعض أقوالهم : قال أبو سعد الماليني: ((طالعت ((المستدرك على الشيخين) الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أرفيه حديثا على شرطهما))(١). وقال الذهبي معقبا على أبي سعد الماليني : ((هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في (المستدرك)) شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما ، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما ، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة ، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحوريعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث -نحو المائة- یشهد القلب ببطلانها، کنت قد أفردت منها جزءا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوز عملا وتحريرا))(٢) . وقال في ((ميزان الاعتدال)): ((لكنه - يعني : الحاكم - يصحح في «مستدركه)) أحادیث ساقطة ، ویکثر من ذلك ، فما أدري هل خفیت عليه ؛ فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهذه خيانة عظيمة»(٣) . (١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٣١٣/١). (٢) ((سير أعلام النبلاء)) (١٧ /١٧٥، ١٧٦). (٣) ((ميزان الاعتدال)) (٢١٦/٦). ٦٤ المُسِيَدِرَكَ عَلَى الصَّاحِحِين المُسْتَدَرَك على الصَّحْصَن وقال ابن حجر: ((وقرأت بخط بعض الأئمة أنه رأى بخط عبد الله بن زيدان المسكي قال : أملى علي الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور سنة خمس وتسعين وخمسمائة قال : نظرت إلى وقت إملائي عليك هذا الكلام فلم أجد حديثا على شرط البخاري ومسلم لم يخرجاه إلا ثلاثة أحاديث : ١ - حديث أنس: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)). ٢ - وحديث الحجاج بن علاط لما أسلم. ٣- وحديث علي: ((لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع))))(١). وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي بنيسابور: ((جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم يلزمهما إخراجها في ((صحيحيهما))، منها حديث الطير، و((من كنت مولاه فعليّ مولاه))، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوبوه في فعله))(٢) . وقال ابن الصلاح: ((وهو واسع الخطو في شرط ((الصحيح))، متساهل في القضاء به))(٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه؛ فإنه نفسه قد قال في كتاب ((المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم)): ((عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)). قلت : وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال أبو حاتم ابن حبان: ((كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف؛ فاستحق الترك)). (١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٣١٣/١، ٣١٤). (٢) «تاريخ بغداد)) (٥٠٩/٣). (٣) ((معرفة أنواع علوم الحديث)) (ص٢٢). المُسْتَدَرَةَ المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٦٥ وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله؛ فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا : إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملي الذي فيه ذكر وصي المسيح ، وهو كذب باتفاق أهل المعرفة - كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي وغيرهما - وكذا أحاديث كثيرة في (مستدركه)) يصححها وهي عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة ، ومنها ما يكون موقوفا يرفعه ؛ ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه ، بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجلّ قدرا، وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث))(١) وقال ابن القيم : ((قالوا : وأما تصحيح الحاكم فكما قال القائل : فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع ولا يعبأ الحفاظ أطباء علل الحديث بتصحيح الحاكم شيئا ، ولا يرفعون به رأسا البتة بل لا يعدل تصحيحه ، ولا يدل على حسن الحديث ، بل يصحح أشياء موضوعة -بلا شك- عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك؛ فليس بمعيار على سنة رسول اللّه ◌َله، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئا))(٢). وقال الزيلعي : ((ومن أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه ((المستدرك))؛ فإنه يقول: ((هذا حديث على شرط الشيخين، أو أحدهما))، وفيه هذه العلة؛ إذ لا يلزم من کون الراوي محتجا به في «الصحیح)) أنه إذا وجد في أي حدیث ، کان ذلك الحدیث على (١) ((مجموع الفتاوى)) (٢٥٤/١، ٢٥٥). (٢) («الفروسية)) (٢٤٥). ٠٫٠ ٦٦ ـ4 ٠٠٠ المِسْتَدِرَكَ عَلَى الصَّحِصِين المُسْتَدَرَة على الفحص شرطه لما بيناه، بل الحاكم كثيرا ما يجيء إلى حديث لم يخرج لغالب رواته في ((الصحیح))، کحدیث روي عن عكرمة عن ابن عباس ، فيقول فيه : «هذا حديث على شرط البخاري)) يعني لكون البخاري أخرج لعكرمة ، وهذا أيضا تساهل، وكثيرا ما يخرج حديثا بعض رجاله للبخاري، وبعضهم لمسلم، فيقول: ((هذا على شرط الشیخین)) ، وهذا أيضا تساهل ، وربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا ((الصحيح)) عن شيخ معين لضبطه حديثه وخصوصيته به، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه، أو لعدم ضبطه حديثه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه، أو لغير ذلك، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ ، ثم يقول : «هذا على شرط الشيخين، أو البخاري. أو مسلم))، وهذا أيضا تساهل؛ لأن صاحبي ((الصحيح)) لم يحتجا به إلا في شيخ معين، لا في غيره ؛ فلا يكون على شرطهما ، وهذا كما أخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وغيره، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن المثنى ؛ فإن خالدا غير معروف بالرواية عن ابن المثنى ، فإذا قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن المثنى : ((هذا على شرط البخاري ومسلم)) كان متساهلا، وكثيرا ما يجيء إلى حديث فيه رجل ضعيف، أو متهم بالكذب، وغالب رجاله رجال ((الصحيح))، فيقول : ((هذا على شرط الشيخين، أو البخاري، أو مسلم))، وهذا أيضا تساهل فاحش، ومن تأمل كتابه ((المستدرك)) تبين له ما ذكرناه، قال ابن دحية في كتابه ((العلم)) المشهور: ((ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله ؛ فإنه كثير الغلط، ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده، وقلده في ذلك))))(١) . ولابد لنا من الإشارة هنا إلى أن ما ذكر من تساهل الحاكم مخصوص بكتابه (المستدرك))، وقد أنصفه الشيخ العلامة المعلمي اليماني وعمّهُ؛ حيث قال: ((ذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ ((المستدرك)) ؛ فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد (١) ((نصب الراية)) (٣٤٢/١). المُسْتَدَرَكَ على الفَحْصَر المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٦٧ بشيء مما فيها أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في ((المستدرك)) وبكلامهم فيه لأجله إن كان الإيجاب التروي في أحكامه التي في ((المستدرك)) فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير ((المستدرك)) في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حاله في ذلك إطراح ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، وقبول ما عداه))(١) . ومن الجدير بالذكر التنبيه على أن الخلل في ((المستدرك)) وقع للحاكم في أحكامه على الأحادیث ، وليس في روايته . ثم قال المعلمي نَمّهُ: ((لم يقع خلل ما في روايته؛ لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، فكل حديث في ((المستدرك)) فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة))(١). (١) (التنكيل)) (٤٥٩/٢). ٦٨ المِسْتَدِرَكَ عَلى الصَّحِصِين المُسْتَدَرَة صُحِبحين الفَضْلُ الْخَامِسْنِ أقسام الحديث في ((المستدرك)) ومقدار ما يصفو للإمام الحاكم من الحديث اختلف العلماء في مقدار ما يصفو للإمام الحاكم من أحاديث في كتابه ((المستدرك»، فذهب جمع إلى أنه يصفو له عدد كثير، وعلى رأسهم ابن الصلاح حيث قال: ((فإن ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير، يشتمل مما فاتهما على شيء كثير، وإن يكن عليه في بعضه مقال ؛ فإنه يصفو له منه صحيح كثير))(١) . وخالف هذا القول أبو سعد الماليني فقال: ((طالعت ((المستدرك على الشيخين)) الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أرفيه حديثا على شرطهما))(٢). وقال عبد الغني المقدسي : ((نظرت إلى وقت إملائي عليك هذا الكلام فلم أجد حديثا على شرط البخاري ومسلم لم يخرجاه إلا ثلاثة أحاديث)). وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث . وذكر الحافظ ابن حجر أن قلة الأحاديث التي تصفو له نسبية ، أي : بالنسبة إلى عدد أحاديث ((الصحيحين))، وقال ردا على ابن الصلاح في قوله: ((إنه يصفوله صحيح كثير)) : ((قول المؤلف : ((إنه يصفو له منه صحيح كثير)) غير جيد، بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين؛ لأن المكرر يقرب من ستة آلاف. والذي يسلم من ((المستدرك)) على شرطهما أو شرط أحدهما - مع الاعتبار الذي حررناه - دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين))(٣) . (١) ((معرفة أنواع علوم الحديث)) (ص ٢٠). (٢) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٣١٣/١). (٣) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٣١٩/١). على الفَحْصَين المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٦٩ وذهب بعضهم إلى أنه يصفوله عدد كثير على غير شرط الشيخين ؛ قال ابن رجب : ((وقد صنف في الصحيح مصنفات أخر بعد ((صحيحي الشيخين))، لكن لا تبلغ مبلغ كتابي الشيخين ، ولهذا أنكر العلماء على من استدرك عليهما الكتاب الذي سماه ((المستدرك)). وبالغ بعض الحفاظ فزعم أنه ليس فيه حديث واحد على شرطهما، وخالفه غیره وقال : «یصفو منه حدیث کثیر صحیح» . والتحقيق : أنه يصفو منه صحيح كثير على غير شرطهما ، بل على شرط أبي عيسى ونحوه، وأما على شرطهما فلا . فقلّ حديث تركاه إلا وله علة خفية، لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما ، وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة؛ صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما ، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها . ولم يقبل من أحد بعد ذلك الصحيح والضعيف إلا عمن اشتهر حذقه ومعرفته بهذا الفن واطلاعه عليه، وهم قليل جدا ، وأما سائر الناس فإنهم يعولون على هذه الكتب المشار إليها ، ويكتفون بالعزو إليها))(١). وقد قام بعض أهل العلم بتقسیم أحاديث الكتاب بحسب ما توصل له من دراسته له، فقسم الذهبي أحاديث الكتاب إلى أربعة أقسام : القسم الأول : على شرطهما . القسم الثاني : على شرط أحدهما ، وقال: إن مجموع هذين القسمين يبلغ ثلث الكتاب . القسم الثالث : أحاديث إسانيدها صالحة وحسنة وجيدة ، وذلك نحوربع الكتاب . القسم الرابع : أحاديث مناكير وعجائب ، وهذا باقي الكتاب(٢). (١) ((الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)) ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (٦٢٢/٢، ٦٢٣). (٢) («سير أعلام النبلاء)» (١٧٥/١٧، ١٧٦). ٧٠ المِسْيَدِدَكَ عَلَى الصَّحِصِين المُسُنَدَرَة على الصَّحِيح /٠١٠ وفصلها ابن حجر - عقب نقله لكلام الذهبي - فقال: ((وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال، فنقول: ينقسم ((المستدرك)) أقساما، كل قسم منها يمكن تقسيمه : الأول : أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجا برواته في ((الصحيحين)) أو أحدهما على صورة الاجتماع سالما من العلل ... ولا يوجد في ((المستدرك)) حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرا أو أصلا إلا القليل - كما قدمنا. نعم، وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهما في ذلك ظنا أنهما لم يخرجاها . القسم الثاني : أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونا بغيره، ويلحق بذلك ما إذا أخرجالرجل وتجنبا ما تفرد به، أو ما خالف فيه . ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن، والحاكم -وإن كان ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحا تبعا لمشايخه كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان- فإنما يناقش في دعواه أن حديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عمدة الكتاب . القسم الثالث : أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج، ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما ، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم. وكثير منها يعلق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث، عن إسحاق بن بزرج، عن الحسن بن علي في التزيين للعيد . قال في أثره: ((لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته))، وكثير منها لا يتعرض للكلام عليه المُسْتَدِيَة على الصَّحْمَيْ المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٧١ أصلا ؛ ومن هنا دخلت الآفة كثيرا فيما صححه، وقلّ أن تجد في هذا القسم حديثا يلتحق بدرجة الصحيح، فضلا عن أن يرتفع لدرجة الشيخين. والله أعلم))(١) . وقد قمنا في زَارُ التَّاظِيْلِ مركز البحوث وتقنية المعلومات -بفضل الله- بدراسة استقرائية ، استخدمنا فيها الحاسب الآلي حول أحاديث ((المستدرك)) ومدى صواب وصف الإمام الحاكم لها، وخلصنا من هذه الدراسة المدعومة بالبحث العلمي أن عدد الأحاديث التي قال فيها الحاكم: ((على شرط الشيخين)) و ((على شرط البخاري)) و((على شرط مسلم)) و(صحيح الإسناد)): (٥٧٤٥) حديثًا، صفاله القول بصحتها من حديث ظاهر الإسناد وبدون دراسة للعلل (٤٦٧) حديثًا، وهو ما يعادل (٨٪) من إجمالي هذه الأحاديث ، هذا بخلاف ما سكت عنه وتعقبناه فيه . وسيأتي تفصيل القول عن هذه الدراسة الاستقرائية وإحصائياتها في الفصل الثاني من الباب الثالث من هذه المقدمة . (١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٣١٤/١-٣١٨). ٧٢ المِسْيَدِرَكُ عَلَى الصَّحِصِين على الصحيحين ٨٦ الفَضْلُ السَّادِ في سبب الخلل الواقع في كتاب ((المستدرك)) لقد تتابع العلماء على انتقاد ما في كتاب الإمام الحاكم، وتعقبوه، وكلمتهم كالإجماع على وقوع الخلل فيه ، وقد ذكر أهل العلم أكثر من سبب لما وقع في كتاب الحاكم من الأوهام الكثيرة طلبا للعذر له . قال الذهبي : «فإذا قال الوليد أو بقية: ((عن الأوزاعي))، فواه؛ فإنهما يدلسان كثيرا عن الهلكى؛ ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد. فما جاء إسناده بصيغة : ((عن ابن جريج))، أو: ((عن الأوزاعي))، تجنبوه. وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث؛ فإن أولئك الأئمة - كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود - عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة. وبمثل هذا ونحوه، دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في ((المستدرك)))(١) . وقال ابن حجر: ((وإنما وقع للحاكم التساهل ؛ لأنه سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية))، قال: ((وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من ((المستدرك)): «إلى هنا انتهى إملاء الحاكم)))، قال : «وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة ، فمن أكبر أصحابه وأكثر الناس له ملازمة البيهقي ، وهو إذا ساق عنه من غير المملى شيئا لا يذكره إلا بالإجازة))، قال: ((والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة إلى ما بعده))(٢). وقال: ((قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه ((للمستدرك)) كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في (١) ((الموقظة في علم مصطلح الحديث)) (ص٤٦). (٢) ((تدريب الراوي)) (١١٣/١). المُشْتَدَرَةَ على الصِّحْب المقَدِّمَة الْعِلمِيَّة ٧٣ كتاب ((الضعفاء)) له وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في ((مستدركه)) وصححها ، من ذلك أنه أخرج حديثا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكان قد ذكره في ((الضعفاء)) فقال: «إنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)) وقال في آخر الكتاب : ((فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي صدقهم؛ لأنني لا أستحل الجرح إلا مبينا ، ولا أجيزه تقليدا ، والذي أختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلا))(١). قال السخاوي في معرض الكلام على الكتب التي اشترطت الصحة غير ((الصحيحين)): ((و((كالمستدرك على الصحيحين)) مما فاتهما للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري الحافظ الثقة على تساهل منه فيه ، بإدخاله فيه عدة موضوعات، حمله على تصحيحها إما التعصب لما رمي به من التشيع ، وإما غيره ، فضلا عن الضعيف وغيره . بل يقال : إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغیر ، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدا بالنسبة لباقيه؛ فإنه وجد عنده: ((إلى هنا انتهى إملاء الحاكم)))(٢). قال صديق حسن خان: ((وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجه ولم يصب من وجه؛ وذلك لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشیخین لا يذكران إلا حديثا قد تناظر فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: ((لم أذكر هاهنا إلا ما أجمعوا عليه)) وجلّ ما تفرد به ((المستدرك)) كالموكى عليه المخفي مكانه في (١) ((لسان الميزان)) (٢٣٣/٥). (٢) ((فتح المغيث)) (٥٤/١). ٧٤ المِسْيَدِرَكَ عَلَى الصَّحِصِين ٠٠٠/١ المُشْتَدَرَةَ على الفَنَحْصَيْن زمن مشايخهما وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون في رجاله، فالشيخان كأساتذتهما كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد مخرجة من صنائعهم كقوله: ((زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ)). والحق أنه كثيرا ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل رفع الموقوف ووصل المنقطع، لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به؛ فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم. والله أعلم))(١) . وقد أحسن وأوجز العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني زخمّهُ هذا المعنى بقوله : ((والذي يظهرلي فيما وقع في ((المستدرك)) من الخلل أن له عدة أسباب: الأول: حرص الحاكم على الإكثار، وقد قال في خطبة ((المستدرك)): ((قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه المسانيد المجموعة المشتملة على الألف جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة)) فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء . والثاني : أنه قد يقع حديث بسند عال أو يكون غريبا مما يتنافس فيه المحدثون فیحرص على إثباته . ونقل الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢) عن الحافظ أبي عبد الله الأخرم: «استعان بي السراج في تخريجه على (صحيح مسلم)) فکنت أتحیر من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليا يقول: ((لا بد أن نكتبه)) يعني: في ((المستخرج)) فأقول: ((ليس من شرط صاحبنا)) يعني: مسلما، فيقول: ((فشفعني فيه)) . (١) ((الحطة في ذكر الصحاح الستة)) (ص٢١٢،٢١١). (٢) (٢١٥/٢). المُسْتَدَرَةَ مُصَيْنُ المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٧٥ فعرض للحاكم نحو هذا، كلما وجد عنده حديثا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في «المستدرك)). الثالث : أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة، وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: ((سألني جماعة ... أن أجمع كتابا: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما تُدُِّها لم يدعيا ذلك لأنفسهما)) ولم يصب في هذا؛ فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما -بعد النظر والبحث والتدبر- أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة ، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة . الرابع : أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: ((بأسانيد يحتج بمثلها))، فبنى على أن في رجال ((الصحيحين)) من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أن فيهم كلاما . ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة : أحدها : أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة . الثاني : أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونا أو حيث تابعه غيره ، ونحو ذلك. ثالثها : أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه ، أو بروایة فلان عنه ، أو بما یسمع منه غیر کتابه ، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ، ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس ؛ فيخرجان للرجل حیث یصلح ، ولا يخرجان له حیث لا يصلح. ٧٦ المِسِنِدِرَكَ عَلَى الصَّاحِصِين المُتَدَرَكَ عَلَى الصَّحْصَر وقصر الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له : كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا ولو وفى بهذا لهان الخطب ، لكنه لم يف به بل أخرج لجماعة هلكئ. الخامس : أنه شرع في تأليف ((المستدرك)) بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع (المستدرك)) وقد استشعر قرب أجله، فهو حريص على إتمام ((المستدرك)) وتلك المصنفات قبل موته ، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجاله، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يخرج أو نحو ذلك، وقد رأيت له في (المستدرك)) عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها فيقول في الرجل: ((قد أخرج له مسلم))- مثلا - مع أن مسلما إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمه، يقول في الرجل : ((فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان)». والصواب أنه غيره))(١). وأيا ما كان الأمر ؛ فإنه نتيجة لهذا دخل في كتابه عدد كثير من الأحاديث الضعيفة والواهية والمنكرة بل والموضوعة، وقد تبين لنا ذلك من خلال ما قمنا به من دراسة استقرائية لأحاديث ((المستدرك)) نستعرض نتائجها في الفصل الثاني من الباب الثالث من هذه المقدمة . (١) ((التنکیل)) (٢/ ٤٥٧-٤٥٩). ٠ عن الصَّحْ المقَدِّمَة العِلمِيَّة الفَضْلُ السَّابِعِ رواة «المستدرك» قال الروداني: (قال الحافظ: وهو - أي: ((المستدرك)) - قليل الوجود، ولذا لم يقع بالسماع وإنما وقع بالإجازات به إلى ابن المقير عن أبي الفضل محمد بن عبد الله النسفي عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف عنه))(١). وقال ابن حجر: (((المستدرك على الصحيحين)) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري وقع لنا منه جزء لطيف سيأتي في المفردات، وأنبأنا به أبو هريرة ابن الذهبي إجازة، عن القاسم بن مظفر، عن أبي الحسن بن المقير، عن أبي الفضل الميهني، عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف، عن الحاكم، وهذا السند كله إجازات)) (٢) وقد تحصل لنا من رواة ((المستدرك)) عن الإمام الحاكم ثلاثة(٣): ١ - الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : قال الذهبي نَّهُ: ((وسمع من الحاكم أبي عبد الله الحافظ، فأكثر جدا، وتخرج به» (٤) . وقال أيضا: ((عنده عن الحاكم وقربعير أو نحو ذلك))(٥) . (١) ((صلة الخلف بموصول السلف)) (٢٨٣). (٢) ((المعجم المفهرس)) (٤٦). (٣) ((رجال الحاكم في المستدرك)) (١٩/١-٢١). (٤) ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٤/١٨). (٥) ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٥/١٨). ٧٨ المِسْتَدِدَكَ عَلَى الصَّاحِحِين المُتَدَرَةَ على الصحيحين ونقل عن الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في ((تاريخه)) أنه كان من كبار أصحاب الحاكم (١). وقال ابن قاضي شهبة : ((أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقي فأكثر عنه، وبكتبه تفقه وتخرج، ومن بحره استمد، وعلى منواله مشئ))(٢) . وذكر الحافظ ابن حجر رمّهُ أن البيهقي من أكابر أصحاب الحاكم وأكثر الناس له ملازمة(٣) . وفيما يلي نماذج لأحاديث صرح البيهقي بأنها عند الحاكم في (المستدرك)) مع ذكر مواضعها في ((المستدرك)) طبعة دار النَّاضِيَّك: م موضعه في کتب البيهقي ((المستدرك)) طبعة دارُ التَّاضِيك ١ ((شعب الإيمان)) (٢/ ٤٣٧) رقم (٢٠٥٣) ٢ ((شعب الإيمان)) (٥/ ٤٥٣) رقم (٣٦٦٦) ٣ ((السنن الكبرى)) (٨٨/٥) رقم (٣٢٨٨) ٤ ((السنن الكبرى)) (٨٧/٧) رقم (٢٧٣٦) ٥ ((دلائل النبوة)) (٢٤٣/٢) رقم (٤٥٥٩) (١) ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٧/١٨). (٢) ((طبقات الشافعية)) (١٩٣/١، ١٩٤). (٣) ((النكت الوفية)) للبقاعي (١٤١/١، ١٤٢). وينظر: ((تدريب الراوي (١١٣/١). المُشْتَدَرَةَ مُصَرّ المقَدِّمَة العِلمِيَّة ٧٩ ٢- أحمد بن علي بن خلف الشيرازي(١): هو أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف أبو بكر الشيرازي ثم النيسابوري، الأديب الصوفي . ولد في سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة . أسمعه أبوه أبو الحسن بن خلف من مشايخ عصره قديما ، وطاف به عليهم حتى أدرك الأسانيد العالية، فسمع من: الحاكم أبي عبد الله الحافظ ، وأبي طاهر بن محمش الزيادي، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبي بكربن فورك، والقاضي أبي زید، والجولكي، والسهمي، والقاضي أبي بكر الجرجاني، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي يعلى المهلبي، ثم أصحاب الأصم كالحيري، والصيرفي، وأبي زكريا المزكي، والطبقة ، وقد سمع من القاضي أبي الهيثم ، وأبي سعد الواعظ الحركوشي، وعبد الخلاق المؤذن ، والسيد ظفر، وأبي محمد بن المؤمل، وغيرهم من كبار المشايخ. حدث عنه : ابن طاهر المقدسي ، وأبو محمد بن السمرقندي، وإسماعيل بن محمد التيمي ، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، ووجيه الشحامي ، والفقيه عمر بن أحمد الصفار، وأحمد بن سعيد الميهني ، وأبو سعد عبد الوهاب الكرماني ، وخلق کثیر . قال عبد الغافر : «فاضل ، نسیب ، مشهور، ثقة)). وقال أيضا: ((لم أر في المشايخ الذين سمعنا منهم أكثر إتقانا ولا أضبط في الرواية منه، فقد قرأت عليه أكثر من خمس عشرة سنة تفاريق المسموعات والكتب والإملاء، وكان راغبا في قراءتي، لا يسامح في أن يفوته مما نقرأ عليه كلمة لم يسمعها ولم يفهمها على مبلغ الإمکان، ويراجع في المشكلات، ویبالغ في الوقوف على معاني ما سمعه)) . وقال إسماعيل بن محمد الحافظ : ((كان حسن السيرة ، من أهل الفضل والعلم محتاطا في الأخذ ، ثقة» . (١) تنظر ترجمته في: ((التقييد)) لابن نقطة (١٧٢/١)، ((المنتخب من السياق)) (ص ١١٦)، ((سير أعلام النبلاء)) (٤٧٨/١٨)، ((تاريخ الإسلام)) (٥٧٣/١٠).