النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
المقَدِّمَة العِلمَيَّة
٥ - ((رسالة إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى)) .
قال القاضي عياض : ((وهي مشهورة، يرويها عنه : خالد بن نزار، ومحمد بن
مطرف، وهو من كبار أهل المدينة، قرينا لمالك، يروي عن أبي حازم وزيدبن
أسلم، وروى عنه الثقات ووثقوه . وقد نقل أبو إسحاق بن شعبان أقوال مالك في
هذه الرسالة منها في کتابه)) .
٦- ((كتاب في التفسير لغريب القرآن)).
قال القاضي عياض: ((الذي يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومي)).
٧- ((رسالة إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة)).
قال القاضي عياض: ((وذكر الخطيب أبوبكر في ((تاريخه الكبير))، عن أبي العباس
السراج النيسابوري أنه قال : هذه سبعون ألف مسألة لمالك، وأشار إلى كتب منضدة
عنه كتبها . قال القاضي : هي جواباته في أسمعة أصحابه التي عند العراقيين)).
وقال: ((وقد نسب إلى مالك أيضا كتاب يسمى ((كتاب السر))، من رواية ابن القاسم
عنه، حدثنا به بالإجازة : أبو محمد بن عتاب)) .
محنة الإمام مالك:
قال ابن جرير الطبري : ((كان مالك قد ضرب بالسياط ، واختلف فيمن ضربه، وفي
السبب الذي ضرب فيه ؛ قال : فحدثني العباس بن الوليد، قال حدثنا ابن ذكوان، عن
مروان الطاطري : أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث : ليس على مستكره طلاق ، ثم
دس إلیه من يسأله عنه، فحدث به على رءوس الناس ، فضربه بالسياط .
قال: وحدثني العباس، قال : أخبرني إبراهيم بن حماد: أنه كان ينظر إلى مالك إذا
أقيم من مجلسه ، حمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى .
وأما محمد بن عمر فإنه قال في ذلك ما حدثني الحارث، قال : حدثنا ابن سعد،
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال : لما دعي مالك بن أنس وشوور، وسمع منه، وقبل

٦٢
المُؤْظَةُّ لِتَّامِ مَالِكِ
المواء
قوله، شنف له الناس، وحسدوه، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان على
المدينة ، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء،
وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز، فغضب
جعفر بن سليمان، فدعا بمالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، ثم جرده ومده فضربه
بالسياط ، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمر عظيم. فوالله ما زال
مالك بعد ذلك الضرب في رفعة من الناس ، وعلو من أمره ، وإعظام الناس له، وكأنما
كانت تلك السياط التي ضرب بها حليا حلي به))(١).
وقال القاضي عياض : «قال أبو الوليد الباجي : ولما حج المنصور قاد مالكا من
جعفربن سليمان، وأرسله إليه ليقتص منه، فقال: أعوذ بالله، واللَّه ما ارتفع منها
سوط عن جسمي ، إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت؛ لقرابته من رسول اللَّه وَله .
قال غيره : لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد إلي أن آتيه بالموسم، فقال لي: واللَّه الذي
لا إله إلا هو، ما أمرت بالذي كان ولا علمته، وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت
بين أظهرهم، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله، وقد رفع اللَّه بك عنهم سطوة
عظيمة، فإنهم أسرع الناس للفتن. وقد أمرت بعد واللّه أن يؤتى به من المدينة إلى
العراق على قتب ، وأمرت بضيق حبسه، والاستبلاغ في امتهانه ، ولا بد أن أنزل به من
العقوبة أضعاف ما نالك منه، فقلت : عافى اللَّه أمير المؤمنين ، وأكرم مثواه، قد عفوت
عنه لقرابته من رسول اللَّه وَ ل ◌َه، وقرابته منك. فقال لي: عفا اللَّه عنك ووصلك))(٢).
وفاة الإمام مالك وتركته :
قال إسماعيل بن أبي أويس: ((اشتكى مالك بن أنس ، فسألت بعض أهلنا عما قال
عند الموت؟ قالوا: تشهد ثم قال: للَّه الأمر من قبل ومن بعد، وتوفي صبيحة أربع
عشرة من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة ، في خلافة هارون ، وصلى عليه
(١) ((الانتقاء)) (ص ٤٤، ٤٣).
(٢) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ١٣١).
,٠

٦٣
المقَدِّمَة العِلمِيَّة
عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،
وهو ابن زينب بنت سليمان بن علي، بأمه كان يعرف، يقال: عبد اللَّه بن زينب،
وكان يومئذ واليا على المدينة ، فصلى على مالك في موضع الجنائز، ودفن بالبقيع،
وکان یوم مات ابن خمس وثمانين سنة))(١).
قال محمد بن سعد: ((فذكرت ذلك لمصعب بن عبد الله الزبيري، فقال: أنا أحفظ
الناس لموت مالك، مات في صفر، سنة تسع وسبعين ومائة))(١) .
وقال القاضي عياض: ((الصحيح من ذلك : في ربيع الأول، سنة تسع وسبعين
ومائة ، يوم الأحد، ولتمام اثنين وعشرين يوما من مرضه، وغسله ابن كنانة،
وابن أبي زنبر، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليه الماء، ونزل في قبره جماعة،
وأوصى أن يكفن في ثياب بيض ، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز))(٢).
قال ابن القاسم: ((مات مالك رُ الّ ◌َالى عن مائة عمامة فضلًا عن سواها))(٣). وقال
ابن أبي أويس: ((جميع ما في منزل مالك يوم مات رُاللَّالى من منصات وبرادع وبسط
ومخادد محشوة بريش وغير ذلك، ينيف على خمسمائة دينار))(٣). وقال محمد بن
عيسى بن خلف : ((خلف مالك خمسمائة زوج من النعل، وقد اشتهى يوما كساء
قومسيا، فما بات إلا وعنده منه سبعة بعثت إليه))(٣). وقال ابن عبد البر: ((بلغ كفنه
خمسة دنانير ، وترك رَللَّهُ من الناض ألفي دينار وستمائة دينار وتسعًا وعشرين دينارا،
وألف درهم، فكان الذي اجتمع لورثته ثلاثة آلاف دينار وثلاثمائة دينار ونيف)) (٤).
(١) ((الطبقات الكبير)) لابن سعد (٥٧٥/٧)، ((الانتقاء)) (ص٤٤).
(٢) ((ترتيب المدارك)) (١٤٦/٢).
(٣) ((ترتيب المدارك)) (١٦٠/٢).
(٤) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٨٨/١).

٦٤
الموظُّالإِمَّامِ مَالِكِ
البَّابُ الثَّاتِي
التعريف بـ ((الموطأ)» للإمام مالك
الفَضْلُ الأَوْن
في اسم ((الموطأ)» والباعث على تصنيفه
اسم «الموطأ)»:
اسم الكتاب كما سماه به الإمام مالك هو ((الموطأ))، وقد اتفقت كلمة العلماء قديمًا
وحديثًا على تسمية الكتاب بذلك، ولا يعرف للكتاب اسم آخر. قال ابن فهر: (لم
يسبق مالكا أحد إلى هذه التسمية، فإن من ألف في زمانه بعضهم سمى بالجامع،
وبعضهم سمى بالمصنف، وبعضهم بالمؤلف، ولفظة الموطأ بمعنى الممهد المنقح))(١).
فهذه الرواية تدل على أن أول من سمى بهذا الاسم هو الإمام مالك، لكن ذكر
ابن عبد البر، والقاضي عياض، عن المفضل بن محمد بن حرب المدني قال: ((أول من
عمل كتابا بالمدينة على معنى ((الموطأ)) - من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة -
عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاما بغير حديث)) (٢).
هذا لفظ ابن عبد البر، ووقع عند القاضي عياض: ((أول من عمل ((الموطأ)))). وظاهره
قد يخالف ما قاله ابن فهر من أن الإمام مالكا هو أول من سمى ((بالموطأ))، لكن لفظ
ابن عبد البر يدل على أن المقصود: أن ابن الماجشون هو أول من صنف على معنى
(الموطأ)) من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولا يلزم من ذلك أنه سماه ((بالموطأ)).
(١) ((تنوير الحوالك)) (١/ ٧).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٨٦/١)، ((ترتيب المدارك)) (٧٥/٢).

المُهُمَّارُ كَاير
المقَدِّمَة العِلمِيَّة
٦٥
وقد ورد في سبب تسميته بـ ((الموطأ)) روايات: فروى أبو الحسن بن فهر، عن علي بن
أحمد الخلنجي : سمعت بعض المشايخ يقول : قال مالك: ((عرضت كتابي هذا على
سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه، فسميته الموطأ))(١) . وقال
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكتاني الأصفهاني: «قلت لأبي حاتم الرازي: ((موطأ
مالك))، لم سمي ((الموطأ))؟ فقال: شيء صنعه ووطأه للناس، حتى قيل: ((موطأ
مالك))، كما قيل: ((جامع سفيان))))(٢).
والمواطأة في هذه الرواية بمعنى الموافقة. ووطأه في الرواية الثانية بمعنى مهده
وسهله وهيئه، ولا شك أن اسم ((الموطأ)) له نصيب من كلا المعنيين .
الباعث على تصنيف ((الموطأ)):
روي في الباعث على تأليف الإمام (للموطأ)) عدة روايات ؛ منها أن ذلك بطلب من
الخليفة أبي جعفر المنصور، فروى أبو مصعب: ((أن أبا جعفر قال لمالك: ضع للناس
كتابا أحملهم عليه ، فكلمه مالك في ذلك، فقال : ضعه فما أحد أعلم منك . فوضع
((الموطأ)) فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر)) (٣). وفي رواية: أن المنصور قال له: ((يا
أبا عبد الله، ضم هذا العلم ودون كتبا، وجنب فيها شدائد ابن عمر ورخص
ابن عباس وشواذ ابن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة
والصحابة)»(٤). وفي رواية: ((قال له أبو جعفر وهو بمكة: اجعل العلم يا أبا عبد اللَّه
علما واحدا، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول اللَّه وَّل} تفرقوا في
البلاد، فأفتى كل في مصره بما رآه))(٣). وفي رواية: ((إن لأهل هذه البلاد قولا، ولأهل
المدينة قولا ، ولأهل العراق قولا ، تعدوا فيه طورهم. فقال : أما أهل العراق فلست
أقبل منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة، فضع للناس العلم)) (٥) .
(١) ((تنوير الحوالك)) (٧/١).
(٣) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٧١).
(٥) ((ترتيب المدارك)) (٧٢/٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٦/١-٧).
(٤) ((ترتيب المدارك)) (٧٣/٢).

٦
الموظُّ لِلإِنَّامِ مَالِكِ
(المُؤُْاء
قال ابن خلدون: «قد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها،
وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف («الموطأ)): يا أبا عبد الله، إنه لم يبق على وجه
الأرض أعلم مني ومنك ، وإني قد شغلتني الخلافة ، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون
به، تجنب فیه رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، ووطئه للناس توطئة . قال مالك :
فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ)»(١) .
وقد روي أن تأليف الإمام مالك ((الموطأ)) كان بطلب من الخليفة المهدي ؛ فروي عن
الإمام مالك أنه قال : «قال لي المهدي : يا أبا عبد اللَّه، ضع لي كتابا أحمل الأمة عليه،
فقلت له: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع - وأشار إلى المغرب - فقد كفيتكه، وأما الشام
ففيهم الرجل الذي علمته يعني الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق)) (٢).
وروي أنه صنف («الموطأ» لما رأى كتاب ابن الماجشون، فقال المفضل بن محمد بن
حرب المدني: ((أول من عمل كتابا بالمدينة على معنى ((الموطأ)) - من ذكر ما اجتمع عليه
أهل المدينة - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاما بغير
حديث . قال: فأتي به مالك ، فنظر فيه ، فقال: ما أحسن ما عمل ، ولو كنت أنا الذي
عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. قال : ثم إن مالكا عزم على تصنيف
((الموطأ)) فصنفه، فعمل من كان في المدينة يومئذ من العلماء الموطآت)) (٣).
وبالنظر في هذه الروايات يمكن القول : بأن رواية أبي جعفر المنصور أشهر من رواية
المهدي ، وأما رواية أنه جاءته فكرة تصنيف ((الموطأ)) وعزم على ذلك لما رأى كتاب
ابن الماجشون، فلا تنافي الرواية التي تقول أنه صنفه بطلب من أبي جعفر المنصور أو
المهدي ؛ فيمكن أن تكون رغبة الإمام مالك وعزمه على تصنيف ((الموطأ)) وافقت رغبة
المنصور أو المهدي .
(١) ((تاريخ ابن خلدون)) (٢٤/١).
(٢) ((تاريخ الطبري)) (٦٥٩/١١)، ((الانتقاء)) لابن عبد البر (ص ٤٠).
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٨٦/١)، ((ترتيب المدارك)) (٧٥/٢).

المؤطاء
المقَدِّمَة العِلمَيَّة
٦٧
الفَضْلُ الثَّاني
في مكانة ((الموطأ)) ومنزلته بين كتب السنة
يعتبر كتاب ((الموطأ)) من أوائل ما صنف في الحديث والفقه، ولقد حظي الكتاب
بمكانة عالية في نفوس المسلمين ، واتفقت كلمة العلماء قديمًا وحديثًا على فضله
وعلو قدره ومنزلته، وخير شاهد على ذلك ما تكلم به العلماء وسطرته أيديهم في فضل
هذا الكتاب، وأفضل من يتكلم عن الكتاب صاحبه، فصاحب البيت أدرى بما فيه،
قال المفضل بن محمد بن حرب المدني : ((قيل لمالك : شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب
وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال : ائتوني بما عملوا، فأتي بذلك فنظر فيه ثم
نبذه، وقال : لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله . قال: فكأنما ألقيت
تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك بذكر)) (١). اهـ. وقال أبو خليد
عتبة بن حماد: ((أقمت على مالك فقرأت ((الموطأ)) في أربعة أيام، فقال مالك : علم جمعه
شيخ في ستين سنة ، أخذتموه في أربعة أيام، لا فقهتم أبدا))(٢).
وأما ما ورد من ذلك من أقوال أهل العلم: فقال الشافعي: ((ما بعد كتاب الله أنفع
من (الموطأ)))(٣). وقال: ((ما وضع على الأرض كتاب، هو أقرب إلى القرآن من كتاب
مالك بن أنس، يعني ((الموطأ))) (٤).
وقال سعيد بن أبي مريم - وكان ابنا أخته بالعراق: ((ولو جمعا عمرهما بالعراق،
ما أتيا بعلم يشبه ((موطأ مالك)) (٥).
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٨٦/١).
(٢) ((حلية الأولياء)) (٣٣١/٦)، ((كشف المغطى في فضل الموطا)) (ص٣٤).
(٣) «حلية الأولياء)) (٩/ ٧٠)، ((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٥٦٤).
(٤) ((بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك)) (ص٨٨).
(٥) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٧٨/١)، («ترتيب المدارك)) (٧٠/٢).

٦٨
الموظُّّ لِلإِتَّامِ عَالِكِ
وقال في رواية أخرى: ((ما أتيا بسنة يجتمع عليها، خلاف ((موطأ مالك بن
أنس))))(١) .
وقال أبو عمار: ((سألت أحمد بن حنبل عن كتاب مالك بن أنس ، فقال : ما أحسنه
لمن تدين به))(٢).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ((ما كتاب بعد كتاب اللَّه، أنفع للناس من
(الموطأ)))(١).
وقال ابن وهب: ((من كتب ((موطأ مالك))، فلا عليه أن لا يكتب من الحلال والحرام
شيئا)»(٣) .
وقال أبو حاتم الرازي: «لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بـ«الموطأ))
أنها صحاح كلها لم يحنث، ولو حلف على حديث غيره كان حانثا)) (٤).
وقال أبو موسى : ((وقعت النار في منزل رجل، فاحترق كل شيء في البيت ، إلا
المصحف و((الموطأ))) (٥).
وقال ابن عبد البر: ((موطئه الذي لا مثل له، ولا كتاب فوقه بعد كتاب اللَّه
تعالى))(٦).
وقال القاضي أبوبكربن العربي: ((اعلموا أنار اللَّه أفئدتكم أن كتاب الجعفي هو
الأصل الثاني في هذا الباب، و(الموطأ)) هو الأول واللباب، وعليهما بنى الجميع؛
کالقشیري ، والترمذي ، فما دونهما)»(٧) .
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٧٨/١)، («ترتيب المدارك)) (٧٠/٢).
(٢) ((حلية الأولياء)) (٣٢٢/٦).
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٧٨/١).
(٤) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٧٦).
(٦) ((التقصي)) (ص٦).
(٧) ((عارضة الأحوذي)) (٥/١).
(٥) ((ترتيب المدارك)) (٧٣/٢).

٦٩
المقَدِّمَة العِلمِيَّة
وقال القاضي عياض : ((لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس
((بالموطأ))، فإن الموافق والمخالف اجتمع على تقديره وتفضيله، وروايته، وتقديم
حديثه وتصحيحه))(١).
وقال الذهبي عقب ذكره لكلام ابن حزم في أولى الكتب بالتعظيم، وقد ذكر
((الموطأ)) بعد الكتب الستة والمسانيد والمصنفات: ((قلت: ما أنصف ابن حزم؛ بل
رتبة ((الموطأ)) أن يذكر تلو ((الصحيحين) مع ((سنن أبي داود)) والنسائي، لكنه تأدب،
وقدم المسندات النبوية الصرف، وإن ((للموطأ)) لوقعا في النفوس، ومهابة في
القلوب، لا يوازنها شيء))(٢).
القول بأن ((الموطأ)» أصح الكتب بعد القرآن الكريم:
ذكر بعض أهل العلم أن ((الموطأ)) أصح الكتب بعد كتاب اللَّه رَات، فممن قال
بذلك: الشافعي رَالَّهُ، حيث قال: ((ما على الأرض بعد كتاب الله تعالى، أصح من
كتاب مالك بن أنس)) (٣). وقال أيضًا: ((ما بعد كتاب اللَّه تعالى كتاب أكثر صوابا من
((موطأ مالك))) (٤).
وقد أجيب عن ذلك؛ فقال ابن الصلاح: ((وأما ما روينا عن الشافعي النشته من
أنه قال: «ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك»، ومنهم
من رواه بغير هذا اللفظ ، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم)) (٥) .
وقال ابن كثير : ((إنما قاله قبل البخاري ومسلم، وقد كانت كتب كثيرة مصنفة
في ذلك الوقت في ((السنن)) لابن جريج، وابن إسحاق غير السيرة، ولأبي قرة
(١) ((ترتيب المدارك)) (٨٠/٢).
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٣/١٨).
(٣) («كشف المغطا في فضل الموطا)) (ص٣٦).
(٤) ((مقدمة الجرح والتعديل)) (ص١٢)، ((حلية الأولياء)) (٣٢٩/٦).
(٥) ((معرفة أنواع علم الحديث)) (ص١٨).

٧٠
الموظّةُاللَإِنَّامِ مَالِك
المول
موسى بن طارق الزبيدي، و((مصنف عبد الرزاق بن همام))، وغير ذلك، وكان
كتاب مالك- وهو ((الموطأ))- أجلها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجمًا
منه وأكثر أحاديث))(١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((هو كما قال الشافعي خائئته، وهذا لا يعارض
ما عليه أئمة الإسلام من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من ((صحيح البخاري))
ومسلم ... وإنما كان هذان الكتابان كذلك؛ لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح
المسند، ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين، ولا سائر الحديث من
الحسن والمرسل وشبه ذلك، ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن
رسول اللَّه ◌َلّ فهو أصح الكتب؛ لأنه أصح منقولا عن المعصوم من الكتب المصنفة .
وأما ((الموطأ)) ونحوه فإنه صنف على طريقة العلماء المصنفين إذ ذاك، فإن الناس
على عهد رسول اللَّه وَ ليل كانوا يكتبون القرآن، وكان النبي وَلّ قد نهاهم أن يكتبوا
عنه غير القرآن، وقال : ((من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه)) ، ثم نسخ ذلك عند
جمهور العلماء؛ حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمرو ، وقال : «اكتبوا لأبي شاه)) ،
وكتب لعمرو بن حزم كتابا. قالوا : وكان النهي أولًا خوفًا من اشتباه القرآن بغيره،
ثم أذن لما أمن ذلك، فكان الناس يكتبون من حديث رسول اللَّه وَليه ما يكتبون،
وكتبوا أيضا غيره .
ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة إلى زمن تابع التابعين ، فصنف العلم
فأول من صنف ابن جريج شيئا في التفسير وشيئا في الأموات ، وصنف سعيد بن
أبي عروبة وحماد بن سلمة ومعمر، وأمثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي وَل
والصحابة والتابعين. وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم والأصول والفروع بعد
القرآن، فصنف مالك ((الموطأ)) على هذه الطريقة، وصنف بعدُ عبد الله بن المبارك؛
وعبد الله بن وهب؛ ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق
(١) ((اختصار علوم الحديث)) (ص٣٠).

٧١
المُقَدّمَة العِلمِيَّة
وسعيد بن منصور وغير هؤلاء فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي
التي أشار إليها الشافعي رَمُِّ))(١).
القول بأن ((الموطأ)» أول ما صنف في الصحيح:
أول من قال ذلك - فيما وقفنا عليه - مغلطاي، حيث قال معقبًا على قول
ابن الصلاح: ((أول من صنف الصحيح: البخاري وتلاه مسلم)» : «غیر جید ، وإن کان
قد قاله قبله غيره ؛ لأن مالكًا رَجَمِلَّهُ بلا خلاف بين المحدثين صنف الصحيح قبله، وتلاه
أحمد بن حنبل شيخ البخاري، وتلاهما الدارمي، وسنبين معنى قولنا في كتاب هذين،
وليس لقائل أن يقول : لعله أراد الصحيح المجرد؛ لأن كتاب مالك فيه البلاغ والمقطوع
والمنقطع والفقه وغير ذلك، لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري))(٢).
وقد أجيب عن كلام مغلطاي هذا فقال العراقي: ((الجواب: أن مالكا رَمِلّه لم يفرد
الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف
كما ذكره ابن عبد البر، فلم يفرد الصحيح إذا)»(٣).
وقد تعقبه ابن حجر، فقال : ((كأن شيخنا لم يستوف النظر في كلام مغلطاي،
وإلا فظاهر قوله مقبول بالنسبة إلى ما ذكره في البخاري من الأحاديث المعلقة،
وبعضها لیس على شرطه، بل وفي بعضها ما لا يصح كما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر
تقسيم التعليق ، فقد مزج الصحيح بما ليس منه، كما فعل ذلك. وكأن مغلطاي
خشي أن يجاب عن اعتراضه بما أجاب به شيخنا من التفرقة ، فبادر إلى الجواب عنه،
لكن الصواب في الجواب عن هذه المسألة أن يقال: ما الذي أراده المؤلف بقوله :
((أول من صنف الصحيح))، هل أراد الصحيح من حيث هو؟ أو أراد الصحيح
المعهود الذي فرغ من تعريفه؟
(١) ((مجموع الفتاوى)) (٣٢٠/٢٠-٣٢٢).
(٢) ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) (ص٧٦).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص٢٥).

٧٢
الموظُّّ لِلإَِّامِ مَالِكِ
القراء
الظاهر أنه لم يرد إلا المعهود، وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في ((الموطأ))، والذي في
البخاري من ذلك قد حذف في البخاري أسانيدها عمدا ليخرجها عن موضوع
الكتاب، وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيها ، واستشهادا، واستئناسا، وتفسيرا
لبعض الآيات. وكأنه أراد أن يكون كتابه جامعا لأبواب الفقه، وغير ذلك من المعاني
التي قصد جمعه فيها ، وقد بينت في كتاب ((تغليق التعليق)) كثيرا من الأحاديث التي
يعلقها البخاري في ((الصحيح)) فيحذف إسنادها أو بعضها، وتوجد موصولة عنده في
موضع آخر من تصانيفه التي هي خارج الصحيح .
والحاصل من هذا : أن أول من صنف في الصحيح يصدق على مالك باعتبار انتقائه
وانتقاده للرجال، فكتابه أصح من الكتب المصنفة في هذا الفن من أهل عصره
وما قاربه؛ كمصنفات سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، والثوري،
وابن إسحاق، ومعمر وابن جريج، وابن المبارك وعبد الرزاق، وغيرهم، ولهذا قال
الشافعي : ما بعد كتاب اللَّه أصح من كتاب مالك، فكتابه صحيح عنده وعند من
تبعه ممن يحتج بالمرسل والموقوف)) (١). اهـ.
ويمكن أن يجاب عن كلام ابن الصلاح بأنه قصد أول من صنف في الصحيح
المجرد، وهذا ما فهمه الإمام النووي رَحمِيَّة ، فقال في اختصاره لكتاب ابن الصلاح:
((أول مصنف في الصحيح المجرد، ((صحيح البخاري))، ثم مسلم))(٢). اهـ. وقال
السيوطي : ((وقد كانت الكتب قبله [يعني: البخاري] مجموعة ممزوجا فيها
الصحيح بغيره، وكانت الآثار في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة
ولا مرتبة ؛ لسيلان أذهانهم وسعة حفظهم، ولأنهم كانوا نهوا أولًا عن كتابتها ، كما
ثبت في ((صحيح مسلم)) ؛ خشية اختلاطها بالقرآن، ولأن أكثرهم كان لا يحسن
الكتابة، فلما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض،
دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم))(٣).
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٧٧/١-٢٧٩).
(٢) ((التقريب والتيسير)) (ص٢٦).
(٣) ((تدريب الراوي)) (٩٣/٢).

المقَدِّمَة العِلمَيَّة
٧٣
الفَضَّلُ الثَّالِثِ
في وصف ((الموطأ))
لقد اعتنى الإمام مالك رَمِلَّهُ بالحديث رواية ودراية ، ولذلك كانت أحاديثه في
(الموطأ)) منتقاة، ولقد وصف ابن عبد البر مالكا في روايته وصفا موجزا محكما ، فقال:
((إن مالكا كان من أشد الناس تركالشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم
تكلفا، وأتقنهم حفظا، ولذلك صار إماما))(١).
ولعل ((الموطأ)) هو أشهر ما عرف به الإمام مالك رَمِلَهُ الذي ألفه بإشارة من المنصور
حين حج وطلب إليه أن يدون كتابًا جامعًا في العلم يتجنب فيه شدائد ابن عمر
ورخص ابن عباس ، وأن يوطئه للناس ، فألف كتابه هذا(٢).
وقد عني مالك رَمِلَّهُ بتأليف ((الموطأ)) وتدوين الأحاديث الصحيحة فيه حتى قالوا :
إنه مكث فيه أربعين سنة يهذبه وينقحه، كما ذكر السيوطي في مقدمة شرحه
(للموطأ)) (٣) عن الأوزاعي، أنه قال: ((عرضنا على مالك ((الموطأ)) فِي أربعين يوما
فقال : كتابٌ ألفته في أربعين سنة ، أخذتموه في أربعين يوما ما أقل ما تفقهون فيه)) .
موضوعه :
حديث رسول اللّه وَّله وقول الصحابة والتابعين ورأيه على الاجتهاد، وعلى
ما أدرك عليه أهل العلم ببلدنا .
فقد رتبه رَمِلَّهُ على أبواب الفقه المختلفة ؛ كما في جميع روايته مع اختلاف ترتيب
الأبواب باختلاف الرواية، ويذكر في كل باب ما جاء فيه من الحديث عن النبي وَِّ لـ
(١) ((التمهيد)) (٦٥/١).
(٢) («ترتيب المدارك)) (٢/ ٧٣).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (٦/١).

٧٤
الموظُّّ لِلإِيَّامِ مَالِكِ
:الموظّاء
ثم ما ورد من الآثار عن الصحابة والتابعين، وكانوا في جمهرتهم من أهل المدينة،
لأن مالكًا رَحَمِلَّهُ لم يغادرها، وأحيانًا يفسر كلمات الحديث بعد سرده، ويبين المراد
من بعض عباراته، وكان ينص على عمل أهل المدينة في الأبواب التي جاء فيها من
حديث الآحاد ما يعارض ذلك العمل(١) .
محتوى «الموطأ)»:
بالنظر في ((الموطأ)) وبعد مراجعة ما حرره العلماء حوله يتلخص أن محتوياته منحصرة
في الأقسام التالية .
القسم الأول : الأحاديث المسندة المرفوعة :
تعتبر جل هذه الأحاديث من الأحاديث التي اتفق أهل العلم على صحتها ، بل
تعتبر أسانيدها من أصح الأسانيد ، وليس أدل على هذا من كثرة ذكر هذه الأسانيد في
((الصحيحين)) من طريقه رَحِمَللَّهُ .
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( ثم هذه کتب الصحیح التي أجل ما فیھا کتاب
البخاري، أول ما يستفتح الباب بحديث مالك، وإن كان في الباب شيء من حديث
مالك لا یقدم على حدیثه غيره)) (٢) .
وقال القاضي عياض: ((قال أبو داود: ((أصح حديث رسول اللَّه وَّ: مالك، عن
نافع، عن ابن عمر مؤلّعليها، ثم مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم مالك،
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة خفتنته)) لم يذكر شيئًا عن غير مالك))(٣).
القسم الثاني : المراسيل :
وهذه الأحاديث صحيحة على شرط مالك رَاللَّهُ، موصولة خارج ((الموطأ))، قال
القاضي عياض نقلا عن أحمد بن عبد اللَّه الكوفي في ((تاريخه)): ((وما أرسله فيه عن
(١) ((التمهيد)) له (٦٥/١).
(٣) ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) (١٦٥/١).
(٢) ((مجموع الفتاوى)) (٣٢٥/٢٠).

المقَدِّمَة العِلمِيَّة
٧٥
ابن مسعود، فرواه عبد اللَّه بن إدريس الأودي وما أرسله عن غيره فعن
ابن مهدي»(١) .
ولمراسيل مالك رَمِلَهُ خصوصية عند أهل العلم لتحريه رَحمِلَّهُ الصواب ، ولأن أصولها
صحيحة غالبا، قال القاضي عياض : ((قال أبو داود: «مراسيل مالك أصح من مراسيل
سعيد بن المسيب ومن مراسيل الحسن، ومالك أصح الناس مرسلً)))(٢).
((وقد ذكر أصحاب مالك أن المرسل يقبل إذا كان مرسله ممن لا يروي إلا عن
الثقات))(٣).
وقَالَ ابن عبد البر: ((مراسيل مالك أصولها صحاح كلها)) (٤).
القسم الثالث : الآثار المروية عن الصحابة والتابعين :
وهي كثيرة في ((الموطأ)) إذ تعتبر أكثر من نصفه، وإيرادها في الكتاب على صور كثيرة
منها كما قال الشاطبي في ((الموافقات)) (٥): ((فعادة مالك بن أنس في ((موطئه)) الإتيان
بالآثار عن الصحابة مبينا بها السنن ، وما يعمل به منها وما لا يعمل به، وما يقيد به
مطلقاتها ، وهو دأبه ومذهبه)) .
وأيضا من هذه الصور :
١ - ما كان يوجه إلى أحكام مستقلة لم تسعفه رواية الحديث بها ، ومن ذلك الأثر الذي
رواه عن سالم بن عبد اللّه دليلاً على منع تغطية الفم في الصلاة ، من أنه كان إذا رأى
من يغطي فاه بثوبه وهو يصلي جذب الثوب جذبا شديدا(٦).
(١) (ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) (١٦٥/١)، وهذا الذي ذكره أحمد بن عبدالله الكوفي الأقرب أنه يعني
به البلاغات وليس المراسيل ، والله أعلم.
(٢) ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) (١٦٥/١).
(٣) ((شرح علل الترمذي)) (٥٥٦/١).
(٥) (١٣١/٤).
(٤) ((التمهيد)) (٢٢٠/٢٤).
(٦) ((الموطأ)) (٤٠).

٧٦
الموظُّّ لِلإِنَّامِ مَالِكِ
ومن ذلك ما نقله عن ابن عمر من أن في قُبلة الرجل امرأته وجسها الوضوء،
ونقل مثله عن ابن مسعود بلاغًا ، ومثلهما عن ابن شهاب من التابعين ، ولم يذكر
حديثًا في هذا الموضوع(١) .
٢- ومنها ما يشير إلى خلاف في الرأي بين بعض الصحابة وبعض، أو بين بعض
الصحابة وبعض التابعين، وذلك كما أورد عن أنس بن مالك خولئتعنه أنه قدم من
العراق ، فدخل عليه أبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب ، فقرب إليهما طعامًا قد
مسته النار فتوضأً أنس، ولم يتوضأأ(٢).
ونظير هذا ما نقله عن عثمان بن عفان ، أنه أكل خبزًا ولحمًا ثم مضمض
وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ(٣) ، وكذلك ما بلغ مالكًا عن
علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس هيئةعنها كانا لا يتوضأان مما مسته النار(٤).
وكما نقل عن عروة بن الزبير أن أباه مسح على الخفين ولم يزد على مسح
ظهورهما ، ثم نقل عن ابن شهاب أنه كان يقول : ((يضع الذي يمسح على الخفين
يدا من فوق الخف ، ويدا من تحت الخف، ثم يمسح)) (٥).
٣- ومما نقل فيه الخلاف أيضًا بين الصحابي والتابعي حكم الرعاف في الصلاة، فإن
ابن عباس غسل الدم ثم بنى من غير وضوء، وأما سعيد بن المسيب فإنه توضأ ثم
بنى على ما صلى، ولم يؤيد مالك أحد الرأيين (٦).
٤- ومنها كذلك ما يقع تفسيرًا لبعض غريب القرآن، كما جاء عن عبد اللّه بن عمر
ضوئُ عنها أنه فسر دلوك الشمس بميلها، وعن ابن عباس أنه قال: ((دلوك الشمس إذا
فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته))(٧) .
(١) («الموطأ)) (١٠٦، ١٠٧، ١٠٨).
(٣) («الموطأ)) (٥٩).
(٥) ((الموطأ)) (٨٤، ٨٥).
(٧) («الموطأ)) (٢١،٢٠).
(٢) ((الموطأ)) (٦٤).
(٤) ((الموطأ)) (٦٠).
(٦) ((الموطأ)) (٨٧، ٨٨).

٧٧
المقَدِّمَة العِلمِيَّة
القسم الرابع : البلاغات :
وهي التي يقول فيها مالك : بلغني أو نحوه من غير أن يبين من روى عنه ، كقوله :
بلغني عن أبي هريرة عن رسول اللَّه وَل ير، أنه قال: ((للمملوك طعامه وكسوته)).
قال الذهبي: ((وأجود ذلك ما قال فيه مالك: بلغني أن رسول اللَّه وَلّ قال كذا
وكذا. فإن مالكا متثبت ، فلعل بلاغاته أقوى من مراسيل مثل : حميد،
وقتادة))(١) .
وهذه البلاغات قد تقصاها ابن عبد البر ووصلها كلها عدا أربع ، وهذه الأربعة
وصلها ابن الصلاح في جزء مفرد(٢) .
القسم الخامس : أقوال الإمام مالك الفقهية :
وهي كما قال مالك نفسه وقد ذكر له ((الموطأ)): ((فيه حديث رسول اللَّه وَّلي وقول
الصحابة والتابعين ورأيي ، وقد تكلمت برأيي على الاجتهاد وعلى ما أدركت عليه
أهل العلم ببلدنا))(٣).
فكانت أقواله، بعضها اجتهادات، مثاله ما قاله مالك: ((وعلى ذلك أدركت أهل
العلم ببلدنا، وذلك أن رسول اللَّه وسلم قال: ((من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك
الصلاة)) (٤).
ومثاله أيضا ما قاله: من أنه لا ينبغي أن يُقرأ شيء من سجود القرآن بعد صلاة
الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وذلك أن
رسول اللَّه ◌َاللهنهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد
(١) وهو مطبوع بعنوان ((وصل بلاغات مالك)) بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، دار المطبوعات
الإسلامية ، بحلب .
(٢) ((الموقظة)) (ص ٤١).
(٤) ينظر ((الموطأ)) عقب (٣٨٥).
(٣) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٧٣).

٧٨
الموظِّ لِلإِنَّامِمَالِكِ
العصر حتى تغرب الشمس قال مالك : ((والسجدة من الصلاة ولا ينبغي لأحد أن يقرأ
السجدة في تلك الساعتين)) (١) .
وبعضه بيانا للأمر الذي كان مجتمعا عليه بالمدينة ، ومثال ذلك، قال: ((ولم أسمع
أن أحدا من أصحاب رسول اللَّه وَله، ولا من التابعين بالمدينة أن أحدا منهم أمر أحدا
قط بصوم عن أحد))(٢).
وبعضه بيانا لما كان عليه التابعون الذين التقى بهم، فيقول مثلا: ((وعلى ذلك
أدركت أهل العلم ببلدنا وعلى ذلك رأيي ... )) (٣).
وبعضه تفسير لبعض ألفاظ الحديث أو بيان المقصود، ومثاله ما قاله مالك في قول
عمر: ((لا يجمع بين متفرِق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة))، وإِنما يعني
بذلك أصحاب المواشي)) .
وتفسير ذلك : أن ينطلق الثلاثة النفر الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة،
قد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة ، فإذا أظلهم المصدق جمعوها جميعا،
لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك)) (٤) .
عدد أحاديث ((الموطأ)) وآثاره:
اختلف في عدد أحاديث ((الموطأ)) وآثاره، وذلك بسبب اختلاف رواياته. فقال
أبو بكر الأبهري: ((جملة ما فيه من الآثار عن النِبِي وَله وعن الصحابة والتابعين ألف
وسبعمائة وعشرون حديثا المسند منها ستمائة حديث والمرسل مائتان واثنان وعشرون
حديثا والموقوف ستمائة وثلاثة عشر ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون)) (٥) .
(١) ينظر ((الموطأ)) عقب (٢١٩).
(٢) ينظر ((الموطأ)) عقب (٦٥٥).
(٣) ينظر ((الموطأ)) عقب (١٢٣٤).
(٤) ينظر ((الموطأ)) تحت باب صدقة الخلطاء.
(٥) ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) للزركشي (١/ ١٩٢).

الموقع
المقَدِّمَة العِلميَّة
٧٩
وذكر الكيا الهراسي في ((تعليقه في الأصول)) أن ((موطأ مالك)) كان اشتمل على تسعة
آلاف حديث ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة (١).
وذكر ابن الهياب : أن مالكًا روى مائة ألف حديث جمع منه في ((موطئه)) عشرة آلاف
ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى وصلت إلى
خمسمائة(٢).
وقال عتيق الزبيري : ((وضع مالك ((الموطأ)) على نحو من عشرة آلاف حديث فلم
يزل ينظر فيه سنة ويسقط منه حتى بقي هذا ولو بقي قليلًا لأسقطه كله)) (٣).
وقد ذكر ابن عبد البر أن عدة أحاديث ((الموطأ)) من رواية يحيى بن يحيى ثمانمائة
حدیث وثلاثة وخمسون حديثا (٤) .
وقال ابن حزم رَمُِّ: ((وكان سماع ابن وهب ((للموطأ)) من مالك قبل سماع
أبي المصعب بدهر، وكذلك سماع ابن القاسم ومعن بن عيسى، وليس في ((موطأ
ابن القاسم)) إلا خمسمائة حديث وثلاثة أحاديث، وفي ((موطأ ابن وهب)) كما في ((موطأ
أبي المصعب)) ولا مزيد))(٥).
وقال أيضًا عن عدد أحاديث رواية أبي مصعب : ((وموطؤه أكمل الموطآت ؛ لأنه فيه
خمسمائة حديث وتسعين حديثًا بالمكرر، أما بإسقاط التكرار فخمسمائة حديث وتسعة
و خمسون حدیثًا»(٥) .
(١) ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) للزركشي (١/ ١٩٢).
(٢) ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) للزركشي (١/ ١٩٤).
(٣) ((ترتيب المدارك)) (٧٣/٢).
(٤) ((التمهيد)) (٢٤ /٤٤٤).
(٥) («الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم (١٣٧/٢)، ينظر جدول الإحصاءات المستخرج بواسطة
الحاسب الآلي مُزَكْ الُوْثُ وَنَقْنِيَةِ المَعْلُومَاتِ الدَّارِالتَّاصِيّ.

٨٠
الموظّ لِلإِقَامِ مَالِكِ
كذا قال رَحَمَّةُ، وقد قمنا في مُرْكِ المُثُ وَنَقْنِيَةِ المَعْلِوَمَاِِّ بِدَارِ التَّاصِي بواسطة الحاسب الآلي
بِعَدِّ أحاديث ((الموطأ)) برواية أبي مصعب التي قامت الدار بتحقيقها؛ فبلغ عدد
الأحاديث المرفوعة (٨٥٥) حديثًا، وعدد المراسيل (١٨٦) مرسلًا، وعدد الموقوفات
(١١١٧) أثرًا، وعدد البلاغات (٢٢٨) بلاغًا ما بين مرفوع وموقوف.