النص المفهرس

صفحات 901-920

لحلية الأولياء
٩٠١
الھوی
* عن سليمان بن داود قال: إن والخصومة، إياك والسلطان. [٢٨/٧]
الغالب لهواه: أشد من الذي يفتح المدينة
وحده. [٣٢٦/٩]
* عن إبراهيم النخعي قال: والله، ما هواها، فقد استراح من الدنيا وبلائها،
رأيت فيما أحدثوا مثقال حبة من خير
- يعني: أهل الأهواء، والرأي،
والقياس -. [٢٢٢/٤]
* عن ميمون بن مهران قال: إياكم،
وكلّ هوى يسمى بغير الإسلام. [٩٢/٤]
* عن محمد بن النضر الحارثي قال:
* عن الأوزاعي قال: قدم علينا غيلان إن أصحاب الأهواء: قد أخذوا في
تأسيس الضلالة، وطمس الهدى؛
فاحذرهم. [٢١٨/٨]
القدري في خلافة هشام بن عبد الملك،
فتكلم غيلان - وكان رجلًا مفوهًا - فلما
* عن مالك بن أنس، أنه كان: إذا
جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما أنا،
فرغ من كلامه؛ قال لحسان: ما تقول فيما
سمعت من کلامي؟ فقال له حسان: یا
غيلان، إن يكن لساني يكل عن جوابك؛ فعلى بينة من ديني؛ وأما أنت: فشاٌ؛
اذهب إلى شاكّ مثلك، فخاصمه. [١١٢/٩]
فإن قلبي ينكر ما تقول. [٧٢/٦]
* قال شقيق البلخي: أربعة أشياء من
* عن زائدة قال: قلت لمنصور بن
المعتمر: إذا كنتُ صائمًا: أنال من
السلطان شيئًا؟ فقال: لا؛ فقلت: إذا
كنتُ صائمًا: أنال من أصحاب الأهواء
شيئًا؟ قال: نعم. [٤١/٥ - ٤٢]
طريق الاستقامة: لا يترك أمر الله لشدة
تنزل به، ولا يتركه لشيء يقع في يده من
الدنيا، فلا يعمل بهوى أحد، ولا يعمل
بهوى نفسه، لأن الهوى مذموم؛ ليعمل
بالكتاب والسنة. [١٧/٨]
* عن الفضيل بن عياض قال: ما على
الرجل، إذا كان فيه ثلاث خصال: إذا لم
يكن صاحب هوى، ولا يشتم السلف،
ولا يخالط السلطان. [١٠٤/٨]
* عن أحمد بن يونس قال: سمعت
رجلًا يقول لسفيان: يا أبا عبد الله،
* عن إبراهيم بن أدهم قال: أشد
الجهاد: جهاد الهوى؛ من منع نفسه
وكان محفوظًا ومعافى من أذاها. [١٨/٨]
* عن سلام بن أبي مطيع قال: قال
رجل من أهل الأهواء: أكلمك كلمة؟
قال: لا، ولا نصف كلمة. [٩/٣]
* عن إبراهيم بن أدهم قال: الهوى
يردي، وخوف الله يشفي؛ واعلم: أن ما
يزيل عن قلبك هواك، إذا خفت من تعلم
أنه يراك. [١٨/٨]
* قال وهب بن منبه: أعون الأخلاق
أوصني؛ قال: إياك والأهواء، إياك على الدين: الزهادة في الدنيا؛ وأسرعها

هيبة العلماء
٩٠٢
التهذيب الموضوعي .
ردءًا: اتباع الهوى؛ ومن اتباع الهوى:
حب المال والشرف؛ ومن حب المال
والشرف: تنتهك المحارم؛ ومن انتهاك
المحارم: يغضب الله ريك؛ وغضب الله
ليس له دواء. [٤١/٤]
هيبة العلماء
* قال أبو عبيد القاسم بن سلام:
جالست أبا يوسف القاضي ومحمد بن
الحسن - وأكثر علي - وقال: ويحيى بن
سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، فما هبت
أحدًا في مسألة ما هبت أبا عبد الله
أحمد بن حنبل. [١٦٦/٩]
* عن إسماعيل بن حماد قال: كنت
إذا رأيت زبيدًا مقبلًا من السوق وجف
قلبي. [٢٩/٥]
* عن هشام بن سليمان المخزومي، أن
علي بن عبد الله بن العباس، كان إذا قدم
مكة حاجًا أو معتمرًا: عطلت قريش
مجالسها في المسجد الحرام، وهجرت
مواضع حلقها، ولزمت مجلس علي بن
عبد الله، إعظامًا وإجلالا وتبجيلًا؛ فإن
قعد، قعدوا؛ وإن نهض، نهضوا، وإن
لقرشي في المسجد الحرام مجلس ذكر
يجتمع إليه فيه، حتى يخرج علي بن
عبد الله من الحرم. [٢٠٧/٣]
الخلق، على قدر هيبتك لله. [٨/ ١١٠]
* عن عبد الله بن داود قال: كان
أصحابنا يهابون مسعرًا، كهيبتهم
الأعمش. [٢١٣/٧]
* عن الزهري قال: إن كنت لآتي
باب عروة، فأجلس، ثم أنصرف، ولا
أدخل؛ ولو أشاء أن أدخل لدخلت؛
إعظامًا له. [٣٦٢/٣]
* عن أبي شهاب قال: رأيت سعيد بن
جبير انقطع شسعه، فخلع نعله الأخرى
- وهو يطوف - فلما رآه القوم، خلعوا
نعالهم. [٢٨٠/٤ - ٢٨١]
* عن أبي يونس المدني قال: أنشدني
بعض أصحابنا من المدنيين في مالك بن
أنس رضي الله تعالى عنه:
يدع الجواب فلا يراجع هيبة
والسائلين نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى
فهو المطاع وليس ذا السلطان
[٣١٨/٦ - ٣١٩]
* عن أبي عاصم قال: مات حماد بن
زيد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام
مشى، مشوا جميعًا حوله؛ وكان لا يرى نظيرًا في هيبته ودلّه، أظنه قال:
وسمته. [٢٥٨/٦]
* عن أيوب قال: كان الرجل يجلس
إلى الحسن وابن سيرين، فلا يسأله عن
* عن الفضيل بن عياض قال: إنما يهابك شيء؛ هيبة له. [٩/ ٥٤]

الورع
٩٠٣
لحلية الأولياء
الورع
* عن محمد بن واسع قال: رأيت يكفي
من الدعاء مع الورع: اليسير. [٣٥٣/٢]
* عن السري بن يحيى قال: لقد ترك
ابن سيرين ربح أربعين ألفًا في شيء
دخله؛ قال السري: فسمعت سليمان
التيمي يقول: لقد تركه في شيء، ما
يختلف فيه أحد من العلماء. [٢٦٦/٢]
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
قال رجل لأبي عبد الرحمن العمري:
عظني؛ فأخذ حصاة من الأرض، فقال:
مثل هذا ورع يدخل في قلبك، خير لك
من صلاة أهل الأرض؛ قال: زدني؛
قال: كما تحب أن يكون الله غدًا، فكن
أنت اليوم. [٢٨٦/٨]
* عن ابن محمد بن يعقوب قال: جاءه
يومًا رسول من داره - يعني: أحمد بن
حنبل - يذكر له أن أبا عبد الرحمن عليل،
واشتهى الزبد؛ فناول رجلًا من أصحابه
قطعة، وقال: اشتر له بها زبدًا؛ فجاء به
على ورق سلق، فلما أن نظر إليه، قال:
من أين هذا الورق؟ قال: أخذته من عند
البقال؛ فقال: استأذنته في ذلك؟ قال:
لا، قال: رده. [١٨١/٩]
* قال محمد بن حنيف: كان غزل
أخته - يعني: أخت بشر بن الحارث -
فیما ذکر: أنها قصدت أحمد بن حنبل؛
منه، وربما يمر بنا مشاعل بني طاهر - ولاة
بغداد - ونحن على السطح، فنغزل في
ضوئها: الطاقة، والطاقتين؛ أفتحله لنا،
أم تحرمه؟ فقال لها: من أنت؟ قالت:
أخت بشر؛ فقال: آه يا آل بشر، لا
عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من
قبلكم. [٣٥٣/٨]
عن سليمان بن داود بن زياد
الشاذكوني؛ قال: علي بن المديني يشبه
بابن حنبل؟ هيهات، ما أشبه السك
باللك؛ لقد حضرت من ورعه شيئًا بمكة،
أنه رهن سطلًا عند قاض، فأخذ منه شيئًا
يتقوته؛ فجاء، فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه
سطلين؛ وقال: انظر أيهما سطلك،
فخذه؛ قال: لا أدري، أنت في حل منه،
ومما أعطيتك في حل؛ ولم يأخذه؛ قال
القاضي: والله، إنه لسطله، وإنما أردت
أن أمتحنه فيه. [١٦٩/٩]
* عبد الرحمن بن عمر بن رستة قال:
أخبرني من سمع ابن عيينة، وسئل عن
الورع؛ فقال: الورع: طلب العلم الذي
يعرف به الورع، وهو عند قوم: طول
الصمت، وقلة الكلام؛ وما هو كذلك، إن
المتكلم، العالم: أفضل عندي وأورع،
من الجاهل، الصامت. [٢٩٩/٧]
* عن الوضين بن عطاء قال: أراد
الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن
فقالت: إنا قوم نغزل بالليل، ومعاشنا مرثد، فبلغ ذلك يزيد بن مرثد؛ فلبس

الورع
٩٠٤
التهذيب الموضوعي
فروة قد قلبها: فجعل الجلد على ظهره،
والصوف خارجًا؛ وأخذ بيده رغيفًا
وعرقًا، وخرج بلا رداء، ولا قلنسوة، ولا
نعل، ولا خف؛ وجعل يمشي في
الأسواق، ويأكل الخبز واللحم؛ فقيل
للوليد: إن يزيد بن مرثد قد اختلط؛
وأخبر بما فعله، فتركه. [١٦٥/٥]
* قال عبد الله بن المبارك: لو أن
رجلًا اتقى مائة شيء، ولم يتورع عن
شيء واحد: لم يكن ورعًا؛ ومن كان
فيه خلة من الجهل: كان من الجاهلين؛
أما سمعت الله تعالى قال لنوح لها؟
قال: ﴿إِنَّ أَبِّى مِنْ أَهْلِى﴾ [هود: ٤٥]
فقال الله: ﴿إِنّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ
اَلْجَهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. [١٦٧/٨]
* عن عتبة بن ضمرة بن حبيب بن
صهيب: حدثني أبي، قال: كان يقال:
لا یعجبنکم صیام امرئ، ولا قیامه؛
ولکن: انظروا إلى ورعه، فإن كان ورعًا
مع ما رزقه الله من العبادة، فهو عبد الله
حقًا . [٦/ ١٠٤]
* عن علي بن بكار قال: كان إبراهيم بن
أدهم يعمل بفلسطين بكراء، فإذا مر به
الجيش إلى مصر وهو يسقي الماء: قطع
الدلو، وألقاه في البئر، لئلا يسقيهم؛
وكانوا يضربون رأسه، يسألونه عن الطريق،
وهو يتخارس عليهم؛ لئلا يدلهم؛ قال:
هذا الورع، ليس أنا، ولا أنت. [٣٧٩/٧]
* عن إبراهيم بن بشار قال: سئل
إبراهيم بن إدهم: بم يتم الورع؟ قال:
بتسوية كل الخلق من قلبك، واشتغالك عن
عيوبهم بذنبك؛ وعليك باللفظ الجميل،
من قلب ذليل، لرب جليل؛ فكّر في ذنبك،
وتب إلى ربك: يثبت الورع في قلبك،
واحسم الطمع، إلا من ربك. [١٦/٨]
* عن أبي سليمان الداراني قال: الورع
من الزهد: بمنزلة القناعة من الرضا؛ هذا
أوله، وهذا أوله. [٩/ ٧٤]
* عن يحيى بن أبي كثير قال: يقول
الناس: فلان الناسك؛ وإنما الناسك:
الورع. [٦٨/٣]
* عن يونس بن عبيد قال: إنك تكاد تعرف
ورع الرجل: في كلامه إذا تكلم. [٢٠/٣]
* عن يوسف بن أسباط قال: يجزئ
قليل الورع عن كثير العمل، ويجزئ قليل
التواضع عن كثير الاجتهاد. [٢٤٣/٨]
* عن ابن سيرين قال: كان أبو الشعثاء
مسلمًا عند الدينار، والدرهم - يعني: كان
ورعًا عندهم -. [٨٩/٣]
* وعن عبد الله بن أبي زكريا قال:
من كثر كلامه، كثر سقطه؛ ومن كثر
سقطه، قلّ ورعه؛ ومن قلّ ورعه،
أمات الله قلبه. [١٤٩/٥]
* عن عبد الله قال: كتب غلام حسان بن
أبي سنان إليه من الأهواز: أن قصب
السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما

الورع
٩٠٥
لحلية الأولياء
قبلك؛ قال: فاشتراه من رجل، فلم يأت حاجة؛ فأراده على أخذها، فأبى أن يقبل
عليه إلا قليل، فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين
ألفًا؛ قال: فأتى صاحب السكر، فقال: يا
هذا، إن غلامي کتب إلي ولم أعلمك،
فأقلني فيما اشتريته منك؛ قال الآخر: قد
أعلمتني الآن وطيّبته لك؛ قال: فرجع،
ولم يحتمل قلبه؛ قال: فأتاه، وقال: یا
هذا، إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه،
فأحب أن تسترد هذا البيع؛ قال: فما زال
به، حتى رده عليه. [١١٨/٣]
رجل الشافعي عن حديث النبي وَلّر؛ فقال
له الرجل: فما تقول؟ فارتعد، وانتفض؛
وقال: أي سماء تظلني، وأي أرض
تقلني، إذا رويت عن رسول الله (چ ،
وقلت بغيره؟ [١٠٦/٩]
* عن يحيى بن أبي كثير قال: أفضل
الأعمال: الورع، وأفضل العبادة:
التواضع. [٦٨/٣]
* عن النعمان بن الزبير الصنعاني،
يحدث: أن محمد بن يوسف أخا
الحجاج، أو أيوب بن يحيى، بعث إلى
طاووس بسبعمائة دينار، أو خمسمائة؛
وقيل للرسول: إن أخذها منك، فإن
الأمير سيكسوك، ويحسن إليك؛ قال:
فخرج بها حتى قدم على طاووس الجند،
طاووس؛ فرمى بها في كوة البيت، ثم
ذهب؛ فقال لهم: قد أخذها؛ فلبثوا
حينًا، ثم بلغهم عن طاووس شيئًا
یکرهونه؛ فقال: ابعثوا إلیه، فلیبعث إلينا
بما لنا؛ فجاءه الرسول، فقال: المال
الذي بعث به إليك الأمير؟ قال: ما
قبضت منه شيئًا، فرجع الرسول فأخبرهم،
فعرفوا أنه صادق؛ فقال: انظروا الذي
ذهب بها، فابعثوه إليه، فبعثوه، فجاءه،
* عن الربيع بن سليمان قال: سأل وقال: المال الذي جئتك به يا أبا
عبد الرحمن؟ قال: هل قبضت منك شيئًا؟
قال: لا، قال له: هل تعلم أين وضعته؟
قال: نعم، في تلك الكوة؛ قال: انظر
حيث وضعته؛ قال: فمدّ يده، فإذا هو
بالصرة قد بنت عليها العنكبوت؛ قال:
فأخذها، فذهب بها إليهم. [١٤/٤ - ١٥]
* عن ابن شوذب قال: لما مات
الحجاج، وولى سليمان أقطع الناس
الموات؛ فجعل الناس يأخذون؛ فقال ابن
الحسن لأبيه: لو أخذنا كما أخذ الناس؟
فقال: اسكت، ما يسرني لو أن لي ما بين
الجسرين بزنبيل تراب. [١٣٠/٦]
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
سمعت أبا سليمان يقول: لا للرضى حد،
ولا للورع حد، ولا للزهد حد؛ وما أعرف
فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفقة بعث إلا طرفًا من كل شيء؛ قال أسد: حدثت
الأمير بها إليك؛ قال: ما لي بها من به سليمان، فقال: من رضي بكل شيء،

الوسوسة - الوصية
٩٠٦
التهذيب الموضوعي
فقد بلغ حد الرضا؛ ومن تورع في كل
شيء، فقد بلغ حد الورع؛ ومن زهد في
كل شيء، فقد بلغ حد الزهد. [٢٥٨/٩]
الوصية
* عن هشام قال: أوصى أنس بن
مالك رضي الله تعالى عنه: أن يغسله
* عن عمران بن عبد الله قال: كان محمد بن سيرين؛ فقيل له في ذلك - وكان
سعيد بن المسيب لا يقبل من أحد شيئًا، لا محبوسًا -؛ فقال: أنا محبوس؛ قالوا:
دينارًا، ولا درهمًا، ولا شيئًا؛ قال: وربما قد استأذنّا الأمير، فأذن لك؛ قال: إن
عرض عليه الأشربة، فيعرض؛ فليس الأمير لم يحبسني، إنما حبسني الذي له
الحق؛ فأذن له صاحب الحق، فخرج،
يشرب من شراب أحد منهم. [١٦٧/٢]
فغسله. [٢٦٧/٢]
الوسوسة
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
شكوت إلى أبي سليمان الداراني
الوسواس؛ فقال: إني أرى قد غمك أبا
الحسن، إن أردت أن يقطع عنك، فإن
أحسست بها، فافرح بها؛ فإنك إذا فرحت
بها: انقطع عنك؛ فإنه ليس شيء أبغض
إليه من سرور المؤمن، وإن اغتممت
منها: زادك. [٢٥٩/٩ - ٢٦٠]
* عن قتادة قال: ذُكر لنا: أن هرم بن
حيان لما حضره الموت، قيل له: أوص؛
قال: ما أدري ما أوصي، ولكن: بيعوا
درعي، فاقضوا عني ديني؛ فإن لم يفنٍ،
فبيعوا غلامي؛ وأوصيكم بخواتيم النحل:
﴿آَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. [١٢١/٢]
* عن مسلم بن عقيل عن أبيه قال: كنا
عند ابن عمر عند المسجد الحرام؛ فسألته
# عن أبي سليمان الداراني قال: لا امرأة عن محارب؛ فقالت: إن أبا هذا،
تجيء الوسواس، إلا كل قلب عامر؛ أوصى ببعير في سبيل الله؛ فقال ابن عمر:
إن سبل الله كثيرة، من سبيل الله: حج
رأيت لصًا يأتي الخرابة، ينقبها، وهو
يدخل من أي الأبواب شاء؟ إنما يجيء: البيت، ومن سبيل الله: صلة الرحم، ومن
سبيل الله: قوم من المسلمين، يقاتلون قومًا
البيت فيه رزم، وقد أقفل؛ ينقبه، ليستل
الرزم. [٩/ ٢٥٧]
من المشركين، ليس لهم مركب. [٩/ ٥٤]
# عن الأعمش قال: آية الثقيل
الوسوسة، لأن أهل الكتابين لا يدرون
* عن عبد الصمد بن يزيد قال:
سمعت الفضيل بن عياض يقول: لا تجعل
بالوسوسة؛ لأن أعمالهم لا تصعد إلى الرجال أوصياءك؛ كيف تلومهم أن
السماء. [٥١/٥]
يضيعوا وصيتك، وأنت قد ضيعتها في

الوصية
٩٠٧
لحلية الأولياء
حياتك؟ وأنت بعد هذا: تصير إلى بيت
الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الدود؛
ويكون زائرك فيها: منكرًا ونكيرًا، وقبرك:
روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر
النار؛ ثم بكى الفضيل، وقال: أعاذنا الله
وإياكم من النار. [٨٧/٨]
* عن أبي إسحاق، أن أبا ميسرة:
أوصى أن يصلي عليه شريح. [٤ /١٤٣]
** قال أبو عبد الله، ودخلت على
محمد بن أسلم قبل موته بأربعة أيام
بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال
أبشّرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد
نزل بي الموت، وقد منّ الله علي أن ليس
* عن عيسى بن حازم قال: كنت مع
إبراهيم بن أدهم بمكة، إذ لقيه قوم؛
قالوا: آجرك الله، مات أبوك؛ قال:
مات؟ قالوا: نعم؛ قال: إنا لله وإنا إليه
راجعون، راتُ، قالوا: قد أوصی إلیك،
وقد ضجر العامل جمع ما خلف؛ قال:
فسبقهم إلى البلد، فأتى العامل؛ فقال:
أنا ابن الميت؛ فقال: ومن يعلم؟ قال:
السلام علیکم، وخرج یرید مكة؛ فقال
الناس للعامل: هذا إبراهيم بن أدهم،
الحقه، لا تكون أغضبته، فيدعو عليك؛
فلحقه، وقال: ارجع، واجعلني في حل،
ما عرفتك؛ قال: قد جعلتك في حل من قال: ((أنت ومالك لأبيك)). وقال: ((أطيب
قبل أن تقول لي، فرجع، وأنفذ وصايا ما يأكل الرجل من كسبه وولده من
أبيه، وقسم نصيبه على الورثة؛ وخرج كسبه)). فكفنوني فيها، فإن أصبتم لي
راجعًا إلى مكة. [٣١/٨]
عندي درهم يحاسبني الله عليه، وقد
علم الله ضعفي، وأني لا أطيق الحساب،
فلم يدع عندي شيئًا يحاسبني به الله؛ ثم
قال: أغلق الباب، ولا تأذن لأحد علي
حتى أموت وتدفنوني، إني أخرج من
الدنيا وليس أدع ميراثًا، غير كتبي
وكسائي، ولبدي وإنائي الذي أتوضأ منه،
وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس مؤنة،
وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهمًا،
فقال: هذا لابني، أهداه إليه قريب له،
ولا أعلم شيئًا أحل لي منه، لأن النبي وَلّ
بعشرة دراهم ما يستر عورتي، فلا تشتروا
بخمسة عشر، وابسطوا على جنازتي
* عن الشافعي قال: لما حضرت
الحطيئة الوفاة، قيل له: أوص؛ قال:
أوصي المساکین بالمسألة؛ قيل له: أوص
لبدي، وغطوا على جنازتي كسائي، ولا
تكلفوا أحدًا ليأتي جنازتي، وتصدقوا
في مالك؛ قال: مالي للذكور دون الإناث؛ بإنائي، أعطوه مسكينًا يتوضأ منه؛ ثم مات
في اليوم الرابع، فعجبت أن قال لي ذلك
قيل: ليس هذا قضاء الله؛ قال: لكني
أقوله؛ ثم قال: احملوني على حمار، فإنه
من يموت عليه: كريم. [١٣٦/٩]
بيني وبينه، فلما أخرجت جنازته، جعل
النساء يقلن من فوق السطوح: يا أيها

وصايا السلف
٩٠٨
التهذيب الموضوعي
الناس، هذا العالم الذي خرج من الدنيا،
وهذا ميراثه الذي على جنازته، ليس مثل
علمائنا هؤلاء الذين هم عبيد بطونهم،
يجلس أحدهم للعلم سنتين أو ثلاثًا،
فيشتري الضياع ويستفيد المال. [٢٤١/٩]
* عن عبد الرحمن بن عمر قال: كان
عبد الرحمن بن مهدي يحج كل سنة،
فمات أخوه، وأوصی إلیه، وقبل وصيته،
وقام على أيتامه، وترك الحج. [١٤/٩]
وصايا السلف
* عن كميل بن زياد قال: أخذ علي بن
أبي طالب بيدي، فأخرجني إلى ناحية
الجبّان؛ فلما أصحرنا: جلس، ثم تنفس؛
ثم قال: يا كميل بن زياد، القلوب أوعية،
فخيرها أوعاها .
احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة :
فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة،
وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع
كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم
یلجئوا إلى ركن وثيق.
العلم: خير من المال؛ العلم:
يحرسك، وأنت تحرس المال؛ العلم:
يزكو على العمل، والمال: تنقصه النفقة؛
ومحبة العالم: دين، يدان بها العلم،
يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل
الأحدوثة بعد موته؛ وصنيعة المال: تزول
بزواله، مات خزّان الأموال، وهم أحياء.
والعلماء: باقون، ما بقي الدهر؛
أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب
موجودة؛ هاہ، إن هاهنا - وأشار بيده إلى
صدره - علمًا، لو أصبت له حملة، بلى
أصبته لقنًا غير مأمون عليه، يستعمل آلة
الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على
كتابه، وبنعمه على عباده؛ أو: منقادًا
لأهل الحق، لا بصيرة له في إحيائه،
يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من
شبهة، لا ذا، ولا ذاك؛ أو: منهوم
باللذات، سلس القياد للشهوات؛ أو:
مغرى بجمع الأموال، والادخار؛ وليسا
من دعاة الدين، أقرب شبهًا بهما: الأنعام
السائمة؛ كذلك يموت العلم بموت
حامليه .
اللهم، بلى: لا تخلو الأرض من قائم الله
بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته؛ أولئك
هم الأقلون عددًا: الأعظمون عند الله
قدرًا؛ بهم يدفع الله عن حججه، حتى
يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب
أشباههم؛ هجم بهم العلم على حقيقة
الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون،
وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون؛
صحبوا الدنيا بأبدان: أرواحها معلقة
بالمنظر الأعلى؛ أولئك خلفاء الله في
بلاده، ودعاته إلى دينه؛ هاه، هاه: شوقًا
إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك. إذا
شئت فقم. [٧٩/١ - ٨٠]
* عن محمد بن سوقة قال: أتيت

لحلية الأولياء
٩٠٩
وصايا السلف
نعيم بن أبي هند، فأخرج إلي صحيفة؛ عمر؟ وأنه: لا حول ولا قوة لعمر عند
ذلك، إلا بالله رجل .
فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح،
ومعاذ بن جبل، إلى عمر بن الخطاب:
سلام عليك؛ أما بعد: فإنا عهدناك، وأمر
نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر
هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين
يديك الشريف والوضيع، والعدو
والصديق، ولكل حصته من العدل؛
فانظر، كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ فإنا
نحذرك يومًا تعنى فيه الوجوه، وتجف فيه
القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك،
قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له،
یرجون رحمته، ويخافون عقابه.
وكتبتما : تحذراني ما حذرت منه الأمم
قبلنا؛ وقديمًا: كان اختلاف الليل والنهار
بآجال الناس، يقربان كل بعيد، ويبليان
كل جديد، ويأتيان بكل موعود؛ حتى
يصير الناس إلى منازلهم: من الجنة،
والنار.
كتبتما: تحذراني: أن أمر هذه الأمة
سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا
إخوان العلانية، أعداء السريرة؛ ولستم
بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك؛ وذلك
زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة
وأنا كنا نحدث: أن أمر هذه الأمة الناس بعضهم إلى بعض: لصلاح دنياهم.
سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا
إخوان العلانية، أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ
بالله: أن ينزل كتابنا إليك، سوى المنزل
الذي نزل من قلوبنا؛ فإنما كتبنا به:
نصيحة لك؛ والسلام عليك.
كتبتما: تعوذاني بالله: أن أنزل كتابكما
سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما،
وأنكما كتبتما به نصيحة لى؛ وقد صدقتما،
فلا تدعا الكتاب إلي، فإنه لا غنى بي
عنكما؛ والسلام عليكما. [١/ ٢٣٧ - ٢٣٨]
* قال مورق العجلي: إني لقليل
الغضب، ولقلما غضبت، فأقول في غضبي
شيئًا، ندمت عليه إذا رضيت؛ فقال رجل:
إني أشكو إليك قسوة قلبي، لا أستطيع
فكتب إليهما عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه: من عمر بن الخطاب، إلى أبي
عبيدة ومعاذ: سلام عليكما؛ أما بعد:
أتاني كتابكما، تذكران أنكما عهدتماني،
وأمر نفسي لي مهم؛ فأصبحت قد وليت الصوم، ولا أصلي، فقال له مورق: إن
أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس ضعفت عن الخير، فاضعف عن الشر؛
بين يدي: الشريف والوضيع، والعدو فإني أفرح بالنومة أنامها. [٢٣٥/٢]
والصديق، ولكل حصته من العدل.
* عن عبد الواحد بن يزيد قال: يا
كتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النيران؟ ألا،

وصايا السلف
٩١٠
التهذيب الموضوعي
وإنه من بكى خوفًا من النار: أعاذه الله
تعالى منها؛ يا إخوتاه: ألا تبكون خوفًا
من شدة العطش يوم القيامة؟ يا إخوتاه:
ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد
أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر
القدس، مع خير القدماء والأصحاب: من
النبيين، والصديقين، والشهداء،
والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. قال:
ثم جعل يبكي، حتى غشي عليه. [١٦١/٦]
* عن سفيان الثوري قال: فيما أوصى
به علي بن الحسن السلمي: عليك
بالصدق في المواطن كلها، وإياك
والكذب، والخيانة، ومجالسة أصحابها،
فإنها وزر كله؛ وإياك يا أخي: والرياء في
القول والعمل، فإنه شرك بعينه؛ وإياك
والعجب: فإن العمل الصالح: لا يرفع
وفيه عجب .
ولا تأخذن دينك، إلا ممن هو مشفق
على دينه؛ فإن مثل الذي هو غير مشفق
على دينه: كمثل طبيب به داء، لا يستطيع
أن يعالج داء نفسه، وینصح لنفسه؛ کیف
يعالج داء الناس، وينصح لهم؟ فهذا الذي
لا يشفق على دينه كي يشفق على دينك؟
ويا أخي: إنما دينك: لحمك ودمك،
ابك على نفسك وارحمها؛ فإن أنت لم
ترحمها: لم ترحم؛ وليكن جليسك: من
يزهدك في الدنيا، ويرغبك في الآخرة؛
وإياك ومجالسة أهل الدنيا: الذين
يخوضون فى حديث الدنيا، فإنهم يفسدون
عليك دينك، وقلبك؛ وأكثر ذكر الموت،
وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك،
وسل الله السلامة لما بقي من عمرك.
ثم: عليك يا أخي بأدب حسن، وخلق
حسن؛ ولا تخالفن الجماعة، فإن الخير
فيها؛ إلا من هو مكب على الدنيا: كالذي
يعمر بيتًا، ويخرج آخر؛ وانصح لكل
مؤمن إذا سألك في أمر دينه، ولا تكتمن
أحدًا من النصيحة شيئًا؛ إذا شاورك فيما
کان لله فیه رضی.
وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان
مؤمنًا: فقد خان الله ورسوله؛ وإذا أحببت
أخاك في الله، فابذل له نفسك، ومالك؛
وإياك: والخصومات، والجدال والمراء؛
فإنك تصير: ظلومًا، خوانًا أثيمًا .
وعليك بالصبر في المواطن كلها، فإن
الصبر يجر إلى البر، والبر يجر إلى
الجنة؛ وإياك والحدة والغضب؛ فإنهما
يجران إلى الفجور، والفجور يجر إلى
النار.
ولا تمارينّ عالمًا فيمقتك، وإن
الاختلاف إلى العلماء رحمة، والانقطاع
عنهم: سخط الرحمن؛ وإن العلماء:
خزان الأنبياء، وأصحاب مواريثهم؛
وعليك بالزهد: يبصرك الله عورات الدنيا؛
وعليك بالورع: يخفف الله حسابك؛ ودع
كثيرًا مما يريبك إلى ما لا يريبك: تكن

لحلية الأولياء
٩١١
وصايا السلف
سليمًا؛ وادفع الشك باليقين: يسلم لك
دينك؛ وأُمر بالمعروف، وانه عن المنكر:
تكن حبيب الله؛ وأبغض الفاسقين: تطرد به
الشياطين؛ وأقل الفرح والضحك، بما
تصيب من الدنيا: تزدد قوة عند الله؛ واعمل
لآخرتك: يكفك الله أمر دنياك؛ وأحسن
سريرتك: يحسن الله علانيتك؛ وابك على
خطيئتك: تكن من أهل الرفيق الأعلى؛ ولا
تكن غافلًا، فإنه ليس يغفل عنك.
وأن لله عليك حقوقًا وشروطًا كثيرة،
وينبغي لك أن تؤديها، ولا تكونن غافلًا
عنها؛ فإنه ليس يغفل عنك، وأنت
محاسب بها يوم القيامة.
بالتؤدة؛ فإن رأيته موافقًا لأمر آخرتك:
فخذه؛ وإلا: فقف عنه؛ حتى ينظر إلى
من أخذه: کیف عمله فيها، و کیف نجا
منها؟ واسأل الله العافية.
وإذا هممت بأمر من أمور الآخرة:
فشمّر إليها وأسرع، من قبل أن يحول بينها
وبينك الشيطان.
ولا تكونن أكولًا، لا تعمل بقدر ما
تأكل، فإنه يكره ذلك؛ ولا تأكل بغير نية،
ولا بغير شهوة، ولا تحشون بطنك: فتقع
جيفة لا تذكر الله.
وأكثر من الهم والحزن، فإن أكثر ما
يجد المؤمن في كتابه من الحسنات:
الهم، والحزن.
وإياك والطمع فيما في أيدي الناس،
فإن الطمع هلاك الدين؛ وإياك والرغبة،
فإن الرغبة تقسي القلب؛ وإياك والحرص
على الدنيا، فإن الحرص مما يفضح
الناس يوم القيامة؛ وكن طاهر القلب،
نقي الجسد من الذنوب والخطايا، نقي
اليدين من المظالم، سليم القلب من
الغش، والمكر، والخيانة؛ خالي البطن
من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة: لحم
نبت من سحت؛ كفّ بصرك عن الناس،
ولا تمشين بغير حاجة، ولا تكلمن بغير
حكم، ولا تبطش بيدك إلى ما ليس لك.
وكن خائفًا حزينًا لما بقي من عمرك؛
وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا: فعليك لا تدري ما يحدث فيه من أمر دينك؛
وإياك أن تلي نفسك من الأمانة شيئًا،
وكيف تليها، وقد سماك الله ظلومًا
جهولًا؟ أبوك آدم: لم يبق فيها، ولم
يستكمل يوم حملها، حتى وقع في
الخطيئة .
أقل العثرة، واقبل المعذرة، واغفر
الذنب؛ كن ممن يرجى خيره، ويؤمن
شره؛ لا تبغض أحدًا ممن يطيع الله؛ كن
رحيمًا للعامة والخاصة، ولا تقطع
رحمك، وصِل من قطعك، وصِل
رحمك، وإن قطعك.
وتجاوز عمن ظلمك، تكن رفيق الأنبياء
والشهداء؛ وأقل دخول السوق: فإنهم
ذئاب عليهم ثياب، وفيها مردة الشياطين

وصايا السلف
٩١٢
التهذيب الموضوعي
من الجن والإنس؛ وإذا دخلتها، فقد وتوكل على الله: تكن قويًا؛ ولا تنازع
أهل الدنيا في دنياهم: يحبك الله ويحبك
أهل الأرض؛ وكن متواضعًا: تستكمل
أعمال البر؛ اعمل بالعافية: تأتك العافية
من فوقك؛ كن عفوًا: تظفر بحاجتك؛ كن
رحيمًا، يترحم عليك كل شيء.
لزمك الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر؛ وإنك لا ترى فيها إلا منكرًا؛ فقم
على طرفها، فقل: أشهد أن لا إله إلا الله،
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل
شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم؛ فقد بلغنا: أنه يكتب لقائلها
بكل من في السوق: عجمي، أو فصيح:
عشر حسنات؛ ولا تجلس فيها، واقض
حاجتك وأنت قائم: يسلم لك دينك.
وإياك أن يفارقك الدرهم، فإنه أتم
لعقلك، ولا تمنعن نفسك من الحلاوة،
فإنه يزيد في الحلم؛ وعليك باللحم، ولا
تدم عليه، ولا تدعه أربعين يومًا: فإنه
يسيء خلقك؛ ولا ترد الطيب، فإنه یزید
في الدماغ؛ وعليك بالعدس، فإنه يفرز
الدموع، ويرق القلب؛ وعليك باللباس
الخشن: تجد حلاوة الإيمان؛ وعليك بقلّة
الأكل: تملك سهر الليل؛ وعليك
بالصوم: فإنه يسد عنك باب الفجور،
ويفتح عليك باب العبادة؛ وعليك بقلّة
الكلام: يلين قلبك؛ وعليك بطول
الصمت: تملك الورع.
يا أخي، لا تدع أيامك ولياليك
وساعاتك تمر عليك باطلًا، وقدّم من
نفسك لنفسك ليوم العطش؛ يا أخي،
فإنك لا تروى يوم القيامة: إلا بالرضى
من الرحمن؛ ولا تدرك رضوانه: إلا
بطاعتك؛ وأكثر من النوافل: تقربك
إلى الله؛ وعليك بالسخاء: تستر
العورات، ويخفف الله عليك الحساب
والأهوال؛ وعليك بكثرة المعروف:
يؤنسك الله في قبرك؛ واجتنب المحارم
كلها : تجد حلاوة الإيمان.
جالس أهل الورع، وأهل التقى:
يصلح الله أمر دينك؛ وشاور في أمر دينك
الذين يخشون الله؛ وسارع في الخيرات:
يحول الله بينك وبين معصيتك؛ وعليك
بكثرة ذكر الله: يزهدك الله في الدنيا؛
وعليك بذكر الموت: يهون الله عليك أمر
الدنيا؛ واشتق إلى الجنة: يوفق الله لك
الطاعة؛ وأشفق من النار: يهون الله عليك
ولا تكونن حريصًا على الدنيا، ولا
تكن حاسدًا: تكن سريع الفهم؛ ولا تكن
طعانًا؛ تنج من ألسن الناس؛ وكن
رحيمًا: تكن محببًا إلى الناس؛ وارض
المصائب؛ أحب أهل الجنة: تكن معهم
يوم القيامة؛ وأبغض أهل المعاصي:
يحبك الله، والمؤمنون شهود الله في
بما قسم الله لك من الرزق: تكن غنيًا؛ الأرض؛ ولا تسبنَّ أحدًا من المؤمنين؛

لحلية الأولياء
٩١٣
وصايا السلف
ولا تحقرنَّ شيئًا من المعروف؛ ولا تنازع قضيتها؟ ولا تحسبن الله راضيًا منك
بالتغرير، ولا قابلًا منك التقصير؛
هيهات، ليس كذلك أخذ على العلماء في
كتابه، إذ قال تعالى: ﴿لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَمُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٨٧] الآية. إنك تقول أنك جدل، ماهر،
عالم، قد جادلت الناس: فجدلتهم،
وخاصمتهم: فخصمتهم؛ إدلالا منك
بفهمك، واقتدارًا منك برأيك؛ فأين تذهب
عن قول الله وَل: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ
عَنْهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ﴾؟ [النساء: ١٠٩] الآية.
أهل الدنيا في دنياهم؛ وانظر يا أخي، أن
يكون أول أمرك: تقوى الله، في السر
والعلانية؛ واخش الله خشية من قد علم:
أنه ميت، ومبعوث، ثم الحشر، ثم
الوقوف بين يدي الجبار ێ، وتحاسب
بعملك، ثم المصیر إلى إحدى الدارين:
إما جنة ناعمة خالدة، وإما نار فيها ألوان
العذاب؛ مع خلود لا موت فيه؛ وارج
رجاء من علم: أنه يعفو، أو يعاقب.
وبالله التوفيق، لا رب غيره. [٨٢/٧ - ٨٥]
* عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو
حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله
وإياك أبا بكر من الفتن، ورحمك من
النار؛ فقد أصبحت بحال: ينبغي لمن
عرفك بها أن يرحمك منها؛ أصبحت
شيخًا كبيرًا، قد أثقلتك نِعَم الله عليك:
بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك،
وعلمت حجج الله تعالى: مما حمّلك من
كتابه، وفقّهك فيه في دينه، وفهمك من
سنة نبيك 9؛ فرمى بك في كل نعمة
أنعمها عليك، وكل حجة يحتج بها عليك
الغرض الأقصى؛ ابتلى في ذلك شكرك،
وأبدى فيه فضله عليك؛ وقد قال: ﴿وَإِذْ
تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾﴾ [إبراهيم: ٧]
انظر: أي رجل تكون إذا وقفت بين
يدي الله رحمت؟ فسألك عن نعمه عليك:
كيف رعيتها؟ عن حججه عليك: كيف
اعلم، أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما
احتقبت: أن آنست الظالم، وسهّلت له
طريق الغي: بدنوك حين أدنيت، وإجابتك
حين دعيت؛ فما أخلقك: أن تبوء باسمك
غدًا مع الجرمة، وأن تسأل عما أردت،
بإغضائك عن ظلم الظلمة؛ إنك أخذت ما
ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يرد
على أحد حقًا، ولا ترك باطلًا حين
أدناك؛ وأجبت من أراد التدليس بدعائه
إياك حين دعاك، جعلوك قطبًا تدور رحی
باطلهم عليك، وجسرًا يعبرون بك إلى
بلائهم، وسلمًا إلى ضلالتهم، وداعيًا إلى
غيهم، سالكًا سبيلهم؛ يدخلون بك الشك
على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال
إليهم؛ فلم تبلغ أخص وزرائهم، ولا
أقوى أعوانهم لهم، إلا دون ما بلغت
من: إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة

وصايا السلف
٩١٤
التهذيب الموضوعي
والعامة إليهم؛ فما أيسر ما عمروا لك،
في جنب ما خربوا عليك؛ وما أقل ما
أعطوك، في كثير ما أخذوا منك؛ فانظر
لنفسك، فإنه لا ينظر لها غيرك؛ وحاسبها
حساب رجل مسؤول؛ وانظر كيف شكرك
لمن غذاك بنعمه، صغيرًا، وكبيرًا؟ وانظر
كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في
الناس بخيلاً؟ وكيف صيانتك لكسوة من
جعلك لكسوته ستیرًا؟ وكيف قربك
وبعدك، ممن أمرك أن تكون منه قريبًا؟
ما لك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من
عثرتك؟ فتقول: والله، ما قمت لله مقامًا
واحدًا: أحيي له فيه دينًا، ولا أميت له
فيه باطلًا؛ إنما شكرك لمن استحملك
كتابه، واستودعك علمه، ما يؤمنك أن
تكون من الذين قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ
بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا
اٌلْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] الآية. إنك لست
في دار مقام قد أوذنت بالرحيل، ما بقاء
المرء بعد أقرانه؟ طوبى لمن كان مع الدنيا
على وجل، يا بؤس من يموت، وتبقى
ذنوبه من بعده؛ إنك لم تؤمر بالنظر
لوارثك على نفسك؛ ليس أحد أهلًا أن
تردفه على ظهرك؛ ذهبت اللذة، وبقيت
التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره؛
احذر، فقد أتيت، وتخلص، فقد أدهيت؛
إنك تعامل من لا يجهل، والذي يحفظ
عليك لا يغفل؛ تجهز: فقد دنا منك
سفر، وداو دینك، فقد دخله سقم شدید؛
ولا تحسبن أنى أردت توبيخك، أو تعييرك
وتعنيفك؛ ولكني أردت أن تنعش ما فات
من رأيك، وترك عليك ما عزب عنك من
حلمك؛ وذكرت قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (@﴾ [الذاريات: ٥٥].
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك
وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؛
فانظر: هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو
دخلوا في مثل ما دخلت فيه؟ وهل تراه
ادخر لك خيرًا منعوه، أو علمك شيئًا
جهلوه؟ بل جهلت ما ابتليت به من حالك
في صدور العامة، وكلفهم بك: أن صاروا
يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك؛ إن
أحللت، أحلوا؛ وإن حرمت، حرموا؛
وليس ذلك عندك؛ ولكنهم إکبابهم عليك،
ورغبتهم فيما في يديك: ذهاب عملهم،
وغلبة الجهل عليك وعليهم، وطلب حب
الرياسة، وطلب الدنيا منك ومنهم؛ أما
ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما
الناس فيه من البلاء والفتنة؟ ابتليتهم
بالشغل عن مكاسبهم، وفتنتهم بما رأوا
من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم إلى
أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه
مثل الذي بلغت؛ فوقعوا بك في بحر لا
يدرك قعره، وفي بلاء لا يقدر قدره؛ فالله
لنا ولك ولهم المستعان.
واعلم، أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله
تعالى على يدي أوليائه لأوليائه، الخامل
ذكرهم، الخافية شخوصهم؛ ولقد

لحلية الأولياء
٩١٥
وصايا السلف
جاء نعتهم على لسان رسول الله وَله.
إن الله يحب: الأخفياء، الأتقياء،
الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا
شهدوا لم يعرفوا؛ قلوبهم مصابيح
الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء
مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله، الذين قال الله
تعالى فيهم: ﴿أُوْلَّكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وجاه
يجريه الله تعالى على يدي أعدائه لأوليائه
ومقة يقذفها الله في قلوبهم لهم، فيعظمهم
الناس بتعظيم أولئك لهم، ويرغب الناس
فيما في أيديهم، لرغبة أولئك فيه إليهم:
﴿أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطَنِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَيِنِ
مُ اْسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
وما أخوفني: أن تكون ممن ينظر لمن
عاش: مستورًا عليه في دينه، مقتورًا عليه
في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفة عنه
الفتن في عنفوان شبابه، وظهور جلده،
وکمال شهوته، فعنی بذلك دهره؛ حتى إذا
كبر سنه، ورقّ عظمه، وضعفت قوته،
وانقطعت شهوته ولذته: فتحت عليه الدنيا
شر فتوح، فلزمته تبعتها، وعلقته فتنتها،
وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره
منفعتها؛ فسبحان الله، ما أبين هذا الغبن،
وأخسر هذا الأمر؛ فهلا إذا عرضت لك
فتنتها : ذكرت أمير المؤمنين عمر رضي الله
تعالى عنه، في كتابه إلى سعد، حين خاف
عليه مثل الذي وقعت فيه، عندما فتح الله
أنت فيه، حتى تلقى الماضين الذين دفنوا
في أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم؛
ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم
الدنيا، ولم يفتتنوا بها، رغبوا فطلبوا؛ فما
لبثوا أن لحقوا .
فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا:
في كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور
أجلك؛ فمن يلوم الحدث في سنه،
والجاهل في علمه، المأفون في رأيه،
المدخول في عقله؟ إنا لله وإنا إليه
راجعون.
على من المعول، وعند من المستعتب؟
نحتسب عند الله مصيبتنا، ونشكو إليه بثنا
وما نرى منك؛ ونحمد الله الذي عافانا
مما ابتلاك به؛ والسلام عليك ورحمة الله
وبركاته. [٢٤٦/٣ - ٢٤٩]
* عن مبارك أبي حماد - مولى
إبراهيم بن سام -؛ قال: سمعت سفيان
الثوري، يقرأ على علي بن الحسن
السليمي: يا أخي، لا تغبط أهل الشهوات
بشهواتهم، ولا ما يتقلبون فيه من النعمة؛
فإن أمامهم يومًا تزل فيه الأقدام، وترعد
فيه الأجسام، وتتغير فيه الألوان، ويطول
فيه القيام ويشتد فيه الحساب، وتتطاير فيه
القلوب، حتى تبلغ الحناجر.
فيا لها من ندامة، على ما أصابوا من
هذه الشهوات: اجعل كسبك فيما يكون
على سعد؛ أما بعد: فأعرض عن زهرة ما لك، ولا تجعل كسبك فيما يكون عليك؛

وصايا السلف
٩١٦
التهذيب الموضوعي
فإن الذي يقدم ماله، وأعطى حق الله منه: من طلب التوبة؛ وإن الله غفور رحيم
لأهل المعاصي، رحيم للتوابين، حليم
فماله له، وأفضل منه؛ والذي يخلف
ماله، ويضيع حق الله فيه: فماله وبال عليه
يوم القيامة.
ودود؛ وإياك أن تزداد بحلمه عنك: جرأة
على المعصية، فإن الله لم يرض لأنبيائه
المعصية، والحرام، والظلم؛ فقال:
﴿وَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً
اكسب حلالًا، واجلس مع من کسبه
من حلال، وكلْ طعام من كسبه من
حلال؛ وليكن أهل مشورتك من كسبه من
حلال، فإن الورع: ملاك الدين،
واستكمال أمر الآخرة.
واعلم، أنه يا أخي: لا يمتنع أحد عن
الحرام، إلا من هو مشفق على لحمه
ودمه؛ فإنما دينك: لحمك ودمك؛
فاجتنب الحرام، ولا تجلس مع من
یکسب الحرام، ولا تأكل مع من کسبه من
حرام، ولا تدل أحدًا على الحرام، ولا
تشیرن به إلی أحد فیأخذه، ولا تورثه إلى
أحد؛ وانصح لكل بر وفاجر: أن لا
يأخذه؛ فإن فعلت من ذلك شيئًا، فأنت
عون له، والعون شريك.
وإياك والظلم، وأن تكون عونًا للظالم،
وأن تصحبه، أو تؤاكله، أو تبتسم في
وجهه، أو تنال منه شيئًا: فتكون عونًا له،
والعون شريك.
لا تخالفن أهل التقوى، ولا تخادن يذكرها، ويرجو ثوابها، ويتهاون
أهل الخطايا، ولا تجالس أهل المعاصي، بالذنوب، حتى فارق الدنيا، ودخل النار.
واجتنب المحارم كلها، واتق أهلها .
فكن يا أخي: كيسًا، حذرًا على ما زل
وإياك والأهواء، فإن أولها وآخرها منك ومضى، لا تدري ماذا يفعل بك ربك
باطل؛ ولكل ذنب توبة، وترك الذنب أيسر فيه؛ وما بقي من عمرك: لا تدري ماذا
[المؤمنون: ٥١].
٥١٦
إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (
ثم قال للمؤمنين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ثم
أجملها، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
اَلْأَرْضِ ◌َلًا طَيْبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينُ (14)﴾ [البقرة: ١٦٨].
واعلم يا أخي، أنه لم يرض لأنبيائه، ولا
للمؤمنين، ولا للمشركين: حرامًا؛ ولا
تتهاون بالذنب الصغير، ولكن انظر: من
عصيت؟ عصيت ربًا عظيمًا، يعاقب على
الصغير، ويتجاوز عن الكبير.
وإن أكيس الكيس: من يدخل الجنة
بذنب عمله، فنصبه بين عينيه، ثم لم يزل
حذرًا على نفسه من تلك الخطيئة، حتى
فارق الدنيا، ودخل الجنة.
وإن أحمق الحمق: من دخل النار
بحسنة واحدة، نصبها بين عينيه، ولم يزل

لحلية الأولياء
٩١٧
وصايا السلف
* خليل
يحدث لك فيها؛ فإن إبراهيم
الرحمن: حذر على نفسه، فسأل ربه؛
فقال: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾
[إبراهيم: ٣٥]. وقال يوسف،فَلَّ: ﴿تَّوَفَّنِى
مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
◌َلَّهُ: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ
وقال موسی
أَكُنَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
وقال شعيب ،فَلِّ: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَّعُودَ
فِيهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩].
فهؤلاء أنبياؤه، خافوا على أنفسهم؛ وإنما
المسلم: من سلم المسلمون من لسانه
ويده. [٧ / ٢٤ - ٢٥]
* عن عطاء الخراساني، أنه كان يومي
في حديثه، يقول: إني لا أوصيكم
بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها
حراص؛ وإنما أوصيكم بآخرتكم، تعلم:
أنه لن يعتق عبد، وإن كان في الشرف
والمال؛ وإن قال: أنا فلان بن فلان،
حتى يعتقه الله تعالى من النار؛ فمن
أعتقه الله من النار عتق، ومن لم يعتقه الله
من النار: كان في أشد هلكة هلكها أحد
قط .
فجدّوا في دار المعتمل لدار الثواب،
وجدوا في دار الفناء لدار البقاء؛ فإنما
سميت الدنيا: لأنها أدنى فيها المعتمل؛
وإنما سميت الآخرة: لأن كل شيء فيها
متأخر؛ ولأنها دار ثواب: ليس فيها
عمل، فألصقوا إلى الذنوب إذا أذنبتم إلى
كل ذنب: اللهم، اغفر لي؛ فإنه التسليم
لأمر الله: وألصقوا إلى الذنوب: لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر
كبيرًا، والحمد لله رب العالمين،
وسبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة
إلا بالله، وأستغفر الله وأتوب إليه.
فإذا نشرت الصحف، وجاء هذا
الكلام، قد ألصقه كل عبد إلى خطاياه:
رجا بهذا الكلام المغفرة، وأذهبت هذه
الحسنات سيئاته؛ فإن الله تعالى يقول في
كتابه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ
ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ [هود : :
فمن خرج من الدنيا بحسنات وسيئات:
رجا بها مغفرة لسيئاته؛ ومن أصر على
الذنوب، واستكبر عن الاستغفار: خرج
ذلك اليوم مصرًا على الذنوب، مستكبرًا
عن الاستغفار، قاصه الحساب، وجازاه
بعمله .
إلا من تجاوز عنه المتجاوز الكريم،
فإنه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وهو
سريع الحساب.
واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله،
لتفارقنها؛ واجعلوا الموت كشيء ذقتموه،
فوالله، لتذوقنه؛ واجعلوا الآخرة كشيء
نزلتموه، فوالله، لتنزلنها؛ وهي دار الناس
كلهم.
ليس من الناس أحد يخرج لسفر، إلا
أخذ له أهبته، وتجهز له بجهازه، وأخذ
للحر ظلالة، وللعطش مزادًا وللبرد لحافًا؛

٩١٨
التهذيب الموضوعي
وصايا السلف
فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟
فمن أخذ لسفره الذي يصلحه، اغتبط؛
ومن خرج إلی سفر لم یتجهز له بجهازه،
ولم يأخذ له أهبته: ندم؛ فإذا أضحى: لم
يجد ظلًا؛ وإذا ظمئ: لم يجد ماء يتروى
به؛ وإذا وجد البرد: لم يجد لذلك
لحافًا؛ فلا أرى رجلًا أندم منه.
وإنما هذا سفر الدنيا ينقطع عنه، ولا
يقيم فيه؛ فأكيس الناس: من قام يتجهز
السفر لا ينقطع، فأخذ في الدنيا لظمأ لا
يضح أبدًا؛ ومن أضح يومئذٍ: لم يستظل
أبدًا؛ ومن قام، فأخذ لري: لم يعطش
أبدًا؛ فإن من عطش يومئذ: لم يرو أبدًا؛
ومن قام فأخذ لكسوته: لم يعرَ أبدًا؛ فإنه
من عري يومئذٍ: لم یکس أبدًا .
لم يأت أحد من الناس ببراءتين؛
واحدة منهن: بعد هول المطلع،
والثانية: في القيام بين يدي الجبار
تعالى: يقضي في رقاب خلقه ما يشاء،
لا شريك له. [١٩٤/٥ - ١٩٥]
عن محمد بن أحمد المذكر، عن بعض
أصحابه؛ قال: قال ذو النون لفتى من
النساك: يا فتى، خذ لنفسك بسلاح
الملامة، واقمعها برد الظلامة: تلبس غدًا
سرابيل السلامة؛ واقصرها في روضة
الأمان، وذوّقها مضض فرائض الإيمان:
تظفر بنعيم الجنان؛ وجرّعها كأس الصبر،
ووطّنها على الفقر: حتى تكون تام الأمر.
فقال: نفس على الجوع صبرت، وفي
سربال الظلام خطرت؛ نفس ابتاعت
الآخرة بالدنيا، بلا شرط، ولا ثنيا؛ نفس
تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى
واضح الفلق.
فما ظنك بنفس في وادي الحنادس
سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى
الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت،
يروى؛ فمن آواه الله في ظل عرشه: لم وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من
القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت،
وفي ظلم الدياجي سهرت؛ فهي بقناع
الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم
الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش،
ورعت الحشايش؛ هذه نفس خدوم،
عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق
الحي القيوم. [٣٥٦/٩ - ٣٥٧]
# عن مبارك أبي حماد، قال: سمعت
سفيان يقول لعلي بن الحسن فيما يوصيه:
يا أخي، عليك بالكسب الطيب، وما
تكسب بيدك؛ وإياك وأوساخ الناس: أن
تأكله، أو تلبسه؛ فإن الذي يأكل أوساخ
الناس، مثله: مثل عليته لرجل، وسفله
ليس له؛ فهو لا يزال على خوف أن يقع
سفله، وتتهدم عليته.
فالذي يأكل أوساخ الناس، هو يتكلم
بهوى، ويتواضع للناس مخافة أن يمسكوا
عنه .

لحلية الأولياء
٩١٩
وصايا السلف
ويا أخي، إن تناولت من الناس شيئًا :
قطعت لسانك، وأکرمت بعض الناس،
وأهنت بعضهم، مع ما ينزل بك يوم
القيامة؛ فإن الذي يعطيك شيئًا من ماله،
فإنما هو وسخه، وتفسير وسخه: تطهير
عمله من الذنوب؛ وإن أنت تناولت من
الناس شيئًا: إن دعوك إلی منکر أجبتهم.
وإن الذي يأكل أوساخ الناس،
كالرجل: له شركاء في شيء ينبغي له أن
يقاسمهم.
يا أخي، جوع، وقليل من العبادة: خير
من أن تشبع من أوساخ الناس، وكثير من
العبادة؛ وقد بلغنا: أن رسول الله وَليه
قال: ((لو أن أحدكم أخذ حبلًا، ثم
احتطب حتى يدبر ظهره، كان خيرًا له،
من أن يقوم على رأس أخيه: يسأله، أو
يرجوه))؛ وبلغنا: أن عمر بن الخطاب
قال: من عمل منكم: حمدناه، ومن لم
يعمل: اتهمناه؛ وقال: يا معشر القراء،
ارفعوا رؤوسكم، ولا تزيدوا الخشوع على
ما في القلب؛ استبقوا في الخيرات، ولا
تكونوا عيالا على الناس؛ فقد وضح
الطريق؛ وقال علي بن أبي طالب: إن
الذي يعيش من أيدي الناس: كالذي
يغرس شجرة في أرض غيره.
فاتق الله يا أخي، فإنه ما نال أحد من
الناس شيئًا، إلا صار حقیرًا ذليلًا عند
وإياك أن تكسب خبيئًا، فتنفقه في
طاعة الله؛ فإن تركه فريضة، من الله
واجبة، وإنه طيب، لا يقبل إلا طيبًا؛
أرأيت رجلًا أصاب ثوبه بول، ثم أراد
أن يطهره، فغسله ببول آخر، أترى كان
ذلك يطهره؟ كلا، إن القذر لا يطهر إلا
بطيب؛ فكذلك: لا تمحى السيئة، إلا
بالحسنة؛ وإن الله طيب، لا يقبل إلا
الطيب؛ وإن الحرام: لا يقبل في شيء
من الأعمال؛ أو: هل عمل أحد ذنبًا،
فمحاه بذنب؟. [٧١/٧ - ٧٢]
* عن أبي محمد البلخي قال: قرأت
كتاب إبراهيم بن أدهم إلى عبد الملك
مولاه؛ أما بعد: أوصيك بتقوى الله، إنه
جاءني کتابك ـ فوصلك الله - تذكر ما
جرى بيننا، فمن رعى حق الله: وفر
حظه، وسلم منه الناس؛ ومن ترك حظه،
ولم يراقب حقه: ولع به الناس؛ وذلك
إلى الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله.
ثم إن القوم ناس مثلكم: يغضبون،
ويرضون؛ فكان الذي يقومهم: إليه
يرجعون، وبه يقنعون، وبه يأخذون، وبه
يعظون؛ فأثنى عليهم أحسن الثناء، فاقتدوا
بآثارهم وأفعالهم، حتى أنتم على ملتهم،
وتمنّون منازلهم.
ثم إن الله تعالى أحسن إلينا، وأبقانا
بعد الجيران؛ فنعوذ بالله أن يكون إيقاؤنا
الناس، والمؤمنون شهود الله في الأرض. لشر، فإنه لا يؤمن مكره؛ والأعمال

وصايا السلف
٩٢٠
التهذيب الموضوعي
بالخواتيم، وإنه من خافه: لم يصنع ما
يحب، ولم يتكلم بما يشتهي؛ وينبغي الناس، والله معط كل ذي حق حقه،
لصاحب الدين: أن يرجو في الكلام ما وسعي الناس: لهم وعليهم، والجزاء
يرجو في الفعل، وأن يخاف منه ما يخاف غدًا؛ فإن استطعتم: أن لا تلقوا الله
بمظالم؛ فأما ما ظلمتم: فلا تخافوا
من الفعل، وذلك إلى الله.
الغلبة، فإن الله تعالى لا يعجزه شيء.
فإن استطعت: أن لا يكون عندك أحد
هو آثر من الله، فراقبه في الغضب
والرضا؛ فإنه يعلم السر وأخفى، ويغفر،
ويعذب؛ ولا منجى منه إلا إليه؛ فإن
استطعت: أن تكف عما لا يعنيك، وأن
تنظر لنفسك؛ فإنه لا يسعى لك غيرك.
أيقنا: أن الناس لا يذهبون بحقوق
فمن علم أن الأمور هكذا: فليكبر على
نفسه، وليقض ما عليها؛ فإن غدًا أشده،
وأضره؛ حسبنا الله ونعم الوكيل؛ وأما من
بقي من بقية الجيران، فأقرئهم السلام،
فقد طال العهد. [١٤/٨ _ ١٥]
* عن مبارك أبي حماد - مولى
إن الناس قد طلبوا الدنيا: بالغضب،
والرضا؛ فلم ينالوا منها حاجتهم، وإنه
من أراد الآخرة: كان الناس منه في
راحة، لا يخدع من ذلها، ولا ينازعهم
في عزها؛ هو من نفسه في شغل، والناس
منه في راحة.
إبراهيم بن سلم، بعين رزية - قال:
سمعت سفيان الثوري يقرأ على علي بن
الحسين - من أهل الكوفة، رجل من بني
سليم، ممن كان أقطع له عمر بن الخطاب
الخورنق - رسالة سفيان بن سعيد إلى أخ
له: بمواعظ، وشرائع من الدين، وأدب:
عافانا الله وإياك من النار برحمته؛
فاتق الله، وعليك بالسداد؛ فإن من
مضى: إنما قدموا على أعمالهم، ولم
يقدموا على الشرف، والصوت، والذكر؛
فإن الله تعالى أبى، إلا عدلًا؛ أعاننا الله
وإياكم على ما خلقنا له، وبارك لنا ولكم
في بقية العمر، فما شاء الله.
وأوصيك وإياي بتقوى الله، وأحذرك أن
تجهل بعد إذا علمت، وتهلك بعد إذ
أبصرت، وتدع الطريق بعد إذ وضح لك،
وتغتر بأهل الدنيا: بطلبهم لها، وحرصهم
علیھا، وجمعهم لها؛ فإن الهول شدید،
وأما ما ذكرت من أمر القصر، فلا والخطر عظيم، والأمر قريب؛ وكان قد
تشقوا على أنفسكم: إن جاءكم أمر في كان، وتفرغ وفرغ قلبك، ثم الجد الجد،
والوحا الوحا، والهرب والهرب، وارتحل
عافية، فلله الحمد؛ وإن کانت بلية، فلا
تعدلوا بالسلامة؛ فإنه من ترك من أمره ما إلى الآخرة قبل أن يرتحل بك، واستقبل
لا ينبغي: أحق بالجزع منكم؛ إنا قد رسل ربك، وانكمش واشدد مئزرك، من