النص المفهرس

صفحات 721-740

أحلية الأولياء
٧٢١
محبة الله رجل
جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن هذا أمان المتقين. [٣٦٥/٩ - ٣٦٦]
رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك،
وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل ما
بدا لك يا فتى؟ فقال له الشاب:
يرحمك الله، ما علامة الخوف من الله؟
فقال: أن يؤمّنه خوفه من كل خوف غير
خوفه؛ ثم قال: يرحمك الله، متى يتبين
للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه
من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل
الطعام، مخافة السقام، ويصبر على
مضض كل دواء، مخافة طول الضنا؛
فصاح الفتى صيحة، وقال: عافيت
فأبلغت، وعالجت فشفيت، ثم بقي باهتًا
ساعة، لا يحير جوابًا، حتى ظننت في
روحه قد خرجت من بدنه؛ ثم قال:
يرحمك الله، ما علامة المحب الله؟ قال
له: حبيبي، إن درجة الحب رفيعة؛ قال:
فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن
المحبين لله، شق لهم من قلوبهم،
فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله،
فصارت أبدانهم دنياوية، وأرواحهم
حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين
صفوف الملائكة كالعيان، وتشاهد ملك
الأمور باليقين؛ فعبدوه بمبلغ استطاعتهم،
بحبهم له، لا طمعًا في جنة، ولا خوفًا
من نار؛ قال: فشهق الفتى شهقة، وصاح
صيحة، كانت فيها نفسه. قال: فانكب
* عن محمد بن أحمد بن عبد الله بن
ميمون قال: سمعت ذا النون يقول: قل
لمن أظهر حب الله: احذر أن تذل
لغير الله؛ ومن علامة المحب لله: أن لا
يكون له حاجة إلى غير الله. [٣٧٣/٩]
* سُئل ذو النون المصري عن المحبة،
فقال: هي التي لا تزيدها منفعة، ولا
تنقصها مضرة؛ ثم أنشأ يقول:
شواهد أهل الحب باد دليلها
بأعلام صدق ما يضل سبيلها
جسوم أولي صدق المحبة والرضى
تبين عن صدق الوداد نحولها
إذا ناجت الأفهام أنس نفوسهم
بالسنة تخفيف على الناس قبلها
وضجت نفوس المستهامين واشتكت
جوی کان عن أجسامها شر بيلها
يحنون حزنًا ضاعف الخوف شجوه
ونيران شوق كالسعير عليها
وساروا على حب الرشاد إلى العلا
نوم بهم تقواه وهو دليلها
فحطوا بدار القدس في خير منزل
وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها
[٣٧٨/٩]
* وسئل عن المحبة فقال: أن تحب ما
أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل
الشيخ عليه يلثمه، وهو يقول: هذا مصرع الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله،
وأن لا تخاف فى الله لومة لائم؛ مع
الخائفين، هذه درجة المجتهدين،

محبة الله رَحَد
٧٢٢
التهذيب الموضوعي
العطف للمؤمنين، والغلظة للكافرين،
واتباع رسول الله وَّ في الدين. [٣٩٤/٩]
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
سمعت أخي محمدًا قال: تعبد رجل من
بني إسرائيل في غيضة من جزيرة البحر:
أربعمائة سنة، حتى طال شعره، حتى إذا
مر بالغيضة: تعلق بعض أغصان الغيضة
بشعره؛ فبينما هو ذات يوم يدور: إذا هو
بشجرة منها فيها وكر طير، فحول موضع
مصلاه إلى قريب منها؛ قال: فقيل له:
استأنست بغيري؟ وعزتي لأحطنك مما
كنت فيه درجتين. [٩/١٠]
* قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت
أسماء الرملية - وكانت من المتعبدات
المجتهدات - قالت: سألت البيضاء بنت
المفضل، فقلت: يا أختي، هل للمحب لله
دلائل يعرف بها؟ قالت: يا أختي،
والمحب للسيد يخفى؟ لو جهد المحب
للسيد أن يخفي ما خفي؛ قلت: فصفيه لي
في أخلاقة، وطعامه، وشرابه، ونومه،
ويقظته، وحركاته؛ قالت: بلى، قد أكثرت
علي؛ ولكن: سأصف لك من ذلك ما
قدرت عليه: لو رأيت المحب لله، لرأيت
عجبًا عجيبًا، من والهٍ ما يقر على الأرض
طائر، متوحش أنسه في الوحدة، قد منع
المبادرة فى الغفلة، ليس له هدوء، ولا
يميل إلى سلو؛ إن عزّي لم يتعز، وإن
صبر لم يتصبر؛ فهو الدهر منكس: لا
تغيره الأيام، ولا يمل من طول الخدمة لله
إذا مل الخدام، حتى يصير من محبته
وطول خدمته؛ في درج الشوق، فيقر
قراره، وتخمد ناره، ويطفئ شرره، ويقلّ
همه، وتواصل أحزانه. [١٣/١٠]
* عن أبي جعفر المصري قال: قال الله
تعالى: معشر المتوجهين إلي بحبي: ما
ضركم ما فاتكم من الدنيا، إذا كنت لكم
حظًا؟؛ وما ضركم من عاداكم: إذا كنت
لكم سلمًا؟ [١٩/١٠]
* عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس
العجب من حبي لك، وأنا عبد فقير؛
إنما العجب من حبك لي، وأنت ملك
قدير. [١٠/ ٣٤]
* عن أبي يزيد البسطامي قال: غلطت
في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني
أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه؛ فلما
انتهيت: رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته
سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي،
وطلبه لي أولًا، حتى طلبته. [٣٤/١٠]
* قال يحيى بن معاذ: لو رأت العقول
بعيون الإيمان نزهة الجنة: لذابت النفوس
الراحة ولها بذكر المحبوب، وطعامه شوقًا، ولو أدركت القلوب كنه هذه المحبة
الحب عند الجوع وشربه الحب عند لخالقها: لانخلعت مفاصلها إليه وَلَهًا
الظمأ، ونومه الفكرة في الوصلة، ويقظته عليه، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها

لحلية الأولياء
٧٢٣
محبة الله وَل
دهشًا؛ فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه غضبي على شيء، كغضبي على من أخطأ
خطيئة، ثم استعظمها في جنب عفوي،
هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن
حقائق هذه الأشياء. [٥٣/١٠]
ولو عاجلت أحدًا بالعقوبة، لعاجلت
القانطين من رحمتي؛ ولو يراني عبادي:
* وقال: قلب المحب يهيم بالطيران،
وتكلمه لدغات الشوق والخفقان. [٥٦/١٠]
كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم
في دار الدنيا، ثم أوجبت لمن وهبهم
* وقال: ليس بصادق: من ادعى حبه،
ولم يحفظ حده. [٦٧/١٠]
النعيم المقيم، لما اتهموا فضلي وكرمي؛
ولو لم أشكر عبادي، إلا على خوفهم
من المقام بين يدي، لشكرتهم على
ذلك؛ ولو يراني عبادي: كيف أرفع
قصورًا تحار فيها الأبصار، فيقال: لمن
هذه؟ فأقول: لمن عصاني، ولم يقطع
رجاء مني؛ فأنا الديان، الذي لا تحل
معصيتي، ولا حاجة بي إلى هوان من
خاف مقامي. [٨٠/١٠ - ٨١]
* عن الحارث بن أسد المحاسبي
قال: علامة أهل الصدق من المحبين:
غاية أملهم في الدنيا: أن تصبر أبدانهم
على الدون، وأن تخلص لهم النيات من
فسادها؛ ومنهم من یرید في الدنيا شواهد
الكرامات عند سرعة الإجابة، وغاية أملهم
في الآخرة: أن ينعمهم بنظره إليهم،
فنعيمها الأسفار، وكشف الحجاب، حتى
* قال إبراهيم بن أدهم: لو علم الناس
لذة حب الله: لقلّت مطاعمهم،
ومشاربهم، وحرصهم، وذلك أن
الملائكة: أحبوا الله، فاستغنوا بذكره عن
غيره. وسمعت محمد بن الحسين يقول:
لا يمارون في رؤيته؛ والله، ليفعلن ذلك
بهم إذا استزارهم إليه؛ وحدثني بعض
العلماء، قال: أوحى الله تعالى إلى نبي
من الأنبياء لّلا: بعيني، ما يتحمل
المحتملون من أجلي، وما يكابد
المكابدون في طلب مرضاتي؛ فكيف إذا قال عتبة الغلام: من عرف الله: أحبه،
صاروا إلى جواري، واستزرتهم للمقعد ومن أحب الله: أطاعه، ومن أطاع الله:
عندي، وأسفرت لهم عن وجهي؟ أكرمه، ومن أكرمه: أسكنه في جواره،
فهنالك، فليبشر المصفون للرحمن ومن أسكنه في جواره: فطوباه وطوباه؛
والمحب الصادق، إذا استنار قلبه بنور
أعمالهم: بالنظر العجيب، من الحبيب
القريب؛ أتراني أنسى لهم عملًا؟ کیف،
وأنا ذو الفضل العظيم: أجود على
حب الوداد: نحل جسمه، لأن قليل
المحبة يبين على صاحبها كثير النحول،
المولين عني، فكيف بالمقبلين علي؟ وما فإذا وردت خطرات الشوق عليه، علم أنه

محبة الله وَجَل
٧٢٤
التهذيب الموضوعي
من الله تعالى على خلال أربعة: إما أن يحيى، أنا جليس قلبه، وغاية أمنيته،
يتقبل طاعته، فيفوز بثوابها، وإما أن يشغله وأمله؛ أهب له كل يوم وساعة، فيتقرب
مني، وأتقرب منه، أسمع كلامه، وأجيب
تضرعه؛ فوعزتي وجلالي: لأبعثنه مبعثًا
يغبطه به النبيون والمرسلون، ثم آمر مناديًا
ينادي: هذا فلان بن فلان، ولي الله،
وصفيه، وخيرته من خلقه: دعاه إلى
زيارته، ليشفي صدره من النظر إلى وجهه
الكريم؛ فإذا جاءني: رفعت الحجاب فيما
بيني وبينه، فنظر إلي كيف شاء؛ وأقول:
أبشر، فوعزتي وجلالي: لأشفين صدرك
من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل
يوم وليلة وساعة؛ فإذا توجهت الوفود إليه،
أقبل عليهم، فقال: أيها المتوجهون إلى ما
ضركم، ما فاتكم من الدنيا، إذ كنت لكم
حظًا؟ وما ضركم من عاداكم، إذ كنت لكم
سلمًا؟. [٨١/١٠ - ٨٢]
في الدنيا بطاعته عن الآثام، فتقل
خطاياه؛ وإما أن يتداركه بنظره، فيلحقه
بدرجة المحبين تفضلًا، وإن لم يستحق
ذلك؛ فإن فاتته الثلاث، لم يفته الرابع إن
شاء الله: ثواب النصب لله، وذلك: أن
قليل القربة عند الكريم، يعتق بها الرقاب
من النار؛ فمن نجا من النار، فما له منزلة
غير الجنة؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى:
﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى:
٧]. فهل ترى لأحد منزلة بينهما؟ ومن
أراد الدخول في عز المحبة: فعليه بمفارقة
الأحباب، والخلوة برب الأرباب؛ فإن
قيل: فمن أين؟ قلت: ذلك؛ فقد حدثني
بعض العلماء. قال: قال إبراهيم بن أدهم
لأخ له في الله: إن كنت تحب أن تكون لله
وليًا، وهو لك محبًا: فدع الدنيا والآخرة،
ولا ترغبن فيهما، وفرّغ نفسك منهما،
وأقبل بوجهك على الله: يقبل الله بوجهه
عليك، ويلطف بك؛ فإنه بلغني: أن الله
تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا الشَاه: يا
يحيى، إني قضيت على نفسي: أن لا
يحبني عبد من عبادي؛ أعلم ذلك منه: إلا
كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
يبصر به، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه
الذي يفهم به؛ فإذا كان ذلك كذلك:
بغضت إليه الاشتغال بغيري، وأدمت
قيل لذو النون المصري: رحمك الله،
*
ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب
إلى الله؟ قال: حدثني محمد بن الحسین،
قال: سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب
ما يتقرب به إليه؟ قال: أن يطلع على
قلبه، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة
غيره؛ ففي هذا دليل على: أن أقرب ما
يتقرب به العبد إلى الله: كل عمل عمله
بالإخلاص لله، والإشفاق عليه من عدوه؛
وإن قلّ ذلك، فهو المقبول: إذا كان على
حقيقة التقوى معمولًا؛ كما قال علي بن
فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره؛ يا أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى،
:
:
---- ---

لحلية الأولياء
٧٢٥
محبة الله رجل
وإن قلّ، وكيف يقلّ ما يتقبل؟ وذلك: أن لك الدنيا، فيقول: وما قدر الدنيا؟
فيقول: يا رب، قدرها جناح بعوضة؛
فيلحقه من الحياء من الله، أن يقول له:
تركت لك ما قدره جناح بعوضة؛ ولكن :
تعلم يا رب، أني لم أعبدك: إلا بثواب
الجنة فقط، لا أريد منك غير ذلك، وما
الجنة مع ذكرك؛ فزهد المحب الصادق في
الدنيا: هو الزهد في الإخوان: الذين
يشغلون عن الله؛ فقد زهد فيهم، لعلمه بما
يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم؛ فزهده
فيهم، على علم بهم. [٨٤/١٠ - ٨٥]
المحب لله، هو على الركن الأعظم من
الإيمان، الذي يمكن أن يستكمله العبد،
ولا يحسن به ادعاؤه؛ وهو: ركن المعرفة
بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم؛ وذلك
أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه: یا
عبدي، أما زهدك في الدنيا: فطلبت به
الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي:
فتعززت بي؛ فهل عاديت لي عدوًا؟ أو
واليت لي وليًا؟ فيخبرك: أنه جعل الحب
والبغض فيه، أعظم عنده ثوابًا من الزهد
في الدنيا، والانقطاع إليه؛ قلت له: صف
لي زهد المحبین، وزهد الخائفین، وزهد
الورعين، وزهد المتوكلين؟ فقال: إن
العباد زهدوا في حلال الدنيا، خوفًا من
شدة الحساب: إذا سئلوا عن الشكر، فلم
يؤدوا الشكر على قدر النعم؛ وفرقة من
الخائفين: زهدوا في الحرام، خوفًا من
حلول النقمة؛ فزهد الخائفين: ترك الحرام
البيّن، وزهد الورعين: ترك كل شبهة؛
وزهد المتوكلين: ترك الاضطراب فيما قد
تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء
الضامن، وزهد المحبين؛ قد قالت فيه
العلماء ثلاثة أقوال؛ فقالت فرقة: زهد
المحب في الدنيا كلها، في حلالها
وحرامها، لقّتها في نفسه؛ وقالت فرقة
أخرى: زهد المحب في الجنة، دون
الدنیا حذرًا، من أن يقول له حبيبه: یا
* قال الحارث بن أسد: المنقطع
إلى الله رَك عن خلقه: ظاهره ظاهر أهل
الدنيا، وباطنه باطن المجلين الهائبين
لربهم؛ لأنه صرف قلبه إلى ربه، فاشتغل
بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه، فطاب في
الدنيا عيشه، وتطهر من آثامه، وأنزل
الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم عبيدًا؛ إذ
لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا، فآثر رضاء الله
على رضاهم، فسخت نفسه بطلب
رضى الله، وإن سخط جميع خلق الله:
يرضي الله بسخط كل أحد، ولا يسخط الله
برضى أحد من خلقه؛ فملاك أمره في
جميع ذلك: ترك الاشتغال، والتثبيت
لمراقبة الرقيب عليه، فلا يعجل، فيسخطه
عليه؛ وقال: أسرع الأشياء عظة للقلب،
وانكسارًا له: ذكر اطلاع الله بالتعظيم له،
وأسرع الأشياء إماتة للشهوات: لزوم
محب، أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت القلب الأحزان؛ وأكثر الأشياء صرفًا:

محبة الله رحل
٧٢٦
التهذيب الموضوعي
إزالة الاشتغال بالدنيا من القلوب، عند بها، إلى ما سترته الحجب من الملكوت؛
فحينئذٍ: دام بالله شغله، وطال إليه حنينه،
وقرّت بالله عينه؛ فالحزن والكمد قد أشغلا
قلبه، والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله
فؤاده؛ فشوقه إلى طلب القرب والحزن:
أن يحال بينه وبينه. [٨٦/١٠ - ٨٧]
المعاينة؛ والمباشرة لها: الاعتبار بها،
والنظر إلى ما غاب من الآخرة؛ وأسرع
الأشياء هيجانًا للتعظيم الله من القلب:
تدبر الآيات والدلائل، في التدبير
المحكم، والصنعة المحكمة المتقنة من
السماء والأرض، وما بث بينهما من
خلقه: دلائل ناطقة، وشواهد واضحة، أن
الذي دبّرها: عظیم قدره، نافذ مشیئته،
عزيز في سلطانه؛ وأشد الأشياء للقلب
عن التشاغل بالدنيا: الكمد من بعد
الحزن؛ وأبعث الأشياء على سخاء
النفوس بترك الشهوات: الشوق إلى لقاء
العزيز الكبير؛ وأشد الأشياء إزالة
للمكابدات، في علو الدرجات، في منازل
العبادات: لزوم القلب محبة الرحمن،
وأنعم الأشياء القلوب العابدين، وأدومها
لها سرورًا: الشوق إلى قرب الله،
واستماع كلامه، والنظر إلى وجهه؛
وأظهرها لقلوب المريدين: التوبة النصوح
منهم، للعرض على رب العالمين؛ فتلك
طهارة المتقين، ومن بعدها طهارة
المحبين؛ وهو قطع الأشغال لكل شيء
من الدنيا عن محبوبهم؛ فإذا طهرت
القلوب من كل شيء سوى الله: خلا من
ذكر كل قاطع عن الله وزال عنه كل
حاجب يحجب عنه؛ فتم بالله سروره،
وصفا ذكره في قلبه، واستنار له سبيل
* وسئل الحارث بن أسد: ما علامة
محبة الله للعبد؟ فقال للسائل: ما الذي
كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله
تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ
اُللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فعلمت: أن علامة
محبة العبد لله: اتباع رسوله؛ ثم قال:
﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فما علامة محبة الله
للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب
عن أكثر القلوب؛ إن علامة محبة الله
للعبد: أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون
في جميع أموره هو المختار لها؛ ففي
الهموم التي لا تعترض عليها حوادث
القواطع، ولا تشير إلى التوقف، لأن الله
هو المتولي لها؛ فأخلاقه على السماحة،
وجوارحه على الموافقة: يصرخ به، ويحثه
بالتهدد والزجر .
فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟
فقال: خبر النبي وَلّ: ((إذا أحب الله
عبدًا: جعل له واعظًا من نفسه، وزاجرًا
من قلبه: یأمره، وینهاه)).
فقال السائل: زدني من علامة محبة الله
الاعتبار؛ فكانت الدنيا وأهلها: عينًا ينظر للعبد؛ قال: ليس شيء أحب إلى الله: من
i

لحلية الأولياء
٧٢٧
محبة الله رَجَّد
أداء الفرائض، بمسارعة من القلب
والجوارح، والمحافظة عليها؛ ثم بعد
ذلك: كثرة النوافل؛ كما قال النبي ◌َليّ:
((يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي
بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت
عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل
حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي
يسمع به، وبصره الذي يبصر به؛ إن
دعاني أجببته، وإن سألني أعطيته)).
فقال السائل: رحمك الله، صف لي
من علامات وجود قلبه؟ قال: محبوسة يا
فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم
المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة
الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة؛
فهي القلوب التي أسرت أوهامها، بعجب
نفاذ إتقان الصنع؛ فعندها: تصاعدت
المنى، وتواترت على جوارحها فوائد
الغنى؛ فانقطعت النفوس من كل ميل:
إلى راحة، وانزعجت الهموم، وفرّت من
الرفاهة: فنعمت بسرائر الهداية، وعلمت
طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية،
وأرسلت في روضة البصيرة؛ وأحلت
القلوب محلًا: نظرت فيه بلا عيان،
وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا
مشافهة؛ فهذا يا فتى صفة أهل محبة الله،
من أهل المراقبة والحياء، والرضى
والتوكل؛ فهم الأبرار من العمال، وهم
الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من
النجباء، وهم المسارعون من الأبرار،
وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب
صفاء التذكار، وأصحاب الفكر
والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار؛
هم قوم: أسعدهم الله بطاعته، وحفظهم
برعايته، وتولاهم بسياسته؛ فلم تشتد لهم
همة، ولم يتسقط لهم إرادة؛ همومهم في
الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة
والهرب؛ يستقلّون الكثير من أعمالهم،
ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم؛ إن
أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا؛
يكاد يهيج منهم صراخ: إلى مواطن
الخلوات، ومعابر العبر والآيات؛
فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف
الفراق في قلوبهم يتوقد؛ نعم يا فتى،
هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته،
ونعّمهم بدوام العذوبة في مناجاته،
فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا
اللذات، وداموا في خدمة من له الأرض
والسماوات؛ فقد اعتقدوا الرضا قبل
وقوع البلا، ومنقطعين عن إشارة
النفوس، منكرين للجهل المأسوس؛ طاب
عيشهم، ودام نعيمهم، فعيشهم سليم،
وغناهم في قلوبهم مقيم؛ كأنهم نظروا
بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب،
فقطعوا، وكان الله المنى والمطلوب؛
دعاهم إليه، فأجابوه بالحث والجد،
ودوام السير؛ فلم تقم لهم أشغال، إذ
استبقوا دعوة الجبار؛ فعندها يا فتى،
غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها،

محبة الله رَّل
٧٢٨
التهذيب الموضوعي
وظهرت أسباب المعرفة بما فيها؛ فصار
مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة،
وحاديهم الشوق؛ حتى أدخلهم في رق
عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا
وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا
تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي
غرة .
قال السائل: أرى هذا مرادًا بالمحبة؟
قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين
بالمحبة.
وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا
راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال
الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة،
رأس العبادة، ما أنستها الفكرة.
قال: يا راهب، ما أقل ما يجد العبد
في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة
الناس، والسلامة من شرهم.
قال: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة
الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود،
وخلصت المعاملة.
قال: يا عبد الله، متى يصفو الود؟
قال: إذا اجتمع الهم، فصار في
الطاعة .
فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال:
سهلة في علمها، صعبة في اختيارها؛
فمنحهم على قدر قوة إيمانهم.
قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا
اجتمع الهم، فصار همّا واحدًا؛ وقال
بعض الحكماء: عجبًا للخلائق: كيف
أرادوا بك بدلًا؟ وعجبًا للقلوب: كيف
استأنست بسواك عنك؟ اللهم، آنست
قال: فمن أشدهم محنًا؟ قال: أكثرهم
معرفة، وأقواهم يقينًا، وأكملهم إيمانًا؛ كما
جاء في الخبر: ((أشد الناس بلاءً الأنبياء،
ثم الأمثل فالأمثل)). [٩٩/١٠ - ١٠١]
الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية
المتوكلين عليك، تشاهدهم في
ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم،
وستري عندك مكشوف، وأنا إليك
* وقيل لبعض المتعبدين: ما فعل
فلان؟ قال: أنس فتوحش؛ وقيل الرابعة:
بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا
یعنیني، وأُنسي بمن لم يزل؛ وقال ذو
بذکرك، وجلیس کل متوحد بحبك.
ملهوف؛ فإذا أوحشتني العزلة: آنسني
ذكرك؛ وإذا كثرت علي الهموم: رجعت
إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين؛
النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس
الرحمن؛ وكما قال بعض الحكماء: لو
أن معي أنسًا لتوحشت.
قيل: رحمك الله، فما علامة صحة
الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من
لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة معاشرة الخلق، والتبرم بهم، واختيار
القلب عذوبة الذكر.

لحلية الأولياء
٧٢٩
محبة الله رجل
قيل: رحمك الله، فما علامته في ولا وهم معطلًا؛ وهذه صفة المستجمع
ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في انفراده.
في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في
سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في
حضور.
قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى
منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟
قال: منفرد بالذكر، مشغول بالفكر: لِما
استولى على القلب، والهم من الشغل،
وطيب عذوبة الذكر، وحلاوته؛ وهو منفرد
فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد
معهم ببدنه؛ كما روي عن علي بن أبي
طالب، في حديث كهيل بن زياد؛ فقال:
هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر، فباشروا
روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده
المتوفون، وأنسوا بما استوحش منه
الجاهلون؛ صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها
معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلى العلى،
عند الملك العالي؛ فهذه صفة المنفرد في
جماعة .
قيل: فما معنى: غائب في حضور؟ قال:
غائب بوهمه، حاضر بقلبه؛ فمعنى غائب:
أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه
في مراعاة العارفين. [١٠٨/١٠ - ١٠٩]
* قال السري السقطي: للمريد عشر
مقامات: التحبب إلى الله بالنافلة، والتزين
عنده بنصيحة الأمة، والأنس بكلام الله،
والصبر على أحكامه، والأثرة لأمره،
والحياء من نظره، وبذل المجهود في
محبوبه، والرضاء بالقلة، والقناعة
بالخمول. [١٠/ ١١٧]
* قال محمد بن المبارك الصوري:
قلت لراهب: متى يبلغ الرجل حقيقة
الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود فيه،
وخلصت المعاملة فيما بين العبد وبين الله؛
قال: قلت: فمتى يصفو الود، وتخلص
المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في
الطاعة؛ قلت: ومتى يجتمع الهم، فيصير
في الطاعة؟ قال: إذا اجتمعت الهموم،
فصارت همًا واحدًا .
قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال:
مستجمع له بهمة، قد جمع للهموم،
فصيّرها همًا واحدًا في قلبه، فاستجمعت
قلت: يا راهب، بم يستعان على قلة
المطعم؟ قال: بالتحري في المكسب،
والنظر في الكسوة. [١٣٢/١٠]
له الهموم: في مشاهدة الاعتبار، وحسن
الفكر في نفاذ القدرة؛ فهو مستجمع لله
بعقله وقلبه، وهمه ووهمه کله، وکل
* عن محمد بن سلمة الصوفي قال:
جوارحه مستجمعة منتصبة لدوام الذكر إلى
وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، قال لي راهب في بيعة بالشام: همة
وسعة المعونة؛ وليس شيء منه متفرقًا، المحبين: الوصول بإرادتهم، وهمة

محبة الله رَل
٧٣٠
التهذيب الموضوعي
الخائفين: الوصول من الخوف إلى
مأمنهم، وكل على خير؛ وأولئك: أنصب
أبدانًا، وأعلى في الخير منصبًا. [١٠/ ١٥٢]
* جاء رجل إلى النبي ◌َ﴾ فقال: يا
رسول الله، متى الساعة؟ قال: ((إنها
قائمة، فما أعددت لها؟)). قال: ما
أعددت لها كبير عمل، إلا أني أحب الله
ورسوله، قال: ((فلك ما احتسبت وأنت
مع من أحببت)). [١٧١/١٠]
* قال ذو النون المصري: وصف لي
بالیمن رجل، قد برز على المجتهدین،
وذكر لي باللب والحكمة؛ فخرجت حاجًا
إلى بيت الله، فلما قضيت نسكي، أتيته
لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته؛
فأقمت على بابه أيامًا، حتى ظفرت به؛
وكان أصفر اللون من غير مرض، أعمش
العينين من غير عمش، ناحل الجسم من
غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس إلى
الوحدة؛ تراه كأنه قريب عهد بمصيبة؛
قال: فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة
الجمعة، فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه، فبادر
إليه شاب، فسلم عليه، وصافحه، وأبدى
له الترحيب والبشر؛ فقال له الشاب:
إن الله بمنه وفضله جعلك ومثلك: أطباء
لسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع
الذنوب، وبي جرح قد نغل، وداء قد
استطال؛ فإن رأيت أن تتلطف ببعض
مراهمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له
الشيخ: سل عما بدا لك.
قال: ما علامة الخوف من الله؟ قال:
أن تؤمّن نفسك من كل خوف، إلا
الخوف من الله. فاضطرب الشاب كما
تضطرب السمكة في شبكة الصياد،
والشیخ قائم بازائه.
ثم إن الشاب رجع، وأمرّ يده على
وجهه، وقال: رحمك الله، متى يتبين
للعبد خوفه من الله؟ قال: يا بني، إذا
أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم، وهو
يحتمي من كل الطعام مخافة طول
الأسقام؛ قال: فصاح الشاب صيحة، ثم
قال: أوه، عاقبت فأوجعت؛ فقال
الشيخ: بل داويت فأحسنت، وعالجت
فرفقت.
فمكث الشاب ساعة، لا يحير جوابًا؛
ثم إن الشاب أفاق، فأمرّ يده على وجهه؛
وقال له: رحمك الله، فما علامة
المحب الله؟ قال: فانتفض الشيخ فزعًا،
وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ؛
ثم قال: يا شاب، إن درجة الحب درجة
سنية، بهية رفيعة.
قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال:
إن المحبين لله: شق لهم عن قلوبهم،
فأبصروا بنور القلوب عظمة الله جل
جلاله، فصارت أبدانهم دنيوية، وقلوبهم
سماوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم
نورانية؛ تسرح بين صفوف الملائكة
بالعيان، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق
٠

لحلية الأولياء
٧٣١
محبة الله وَجَل
والبيان؛ فعبدوا الله بمبلغ استطاعتهم، لا متمسكًا، وبحبالك متصلًا، وأكمل نعمتك
لجنة ولا لنار.
قال: فصاح الشاب صيحة، خرّ
مغشيًا عليه؛ فحركناه، فإذا هو قد فارق
الدنيا؛ فانكب الشيخ يقبّل بين عينيه،
ويبكي؛ ويقول: هذا مصرع الخائفين،
وهذه درجة المجتهدين، وهذه منازل
المتقين. [١٨٠/١٠ - ١٨١]
* عن أحمد بن أبي الحواري قال:
حدثنا أبو قرة، قال: كان بعض التابعين
يقول: اللهم، أنت تعطيني من غير أن
أسألك، فكيف تحرمني وأنا أسألك؟
اللهم، إني أسألك أن تسكن عظمتك
قلبي، وأن تسقيني شربة من كأس حبك.
[١٨٦/١٠]
* قال سهل بن عبد الله: أركان الدين
أربعة: الصدق، واليقين، والرضا،
والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة
اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك
الخلاف؛ وعلامة الحب: الإيثار، والصبر
يشهد للصدق. [١٩١/١٠ - ١٩٢]
* قال ذو النون المصري: تكلمت
خدع الدنيا على ألسنة العلماء، وأماتت
قلوب القراء فتن الدنيا؛ فلست ترى إلا
جاهلًا متحيرًا، أو عالمًا مفتونًا؛ فيا من
جعل سمعي وعاء لعلم عجائبه، وقلبي
منبعًا لذكره؛ ويا من منّ علي بمواهبه:
اجعلني بحبلك معتصمًا، وبجودك
عندي: بدوام معرفتك في قلبي، كما
أكملت خلقي؛ وسددني للتي تبلغني
إليك، واجعل ذلك مضمومًا إلى نعمائك
عندي، واهدني للشكر: حتى أعلم مكان
الزيادة منك في قلبي؛ ولا تنزع محبتك
من قلبي، يا ذا الجلال والإكرام،
والجمال، والنور، والبهاء؛ والحمد لله
أولًا وآخرًا. [٢٤١/١٠]
* قال ذو النون: من قطع الآمال من
الخلق، وصل إلى الخالق؛ ولن يصل عبد
إلى محبوبه دون قطع الآمال ممن دونه؛
فمن أحب لقاء الله: فليرم بكنفه عنده،
وليخلص، وليشمر، وليصبر ويرضى،
ويستسلم مخاطرًا بنفسه؛ فتؤديه مخاطرة
نفسه إلى نفسه. [١٠/ ٢٤٢]
* قال أبو يزيد البسطامي: الحب لله
على أربعة فنون: ففن منه: وهو منته، وفن
منك: وهو ودك، وفن له: وهو ذکرك له،
وفن بينكما: وهو العشق. [٢٤٢/١٠]
* قال أبو سعيد الخزاز: المحب يتعلل
إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلى عنه
بشيء؛ ويتبع آثاره، ولا يدع استخباره؛
وأنشدنا :
أسائلكم عنها فهل من مخبر
فما لي بنعم مذ نأت دارها علم
فلو كنت أدري أين خيّم أهلها
وأي بلاد الله إذ ظعنوا أمّوا

:
محبة الله رَجَل
٧٣٢
التهذيب الموضوعي
إذاً لسلكنا مسلك الريح خلفها
ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم
[٢٤٨/١٠]
* عن أبي الحسين النوري قال: إن
المحبة للمحبوب: تتزايد من لطائف
المحبوب. [١٠/ ٢٥٣]
* قال الجنيد بن محمد: كنت يومًا
عند السري بن المغلس بن الحسين، وهو
متزر بمئزر، وكنا خاليين؛ فنظرت إلى
جسده: كأنه جسد سقيم، دنف، مضني،
وأجهد ما يكون؛ فقال: انظر إلى جسدي
هذا، فلو شئت أن أقول: إن ما بي هذا
من المحبة، کان کما أقول؛ كان وجهه
يصفر، ثم اشرأب حمرة حتى تورد، ثم
اعتل، فدخلت عليه أعوده؛ فقلت له:
كيف تجدك؟ فقال: كيف أشكو ما بي إلى
طبيبي، والذي أصابني من حبيبي؟ فأخذت
المروحة أروحه؛ فقال: كيف يجد روح
المروحة مَن جوفه، يحترق من داخل؟ ثم
أنشأ يقول :
القلب محترق والدمع مستبق
والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له
مما جناه الهوى والشوق والقلق
یا رب إن کان شيء فيه لي فرج
فامنن علي به ما دام لي رمق
[١٠/ ٢٧٣]
قال رجل للجنيد: علام يتأسف
المحب؟ قال: على زمان بسط: أورث
قبضًا، أو زمان أنس: أورث وحشة؛
وأنشأ يقول :
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم
فكدرته يد الأيام حين صفا
[٢٧٨/١٠ - ٢٧٩ ]
* سئل رويم عن المحبة فقال:
الموافقة في جميع الأحوال. [٣٠١/١٠]
* عن أبي هريرة له عن النبي حَ لـ
قال: ((إذا أحب الله عبدًا، قال لجبريل:
إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل؛ ثم
يقول لأهل السماء: إن الله يحب عبده
فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء؛ ثم
يوضع له القبول)). [٣٠٦/١٠]
* وكان عبد الله بن الجلاء إذا سئل
عن المحبة قال: ما لي وللمحبة، أنا أريد
أن أتعلم التوبة؛ وسئل: كيف تكون ليالي
الأحباب؟ فأنشأ يقول:
من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الأكباد [٣١٥/١٠]
* قال أبو عبيد البسري: سألت رجلًا
بالكام: ما الذي أجلسك في هذا
الموضع؟ قال: وما سؤالك عن شيء: إن
طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟
قلت: تخبرني ما هو؟ قال: علمي بأن
مجالستي مع الله تستغرق نعيم الجنان
كلها؛ ثم قال: أوه، قد كنت أظن أن
نفسى قد ظفرت، ومن الخلق هربت؛ فإذا

لحلية الأولياء
٧٣٣
محبة الله رجل
أنا كذاب في مقامي؛ لو كنت محبًا له،
صادقًا: ما اطلع علي أحد.
فقلت: أما علمت، أن المحبين
خلفاء الله في أرضه، مستأنسون بخلقه،
يبعثونهم على طاعته؟ قال: فصاح بي
صيحة، وقال: يا مخدوع، لو شممت
رائحة الحب، وعاين قلبك ما وراء ذلك
من القرب: ما احتجت أن ترى فوق ما
رأيت؛ ثم قال: يا سماء، ويا أرض:
اشهدا على أنه، ما خطر على قلبي ذكر
الجنة والنار قط؛ إن كنت صادقًا:
فأمتني.
قال: فوالله، ما سمعت له كلامًا
بعدها، وخفت، فخفت أن يسبق إليَّ
الظن من الناس في قتله؛ فتركته
ومضيت، فبينا أنا كذلك، إذا أنا
بجماعة؛ فقالوا: ما فعل الفتى؟ فكنّيت
عن ذلك؛ فقالوا: ارجع، فإن الله قد
قبضه؛ فصليت معهم عليه، فقلت لهم:
من هذا الرجل، ومن أنتم؟ قالوا:
ويحك، هذا رجلٍ كان به يمطر المطر،
قلبه على قلب إبراهيم الخليل؛ أما رأيته
يخبر عن نفسه: إن ذكر النار ما خطر
على قلبه قط؟ فهل كان أحد هكذا، إلا
إبراهيم عليّا؟ قلت: فمن أنتم؟ قالوا:
نحن السبعة المخصوصون من الأبدال؛
قلت: علموني شيئًا؛ قالوا: لا تحب أن
تعرف، ولا تحب أن يعرف أنك ممن لا
يحب أن يعرف. [٣١٨/١٠ - ٣١٩]
* سئل أبو حمزة - محمد بن إبراهيم
البغدادي - أيفزع المحب إلى شيء سوى
محبوبه؟ فقال: لا، إنه بلاء دائم، وسرور
منقطع، وأوجاع متصلة، لا يعرفها إلا من
باشرها؛ وأنشد:
يلاقي الملاقي شجوه دون غيره
وكل بلاء عند لاقيه أوجع [٣٢٢/١٠]
* قال ابن الفرغاني: الحب يوجب
شوقًا، والشوق يوجب أنسًا؛ فمن فقد
الشوق والأنس: فليعلم أنه غير
محب. [٣٤٩/١٠]
* عن أبي علي الجروجاني قال: ثلاثة
أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء،
والمحبة؛ فزيادة الخوف: من كثرة
الذنوب، لرؤية الوعيد؛ وزيادة الرجاء: من
اكتساب الخير، لرؤية الوعد؛ وزيادة
المحبة: من كثرة الذكر، لرؤية المنة؛
فالخائف: لا يستريح من ذكر المحبوب؛
فالخوف: نار منور؛ والرجاء: نور منور؛
والمحبة: نور الأنوار. [١٠/ ٣٥٠]
* سئل أبو الحسن البوسنجي عن
المحبة فقال: بذل مجهودك، مع معرفة
محبوبك؛ لأن محبوبك مع بذل مجهودك:
يفعل ما يشاء. [٣٧٩/١٠]
* عن الفضيل بن عياض أنه قال في
مرضه الذي مات فيه: ارحمني بحبي إياك،
فليس شيء أحب إلي منك. [١٠٩/٨]
* عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل

محبة الله رحيل
٧٣٤
التهذيب الموضوعي
لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه،
ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك،
فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك،
اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء
في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس
الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ أحبه؛ ولا يستطيع العبد أن يحب الله،
حتى يكون الابتداء منه بالحب له، وذلك
الهواجر، ومزاحمة العلماء بالرکب عند
حلق الذكر. [١٠٣/٥]
حين عرف منة الاجتهاد في مرضاته؛ قال
أحمد: ومن عرف الدنيا: زهد فيها، ومن
* عن عمرو بن علي قال: كان هجير
یحیی بن سعید إذا سكت ثم تكلم: ﴿تُحّ،
وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق: ٤٣]، قال:
فقلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه:
يعافيك الله إن شاء الله، فقال: أحبُّه إليَّ
أحبُّه إلى الله. [٣٨١/٨]
عرف الآخرة: رغب فيها، ومن عرف الله،
آثر رضاه، ومن لم يعرف نفسه: فهو من
دينه في غرور؛ وقال أحمد: إذا حدثتك
نفسك بترك الدنيا عند إدبارها، فهو
خدعة؛ وإذا حدثتك نفسك بتركها عند
إقبالها، فذاك. [٧/١٠]
* قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت
بشر بن السري يقول: ليس من أعلام
الحب: أن تحب ما يبغضه حبيبك؛ قال
أحمد: وعلامة حب الله: حب طاعة الله؛
وقيل: حب ذكر الله، فإذ أحب الله العبد،
* عن سفيان بن عيينة قال: لا تبلغوا
ذروة هذا الأمر، إلا حتى لا يكون شيء
أحب إليكم من الله؛ ومن أحب القرآن، فقد
أحب الله؛ افقهوا ما يقال لكم. [٢٧٨/٧]
* عن إسحاق بن خلف؛ قال: مر
عيسى ظل بثلاثة من الناس، قد نحلت
أبدانهم، وتغيرت ألوانهم؛ فقال: ما الذي
بلّغكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من
النيران؛ قال: مخلوقًا خفتم، وحقًّا
* عن الحسين بن زياد قال: أخذ
فضيل بن عياض بيدي، فقال: يا حسين،
ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا،
فيقول الرب: من ادعى محبتي إذا جنّه
الليل نام عني؟ أليس كل حبيب يحب
خلوة حبيبه؟ ها أنا ذا مطلع على أحبائي
إذا جنّهم الليل؛ مثلت نفسي بین أعينهم،
على الله أن يؤمّن الخائف؛ قال: ثم
جاوزهم إلى ثلاث أخرى، فإذا هم أشد
تغير ألوان، وأشد نحول أبدان؛ فقال: ما
الذي بلّغكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى
الجنان؛ فقال: مخلوقًا اشتقتم، وحقًا
على الله أن يعطيكم ما رجوتم؛ ثم
فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على جاوزهم إلى ثلاث أخرى، فإذا هم أشد
حضوري؛ غدًا أقر أعين أحبائي في نحول أبدان، وأشد تغير ألوان، كأن على
وجوههم المرآة من النور؛ فقال: ما الذي
جنّاتي. [٩٩/٨ - ١٠٠]

لحلية الأولياء
٧٣٥
محبة النبي ◌َّ - المداراة
بلّغكم ما أرى؟ قالوا: الحب لله؛ قال:
فأنتم المقربون، أنتم المقربون. [٨/١٠]
* عن زيد بن زيد بن أسلم: أن
موسى ◌َلَّهُ سأل ربه، فقال: يا رب،
أخبرني بأهلك الذين هم أهلك، الذين
تؤويهم في ظل عرشك، يوم لا ظل إلا
ظلك؟ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية
أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا
ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت
بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري كما تنيب
النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون
لمحارم الله إذا استحلت كما تغضب النمرة
إذا حربت؛ والذين يكلفون بحبي كما
يكلف الصبي بحب الناس. [٢٢٢/٣]
محبة النبي عليه
(اتباعه وتعظيمه والدفاع عنه)
* عن أبي سلمة بن عبيد الله بن
عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده، قال:
لبس عمر رضي الله تعالى عنه قميصًا
جديدًا، ثم دعاني بشفرة؛ فقال: مد يا
بني كم قميصي، وألزق يديك بأطراف
أصابعي، ثم اقطع ما فضل عنها فقطعت
من الكمين، من جانبيه جميعًا، فصار فم
الكم بعضه فوق بعض؛ فقلت له: يا أبته،
لو سويته بالمقص؟ فقال: دعه يا بني،
هكذا رأيت رسول الله وسلم يفعل؛ فما زال
عليه: حتى تقطع؛ وكان ربما رأيت
الخيوط تساقط على قدمه. [٤٥/١]
* عن نافع قال: لو نظرت إلى ابن
عمر رضي الله تعالى عنه إذا اتبع أثر
النبي ◌َّ، لقلت: هذا مجنون. [٣١٠/١]
* كان ابن عمر إذا رآه أحد: ظن أن به
شيئًا؛ من تتبعه آثار النبي وَل قر. [٣١٠/١]
* عن نافع عن ابن عمر ربه: أنه كان
في طريق مكة، يأخذ برأس راحلته،
يثنيها؛ ويقول: لعل خفّا يقع على خف؛
يعني: خف راحلة النبي وَالر. [٣١٠/١]
* عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ما
ناقة أضلت فصيلها في فلاة من الأرض،
بأطلب لأثره: من ابن عمر لعمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنهما. [٣١٠/١]
* عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
أن عبد الله بن أبي زكريا، كان يقول: لو:
خيّرت بين أن أعمر مائة سنة من ذي قبل
في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي
هذا، أو في ساعتي هذه؛ لاخترت أن
أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه:
تشوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى
الصالحين من عباده. [١٥١/٥]
المداراة
* قال أبو الدرداء رضي الله تعالى
عنه: إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن
قلوبنا لتلعنهم. [٢٢٢/١]
* عن النزال بن سبرة قال: كنا مع
حذيفة في البيت فقال له عثمان: يا أبا

المداهنة - المداومة على العمل
٧٣٦
التهذيب الموضوعي
عبد الله، ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال :
ما قلته؛ فقال له عثمان: أنت أصدقهم،
وأبرّهم؛ فلما خرج، قلت: يا أبا عبد الله،
ألم تقل ما قلت؟ قال: بلى، ولكن:
اشترى دينه بعضه ببعض، مخافة أن يذهب
كله. [١/ ٢٧٩]
: عن عبدة بن عبد الله - صاحب
منع بن حرب -، قال: شكا رجل إلى
مخلد بن الحسين رجلاً من أهل الكوفة؛
فقال: أين أنت عن المداراة؟ فإني أداري
حتى أداري، هذه جارية حبشية، تغربل
شعير الفرس له؛ ثم قال: ما تكلمت
بكلمة أريد أن أعتذر منها، منذ خمسين
سنة. [٢٦٦/٨]
* عن عبد الله بن عيسى الرقي قال:
قال لي حذيفة: هل لك أن تجمع لك
الخير كله في حرفين؟ قلت في نفسي:
تراه فاعلًا؟ قال: قلت: ومن لي بذلك؟
قال: مداراة الخير من حله، وإخلاص
العمل لله؛ حسبك. [٢٧٠/٨]
المداهنة
* عن عبد الواحد الدمشقي قال: نادى
حوشب الخيري عليًا يوم صفين؛ فقال:
انصرف عنا يا ابن أبي طالب، فإنا
ننشدك الله في دمائنا ودمك: نخلي بينك
وبين عراقك، وتخلي بيننا وبين شامنا،
وتحقن دماء المسلمين.
فقال علي: هيهات يا ابن أم ظليم؛
والله، لو علمت أن المداهنة تسعني في
دين الله لفعلت، ولكان أهون علي في
المؤونة؛ ولكن الله لم يرض من أهل القرآن
بالادهان والسكوت، والله يعصى. [٨٥/١]
* عن سفيان الثوري قال: إذا كان
الناسك جيرانه عنه راضون: فهو
مداهن. [٧ / ٥٠]
* عن يوسف ومحمد قالا: سمعنا ذا
النون يقول: طوبى لمن أنصف ربه رأيك.
قيل: وكيف ينصف ربه؟ قال: يقرّ له
بالآفات في طاعته، وبالجهل في معصيته؛
وإن آخذه بذنوبه: رأى عدله، وإن غفر
له: رأى فضله، وإن لم يتقبل منه
حسناته: لم يره ظالمًا لما معه من
الآفات، وإن قبلها: رأى إحسانه لما جاد
به من الكرامات. [٣٦٦/٩]
المداومة على العمل
* عن عقبة بن صهبان قال: سمعت
عثمان بن عفان يقول: ما أخذته بيميني
منذ أسلمت - يعني: ذَكَرَهُ -. [٣٣/١]
* عن علي بن أبي طالب ظ له أنه
قال: قدم على رسول الله وَّه بسبي؛ فقال
علي لفاطمة: ائتي أباك، فسليه خادمًا :
تقي به العمل.
فأتت أباها حين أمست؛ فقال لها: ((ما
لك يا بنية؟)).

لحلية الأولياء
٧٣٧
المداومة على العمل
قالت: لا شيء، جئت لأسلم عليك.
واستحیت أن تسأل شيئًا .
فلما رجعت، قال لها علي: ما فعلت؟
قال: لم أسأله شيئًا، واستحييت منه.
حتى إذا كانت الليلة القابلة، قال لها :
ائتي أباك، فسليه خادمًا: تتقين به العمل.
فأتت أباها، فاستحيت أن تسأله شيئًا .
حتى إذا كانت الليلة الثالثة مساء:
خرجنا جميعًا، حتى أتينا رسول الله وَالياء؛
فقال: ((ما أتى بكما؟)).
فقال علي: يا رسول الله، شق علينا
العمل، فأردنا أن تعطينا خادمًا: نتقي به
العمل.
فقال لهما رسول الله وَاليه: ((هل أدلكما
على خير لكما من حمر النعم؟)).
قال علي: يا رسول الله، نعم.
قال: ((تكبيرات، وتسبيحات،
وتحميدات: مائة، حين تريدا أن تناما :
فتبيتا على ألف حسنة؛ ومثلها حين
تصبحان: فتقومان على ألف حسنة)).
فقال علي: فما فاتتني، منذ سمعتها من
رسول الله وَر؛ إلا ليلة صفين: فإني
نسيتها، حتى ذكرتها من آخر الليل،
فقلتها. [٦٩/١]
* عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
علي قال: أتانا رسول الله وَّر، حتى
وضع رجليه بيني وبين فاطمة، فعلمنا ما
نقول إذا أخذنا مضاجعنا: ثلاثاً وثلاثين
تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، وأربعًا
وثلاثين تكبيرة.
قال علي: فما تركتها بعد؛ فقال له
رجل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة
صفين. [٧٠/١]
* عن أبي ذر ظُه قال: كان قوتي
على عهد رسول الله وَل﴾ صاعًا، فلا أزيد
عليه، حتى ألقى الله رفملك. [١٦٢/١]
* عن عبد الله بن عمرو قال: زوّجني
أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي:
جعلت لا أنحاش لها، مما بي من القوة
على العبادة: من الصوم والصلاة.
فجاء عمرو بن العاص إلى كنّته، حتى
دخل عليها؛ فقال لها: كيف وجدت
بعلك؟ قالت: خير الرجال - أو: كخير
البعولة من رجل -: لم يفتش لنا كنفًا،
ولم يقرب لنا فراشًا .
فأقبل علي، فعذمني، وعضّني بلسانه؛
فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات
حسب، فعضلتها وفعلت! ثم انطلق إلى
النبيِ وَِّ، فشكاني؛ فأرسل إلى النبي ◌َّ،
فأتيته؛ فقال لي: ((أتصوم النهار؟)).
قلت: نعم.
قال: ((أفتقوم الليل؟)).
قلت: نعم.
قال: ((لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام

المداومة على العمل
٧٣٨
التهذيب الموضوعي
وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس أخالفه إلى غيره. [٢٨٥/١ - ٢٨٦]
مني))؛ ثم قال: ((اقرأ القرآن في كل
شهر)) .
قلت: إني أجدني أقوى من ذلك.
قال: ((فاقرأه في كل عشرة أيام)).
قلت: إني أجدني أقوى من ذلك.
قال: ((فاقرأه في كل ثلاث))؛ ثم قال:
((صم في كل شهر ثلاثة أيام)).
قلت: إني أقوى من ذلك.
فلم یزل یرفعني، حتى قال: ((صم يومًا
وأفطر يومًا فإنه أفضل الصيام وهو صيام
.()
آخی داود
قال حصين في حديثه: ثم قال
النبي وقال : «إن لكل عابد شرة، وإن لكل
شرة فترة: فإما إلى سنة، وإما إلى بدعة؛
فمن كانت فترته إلى سنة: فقد اهتدى،
ومن كانت فترته إلى غير ذلك: فقد
هلك)» .
قال مجاهد: وكان عبد الله بن عمرو
حين ضعف وكبر: يصوم الأيام ذلك،
يصل بعضها إلى بعض: ليتقوى بذلك؛ ثم
يفطر بعد ذلك الأيام. قال: وكان يقرأ من
أحزابه كذلك؛ يزيد أحيانًا، وينقص
أحيانًا؛ غير أنه يوفي به العدة: إما في
سبع، وإما في ثلاث. ثم كان يقول بعد
ذلك: لأن أكون قبلت رخصة
رسول الله وَلقر، أحب إلي مما عدل به أو
* عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال:
لو أن طعامًا كثيرًا كان عند عبد الله بن
عمر: ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا؛
فدخل عليه ابن مطيع يعوده، فرآه قد نحل
جسمه؛ فقال لصفية: ألا تلطفيه: لعله أن
يرتد إليه جسمه، فتصنعي له طعامًا؟
قالت: إنا لنفعل ذلك، ولكنه: لا يدع
أحدًا من أهله ولا من يحضره: إلا دعاه
عليه؛ فكلّمه أنت في ذلك.
فقال ابن مطيع: يا أبا عبد الرحمن، لو
اتخذت طعامًا، فرجع إليك جسمك.
فقال: إنه ليأتي علي ثماني سنين، ما
أشبع فيها شبعة واحدة - أو قال: لا أشبع
فيها إلا شبعة واحدة -؛ فالآن تريد أن
أشبع: حين لم يبق من عمري إلا ظمأ
حمار. [٢٩٨/١ - ٢٩٩]
* عن عمر بن حمزة بن عبد الله قال:
كنت جالسًا مع أبي، فمر رجل، فقال:
أخبرني، ما قلت لعبد الله بن عمر يوم
رأيتك تكلمه بالجرف؟
قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، رقّت
مضغتك، وكبر سنك، وجلساؤك لا
يعرفون حقك ولا شرفك؛ فلو أمرت
أهلك: أن يجعلوا لك شيئًا يلطفونك إذا
رجعت إليهم.
قال: ويحك، والله، ما شبعت منذ
عدل؛ لكني فارقته على أمر: أكره أن إحدى عشرة سنة، ولا ثنتي عشرة سنة،
--...** --
:
أ

لحلية الأولياء
٧٣٩
المداومة على العمل
ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة
* عن محمد بن عباد المهلبي عن أبيه
سنة، ولا مرة واحدة؛ فكيف بي، وإنما قال: أتيت عبد الله بن عون، فسلمت
بقي مني كظماً الحمار. [٢٩٩/١]
* عن عبيد الله بن عدي - وكان مولى
لعبد الله بن عمر - قدم من العراق، فجاءه
يسلم عليه؛ فقال: أهديت إليك هدية.
قال: وما هي؟
قال: جوارش.
قال: وما جوارش؟
قال: تهضم الطعام.
فقال: فما ملأت بطني طعامًا منذ
أربعين سنة، فما أصنع به؟ [١/ ٣٠٠]
* عن أبي العالية قال: ما مسست وأنا غلام، أختلف إلى السوق؛ فإذا
ذكري بيميني منذ ستين سنة، أو: سبعين انقلبت إلى بيتي: جعلت على نفسي: أن
سنة. [٢١٩/٢]
أذكر الله تعالى إلى مكان كذا وكذا؛ فإذا
بلغت ذلك المكان: جعلت على نفسي:
* عن مالك بن دينار، قال لرجل من
أصحابه: إني لأشتهي رغيفًا لينًا بلبن
رائب.
أن أذكر الله تعالى إلى مكان وكذا وكذا؛
حتى آتي المنزل. [٩٣/٣]
* عن معاذ بن معاذ قال: كنت أرى
سليمان التيمي: كأنه غلام حدث، قد أخذ
في العبادة؛ وكانوا يرون: أنه قد أخذ
عبادته عن أبي عثمان النهدي. [٣٠/٣]
عليه؛ قال: فرجعت إلى البيت، فإذا أنا
بإنسان قد ضرب الباب، فإذا هو: ابن
عون: فقلت: ادخل - فما جاء به إلا
أمر، وإنما فارقته الساعة - فقلت: يا ابن
عون، مه؟
قال: أردت أن آتيك فأسلم عليك،
فكرهت أن أعوّد نفسي هذه العادة: أن
أنوي شيئًا، ثم لا أفي به. [٤٠/٣]
* عن ابن أبي عدي قال: أقبل علينا
داود بن أبي هند؛ فقال: يا فتيان،
أخبركم، لعل بعضكم أن ينتفع به: كنت
قال: فانطلق، فجاء به؛ قال: فجعله على
الرغيف؛ قال: فجعل مالك يقلبه وينظر
فغلبتك، حتى كان اليوم، وتريد أن تغلبني؟
إليك عني؛ وأبى أن يأكله. [٢٦٦/٢]
* عن زرارة عن أبي الحلال العتكي،
قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله
إليه؛ ثم قال: اشتهيتك منذ أربعين سنة تعالى عنه قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((من صلى في اليوم ثنتي عشرة
ركعة حرّم الله لحمه على النار)). قال: فما
تركتها بعد. [١٠٦/٣]
* عن إبراهيم قال: لما كبر عمرو بن
ميمون: وتد له وتدًا في الحائط، فكان
إذا سئم من طول القيام: استمسك به؛

المداومة على العمل
٧٤٠
التهذيب الموضوعي
أو: يربط حبلًا، فيتعلق به. [٤/ ١٥٠]
* عن إبراهيم النخعي قال: كانوا
يستحبون: أن يزيدوا في العمل، ولا
ينقصوا منه؛ وإلا فشيء ديمة. [٢٢٨/٤]
* عن الشعبي قال: حدثني عجلان
مولی زیادة ۔ و کان حاجبه -، قال: كان
زياد إذا خرج من منزله: مشيت أمامه إلى
المسجد، فإذا دخل: مشيت أمامه إلى
مجلسه؛ فدخل مجلسه ذات يوم، فإذا هو
بهرّ في زاوية البيت، فذهبت أزجره؛
فقال: دعه يقارب ما له؛ ثم صلى الظهر،
ثم عاد إلى مجلسه؛ ثم صلى العصر،
فعاد إلى مجلسه: كل ذلك يلاحظ الهر،
فلما كان قبيل غروب الشمس؛ خرج
جرذ، فوثب إليه، فأخذه؛ فقال زياد: من
كانت له حاجة، فليواظب عليها مواظبة
الهر: يظفر به. [٣١٧/٤]
* ضعف أبو إسحاق قبل موته بسنتين:
فما كان يقدر أن يقوم حتى يقام، فكان
إذا استتم قائمًا: قرأ وهو قائم ألف آية.
[٣٣٩/٤]
* عن أبي إسحاق قال: قد كبرت
وضعفت، ما أصوم: إلا ثلاثة من
الشهر، والاثنين والخميس، وشهور
الحرم. [٣٣٩/٤]
* قيل لعبد الواحد بن زيد: إن بالبصرة
رجلًا يصلي ويصوم منذ خمسين سنة؛ هل
قنعت منه بعد؟
قال: لا .
قال: فهل رضيت عنه؟
قال: لا .
قال: فهل أنست به بعد؟
قال: لا .
قال: فإنما ثوابك من عملك: التزيد
في الصوم والصلاة.
قال: نعم.
قال: لولا أني أستحي منك، لأعلمتك
أن عملك مدخول. [٦/ ١٦٣ - ١٦٤]
* عن عمران القصير قال: سمعت
الحسن، وسأله رجل؛ فقال: إني سألت
فقيهًا .
فقال: وهل رأيت فقيهًا؟ لا أبا لك؛
* قال عون بن عبد الله لأبي إسحاق: إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، البصير
بذنبه، المداوم على عبادة ربه. [١٧٨/٦]
ما بقي منك؟ قال: أصلي، فأقرأ البقرة
في ركعة؛ قال: ذهب شرّك، وبقي
خيرك. [٣٣٩/٤]
* عن عفان بن مسلم قال: قد رأيت
من هو أعبد من حماد بن سلمة؛
ولكن: ما رأيت أشد مواظبة على
** قال أبو إسحاق: ذهبت الصلاة مني
وضعفت، وإني لأصلي وأنا قائم، فما الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله: من
أقرأ: إلا البقرة وآل عمران. [٣٣٩/٤]
حماد بن سلمة. [٢٥٠/٦]