النص المفهرس

صفحات 61-80

لحلية الأولياء
٦١
أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
سبل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ
فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. والدين هو التصديق،
وهو الإيمان والعمل؛ فوصف الله الدين
قولًا وعملًا، فقال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ
اُلْضَلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِى الِيْنِ﴾
[التوبة: ١١]. [٢٤٥/٨ _ ٢٥٥]
وسعهم؛ وقد كان أهل الشام في غفلة من
هذه البدع، حتى قذفها إليهم بعض أهل
العراق ممن دخلوا في تلك البدعة، بعدما
ردها علیهم علماؤهم وفقهاؤهم؛ فأسر بها
قلوب طوائف من أهل الشام، فاستخلتها
ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من
الاختلاف فيهم؛ ولست بآيس أن يدفع الله
سيء هذه البدعة، إلى أن يصير جوابًا بعد
مواد، إلى أن تفرغ في دينهم وتباغض؛
ولو كان هذا خيرًا ما خصصتم به دون
أسلافكم، فإنه لم يدخر عنهم خيرًا حق
لکم دونهم، لفضل عندكم، وهم أصحاب
نبيه محمد #، الذين اختارهم له، وبعثه
فيهم، ووصفهم بما وصفهم، فقال:
﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُغَّارِ
رُجَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ رَكَّعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ
اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ويقول: إن
فرائض الله ليس من الإيمان، وإن الإيمان
قد يطلب بلا عمل؛ وإن الناس لا
يتفاضلون في إيمانهم، وإن برهم وفاجرهم
في الإيمان سواء؛ وما هكذا جاء الحديث
عن رسول الله وَله، فإنه بلغنا أنه قال:
((الإيمان بضع وسبعون - أو: بضع
وستون - جزءًا، أولها: شهادة أن لا إله
إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن
الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).
وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى
* عن يوسف بن أسباط قال: قال
سفيان - الثوري -: يا يوسف، إذا بلغك
عن رجل بالمشرق، صاحب سنة، فابعث
إليه بالسلام؛ وإذا بلغك عن آخر بالمغرب
صاحب سنة فابعث إليه بالسلام؛ فقد قلّ
أهل السنة والجماعة. [٣٤/٧]
* قال شقيق البلخي: من لم يعرفه الله
بالقدرة، فإنه لا يعرفه؛ فقيل: وكيف
معرفته، بالقدرة؟ قال يعرف أن الله قادر
إذا كان معه شيء، أن يأخذه منه،
فيعطيه غيره؛ وإذا لم يكن معه شيء،
أن يعطيه. [٦٦/٨]
* عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند
مالك بن أنس، فجاءه رجل، فقال: يا أبا
عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
٥
[طه: ٥]. كيف استوى؟ فما وجد مالك من
شيء، ما وجد من مسألته؛ فنظر إلى
الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى
علاه الرحضاء - يعني: العرق - ثم رفع
رأسه، ورمى بالعود؛ وقال: الكيف
معقول، والاستواء مجهول والإيمان به
بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك

٦٢
الأضحية
التهذيب الموضوعي
صاحب بدعة؛ وأمر به، فأخرج. [٣٢٦/٦] نحاسب الأحياء؛ ونكل ما لا نعلم إلى
عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم. [٢٩/٧]
* قال حماد بن زيد: لئن قلت: إن علیًا
أفضل من عثمان، لقد قلت: إن أصحاب
رسول الله صَل قد خانوا. [٢٥٩/٦]
* قال الحسن بن محمد: ومن كتب
الشافعي: أحاديث في الرؤية، وعذاب
القبر؛ لم يكن الشافعي يتكلم في شيء من
هذا، وإنما استخرجناه، لأنه كان يكره أن
يضع في هذا شيئًا. [١١٥/٩]
* قال مالك بن أنس: الناس
* عن ابن عمر قال: كنا نقول لقاتل ينظرون الله 30 يوم القيامة بأعينهم. [٣٢٦/٦]
المؤمن إذا مات: إنه في النار، ونقول
لمن أصاب كبيرة مات عليها: إنه في
النار؛ حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
كَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فلم نوجب لهم؛ كنا
نرجو لهم، ونخاف عليهم. [٦ /١٨٧]
* عن رجاء بن حيوة عن جابر بن والأعداء، فأي فضل للأولياء على
عبد الله، أنه قيل له: هل كنتم تسمون الأعداء؟. [٢٩٦/٧]
شيئًا من الذنوب: الكفر، أو الشرك، أو
النفاق؟ فقال: معاذ الله، ولكنا كنا نقول:
مؤمنين، مذنبين. [١٧٦/٥]
* عن سفيان - الثوري - قال: الناس
عندنا مؤمنون: في النكاح، والطلاق،
والأحكام؛ فأما عند الله، فلا ندري نحن
أهل الذنوب. [٢٦/٧]
* قال سفيان الثوري: نسمع التشديد
فنخشى، ونسمع اللين فنرجوه، لأهل
القبلة؛ ولا نقضي على الموتى، ولا
* عن مالك بن أنس قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ
[القيامة: ٢٢ -
إِلَ رَيِهَا نَاظِرَةٌ ﴾
نَاضِرَةٌ
٢٣]، قوم يقولون: إلى ثوابه؛ قال مالك:
كذبوا، فأين هم عن قول الله تعالى: ﴿كَلَّ
إِنَّهُمْ عَن زَيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوُونَ
)﴾ [المطففين:
١٥]. [٣٢٦/٦]
* عن الحميدي قال: قيل لسفيان بن
عيينة: إن بشرًا المريسي يقول: إن الله
تعالى لا يُرى يوم القيامة؛ فقال:
قاتل الله الدويبة، ألم تسمع إلى قوله:
﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
١٥)
[المطففين: ١٥]؟ فإذا احتجب عن الأولياء
* قال الشافعي: في كتاب الله تعالى:
﴿َّ إِنَّهُمْ عَن تَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
١٥
[المطففين: ١٥]، دلالة على أن أولياءه
يرونه على صفته. [٩ /١١٧]
الأضحية
* عن مجالد قال: سألت الشعبي عن
الرجل يعسر عن الأضحية، لا يجد بما
يشتري؛ قال: لأن أتركها وأنا موسر، أحب
إلي من أن أتكلفها وأنا معسر. [٤/ ٣١٤]

لحلية الأولياء
٦٣
أطفال المشركين والمؤمنين - إكرام الضيف
أطفال المشركين والمؤمنين
* عن يعقوب عن جعفر قال: سألنا
سعيد بن جبير عن أولاد المؤمنين؟ قال:
هم مع خير آبائهم؛ فإن كان الأب خيرًا
من الأم، فهو مع الأب؛ وإن كانت الأم
خيرًا من الأب، فهو مع الأم. [٢٨٢/٤]
* عن يزيد بن ميسرة قال: يقول الله
تعالى: أبيتم أن تدخلوا الجنة طائعين،
لأقطعن لها قطعًا من خلقي، ما عملوا لها
عملًا ساعة، ليلًا ولا نهارًا قط؛ وهم
ذراري المؤمنين. [٢٤٢/٥]
الاعتذار
* عن السري بن مصرف قال: سمع
طلحة بن مصرف رجلًا يعتذر إلى رجل،
فقال: لا تكثر الاعتذار إلى أخيك،
أخاف أن يبلغ بك الكذب. [١٧/٥]
الافتراق
* عن الشعبى قال: إذا اختلف الناس
في شيء، فانظر كيف صنع عمر، فإن
عمر لم یکن یصنع شيئًا حتى يشاور؛
قال: فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال:
إذا رأيت الرجل يخبرك أنه أعلم من عمر،
فاحذره. [٤ /٣٢٠]
قال عامر: ذلك بأنهم جهلوا الحق،
واجتمعوا، وتفرقتم، ولم يكن الله ليظهر
أهل فرقة على جماعة أبدًا. [٣١٥/٤]
* عن الشعبي قال: ما اختلفت أمة بعد
نبيها، إلا ظهر أهل باطلها على أهل
حقها. [٣١٣/٤]
إكرام الضيف
* عن هشام قال: كان آل ابن سيرين
لا يدخل عليهم داخل إلا قربوا له طعامًا؛
حتى إذا كان آخرًا، وخفّت حالهم، كانوا
يشترون من ذلك البسر المطبوخ، أو
المغلي؛ فإذا دخل داخل، قدموا إليه من
ذلك البسر. [٢ / ٢٧٠]
* عن أبي البختري: قال: جاء رجل
إلى سليمان رضي الله تعالى عنه؛ فقال:
ما أحسن صنيع الناس اليوم، إني
سافرت، فوالله ما أنزل بأحد منهم، إلا
كما أنزل على ابن أبي؛ قال: ثم قال:
من حسن صنيعهم ولطفهم؛ قال: يا ابن
أخي، ذاك طرفة الإيمان، ألم تر الدابة إذا
حمل عليها حملها، انطلقت به مسرعة؛
وإذا تطاول بها السير، تتلكأ. [٢٠٣/١]
* عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن
أبيه قال: دخلت على ابن سيرين في يوم
جارية، هات لحبيب غذاء، هات هات،
حتى قال ذلك مرارًا؛ قلت: لا أريده؛
* عن أبي هاني المكتب قال: سئل عامر حار، فرأى في وجهي اللغب؛ فقال:
الشعبي عن قتال أهل العراق، وأهل الشام،
فقال: لا يزالون يظهرون علينا أهل الشام،

٦٤
التهذيب الموضوعي
أكل الحلال
قال: هات، فلما جاءت به، قلت: لا
أريده؛ قال: كل لقمة، وأنت بالخيار؛ محمد بن سيرين، أنا، وابن عون، وسهم
الفرائضي؛ فقال: ما أدري ما أتحفکم به،
فلما أكلت لقمة، نشطت، فأكلت حتى
شبعت. [٢٦٩/٢]
كلكم في بيته خبز ولحم؟ فقدم إلينا شهدة،
وجعل يقطع لنا بيده، ونأكل. [٢٦٩/٢]
* عن الأعمش عن مجمع - التيمي - قال:
نزل عليه ضيف، فما سأله من أين جئت؟ وما
حالك؟ حتى خرج من عنده. [٩١/٥]
* عن حماد بن زيد قال: كان أيوب
- السختياني - إذا قدم من مكة، أمر بجرادق
فخبزت، وطبخ لحمًا سكباجًا؛ فكان كل
من جاء يسلم عليه، وضع بين يديه؛ قال:
فوضع بين أيدينا، فقال: كلوا، فقد أكلت
اليوم بضع عشرة مرة؛ يعني: كل من جاء
قعد، فأكل معه. [١٠/٣]
* عن شقيق البلخي قال: من دار حول
العلو، فإنما يدور حول النار؛ ومن دار
حول الشهوات، فإنما يدور حول درجاته
في الجنة، ليأكلها وينقصها في الدنيا.
وقال شقيق: ليس شيء أحب إلي من
الضيف، لأن رزقه ومؤنته على الله،
وأجره على الله. [٧١/٨]
عن رجاء بن حيوة قال: سمرت ليلة
عند عمر بن عبد العزيز، فاعتل السراج،
فذهبتُ أقوم أصلحه، فأمرني عمر
بالجلوس؛ ثم قام فأصلحه، ثم عاد
فجلس؛ فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز
وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز، ولؤم
بالرجل إن استخدم ضيفه. [٣٣٢/٥]
* عن أبي خلدة قال: دخلت على
* عن ابن عون قال: ما أتينا محمد بن
سيرين في يوم قط، إلا أطعمنا خبيصًا، أو
فالوذجًا. [٢٦٩/٢]
أكل الحلال
* عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر
الصديق رضي الله تعالى عنه مملوك يغل
عليه، فأتاه ليلة بطعام، فتناول منه لقمة،
فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل
ليلة، ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على
ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال:
مررت بقوم في الجاهلية، فرقيت لهم،
فوعدوني، فلما أن كان اليوم، مررت بهم،
فإذا عرس لهم، فأعطوني؛ قال: إن كدت
أن تهلكني، فأدخل يده في حلقه، فجعل
يتقيأ، وجعلت لا تخرج، فقيل له: إن هذه
لا تخرج إلا بالماء، فدعا بطست من ماء،
فجعل يشرب ويتقيأ، حتى رمى بها؛ فقيل
له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه
اللقمة، قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي،
لأخرجتها؛ سمعت رسول الله وَالله يقول:
((كل جسد نبت من سحت، فالنار أولى
به)). فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من
هذه اللقمة. [٣١/١]

لحلية الأولياء
٦٥
أكل الحلال
* عن ميمون بن مهران قال: لا يكون جالس على بابنا، فرأيت في وجهه زيادة
الضر من الجوع، فقلت له: يا عم، لو
الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد
من محاسبة شريكه، حتى يعلم من أين
مطعمه، ومن أین ملبسه، ومن أین مشربه:
أمن حلال ذلك، أم من حرام. [٤ / ٨٧]
دخلت إلينا، نلت من شيء عندنا؛ فقال:
أَوَ تفعل؟ قلت: نعم، وتسرني بذلك،
وتبرني؛ فدخلت بين يديه، ودخل معي،
وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من
* وعنه قال: لا يسلم للرجل الحلال،
حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من بيتنا، لا يخلو من أطعمة فاخرة، لا يكون
الحلال. [٤ / ٨٤]
مثلها في بيتنا سريعًا؛ فجئت بأنواع كثيرة
من الطعام، فوضعته بين يديه، فمد يده،
وأخذ لقمة، فرفعها إلى فيه، فرأيته يلوكها
ولا يزدردها، فخرج وما كلمني؛ فلما كان
الغد، فلقيته فقلت: يا عم سررتني ثم
نغصت علي، فقال: يا بني، أما الفاقة
فكانت شديدة، وقد اجتهدت أن أنال من
الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني
وبين الله علامة، إذا لم يكن الطعام عند الله
مرضيًا ارتفع إلى أنفي منه فورة، فلم تقبله
نفسي، فقد رميت بتلك اللقمة في
دهليزكم، وخرجت. [٧٤/١٠ - ٧٥]
* وقال أيضًا: لو أن كل إنسان منا
تعاهد كسبه، ولم يكسب إلا طيبًا، ثم
أخرج ما عليه، ما احتاج الأغنياء، ولا
احتاج الفقراء. [٨٧/٤]
* عن عبد الله اليحصبي قال: كان
وهب ابن منبه يقول: أزهد الناس في
الدنيا - وإن كان مكبًا عليها حرصًا - من
لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب،
وإن أرغب الناس فيها - وإن كان معرضًا
عنها - من لم يبالِ ما كان كسبه فيها حلالاً
أو حرامًا؛ وإن أجود الناس في الدنيا: من
جاد بحقوق الله، وإن رآه الناس بخيلا بما
سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا :
من بخل بحقوق الله، وإن رآه الناس جوادًا
بما سوى ذلك. [٤٩/٤]
* عن السري السقطي قال: من
النذالة: أن يأكل العبد بدينه. [١١٧/١٠]
* عن إبراهيم بن بشار - وهو خادم
إبراهيم بن أدهم - قال: قلت: يا أبا
إسحاق، كيف كان أوائل أمرك حتى
* عن أبي تراب قال: بيني وبين الله
عهد: ألا أمد يدي إلى حرام، إلا عصرت
يدي عنه. [٤٨/١٠]
صرت إلى ما صرت إليه؟ قال: غير ذا
أولى بك، فقلت له: هو كما تقول
رحمك الله، ولكن أخبرنى، لعل الله أن
* عن الجنيد قال: كان الحارث - بن
أسد - كثير الضر، فاجتاز بي يومًا وأنا ينفعنا به يومًا؛ فسألته الثانية، فقال:

٦٦
التهذيب الموضوعي
أكل الحلال
ويحك، اشتغل بالله؛ فسألته الثالثة، المصيصة -، فعملت بها أيامًا، فلم يصف
لي شيء من الحلال؛ فسألت بعض
فقلت: يا أبا إسحاق، إن رأيت؛ قال:
كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملوك
خراسان، وکان من المیاسر؛ وحبب إلينا
الصيد، فخرجت راكبًا فرسي وكلبي معي؛
فبينما أنا كذلك، فثار أرنب، أو ثعلب،
فحرکت فرسي، فسمعت نداء من ورائي:
ليس لذا خُلقتَ، ولا بذا أمرت؛ فوقفت
أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدًا؛ فقلت:
لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي، فأسمع
نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم، ليس لذا
المشايخ، فقالوا لي: إن أردت الحلال
الصافي، فعليك بطرسوس، فإن فيها
المباحات، والعمل الكثير؛ فتوجهت إلى
طرسوس، فعملت بها أيامًا: أنظر
البساتين، وأحصد الحصاد؛ فبينا أنا قاعد
على باب البحر، إذ جاءني رجل، فأكثر
أني أنظر له بستانه، فكنت في بساتين
كثيرة؟ فإذا أنا بخادم قد أقبل، ومعه
أصحابه، فقعد في مجلسه، ثم صاح: يا
خلقت، ولا بذا أمرت؛ فوقفت أنظر يمنة ناظور، فقلت: هو ذا أنا؛ قال: اذهب
ويسرة، فلا أرى أحدًا؛ فقلت: لعن الله فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه، فذهبت
إبلس، ثم حركت فرسي، فأسمع نداء من فأتيته بأكبر رمان؛ فأخذ الخادم رمانة،
قربوس سرجي: يا إبراهيم، ما لذا فكسرها، فوجدها حامضة؛ فقال لي: يا
خلقت، ولا بذا أمرت؛ فوقفت.
ناظور، أنت في بستاننا منذ كذا وكذا،
تأكل فاكهتنا، وتأكل رماننا، لا تعرف
فقلت: أنبهت، أنبهت؛ جاءني نذير من
رب العالمين، والله، لا عصيت الله بعد
يومي ذا ما عصمني ربي؛ فرجعت إلى
أهلي، فخليت عن فرسي، ثم جئت إلى
رعاة لأبي، فأخذت منه جبة وكساء،
وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق،
أرض ترفعني، وأرض تضعني؛ حتى
وصلت إلى العراق، فعملت بها أيامًا،
فلم يصف لي منها شيء من الحلال؛
فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقالوا
لي: إذا أردت الحلال، فعليك ببلاد
الحلو من الحامض؟ قال إبراهيم: قلت:
والله، ما أكلت من فاكهتكم شيئًا، وما
أعرف الحلو من الحامض؛ فأشار الخادم
إلى أصحابه، فقال: أما تسمعون كلام
هذا؟ ثم قال: أتراك، لو أنك إبراهيم بن
أدهم، ما زاد على هذا؛ فانصرف، فلما
كان من الغد، ذكر صفتي في المسجد،
فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه
عنق في الناس؛ فلما رأيته قد أقبل مع
أصحابه، اختفيت خلف الشجر، والناس
الشام؛ فصرت إلى بلاد الشام، فصرت داخلون، فاختلطت معهم وهم داخلون،
إلى مدينة يقال لها: المنصورة - وهي: وأنا هارب؛ فهذا كان أوائل أمري،

لحلية الأولياء
٦٧
ألفاظ منهي عنها
وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال.
* وروى يونس بن سليمان البلخي:
عن إبراهيم بن أدهم، وزاد في هذه
القصة: إذا هو على فرسه يركضه، إذ
سمع صوتًا من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا
العبث؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ
[المؤمنون: ١١٥].
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (®)﴾
اتق الله، وعليك بالزاد ليوم الفاقة؛ فنزل
عن دابته، ورفض الدنيا، وأخذ في عمل
الآخرة. [٣٦٨/٧ - ٣٦٩]
* عن أبي عبد الله الساجي قال: خمس
خصال ينبغي للمؤمن أن يعرفها : إحداهن :
معرفة الله تعالى: والثاني: معرفة الحق،
والثالثة: إخلاص العمل الله، الرابعة:
العمل بالسنة، والخامسة: أكل الحلال؛
فإن عرف الله، ولم يعرف الحق لم ينتفع
بالمعرفة؛ وإن عرف، ولم يخلص العمل لله
لم ينتفع بمعرفة الله؛ وإن عرف، ولم يكن
على السنة لم ينفعه؛ وإن عرف، ولم يكن
المأکل من حلال لم ينتفع به بالخمس؛
وإذا كان من حلال صفا له القلب، فأبصر
به أمر الدنيا والآخرة؛ وإن كان من شبهة:
اشتبهت عليه الأمور بقدر المأكل؛ وإذا
كان من حرام: أظلم عليه أمر الدنيا
والآخرة، وإن وصفه الناس بالصبر: فهو
أعمى، حتى يتوب. [٣١٠/٩]
المطعم؟ قال: بالتحري في المكسب،
والنظر في الكسوة. [١٣٢/١٠]
ألفاظ منهي عنها
* عن أبي وائل - شقيق بن سلمة: أنه
كان يكره أن يقول الرجل: اللهم أعتقني
من النار، فإنه إنما يعتق من رجا الثواب،
أو تصدق علي بالجنة؛ فإنه إنما يتصدق
على من يرجو الثواب. [١٠٢/٤]
* قال رجل لسعيد بن عبد العزيز:
أطال الله بقائك؛ فغضب، وقال: بل
عجّل الله بي إلى رحمته. [٢٧٥/٨]
* عن إبراهيم - النخعي - قال: كانوا
يكرهون أن يُصغروا المصحف؛ قال:
وكان يقال: عظموا كتاب الله. [٢٣٠/٤]
* عن أبي سليمان - الداراني - قال:
إذا قال الرجل لأخيه: بيني وبينك
الصراط؛ فإنه ليس يعرف الصراط، لو
عرف الصراط، لأحب أن لا يتعلق بأحد،
ولا يتعلق به أحد. [٢٦١/٩ - ٢٦٢]
* عن سفيان قال: كنت أسمع الزهري
يقول: حدثني فلان، وكان من أوعية
العلم؛ ولا يقول: كان عالمًا. [٣٦٣/٣]
* كان محمد بن سيرين يكره أن يقول
للمرأة: طمئت؛ ولكن كما قال تعالى:
حاضت. [٢٦٥/٢]
* قال مطرف: إن الرجل يكذب
* قال محمد بن المبارك الصوري :
قلت: يا راهب، بم يستعان على قلة مرتين، يقال له: ما هذا؟ فيقول: لا شيء

ألفاظ منهي عنها
٦٨
التهذيب الموضوعي
لا شيء؛ أليس بشيء؟. [٢٠٣/٢]
* عن إبراهيم النخعي قال: يكره أن
يقال: حانت الصلاة. [٢٢٦/٤]
* قال عيسى بن مريم ظل *: إن أعظم أحدكم لكلبه أو لشاته: أخزاك الله،
الذنوب أن يقول الرجل: الله يعلم أني
صادق، والله يعلم أنه كاذب. [١٢٥/٦]
* عن أبي عمران الجواني قال:
أدركت أربعة هم أفضل من أدركت، كانوا
يكرهون أن يقولوا: اللهم أعتقنا من النار؛
ويقولون: إنما يعتق منها من دخلها؛
وكانوا يقولون: نستجير بالله من النار،
ونعوذ بالله من النار. [٣١٤/٢]
* سئل مالك بن أنس عن الرجل يدعو،
يقول: يا سيدي؛ فقال: يعجبني أن يدعو
بدعاء الأنبياء: ربنا، ربنا. [٣٢٠/٦]
* عن عبد الكريم قال: قيل لعمر - بن
عبد العزيز -: جزاك الله عن الإسلام
خيرًا؛ قال: لا، بل: جزى الله الإسلام
عني خيرًا. [٣٣١/٥]
عن عون قال: قال عبد الله
- بن مسعود -: لا تحلفوا بحلف الشيطان،
أن يقول أحدكم: وعزة الله؛ ولكن قولوا
كما قال الله رَات: والله رب العزة. [٢٥١/٤]
* قال سعيد بن المسيب: لا تقولوا:
مصیحف، ولا مسیجد؛ ما كان لله فهو
عظيم، حسن، جميل. [٢/ ١٧٣]
* عن الربيع قال: مرض الشافعي،
فدخلت عليه، فقلت: يا أبا عبد الله،
* عن مطرف قال: لا يقول أحدكم:
نعم الله بك عينًا، فإن الله لا ينعم عينه قوّى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو
بأحد؛ وليقل: أنعم الله بك عيناً. [٢٠٣/٢]
* قال مطرف: ليعظم جلال الله: أن
تذكروه عن الحمار والكلب؛ فيقول
وفعل الله بك. [٢٠٩/٢]
عن طلحة بن يحيى قال: كنت
جالسًا عند عمر بن عبد العزيز، فدخل
عليه عبد الأعلى بن هلال، فقال:
أبقاك الله يا أمير المؤمنين، ما دام البقاء
خيرًا لك؛ قال: قد فرغ من ذاك يا أبا
النضر، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة،
وتوفاك مع الأبرار. [٣٢٤/٥]
* عن موسى الجهني قال: كان طلحة
إذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا:
الاختلاف، ولكن قولوا: السعة. [١٩/٥]
* عن ابن أبي جميلة قال: ودع رجل
رجاء بن حيوة، فقال: حفظك الله يا أبا
المقدام؛ فقال: يا ابن أخي، لا تسل عن
حفظه، ولكن قل: يحفظ الإيمان. [١٧٣/٥]
* عن أبي عاصم قال: سألت ابن
عون، فقلت: حدثني بهذا الحديث إن
خف عليك؛ قال: لا تقل: إن خف
عليك؛ فقلت: لمه؟ قال: أكره أن
أحدثك ولا يخف علي، فيكون خلافًا لما
سألت. [٣ /١٤]

الإمارة
٦٩
لحلية الأولياء
قوّى الله ضعفي على قوتي أهلكني، قلت:
يا أبا عبد الله ما أردت إلا الخير، فقال:
لو دعوت الله علي، لعلمت أنك لم ترد
إلا الخير. [١٢٠/٩]
* عن عبد الرحمن بن نفير عن أبيه
قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا،
فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين
اللتين رأتا رسول الله وَالر، والله لوددنا أنا
رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت،
فاستمعت، فجعلت أعجب، ما قال إلا
خيرًا؛ ثم أقبل عليه، فقال: ما يحمل
أحدكم على أن يتمنى محضرًا غيّه الله رَت
عنه، لا يدري لو شهده، کیف کان یکون
فيه، والله لقد حضر رسول الله ﴾ أقوام،
کبّهم الله رهتت علی مناخرهم في جهنم،
لم يجيبوه، ولم يصدقوه؛ أوَ لا
تحمدون الله، إذ أخرجكم الله څك، لا
تعرفون إلا ربكم، مصدقين بما جاء به
نبیکم ڭ، وقد کفیتم البلاء بغیر کم؛
والله، لقد بعث النبي # على أشد حال
بعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة
وجاهلية، ما يرون دينًا أفضل من عبادة
الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق
والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى
إن الرجل ليرى والده، أو ولده، أو أخاه
كافرًا؛ وقد فتح الله تعالى قفل قلبه
للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل
النار، فلا تقر عينه، وهو يعلم أن حميمه
﴿وَأَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا
وَذُرِيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ
إِمَامًا (٣)﴾ [الفرقان: ٧٤] [١٧٥/١ - ١٧٦ ]
الإمارة
* دخل سليمان بن عبد الملك المدينة
حاجًا، فقال: هل بها رجل أدرك عدة من
الصحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم؛ فأرسل
إليه، فلما أتاه، قال: يا أبا حازم، ما
هذا الجفاء؟ قال: وأي جفاء رأيت مني يا
أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني،
ولم تأتني؛ قال: والله، ما عرفتني قبل
هذا، ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت
مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال:
أصاب الشيخ، وأخطأت أنا؛ فقال: يا أبا
نكره الموت؟ فقال: عمرتم
حازم، ما لنا
الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج
من العمران إلى الخراب؛ قال: صدقت،
فقال: يا أبا حازم، ليت شعري، ما لنا
عند الله تعالى غدًا؟ قال: اعرض عملك
على كتاب الله رَ. قال: وأين أجده من
كتاب الله تعالى؟ قال: قال الله تعالى:
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
◌َجِيمٍ (®﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. قال
سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم:
﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
قال سليمان: ليت شعري، كيف العرض
على الله غدًا؟ قال أبو حازم: أما
في النار، وأنها للتي قال الله رقم: المحسن، كالغائب يقدم على أهله، وأما

الإمارة
٧٠
التهذيب الموضوعي
المسيء، كالآبق يقدم به على مولاه؛ لي؛ قال: نعم، اللهم إن كان من
أعدائك، فخذ بناصيته إلى ما تحب
وترضى؛ قال سليمان: قط؛ قال أبو
حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله،
وإن لم تكن أهله، فما حاجتك أن ترمي
عن قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا
أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال:
أوَ تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل
نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك غصبوا
الناس هذا الأمر، فأخذوه عنوة بالسيف،
من غير مشورة، ولا اجتماع من الناس،
وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة، وارتحلوا؛ فلو
شعرت ما قالوا وقيل لهم؟ فقال رجل من
جلسائه: بئس ما قلت؛ قال أبو حازم:
كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء
المیثاق، لیبیننه للناس ولا یکتمونه.
فبکی سلیمان، حتی علا نحیبه، واشتد
بكاؤه؛ فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن
نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف،
وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية،
وتعدلوا في القضية؛ قال: يا أبا حازم،
وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه
بحقه، وتضعه بحقه في أهله؛ قال: يا أبا
حازم، من أفضل الخلائق؟ قال: أولو
المروءة والنهى؛ قال: فما أعدل العدل؟
قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه؛
قال: فما أسرع الدعاء إجابة. قال: دعاء
المحسن للمحسنين؛ قال: فما أفضل
الصدقة؟ قال: جهد المقل، إلى يد البائس
الفقير، لا يتبعها منّ، ولا أذى؟ قال: یا
أبا حازم من أكيس الناس؟ قال: رجل
ظفر بطاعة الله تعالى، فعمل بها، ثم دل
الناس عليها؛ قال: فمن أحمق الخلق؟
قالُ: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو
ظالم له، فباع آخرته بدنياه؛ قال: يا أبا
حازم، هل لك أن تصحبنا وتصيب منا،
ونصيب منك؟ قال: كلا؛ قال: ولم؟
قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئًا
قليلًا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف
الممات، ثم لا يكون لي منه نصیرًا .
قال: يا أبا حازم، أوصني؛ قال:
نعم، سوف أوصيك وأوجز: نزّه الله
تعالى، وعظّمه أن يراك حيث نهاك، أو
يفقدك حيث أمرك؛ ثم قام، فلما ولى،
قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار،
أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير؛ فرمى
بها، وقال: والله ما أرضاها لك، فكيف
أرضاها لنفسي؟ إني أعيذك بالله أن يكون
سؤالك إياي هزلًا، وردّي عليكم بذلًا،
إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام
قال: يا أبا حازم، ارفع إلي حاجتك؛
قال: نعم، تدخلني الجنة، وتخرجني من
النار؛ قال: ليس ذاك إلي؛ قال: فما لي
لما ورد ماء مدين، قال: ﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآَ
أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
حاجة سواها؛ قال: يا أبا حازم، فادع الله فسأل موسى ظلّل ربه وَل، ولم يسأل

الإمارة
٧١
لحلية الأولياء
الناس، ففطنت الجاريتان، ولم تفطن إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى،
حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم
الرعاة لما فطنتا إليه، فأتيا أباهما - وهو:
شعيب ظلَّلا - فأخبرتاه خبره، قال شعيب:
ينبغي أن يكون جائعًا، ثم قال لإحداهما:
اذهبي ادعيه، فلما أتته، أعظمته، وغطت
وجهها؛ ثم قالت: ﴿إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَ
لِيَجْزِيَكَ﴾ [القصص: ٢٥].
رغبة في علمهم، فلما نكسوا، ونفسوا،
وسقطوا من عين الله تعالى، وآمنوا بالجبت
والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى
أمرائهم، ويشاركونهم في دنياهم، وشركوا
معهم في قتلهم؛ قال ابن شهاب: يا أبا
حازم، إياي تعني، أو بي تعرض؟ قال:
ما إياك اعتمدت، ولكن ما تسمع؛ قال
سليمان: يا ابن شهاب، تعرفه؟ قال:
نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته
كلمة قط؛ قال أبو حازم: إنك نسيت الله
فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني؛ قال
ابن شهاب: يا أبا حازم، تشتمني؟ قال
سليمان: ما شتمك، ولكن شتمتك
نفسك، أما علمت أن للجار على الجار
حقًّا كحق القرابة؛ فلما ذهب أبو حازم
قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير
المؤمنين، تحب أن يكون الناس كلهم مثل
أبي حازم؟ قال: لا. [٢٣٤/٣ - ٢٣٧]
فلما قالت: ﴿لَِجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ
لَنَأَ﴾، كره موسى عليه السلام ذلك، وأراد
أن لا يتبعها، ولم يجد بدًا من أن يتبعها،
لأنه كان في أرض مسبعة وخوف؛ فخرج
معها، وكانت امرأة ذات عجز، فكانت
الرياح تصرف ثوبها، فتصف لموسى ظلَّاد
عجزها، فيغض مرة، ويعرض أخرى؛
فقال: يا أمة الله، كوني خلفي؛ فدخل
موسى إلى شعيب ◌َلَّاهِ، والعشاء مهيأً،
فقال: كل، فقال موسى معلّ *: لا، قال
شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى، ولكني
من أهل بيت لا يبيعون شيئًا من عمل
الآخرة بملء الأرض ذهبًا، أخشى أن
يكون هذا أجر ما سقيت لهما؛ قال
شعيب عالِّل: لا يا شاب، ولكن هذه
عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف، وإطعام
فاکل .
طلبه ،
الطعام؛ قال: فجلس موسى
* حدثني إبراهيم بن يحيى الزبيدي،
قال: لما حمل ذو النون بن إبراهيم إلى
جعفر المتوكل، أنزله في بعض الدور،
وأوصى به زرافة، وقال: أنا إذا رجعت
غدًا من ركوبي، فأخرج إلي هذا الرجل؛
فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا عما
حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في
حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من
مال المسلمين، فلي فيها شركاء ونظراء إن
فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد
أوصاني بك، فلما رجع من الغد من
الركوب، قال له: انظر بأن تستقبل أمير
وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها؛ إن بني المؤمنين بالسلام؛ فلما أخرجه إليه، قال

الإمارة
٧٢
التهذيب الموضوعي
له: سلّم على أمير المؤمنين؛ فقال ذو أو محب لي فواصلوه؛ يا أوليائي: فلكم
النون: ليس هكذا جاءنا الخبر، إنما عاتبت، ولكم خاطبت، ومنكم الوفاء
جاءنا في الخبر: أن الراكب يسلم على طلبت، لا أحب استخدام الجبارين، ولا
تولي المتكبرين، ولا مصافاة المترفين؛ یا
أوليائي وأحبابي: جزائي لكم أفضل
الجزاء، وإعطائي لكم أفضل العطاء،
وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم
أوفر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى
المعاملة، ومطالبتي لكم أشد مطالبة، وأنا
مقدس القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا
عالم بمجال الفكر ووسواس الصدور؛ من
أرادکم قصمته، ومن عاداکم أهلکته.
الراجل؛ قال: فتبسم أمير المؤمنين، وبدأه
بالسلام، فنزل إليه أمير المؤمنين، فقال
له: أنت زاهد أهل مصر؟ قال: كذا
يقولون؛ فقال له زرافة: فإن أمير المؤمنين
يحب أن يسمع من كلام الزهاد؛ قال:
فأطرق مليًا، ثم قال: يا أمير المؤمنين،
إن الجهل علق بنكتة أهل الفهم، يا أمير
المؤمنين: إن الله عبادًا عبدوه بخالص من
السر، فشرفهم بخالص من شكره، فهم
الذين تمر صحفهم مع الملائكة فرغًا،
حتى إذا صارت إليه ملأها، من سر ما
أسروا إليه، أبدانهم دنياوية، وقلوبهم
سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة،
كأنهم يعبدونه مع الملائكة، بين تلك
الفرج، وأطباق السماوات، لم يخبتوا في
ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف
الآثام، ونزّهوا الله أن يراهم يثبون على
حبائل مكره، هيبة منهم له، وإجلالًا أن
يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم،
وبلذة من العيش مزهودة؛ فأولئك الذين
أجلسهم على كراسي أطباق أهل المعرفة،
بالأدواء، والنظر في منابت الدواء؛ فجعل
تلامذتهم أهل الورع والبصر، فقال لهم:
إن أتاكم علیل من فقدي فداووه، أو
مريض من تذكري فأدنوه، أو ناسٍ لنعمتي
ثم قال ذو النون: بحبك وردت قلوبهم
على بحر محبته، فاغترفت منه ريًّا من
الشراب، فشربت منه بمخاطر القلوب
فسهل عليها كل عارض لها عند لقاء
المحبوب، فواصلت الأعضاء المبادرة،
وألفت الجوارح تلك الراحة، فهم رهائن
أشغال الأعمال، قد اقتلعتهم الراحة بما
كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضرهم
تركه، قد سكنت لهم النفوس، ورضوا
بالفقر والبوس، واطمأنت جوارحهم على
الدؤوب على طاعة الله رش بالحركات،
وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات،
فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر،
وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا
بالعبودية للملك الديان، ورضوا به دون
كل قريب وحميم؛ فخشعوا لهيبته، وأقروا
فذكروه، أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه، له بالتقصير، وأذعنوا له بالطاعة، ولم

الإمارة
٧٣
لحلية الأولياء
يبالوا بالقلة، إذا خلوا بأقل بكاء، وإذا المسلم؛ قال: فإن الله رب يقول:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٣]. قال: قد فعلنا، وقد
قاتلناهم، حتى كان الدين لله؛ فأنتم
تريدون أن تقاتلوا، حتى يكون الدين
لغير الله. [٢٩٢/١ - ٢٩٣]
عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا
فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل
عليهم فحلماء؛ فلو قد رأيتهم لقلت:
عذارى في الخدور، وقد تحرکت لهم
المحبة في الصدور، بحسن تلك الصورة
التي قد علاها النور؛ إذا كشفت عن
القلوب، رأيت قلوبًا لينة منكسرة، بالذكر
نائرة، وبمحادثة المحبوب عامرة، لا
يشغلون قلوبهم بغيره، ولا یمیلون إلى ما
دونه؛ قد ملأت محبة الله صدورهم، فلیس
يجدون لكلام المخلوقين شهوة، ولا بغير
الأنيس ومحادثة الله لذة؛ إخوان صدق،
وأصحاب حياء ووفاء، وتقى وورع،
وإيمان ومعرفة ودين؛ قطعوا الأودية بغير
مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم
الحق، واستعانوا بالحق على الباطل؛
فأوضح لهم الحجة، ودلهم على المحجة،
فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير
المسالك، أولئك هم الأوتاد، الذين بهم
توهب المواهب، وبهم تفتح الأبواب،
وبهم ينشأ السحاب، وبهم يدفع العذاب،
وبهم يستقي العباد والبلاد؛ فرحمة الله
علينا وعليهم. [٣٣٧/٩ - ٣٣٨]
* عن الشعبي قال: أتى بي الحجاج
موثقًا، فلما انتهيت إلى باب القصر، لقيني
يزيد بن أبي مسلم؛ قال: إنا لله يا شعبي
لما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم
شفاعة، بوّء للأمير بالشرك والنفاق على
نفسك، فبالحري أن تنجو؛ ثم لقيني
محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة
يزيد؛ فلما دخلت عليه، قال: وأنت يا
شعبي فيمن خرج علينا وكثر؛ قلت:
أصلح الله الأمير، أحزن بنا المنزل،
وأجذب الجناب وضاق المسلك،
واكتحلني السهر، واستحلسنا الخوف،
ودفعنا في خربة خربة؛ لم نكن فيها بررة
أتقياء، ولا فجرة أقوياء؛ قال: صدق
والله، ما بروا في خروجهم علينا، ولا
قووا علينا حيث فجروا، فأطلقا عنه؛
قال: فاحتاج إلى فريضة، فقال: ما تقول
في أخت وأم وجد؟ قلت: اختلف فيها
خمسة من أصحاب رسول الله اليه:
* عن نافع عن ابن عمر رضيالله: أنه أتاه
رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أنت
ابن عمر، وصاحب رسول الله صل و - فذكر
مناقبه -؛ فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال:
عثمان بن عثمان، وزيد بن ثابت،
وعبد الله بن مسعود، وعلي وابن عباس
رضي الله تعالى عنهم؛ قال: فما قال فيها
يمنعني، أن الله تعالى حرم علي دم ابن عباس؟ - إن كان لمتقياً -، قلت:

الإمارة
٧٤
التهذيب الموضوعي
جعل الجد أبًا، وأعطى الأم الثلث، ولم عامل لمحمد بن يوسف، أو أيوب بن
يعط الأخت شيئًا؛ قال: فما قال فيها أمير يحيى، يقال له: ابن نجيح، وكان من
أخبث عمالهم؛ فشهدنا صلاة الصبح في
المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر
بطاووس، فجاء، فقعد بين يديه فسلم
عليه، فلم يجبه، فكلمه فأعرض عنه، ثم
عدل إلى الشق الأيسر، فأعرض عنه؛
المؤمنين - يعني: عثمان -؟ قلت: جعلها
أثلاثًا، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟
قلت: جعلها من تسعة: فأعطى الجد
أربعًا، وأعطى الأخت سهمين؛ قال: فما
قال فيها ابن مسعود؟ قلت: جعلها من
ستة: أعطى الأخت ثلاثًا، وأعطى الأم فلما رأيت ما به، قمت إليه، فمددت
بيده، وجعلت أسأله، وقلت له: إن أبا
سهمًا، وأعطى الجد سهمين؛ قال: فما
قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من
ستة: أعطى الأخت ثلاثًا، وأعطى الجد
سهمًا، وأعطى الأم سهمين. قال: مر
القاضي، فليمضها على ما أمضاها عليه
أمير المؤمنين عثمان. [٣٢٥/٤ - ٣٢٦]
عبد الرحمن لم يعرفك؛ قال: بلى،
معرفته بي فعلت بي ما رأيت؛ قال:
فمضى وهو ساكت، لا يقول لي شيئًا؛
فلما دخلت المنزل، التفت إلي، فقال
لي: يا لكع، بينما أنت زعمت أن تخرج
عليهم بسيفك، لم تستطع أن تحبس عنهم
لسانك. [١٦/٤ ]
* قال الشافعي: كان حماد البربري
واليًا علينا بمكة، فزادوه اليمن، فقلت
لأمي: ما ندري، وما أُملِيَ لهذا الرجل؟
ولي مكة، وزيد اليمن؟ فقالت: يا بني،
إن الحجر إذا سما، كان أشد سقوطًا؛
فقلت: يا أمّاه صدق رسول الله دَليل،
قال: ((لا تقوم الساعة، حتى تصير للكع بن
لكع)). فقالت: يا بني، وأين لكع بن
لكع، رحم الله لكع بن لكع منذ زمن
طويل. [١٤٠/٩ - ١٤١]
* عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بعث
إلي هشام بن عبد الملك، فقال لي: يا
إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيرًا، واختبرناك
كبيرًا، فرضينا سيرتك وحالك؛ وقد رأيت
أن أخلطك بنفسي وخاصتي، وأشركك في
عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال:
فقلت: أما الذي عليه رأيك يا أمير
المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى به
جازيًا ومثيبًا، وأما الذي أنا عليه، فما لي
* عن ابن طاووس قال: كنت لا أزال بالخراج بصر، وما لي عليه قوة؛ قال:
أقول لأبي: إنه ينبغي أن تخرج على هذا فغضب، حتى اختلج وجهه، وكان في
السلطان، وأن تقعد به؛ قال: فخرجنا عينيه قَبَل، فنظر إلي نظرًا منكرًا، ثم قال:
حجاجًا، فنزلنا في بعض القرى، وفيها لتلين طائعًا، أو لتلينّ كارهًا؛ قال:
.

الإمارة
٧٥
لحلية الأولياء
فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه فحملوه، وحشد الناس في جنازته؛ ومات
زنجي، فحمله الزنج على طن من قصب،
فذهب بأخي أمير المؤمنين، فدفنوه،
وذهب بالزنجي، فدفنوه. ثم جعلت أقص
عليه أميرًا أميرًا، حتى انتهيت إليه؛ فقلت
في نفسي: قد بنيت دارًا بالكوفة، فلم
ترها حتى أخذت فسجنت، فعذبت، حتى
قتل فيها. [٣٧٩/٢ - ٣٨٠]
قد انكسر، وثورته قد طفئت؛ فقلت: يا
أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال: نعم، قلت:
إن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية. فوالله يا
أمير المؤمنين، ما غضب عليهن إذ أبين،
ولا أكرههن إذ كرهن؛ وما أنا بحقيق أن
تغضب علي إذ أبيت، ولا تكرهني إذ
كرهت؛ قال: فضحك حتى بدت نواجذه،
ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقهاً، لقد
رضينا عنك، وأعفيناك. [٢٤٤/٥]
* كان أبو وائل - شقيق بن سلمة -
يقول لجاريته: يا بركة، إذا جاء يحيى
يعني: ابنه - بشيء، فلا تقبليه؛ وإذا جاءك
أصحابي بشيء فخذیه؛ قال: وکان یحیی
ابنه قاضيًا على الكناسة. [١٠٣/٤]
* عن مالك بن دينار قال: كنت عند
بلال بن أبي بردة، وهو في قبة له؛
فقلت: قد أصبت هذا خاليًا، فأي قصص
أقص عليه، فقلت في نفسي: ما له خير
من أن أقص عليه ما لقي نظراؤه من
الناس؛ فقلت له: أتدري من بنى هذا
الذي أنت فيه؟ بناها عبيد الله بن زياد،
وبنى البيضاء، وبنى المسجد، فولي ما
ولي، فصار من أمره أن هرب، فطلب،
فقتل؛ ثم ولي البصرة: بشر بن مروان،
* عن وهب - بن منبه - أنه قال لعطاء
الخراساني: كان العلماء قبلنا قد استغنوا
بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون
إلى دنيا غيرهم، وكان أهل الدنيا يبذلون
لهم دنياهم، رغبة في علمهم؛ فأصبح
أهل العلم اليوم فينا، يبذلون لأهل الدنيا
علمهم، رغبة في دنياهم، وأصبح أهل
الدنيا، قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من
سوء موضعهم عندهم؛ فإياك وأبواب
السلاطين، فإن عند أبوابهم فتنًا كمبارك
الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا
وأصابوا من دينك مثله؛ ثم قال: يا
عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فكل
عيشك يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما
يكفيك فليس شيء يكفيك؛ إنما بطنك
بحر من البحور، وواد من الأودية؛ لا
يسعه إلا التراب. [٢٩/٤ - ٣٠]
* وفي رواية أنه قال له: ويحك يا
عطاء، ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى
فقالوا: أخو أمير المؤمنين، فمات بالبصرة أبواب الملوك، وأبناء الدنيا؟ ويحك يا

الإمارة
DY.
٧٦
التهذيب الموضوعي
عطاء، أتأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر
لك فقره، ویخفي عنك غناه وتدع من
يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه، ويقول:
﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؟ ويحك
يا عطاء، ارضَ بالدون من الدنيا مع
الحكمة، ولا ترضَ بالدون من الحكمة مع
الدنيا؛ ويحك يا عطاء، إن كنت يغنيك ما
یکفیك، فإن أدنی ما في الدنيا يكفيك؛
وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في
الدنيا شيء يكفيك؛ ويحك يا عطاء، إنما
بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية،
ولا يملأه إلا التراب. [٤٣/٤]
* عن الشعبي قال: مرض الأسد فعاده
السباع، ما خلا الثعلب؛ فقال الذئب:
أيها الملك، مرضت، فعادك السباع إلا
الثعلب، قال: فإذا حضر، فأعلمني؛
قال: فبلغ ذلك الثعلب، فجاء، فقال له
الأسد: يا أبا الحصين، عادني السباع
كلهم فلم تعدني؟ قال: بلغني مرض
الملك، فكنت في طلب الدواء؛ قال:
فأي شيء أصبت؟ قال: قالوا: خرزة في
ساق الذئب، ينبغي أن تخرج؛ قال:
فضرب الأسد بمخالبه إلى ساق الذئب،
فانسل الثعلب، وقعد على الطريق، فمر به
الذئب، والدماء تسيل عليه؛ قال: فناداه
الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر، إذا
قعدت بعد هذا عند السلطان، فانظر ماذا
يخرج من رأسك، وأما هذه، فقد خرجت
من رجلك. [٣١٧/٤]
· عن مسعر قال: دعاني أبو جعفر
ليولِّيني، فقلت: أصلح الله الأمير، إن
أهلي ليريدونني على أن أشتري الشيء
بدرهمين، فأقول: اعطوني، أشتري لكم؛
فيقولون: لا والله، ما نرضى اشتراءك؛
فأهلي لا يرضون أشتري الشيء بدرهمین،
وأمير المؤمنين يوليني؛ أصلحك الله، إن
لنا قرابة وحقًا، وقد قال الشاعر:
تشاركنا قريش في تقاها
وفي أحسابها شرك العنان
فما ولدت نساء بني هلال
وما ولدت نساء بني أبان
قال: أيم الله، ما لنا في العرب قرابة
أحب إلينا منها: فأعفاه. [٢١٥/٧]
* عن وهب بن إسماعيل قال: كنت
بمكة مع سفيان الثوري والأوزاعي،
فمرض سفيان، فأتاه محمد بن إبراهيم
يعوده، فلما قيل له: هذا محمد بن
إبراهيم، قال: فدخل الكنيف، فما زال
فيه حتى استحييت من طول ما قعد، ثم
خرج فجاء، فقال: سلام عليكم، كيف
أنتم؟ وطرح نفسه، ومحمد جالس، فحوّل
وجهه إلى الحائط، فما كلمه حتى خرج
من عنده، فلما كان من الغد، بعث إليه
يقرئه السلام، ويقول: كيف تجدك، لولا
أني أعلم أنه ليس بمكة أحد أبغض إليك
مني لأتيتك. [٧ /٤٥ - ٤٦]
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: جر
:

الإمارة
٧٧
لحلية الأولياء
أمير المؤمنين سفيان إلى القضاء، فتحامق لرشد فأرشده، أو لغير ذلك فراجع به،
اللهم إن له في الإسلام بالقياس على كل
مؤمن حقًّا، وله بنبيك قرابة ورحم، فقرّبه
من کل خیر، وباعده من كل سوء، وأسعدنا
به، وأصلحه لنفسه ولنا، فقال موسى بن
عيسى: يرحمك الله أبا عبد الرحمن، كذلك
يا عمري الظن بك. [٢٨٥/٨ _ ٢٨٦]
عليه ليخلص نفسه منه، فلما أن علم أنه
يتحامق عليه أرسله، وهرب من السلطان،
وجعل کینونته في بیت عبد الرحمن ویحیی
ابن سعيد بضع عشرة سنة، فلما كان عند
موته، قالوا: أين نذهب بك؟ قال:
اغسلوني وكفنوني، وضعوني على السرير،
واحملوا فيما بينكم السرير، ففعلوا،
فوضعوه بباب مسجد الجامع، فجاء
السلطان، فكشف عن وجهه، فغاصه في
الكافور، وكتب إلى السلطان الأعظم، إني
وجدت سفيان على سرير مفروغًا من غسله
وكفنه، فغصصته في الكافور، أنتظر ما
تأمر فيه، فوقع على الماء ألف سماري(١)
إلى جنازته، فدفن بعد أيام. [٧ / ٥٢ - ٥٣]
* عن عبد الله بن عبد العزيز العمري
يقول: قال لي موسى بن عيسى: يُنهي إليَّ
أمير المؤمنين هارون الرشيد أنك تشتمه
وتدعو عليه، فبأي شيء استبحت ذلك يا
عمري؟ قال: فقلت له: أما شتمه، فهو والله
أكرم علي من نفسي لقرابته من
رسول الله وَير، وأما في الدعاء عليه، فوالله
ما قلت: اللهم إنه قد أصبح عبئًا ثقيلًا على
أكتافنا لا تطيقه أبداننا، وقذى في جفوننا لا
تطرف عليه جفوننا، وشجى في أفواهنا تسفه
حلوقنا فاکفنا بموته، وفرّق بيننا وبينه،
ولکن قلت: اللهم إن کان یسمی بالرشيد
(١) السماري: نوع من السفن.
* عن العلاء بن روبة قال: كانت لي
حاجة إلى رجاء بن حيوة، فسألت عنه،
فقالوا : هو عند سليمان بن عبد الملك،
قال: فلقيته، فقال: ولى أمير المؤمنين اليوم
ابن موهب القضاء، ولو خيّرت بين أن ألي
وبين أن أُحْمَل إلى حفرتي، لاخترت أن
أحمل إلى حفرتي، قلت: إن الناس يقولون:
إنك أنت الذي أشرت به، قال: صدقوا، إني
نظرت للعامة ولم أنظر له. [١٧٠/٥ - ١٧١]
* عن عتبة بن تميم وغيره: أن عمر بن
عبد العزيز كان يقول: وأيم الله، لو أني
أعلم أنه يسوغ لي فيما بيني وبين الله: أن
أخليكم وأمركم هذا، وألحق بأهلي،
لفعلت، ولكني أخاف أن لا يسوغ ذلك
لي فيما بيني وبين الله. [٣١٣/٥ - ٣١٤]
* عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع
الطاعون بالشام، فاستعر فيها، فقال
الناس: ما هذا إلا الطوفان، إلا أنه ليس
بماء، فبلغ معاذ بن جبل رضي الله تعالى
عنه، فقام خطيبًا، فقال: إنه قد بلغني ما
تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم رَ ،

الإمارة
٧٨
التهذيب الموضوعي
ودعوة نبيكم ﴾، وكفت الصالحين
قبلکم، ولکن خافوا ما هو أشد من ذلك:
أن يغدو الرجل منكم من منزله، لا يدري
أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة
الصبيان. [١/ ٢٤٠]
* عن نافع قال: لما قدم أبو موسى
وعمرو بن العاص أيام حكما، قال أبو
موسى: لا أرى لهذا الأمر غير
عبد الله بن عمر، فقال عمرو لابن
عمر: إنا نريد أن نبايعك، فهل لك أن
تُعطى مالًا عظيمًا على أن تدع هذا
الأمر لمن هو أحرص عليه منك؟
فغضب ابن عمر فقام، فأخذ ابن الزبير
بطرف ثوبه، فقال: يا أبا عبد الرحمن،
إنما قال: تُعطى مالًا على أن أبايعك،
فقال ابن عمر: ويحك يا عمرو، قال
عمرو: إنما قلت: أجربك، قال: فقال
ابن عمر: لا والله، لا أُعطى عليها
شيئًا ولا أعطي، ولا أقبلها إلا عن
رضا من المسلمين. [٢٩٣/١ - ٢٩٤]
* قال أبو حازم: إن خير الأمراء من
أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب
الأمراء، وإنه كان فيما مضى: إذا بعث
الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا
أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم
يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء
في بيوتهم فيسألونهم، فكان في ذلك
ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا
نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء فطلبوا
العلم، فأتوا الأمراء، فحدثوهم فرخصوا
لهم، وأعطوهم فقبلوا منهم، فجرئت
الأمراء على العلماء، وجرئت العلماء على
الأمراء. [٢٤٤/٣]
* عن أبي سلام بن مسكين قال:
سمعت الحسن يقول: لما كان من أمر
الناس ما كان من أمر الفتنة، أتوا
عبد الله بن عمر، فقالوا: أنت سيد
الناس وابن سيدهم، والناس بك
راضون، اخرج نبايعك، فقال: لا والله،
لا يهراق فيّ محجمة من دم ولا في
سببي ما كان فيّ الروح، قال: ثم أتي
فخوّف، فقيل له: لتخرجن أو لتقتلن
على فراشك، فقال مثل قوله الأول:
قال الحسن: فوالله ما استقلوا منه شيئًا
حتى لحق بالله تعالى. [٣٩٣/١]
* عن أبي نضرة: أن عمر رظُله بعث
هرم بن حيان على الخيل، فغضب على
رجل، فأمر به، فَوُجئت عنقه، ثم أقبل على
أصحابه، فقال: لا جزاكم الله خيرًا، ما
نصحتموني حين قلت، ولا كففتموني عن
غضبي، والله لا ألي لكم عملًا، ثم كتب إلى
عمر: يا أمير المؤمنين، لا طاقة لي بالرعية،
فابعث إلى عملك. [١٢٠/٢ - ١٢١]
* عن رجاء بن حيوة قال: إني لواقف
صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى مع سليمان بن عبد الملك وكان لي منه

الإمارة
٧٩
لحلية الأولياء
منزلة، إذ جاء رجل ذكر رجاء بن حيوة [الأحزاب: ٧٢] الآية، أفمعصية كان ذلك
منهن؟ فأعفاه عمر. [٣١٢/٥]
من حسن هيئته، فقال: يا رجاء، إنك قد
* عن المطعم بن المقدام الصنعاني
قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى
عبد الله بن عمر: بلغني أنك طلبت
الخلافة، وإن الخلافة لا تصلح لعيي،
ولا بخيل، ولا غيور، فكتب إليه ابن
عمر: أما ما ذكرت من الخلافة أني
طلبتها، فما طلبتها، وما هي من بالي،
ابتليت بهذا الرجل، وفي قربه الوقع، يا
رجاء، عليك بالمعروف وعون الضعيف،
واعلم يا رجاء: أنه من كانت له منزلة من
السلطان، فرفع حاجة إنسان ضعيف وهو
لا يستطيع رفعها، لقي الله يوم يلقاه، وقد
ثبّت قدميه للحساب، واعلم يا رجاء: أنه
من كان في حاجة أخيه المسلم، كان الله
في حاجته، واعلم يا رجاء: أن من أحب وأما ما ذكرت من العي والبخل
الأعمال إلى الله، فرحًا أدخلته على والغيرة، فإن من جمع كتاب الله فليس
مسلم؛ ثم فقده، فكان يرى أنه الخضر بعيي، ومن أدى زكاة ماله فليس
عليه السلام. [١٧١/٥]
* عن سعيد بن أبي هلال: أن كعبًا مر
بعمر وهو يضرب رجلًا بالدرة، فقال
كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي
بيده، إنه لمكتوب في التوراة: ويل
السلطان الأرض من سلطان السماء، ويل
الحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال
عمر: إلا من حاسب نفسه. [٣٨٩/٥]
* عن الأوزاعي قال: أراد عمر بن
عبد العزيز أن يستعمل رجلًا على عمل،
فأبى فقال له عمر: عزمت عليك لتفعلن،
فقال الرجل: وأنا أعزم على نفسي أن لا
أفعل، فقال عمر: أتعصيني؟ فقال: يا
أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنَنِّ﴾
ببخيل، وأما ما ذكرت من الغيرة، فإن
أحق ما غرت فيه ولدي، أن يشركني
فيه غيري. [١/ ٢٩٣]
* قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن
عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ
عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة
شابة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكّن أحدكم
سمعه من أصحاب الأهواء. [٢١/٣]
* مر المهلب بن أبي صفرة على
مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال
له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره
إلا بين الصفين؟ فقال له المهلب: أما
تعرفني؟ فقال له: أعرفك أحسن المعرفة،
قال: وما تعرف مني؟ قال: أما أوّلك
فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت
بينهما تحمل العذرة، قال: فقال المهلب:

الإمارة
٨٠
التهذيب الموضوعي
الآن عرفتني حق المعرفة. [٣٨٤/٢]
* كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري
رضي الله تعالى عنهما: أما بعد؛ فإن
أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن
أشقى الرعاة - عند الله ربك - من شقيت به
رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك،
فيكون مثلك - عند الله رَد - مثل البهيمة،
نظرت إلى خضرة من الأرض فرعت فيها،
تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في
سمنها، والسلام عليك. [١/ ٥٠]
* عن أنس بن مالك څ قال: بعث
النبي ﴿ المقداد بن الأسود على سرية،
فلما قدم، قال له: «أبا معبد کیف وجدت
الإمارة؟)) قال: كنت أحمل وأوضع، حتى
رأيت بأن لي على القوم فضلًا، قال: ((هو
ذاك فخذ أو دع)). قال: والذي بعثك بالحق
لا أتأمر على اثنين أبدًا. [١/ ١٧٤ _ ١٧٥]
* عن حيان بن نافع البصري قال:
بعثني عروة بن محمد السعدي إلى
سليمان بن عبد الملك - وهو
بدابق ـ بهدایا، قال: فوافیناه قد مات،
واستخلف عمر بن عبد العزيز، فدخلنا
عليه، وقد هيأنا تلك الهدايا كما كانت
تهيأ لسليمان، قال: ومعنا عنبرة فيها نحو
من خمسمائة رطل أو ستمائة رطل ومسك
هذا، فإنه إنما يستمتع من هذا بريحه، ثم
قال: رحمك الله أبا أيوب، لو كنت حيًا
لكان نصيبًا فيه أوفر، قال فرفع. [٣٢٦/٥]
* عن إبراهيم النخعي : أنه أُرسل إليه زمان
مختار بن أبي عبيد، فطلى وجهه بطلاء،
وشرب دواء، ولم يأتهم فتركوه. [٢٢٠/٤]
* عن سفيان الثوري قال - وذكروا
السلطان -: لو أكلوا الذهب لأكلنا
الحصى. [٧ /٤٦]
* عن جعفر بن محمد قال: الفقهاء
أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا
إلى السلاطين، فاتهموهم. [١٩٤/٣]
* عن سفيان الثوري قال: إذا دعوك
لتقرأ عليهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ (@)﴾
[الإخلاص: ١]، فلا تأتهم. [٣٨٧/٦]
* عن ميمون بن مهران قال: لا تعرف
الأمير، ولا تعرف من يعرفه. [٨٥/٤]
* وعنه أيضًا أنه قال: ما من صدقة
أفضل من كلمة حق عند إمام جائر. [٤ / ٨٧]
* قال أبو حازم: إنما السلطان سوق،
فما نفق عنده أتى به. [٢٤٠/٣]
* عن هارون أبي محمد البربري أن
عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن
مهران على الجزيرة، على قضائها، وعلى
خراجها، فكتب إليه ميمون يستعفيه،
كثير، فأخذوا يعرضون على عمر تلك وقال: كلفتني ما لا أطيق: أقضي بين
الهدية، وفاح ريح المسك، فجعل عمر الناس، وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق،
كمه على أنفه، ثم قال: يا غلام، ارفع فكتب عمر إليه: اجب من الخراج