النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٣٠١ -
هواه وأضله الله على علم. طمعا فيما لم يسعدبه بحقيقة. هيهات إن أهل هذه
الاشارة ناس لم تبق لهم حمة تومى الى ذ كر فعل مذموم دون ان يجرى ذلك عليهم
بعلم من العلوم ، إذ كانت حركاتهم عن الحق بالحق فى جميع الاحكام لاتعترضها
خواطر البشرية ولا يليق فيها فعل الافعال الطبيعية ، لا يقولون إلا بالحق ولا
ينطقون عن الهوى. بذلك خبرنا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال(وما
ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى علمه شديدالقوى .
فأما الفرقة التى اغترت بما لم تؤت ولم تفارق العلل المستولية عليهم من
حركات طباعهم الداعية إلى حاجتها وشهواتها فأولئك مثلهم كما قال الله تعالى:
( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصلدونهم
عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وقوله : ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا
أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئٌ) فهم رهائن أعمالهم لزم كل عبد منهم
طائره فى عنقه إذ يقول ( وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه) الآية وقال :(كل
نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين). جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين.
وهم أهل القوة .
وفيما كتب إلى جعفر وحدثنى عنه محمدبن إبراهيم قال سمعت رويما يقول :
الصبر ترك الشكوى ، والرضاء استلذاذ البلوى، واليقين المشاهدة، والتوكل
إسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق ، والأفس أن تستوحش من
سوى محبوبك. وسئل عن المحبة فقال: الموافقة فى جميع الأحوال. وأنشد:
ولو قلت لى مت مت سمعا وطاعة » وقلت لداعى الموت أهلا ومرحباً
وقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون حال من دينه هواه وهمته شقاؤه
ليس بصالح نقى ولا عارف آتى
﴿ قال الشيخ: ذكرنا لجده حديثا مسنداً لموافقة اسمه اسمه
* حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم ثنا جعفر بن محمد الصائغ ثنا رويم بن
يزيد المقرئ ثنا إسماعيل بن يحي التيمى عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال:
((رأى النبى صلى الله عليه وسلم أبا الدرداء يمشى قدام أبى بكر فقال: يا أبا الدرداء

- ٣٠٢ -
أتمشى قدام رجل ما طلعت الشمس على رجل مسلم خير عنه؟)). قال : فما
رؤى أبو الدرداء بعد هذا يمشى إلا خلف أبى بكر * حدثناسليمان بن أحمدثنا
محمد بن العباس الأخرم ثنا الحسن بن ناصح المخرمى ثنا رويم بن يزيد ثنا
إسماعيل عن ابن جريج مثله.
أحمد بن محمد بن عطاء
٥٧٥ -
* ومنهم العامل الظريف والكامل النظيف كان مودع القرآن شعاره، وظاهر
البيان دثاره له اللسان المبسوط والبيان بالحق مربوط. أوقف على مراقب
المأسورين ومقامات أهل البلاء من المأخوذين فتمنى ما خصوابه من الصفاء
والاعتلاء فعومل بما تمنى من المحن والابتلاء، أبو العباس أحمد بن محمد بن
سهل بن عطاء
* سمعت أبا الحسين محمد بن على بن حبيش - صاحب الجنيد بن محمد-يقول:
صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآ دابه وكان له كل يوم خمة وفى كل
شهر رمضان فى كل يوم وليلة ثلاث ختمات ، وبقى فى ختمة يستنبط مودع القرآن
بضع عشرة سنة يستروح إلى معانى مودعها فمات قبل أن يختمها . وسمعته
يقول فى قوله عز وجل، (إن أول بيت وضع للناس الذى ببكة) فقال فى البيت
مقام إبراهيم وفى القلب آثار رب إبراهيم ، وللبيب أركان والقلب أركان،
فأركان البيت الصم من الصخور وأركان القلب معادن النور
* سمعت أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصير الرازى-
بنيسابورى صاحب يوسف بن الحسين - يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول
من ألزم نفسه آداب السنة غمر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من
متابعة الحبيب فى أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولا وفعلا
وفية وعقدا .
* ممعت محمد بن على بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرن
ثلاثة اشياء بثلاث قرنت الفتنة بالمنية وقرنت المحنة بالاختيار وقرنت البلوى
بالدعاوى. وسئل إلى م تسكن قلوب العارفين؟ قال إلى قوله: بسم الله الرحمن

- ٣٠٣ -
الرحيم ، لان فى بسم الله هيبته، وفى اسمه الرحمن عونه ونصرته، وفى اسمه
الرحيم مودته ومحبته: ثم قال. سبحان من فرق بين هذه المعانى فى الطافتها فى
هذه الاسامی فی غوا مضها
* سمعت أبى يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: إذا كانت نفسك غير
ناظرة لقلبك فأدبها بمجالسة الحكماء فمن أراد أن يستضئ بنور الحكمة
فليلاق بها أهل الفهم والعقل. وسمعته يقول: القلب اذا اشتاق الى الجنة اسرعت.
اليه هدايا الجنة وهى المكروه لان المكاره هدايا الجنة الى ابدان الصادقين
ومن فربنفسه إلى حصن المكروه وحلت شهوات الطمع عن قلبه . وقال من
علامة الصدق رضى القلب بحلول المكروه.
« سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول قال أبو العباس بن عطاء
من تأدب بآداب الصالحين فانه يصلح لبساط الكرامة، ومن تأدب بآ داب
الأولياء فانه يصلح لبساط القربة، ومن تأب بادار الأنبياء فانه يصلح لبساط
الانس والانبساط، وسمعته يقول قال أبو العباس بن عطاء: لم تزل الشفقة
بالمؤمن حتى أو فدته على خير أحواله، ولم تزل الغفلة بالفاجر حتى أو فدته
على شر أحواله .
* سمعت محمد بن على بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
أدن قلبك من مجالسة الذاكرين لعله ينتبه عن غفلته، وأقم شخصك فى خدمة
الصالحين لعله يتعود ببركتها طاعة رب العالمين . قال: وسئل أبو العباس وأنا
حاضر عن أقرب شىء إلى مقت الله والعياذ بالله . فقال: رؤية النفس وأفعالها
وأشدمن ذلك مطالبة الأعواض عن أفعالها. قال وسمعته يقول: من علامات
الأولياء أربعة صيانة سره فيما بينه وبين الله . وحفظ جوارحه فيما بينه
وبين الله ، واحتمال الأذى فيما بينه وبين خلق الله ، ومداراته مع الخلق على
تفاوت عقولهم .
* سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
من شاهد الحق بالحق انقطعت عنه الاسباب كلها ، وما دام ملاحظا لشىء فهو

- ٣٠٤ -
غير مشاهد لحقيقة الحق، وهذا مقام من صفت له الولاية فلم يحجب عنه المنتهى
والغاية. وسئل عن قوله تعالى (تتجا فى جنوبهم عن المضاجع) فقال المضطجعون
على مراتب: مضطجع على فراشه، ومضطجع فى نفسه، ومضطجع فى دنياه.
فالمضطجع على فراشه فهو الظالم متى انتبه ذكر الله تعالى أعطى ثوابه عشرة
أمثالها. والمضطجع فى دنياه فهو المقتصد متى انتبه وجل من مطالعة الدنيا
واستغفر أعطى ثوابه سبعمائة ضعف. وأما المضطجع فى نفسه فهو السابق متى
شاهد نفسه ورأى ضلالنها ظن أنه من الهالكين. حينئذ يفتقر إلى الله بطلب
السلامة من نفسه فهذا ممن ثوابه ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين)
قال أبو العباس : ذكر الثواب عن ذكر الله غفلة عن الله
* أنشدنى محمد بن على بن حبيش قال أنشدنى أحمد بن سهل بن عطاء.
بالله أبلغ ما أسمى وأدركه * لابى ولا بشفيع الى الناس
إذا يئست وكاد اليأس يقلقنى » جاء الغنى عجبا من جانب اليأس
قال ابن حبيش : فزدته ثالثا بين يديه :
أعود فى كل أمر جل مطلبه » عندى إلى كاشف الضر والبأس
ل : وأنشدنى ابن عطاء :
دبوا إلى المجد والساءون قد بلغوا * جهد النفوس وشدوا نحوه الازرا
وساوروا المجد حتى مل أكثرهم * وعائق المجد من وافى ومن صبرا
لا تحسب المجد غراً أنت تأكله « لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال وأنشدنى رحمه الله :
ذكرك لى مؤنس يعارضنى * يوعدنى عنك منك بالظفر
فكيف أنساك يامدا همى * وأنت منى بموضع من النظر
وسئل : ما العبودية؟ قال: ترك الاختيار، وملازمة الافتقار. وقال:
إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا .
﴿ قال الشيخ : کان کثیر الحديث :
■ حدثنا محمد بن على بن حبيش ثنا أبو العباس بن عطاء الصوفى ثنا

- ٣٠٥ -
يوسف بن موسى القطان ثنا الحسن بنبشر البلخى ثنا الحكم بن عبد الملك عن
قتادة عن أبى مليح عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتى أكثر من بني تميم)).
* حدثنا محمد بن على ثنا أبو العباس بن عطاء ثنا الفضل بن زياد ثنا ابن
أبى ليلى قال حدثنى أبى عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال: ((قضم الملح
فى جماعة خير من أكل الفالوذج فى فرقة)).
قال الشيخ : ذكر جماعة من أعلام البغداديين كان المفزع إلى أدعيتهم
عند المحن والنوازل لصفاء أحوالهم، ووفاء أقوالهم فكانت آثارهم فى الاجابة
مشهورة، وأوقاتهم بالمشاهد والمسامرة معمورة، صحبوا بشربن الحارث
الحافى وأصحاب معروف الكرخى. حماهم الحق عن التبدل، وحلاهم بخلوة
الذكر والاشتهار. لقينا أصحابهم وكانوا على سمتهم مشتهرين بالذكر شاهدين
مغتنمين، للوقت مجاهدين: منهم إبراهيم بن السرى السقطى. وبدر بن المنذر
المغازلى، وأبو أحمد القلانسى، وخير النساج، وأبو بكر بن مسلم بن حمزة
البصرى، عداده فى البغداديين .
إبراهيم بن السرى
٤ ٥٧٦ -
« سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحي يقول سمعت إبراهيم بن
السرى السقطى يقول سمعت أبى يقول: عجبت لمن غدا أوراح فى طلب الارباح
وهو مثل نفسه نواح لا يريح أبدا .
* سمعت إبراهيم بن محمد يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت إبراهيم
ابن السرى يقول سمعت أبى يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها
شفقتها على أولادها للاقت السرور فى معادها .
بدر المغازلى
-
، وأما بدر المغازلى فأطبقت الألسنة من الحنبلية وأصحاب الحديث أنه
كان يعد من البدلاء ، عرف له أحوال عجيبة .
(٣٠_ حلية ماتر )

- ٣٠٦ -
* حدثنا عنه أبو بكر بن خلاد ثنا بكر بن المنذر أبو بكر المغازلى
الشيخ الصالح ثنا معاوية بن عمرو ثنا زهير بن معاوية عن العلاء بن المسيب
أن سهيلا بن أبى صالح حدثه عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: (( إذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إنى أحب فلانا فأحبه . فيحبه
جبريل، ثم يقول لأهل السماء : إن الله يحب عبده فلانا فأحبوه. فيحبه أهل
السماء. ثم يوضع له القبول)) قال العلاء: فقلت: ما القبول ؟ قال: المودة
فى الأرض .
٥٧٨ -
القلانسی
قال الشيخ: وأما أبو أحمد القلانسى فمخصوص بالتواضع والفقوة
والاحتمال وطيبة القلب والابتذال . صحب أبا حمزة وتخرج عليه.
* سمعت عمر بن أحمد بن شاهين يقول: سمعت على بن محمد المصرى يقول
سمعت محمرو بن سعيد القلانسى يقول سمعت يحيى بن الحسن القلانسى يقول :
وأيت ربى عز وجل فى النوم فقلت: يارب اغفرلى ما مضى، قال: إن أردت أن
أغفر لك ما مضى فأصلح لى ما بقى . قال قلت : يارب فأعنى عليه .
* سمعت عبد المنعم بن عمر يقول قال أبو سعيد بن الأعرابى سمعت الكتانى
يقول قال منية البصرى : سافرت مع أبى أحمد القلانسى جعنا جو عا شديداً ،
ففتح علينا بشىء من طعام فاَ ثرنى به، وكان معنا سويق، فقال لى كالمازح:
تكون جملى؟ فقلت : نعم . فكان يوجر فى ذلك السويق حتال بذلك أن يؤثر فى
على نفسه . وكان قد صحب أبا محمد الرباطی المروزى وسلك معه البادية ،وورث.
عنه هذه الأخلاق الحميدة، وذلك أن أبامحمد اشترط عليه أن يكون هو الأمير
فى سفرهما. حكى عنه أنه كان يطعمه ويجموع، ويسقيه ويعطش، ويؤثره
بأسباب الرفق . وذكر أن مطراً أسابهما فى رياح وظلمة شديدة بالبادية ،
فقال : يا أحمد اطلب الميل، فلما صرنا إلى الميل أقعدنى فى أصله ووضع يده
عليه وهو قائم، وجللنی بکساء كان معه فوق ظهره وعلى رأسه ، حتى صرت
كاً فى فى بيت لا يصيبنى المطر ولا الرياح. فكلما قلت له قال: لا تعترض على

- ٣٠٧ -
وأنا الأمير . وكان أبو حمزة وابن وهب وجماعة المشايخ يكرمونه ويقدمونه
على غيره. قال أبو سعيد بن الأعرابى: ولقد صحبته إلى أن مات فما رأيته قط
يبيت ذهبا ولا فضة كان يخرجه من الليل ويذهب مذهب شقيق فى التوكل. وكان
يقول: بناء مذهبنا على شرائط ثلاث : لا أطالب أحداً من الناس بواجب
حقنا ، ونطالب أنفسنا بحقوق الناس، ونلزم أنفسنا التقصير فى جميع مانأتى به.
خير النساج
٥٧٩ -
﴿ وأماأبو الحسن خير النساج. كان من أهل سامرا، سكن بغدادو محب
أبا حمزة والسرى السقطى . له الحظ الجسيم فى الكرامات .
: سمعت على بن هارون- صاحب الجنيد - يحكى عن غير واحد من أصحابه
من حضر موته قال: غشى عليه عند صلاة المغرب ثم أفاق فنظر إلى ناحية من
باب البيت فقال : قف عافاك الله ، فانما أنت عبدمأمور ، ما أمرت به لا يفوتك،
وما أمرت به يفوتنى ، فدعنى أمضى لما أمرت به ثم امض أنت لما أمرت به. فدما
بماء فتوضأ للصلاة وصلى ثم تمدد وغمض عينيه وآشهد فمات رحمه الله، فرآه
بعض أصحابه فى المنام فقال له: ما فعل الله بك ؟ قال: لا تسألنى عن هذا ولكن
استرحت من دنياكم الوضرة .
* أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير فى كتابه قال سألت خيراً النساج : أكان
النسج حرفتك؟ قال : لا. قلت: فمن أين سميت به؟ قال كنت عاهدت الله
واعتقدت أن لا آكل الرطب أبداً ، فغلبتنى نفسى يوما فأخذت نصف رطل،
فلما أكلت واحدة إذا رجل نظر إلى وقال : ياخير يا آبق هربت منى ؟ - وكان
له غلام هرب اسمه خير - فوقع على شبهه وصورته ، تخنقنى فاجتمع الناس
فقالوا : هذا والله غلامك خير . فبقيت متحيراً وعلمت بماذا أخذت ، وعرفت
جنايتى . حملنى إلى حانوته الذى فيه كان ينسج غلمانه وقالوا : يا عبد السوء
تهرب من مولاك ؟ ادخل واعمل عملك الذى كنت تعمل. وأمرفى بنسج
الكرباس ، فدليت رجلى على أن أعمل فأخذت بيدى آلته، فكاً نى كنت
أعمل من سنين، فبقيت معه شهراً أنسج له ،فقمت ليلة فتمسحت وقمت إلى

-- ٣٠٨ -
صلاة الغداة ، فسجدت وقلت فى سجودى: إلهى لا أعود إلى ما فعلت .
فأصبحت وإذا الشبه ذهب عنى وعدت إلى صورتى التى كنت عليها ، فأطلقت
فثبت على هذا الاسم ، فكان سبب النسج اتباعى شهوة عاهدت الله عز وجل
أن لا آكلها ، فعاقبنى الله بما سمعت. وكان يقول: لا نسب أشرف من نسب
من خلقه الله بيده فلم يعصمه ، ولا علم أرفع من علم من علمه الله الأسماء كلها
فلم تنفعه فى وقت جريان القضاء عليه ، ولا عبادة أتم ولا أكثر من عبادة
إبليس فلم ينجه ذلك من أنصار إلى ما سبق له من الله تعالى. وقال: توحيد
كل مخلوق ناقص بقيامه بغيره، وحاجته إلى غيره . قال الله تعالى: (يا أيها
الناس أنتم الفقراء إلى الله ) المحتاجون إليه فى كل نفس (والله هو الغنى) عنكم
وعن توحيدكم وأفعالكم (الحميد) الذى يقبل منك مالا يحتاج إليه ويثيب
على ما تحتاج إليه.
* أخبر نى الحسن بن جعفر قال أخبر نى عبد الله بن إبراهيم الجريرى قال قال
أبو الخير الديلى: كنت جالساً عند خير النساج فأتته امرأة وقالت : اعطنى
المنديل الذى دفعته إليك. قال: نعم . فدفعه إليها. فقالت: كم الأجرة ؟قال:
درهمان. قالت: ما معى الساعة شئ، وأنا قد ترددت إليك مراراً ولم أرك،
آتيك به غداً إن شاء الله ، فقال لهاخير إن أتيتينى به ولم ترنى فارم به فى
الدجلة فانى إذا رجعت أخذته . فقالت المرأة : كيف تأخذ من الدجلة؟
فقال خير : التفتيش فضول منك ، افعلى ما أمرتك . فقالت إن شاء الله.
فمرت المرأة . قال أبو الخير: فيئت من الغد - وكان خير غائبا - فاذا بالمرأة جاءت
ومعها خرقة فيها درهمان ، فلم ترخيراً فقعدت ساعة ثم قامت ورمت بالحرقة
فى الدجلة ، فاذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت، فبعد ساعة جاء خير وفتح
باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ ، وإذا بسرطان خرجت من الماء تمشى
نحوه والحرقة على ظهرها. فلما قربت من الشيخ أخذها . فقلت له: رأيت
كذا وكذا. فقال : أحب أن لا تبوح به فى حياتى، فأجبته إلى ذلك
وقلت : نعم .

- ٣٠٩ -
٥٨٠-
أبو بكر بن مسلم
® وأما أبو بكر بن مسلم فمن المستأنسين بالله لا ينفك عن مشاهدته
ومذا کرته .كان الجنيد من تلامذته.
* أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - قال سمعت الجنيدبن محمد
يقول: عبرت يوماً إلى أبى بكر بن مسلم فى نصف النهار فقال لى : ما كان
لك فى هذا الوقت عمل يشغلك عن المجيء إلى ? قلت: إذا كان مجىء إليك
العمل فما أعمل.
سمعت أبا حمر و العثمانى يقول سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول سمعت
#
الحسن بن على بن خلف البربهارى يقول : مرض أبو بكر بن مسلم فعاده
المروزى فى خلق من الناس ، فكأن أبا بكر بن مسلم كره ذلك لاجل الجماعة
الذين جاؤا معه، فكتب إليه يعاقبه على ذلك . وكتب فى آخر الرقعة :
يا من يريد بزعمه الاخمالا * إن كان حقا فاستعد خصالا
اترك التذاكر والمجالس كلها . واجعل خروجك للصلاة خيالا
بل كن بها حيا كأنك ميت * لا ترتجى عند القريب وصالا
وأنس بربك واعلمن بأنه » عون المريد يسدد المالا
من ذا يريدمع الحبيب مؤانسا » من ذايريد بغيره أشغالا ؟
لا تأنسن مع الحياة بغيره * وابذل قواك وقطع الأوصالا
فلئن سلمت لأنت أكرم من يشا * ولئن هلكت فما ظلمت خلالا
منذاق کاس الخوف ضاق بذرعه * حتى ينال مراده إن نالا
حاشا مؤمل سيدى من بخسه * جل الجواد إلهنا وتعالى
سمِنون بن حمزة
٥٨١-
﴿ قال الشيخ: ومنهم سمنون بن حمزة أبو الحسن الخواص . وقيل أبو
بكر بصرى ، سكن بغداد ومات قبل الجنيد، سمى نفسه سمنون الكذاب
وكان سبب ذلك أبياته التى قال فيها :

- ٣١٠ -
فليس لى فى سواك حظ » فكيف ماشئت فامنحنى
حصر بوله من ساعته، فسمى نفسه سمنون الكذاب
* أخبرنى عبد المنعم عن أبى بكر الواسطى قال قال ممنون : بارب قد
رضيت، بكل ما تقضيه على. فاحتبس بوله أربعة عشر يوماً، فكان يلتوى كما
تلتوى الحية على الرمل يتقلب يمينا وشمالا، فلما أطلق بو له قال : يارب تبت إليك
وأنشدت عن جعفر عن ممنون :
أنا راضن بطول صدك عنى * ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبرى على * الود ودعنى معلقا برجاكا
ومن أبياته التى امتحن فيها ما حدثناه عثمان بن محمد العثمان قال أنشدفى
على بن عبد الله بن سويد قال أنشدنا محمد بن أحمد أن ابن الصباح قال أنهدنا
على بن غياث البزاز قال أنشدنا ممنون أبو الحسن أو أبو بكر البصرى
أفديك بل قل أن يفديك ذو دنف * هل فى المذلة للمشتاق من حار
بى منك شوق لوان الصخر يحمله * تفطر الصخر عن مستوقد النار
قد دب حبك فى الأعضاء من جسدى • دبيب لفظى من روحى وإضمارى
ولا تنفست إلا کنت مع نفسى « و کل جارحةمنخاطریجاری
قال : وأنشدنا أيضا سمنون لنفسه :
شغلت قلبى عن الدنيا ولذتها * فأنت والقلب شىء غير مفترق
وما تطابقت الأحداق من سنة * إلا وجدتك بين الجفن والحدق
وأنشدنى عثمان بن محمد قال أنشدنى أبو على الحسن بن أحمد
الصوفى لسمنون :
ولوقيل طا فى النار أعلم أنه * رضى لك أومدن لنا من وصالكا
لقدمت رجلى نحوها فوطئتها ■ سروراً لأنى قد خطرت ببالكا
وأنشدنى عثمان قال أنشدنى على بن عبد الله بن سويد قال حدثنى محمد بن
حمدان قال : رأيت ممنونا وقد أدخل رأسه فى زرنافقته وعليه جربان من آدم
ثم أخرج رأسه بعد ساعة وزفر وقال

- ٣١١ -
تركت الفؤاد عليلا يعاد * وشردت نومى فمالى رقاد
* وأنشدنى محمد بن الحسين بن موسى قال أنشدنا محمد بن عبد الله بن عبد
العزيز قال أنشدنا أبو جعفر الفرضانى قال أنشدنا ممنون البصرى
أحن باطراف النهار صبابة * وبالليل يدعونى الهوى فأجيب
وأيامنا تفنى وشوقى زائد * كان زمان الشوق ليس يغيب
* سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازى يقول سمعت أبابكر
العجان يقول سمعت سمنونا يقول: إذا بسط الجليل غداً بساط المجد دخل
ذنوب الأولين والآخرين فى حاشية من حواشيه، وإذا أبدى عينا من عيون
الجود ألحق المسئء بالمحسن
• أخبرت عن عمر بن رفيل - وقد لقيته بجرجوايا - قال سمعت أبا
القاسم الهاشمى يقول : كنت فى بيت المقدس فى برد شديد وعلى جبة وكساء
وأخذ البرد والثلج يسقط، فرأيت شابا عليه خرقتان فى صحراء بمشى،
فقلت : ياحبيبى لو استترت ببعض هذه الأروقة فتكنك من البرد ، فقال
لى يا أخى ممنون:
ويحسن ظنى أننى فى فنائه * وهل أحد فى كنه يجد القرا
* أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن
إبراهيم قال قال أبو أحمد القلانسى: فرق رجل ببغداد على الفقراء أربعين
ألف درهم فقال لى ممنون: ياأبا أحمد ما ترى ما أتفق هذا وماقد عمله نحن
ما ترجع إلى شىء ننفقه فامض بنا إلى موضع فصلى فيه بكل درهم أنفقه ركعة
فذهبنا إلى المدائن فصلينا أربعين ألف ركعة وزرنا قبر سلمان وانصرفنا.
وكان يقول: أول وصل العبد مجرانه لنفسه وأول مجران العبد للحق تعالى
نمواصلته لنفسه . وكان يقول. مضى الوقت فصار الوقت مقتا وقتك خراب
وقلبك فى المحراب ، ومن كانت عبادته عناء كانت نمرته ضناء.
﴾ ومنهم المشهورون بالفسك والتعبد السالكون مسلك أوليائهم من
المتعبدين ، الذين تخرجوا على المتحققين، وراضوا أنفسهم رياضة العلماء

- ٣١٢ -
المتقين، كعلى بن الموفق ، وأبى عثمان الوراق ، وأبوب الحال ،وأبى عبد الله
الجلاء وحمهم الله .
كانت بواطنهم بالمشاهدة عامرة، وظواهرهم عن المناظرة والمذاكرة شاغلة،
فلم ينقل عنهم غير الأحوال المكنية اللطيفة :
٥٨٢ -
على بن الموفق
* حدثنا إبراهيم بن محمد النيسابورى قال سمعت أبا عبد الله محمد بن
إبراهيم بن عبدويه العبدى قال حدثنى أبو عمر عبد الرحمن بن أبى قرصافة
العسقلانى قال سمعت أبا القاسم البزاز يقول قال لى على بن الموفق: حججت
فيفا وخمسين حجة جعلت ثوابها للنبي صلى الله عليه وسلم، ولابى بكر وعمر
وعثمان وعلى، ولأبوى. وبقيت حجة فنظرت إلى أهل الموقف بعرفات وضجيج
أصواتهم، فقلت : اللهم إن كان فى هؤلاء أحد لم تقبل منه حجته فقد وهبت
له هذه الحجة، ليكون ثوابها له . قال : فبت تلك الليلة بالمزدلفة فرأيت ربى
عز وجل فى المنام فقال لى : ياعلى بن الموفق على تتسخى ؟ قد غفرت لأهل
الموقف ومثلهم وأضعاف ذلك، وشفعت كل رجل منهم فى أهل بيته وخاصته
وجيرانه ، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة .
* وحكى لى عن أبى عبد الله الخواص المصرى قال سمعت على بن الموفق
يقول: خرجت يوم الجمعة إلى الرواح فسألتنى أهلى حاجة تخرجت وأنا مغموم
بها، فهتف بى هاتف : ياابن الموفق تحزن وأنا لك ؟
* سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: يحكى عن العباس بن يوسف الشكلى
قال سمعت على بن الموفق يقول: حججت سنة من السنين فى محمل فرأيت رجالة
فأحببت المشى معهم، فنزلت وأقعدت واحداً فى محملى ومشيت معهم، فتقدمنا
إلى البريد وعدلنا عن الطريق فنمنا فرأيت فى منامى جوارى معهن طسوت
ذهب وأباريق فضة يغسلن أرجل المشاة، فبقيت أنا، فقالت إحدا هن لصاحبتها:
ليس هذا منهم ، هذا له محمل. فقالت: بل هو منهم لأنه أحب المشى معهم.
فغسلن رجلى فذهب عنى كل تعب كنت أجده .

-٣١٣ -
أبو عثمان الوراق
٥٨٣-
وأما أبو عثمان الوراق فله العبادة المشهورة . كان الامام أحمد بن حنبل
محمد سيرته. كان للفقر معتنقا ولايرى الأمساك والادخار . يتبع آثار
ما درج عليه الصدر الأول من صفوة الصحابة وأهل الصفة ، ويقول
بالايثار والمواساة . أكثر نجوم البغداديين به تخرجوا، وعنه أخذوا التجرد
وسياسة النفوس ورياضتها. كان يجمع المتعبدين فى مسجده يقربهم القرآن
ويعلمهم الأحكام ، ويحثهم على الورع والتقلل، ويواخى بين أصحابه فيضيف
الضعيف إلى القوى، ويواخى بين المتكسب ومن لاحرفة له، وبين البصير
والضرير وبين القارئ وبين من لا يقرأ ليعلمه ويلقفه. لا يمنع المكتسب
من الكسب. فذا كان الليل اجتمع أمرهم واحد فأكلوا موضعا واحداً ، وهو
كأحدهم، إن كان عنده شيء أحضره، كان لا يبيت شيئا، كان إذا سافر وغزا
هو وأصحابه ينزلون المساجد لا يحضرون الدعوات والاجتماع إن فتح عليهم
فى المسجد قبلوه وبذلوه، وكان يصون أصحابه عن التعرض والمسألة، فان
جاءه ممن تسكن إليه نفسه قبله لهم. كانت طريقته طريقة السلف المرضية .
أبو أيوب الجمال
٥٨٤۔۔
$ وأما أبو أيوب الحمال فمن المجتهدين ومن الأسخياء، له كرامات عجيبة
* أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن
إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: أخبرنى محمد بن وهب عن بعض
أصحابه أنه حج مع أيوب الجمال. قال: فلما دخلنا البادية وسرنا منازل إذا
بعصفور تحوم حولنا، فرفع أبوب رأسه إليه وقال له : قد جئت إلى ههنا؟
فأخذ كسرة خبز ففتته فى كفه فانجط العصفور وقعد على كفه يأكل منها ، ثم
صب له ماء فشربه . ثم قال: اذهب الآن. فطار العصفور ، فلما كان من الغد
رجع العصفور ففعل أيوب مثل فعله فى اليوم الأول . فلم يزل كل يوم يفعل
به ذلك إلى آخر السفر ، ثم قال أيوب : تدرى ماقصة هذا العصفور ؟ كان جیثنی
٠

- ٣١٤ -
فى منزلى كل يوم فكنت أفعل به مارأيت ، فلما خرجنا تبعنا يقتضى منى ماكنت
أفعل به فى المنزل .
* وحكى جعفر بن محمد عن محمد بن خالد قال سمعت أيوب يقول: عقدت
على نفسى أن لا أمشى غافلا ولا أمشى إلا ذكرا ، فمضيت مشية غفلة فأخذتنى
عرجة فعلمت من أين أتيت ، فبكيت واستغنت فتبت فزالت العلة والعرجة
فرجعت إلى الموضع الذى غفلت فيه فرجعت إلى الذكر فشيت سليما
أبو عبد الله الجلاء
٥٨٥
﴿ وأما أبو عبد الله الجلاء أحمد بن يحيى فهو بغدادى سكن الرملة .
صحب ذا النون وأبا تراب وأباه يحيى الجلاء. له النكت اللطيفة. أحد أئمة
القوم. لم يكن بالشام فى حاله له شبيه مذكور. تخرج به جماعة من المذكورين.
• سمعت والدى يذكر عن بعض أصحابه أنه كان يقول: يحتاج العبد أن
يكون له شئ يعرف به كل شئ، وكان يقول: من استوى عنده المدح
والذم فهو زاهد ، ومن حافظ على الفرائض فى أول مواقيتها فهو عابد . ومن
رأی الأفعال کلها من الله فهو موحد
* سمعت محمد بن الحسن بن على اليقطينى يقول: حضرت أباعبد الله فقيل
له : هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا عدة ولا زاد يزعمون أنهم متوكلة
فيموتون . قال: هذا فعل رجال الحق ، فان ماتوا الدية على القاتل.
• سمعت محمد بن الحسن بن موسى يقول سمعت أبا الحسين الفارسى
يقول سمعت أحمد بن على بقول: سئل أبو عبد الله الجلاء عن الحق فقال:
إذا كان الحق واحداً يجب أن يكون طالبه واحدانى الذات . وقال سمت حم
المريدين إلى طلب الطريق إليه فأفنوا نفوسهم فى الطلب. وسمت حمم العارفين
إلى مولاهم فلم تعطف على شئٍ سواه .
« سمعت محمد بن الحسين بقول سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول
سمعت أباعمرو الدمشقى يقول سمعت أبا عبدالله الجلاء يقول: الحق استصحب
أقواما للكلام واستصحب أقواما للخلة ، فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه

- ٣١٥ -
بأنواع المحن، فليحذر أحدكم طلب رئيسة الأكابر . وكان يقول : من بلغ
بنفسه إلى رقبة سقط عنها، ومن بلغ به ثبت عليها. وكان إذا سئل عن المحبة
قال: مالى وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة. وسئل كيف تكون ليالى
الاحباب فأنشأ يقول :
من لم يبت والحب حشو فؤاده . لم يدر كيف تفتت الأكباد
* حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن عبدالعزيز الطبرى يقول سمعت
أبا عمرو الدمشقى يقول سمعت ابن الجلاء يقول: قلت لابى وأمى : أحب أن
تهبانى الله قالا: قد وهبناك لله. فغبت عنهمامدة فرجعت من غيبتى - وكانت
ليلة مطيرة - فدققت عليهما الباب فقالا: من ! قلت: ولد كما. قالا : كان
لنا ولد فوهبناه لله، ونحن من العرب لا ترجع فيما وهبنا. وما فتحا لى الباب.
ان أبی الورد
٥٨٦ -
وأما محمد بن محمد بن أبى الورد، وقيل أحمد ، فمن جلة المشايخ وكبارهم.
حجب بشراً الحافى والحارث بن أسد المحاسبى ، وسريا السقطى . محله فى الورع
محل شيوخه وأئمته .
* أخبرنى جعفر بن محمد بن قصیر ۔ فی کتابه - وحدثنى عنه محمد بن
إبراهيم قال قال ابن أبى الورد: بساط المجد بسط للأولياء ليأنسوا به، وليرفع
عنهم حشمة بديهة المشاهدة . وبساط الهيبة بسط للأعداء ليستوحثوا من
قبائح أفعالهم ولا يشاهدوا ما يستريحون إليه فى المشهد الأعلى . وقال أحمد
ابن أبى الورد : وصل القوم بخمس : بلزوم الباب، وترك الخلاب، والنفاذ
فى الخدمة ، والصبر على المصائب، وصيانة الكرامات . وقال : إن ولى الله إذا
أراد ثلاثة أشياء زاد منها ثلاثة أشياء، إذا زاد جاهه زاد تواضعه، وإذا
زاد ماله زاد سخاؤه ، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده. وكان يقول: طرح الدنيا
إلى المقبلين عليها والاعراض عنها وعن المقبلين عليها من عمل الأكياس ، لأن
من عزفت نفسه عن محبة الدنيا أحبه أهل الأرض، ومن أعرض بقلبه عن
محبة الدنيا أحبه أهل السماء .

- ٣١٦ -
* سمعت محمد بن الحسين اليقطينى يقول سمعت على بن عبد الحميد
يقول سمعت ابن أبى الورد يقول: آفة الخلق فى حرفين : اشتغال بنافلة
وتضييع فريضة ، وعمل جوارح بلا مواطأة القلب، وإنما منعوا الوصول
بتضبيع الأصول .
﴿ أسند الكثير عن بشر بن الحارث وغيره.
* حدثنا أبو أحمد الغطر يفى - من أصله - ثنا أبو إسحاق بن يزيد
الهاشمى ثنا محمد بن محمد بن أبى الورد العابد قال سمعت بشر بن الحارث الحافى
يقول ثنا المعافى بن عمران عن إسرافيل عن مسلم عن حبة العوفى عن على قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل الثوم نيئا فلولا أن الملك
يأتينى لأ كلته)).
* حدثنا أبو أحمد ثنا أبو إسحاق بن يزيد - إملاء - ثنا محمد بن أبى
الورد قال سمعت بشر بن الحارث يقول : وحلت إلى عيسى بن يونس ماشيا
على قدمى فأكرمنى وأدنانى وقال لى : ما الذى أقدمك؟ قلت: أحببت لقاءك
والنظر إليك. قال: ياأخى ومن أنا وأى شىء عندى، وما أحسن؟ ثم قال:
معك شئء تسأل عنه ؟ قلت: نعم، حديثان: حديث عبد الله بن عراك بن
مالك ، وحديث الحسن عن عائشة أم المؤمنين. فقال عيسى : نعم ! حدثنا عبد
الله بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة)). ثم قال عيسى: حدثنا
عمرو بن عبيد المحدث المذموم عن الحسن عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله
هل على النساء قتال؟ فقال: ((نعم! جهاد لاقتال فيه: الحج والعمرة)).
* حدثنا على بن محمد بن إسماعيل الطوسى - بمكة-ثنا على بن عبد الحميد
الجرجانى ثنا محمد بن محمد بن أبى الورد قال حدثنى سعيد بن منصور ثنا
خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن
مسعود. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوحى الله تعالى إلى نبى
من الأنبياء أن قل لفلان العابد : أما زهدك فى الدنيا فتعجلت راحة نفسك

- ٣١٧ -
وأما انقطاعك إلى فتعززت بى ، فماذا عملت فيما لى عليك ؟ قال يارب ومالك
على ؟ قال: هل واليت لى وليا ، أو عاديت لى عدوا .
٥٨٧ -
صدقة المقابرى
وأما صدقة المقابرى فمن أقران المتقدمين كبشر بن الحارث وطبقته
وكان من التحقق والتحفظ بالمحل العالى .
* سمعت أبا الفضل نصر بن أبى نصر الطوسى يحكى عن بعض مشايخه قال:
كان صدقة المقابرى من المبالغين فى التحقق ، كان يقول : أتى على عشرون
سنة لم أكلم أحداً حتى أومر بكلامه ، ولا تركت بكلامى أحداً حتى
أو مر بترك كلامه .
* حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم ثنا عبد الله بن إسحاق ثنا
سعدان قال قال صدقة المقابرى لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك أفقال
إن الذى بى من البلاء أقل مما أصبت من لذة الهوى ، ولو أصابنى من البلاء
بقدر مانلت من لذة الهوى إذاً لاجتمع على جميع البلاء . وكان كثيراً ينشد
ابياتا للثقفى :
أما ترى الموت ماينفك مختطفا * من كل ناحية نفسا فيحوبها
قد فغصت أملا كانت تؤمله « وقام فى الحى ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب قبلى فيه أعظمهم * بعد النضارة ثم الله يحيبها
وصار ما جمعوا منها وما دخروا * من الأقارب يحويه أدانيها
فامهد لنفسك فى أيام مدتها . واستغفر الله مما أسلفته فيها
طاهر المقدسى
٥٨٨ -
ومنهم طاهر المقدسى: صحب ذا النون وأعلام النساك من الشاميين وغيرهم.
* سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا القاسم الدمشقى يقول سمعت
طاهراً المقدسى يقول - وسئل لم سميت الصوفية بهذا الاسم ؟ - فقال:
لاستنارها عن الخلق بلوائح الوجد، وانكشافها بشمائل القصد. وكان يقول:
وحد المعرفة التجرد من النفوس وتدبيرها فى ما يجل أو يصغر. وكان يقول :

- ٣١٨ -
لا يطيب العيش إلا لمن وطئ بساط الأنس بالقدس ، والقدس بالأنس . ثم
غاب عن مشاهدتها بمطالعة القدوس .
* سمعت محمد بن الحسين قال أنشدنى عبد الله بن محمد الدمشقى قال أنشدنى
طاهر المقدسى لبعضهم :
أرامى النجوم ولاعلم لى » بعد النجوم بحيث الظلام
ينام * إذا نام عنه عيون الحمام
فتى لا
ينام
و کیف
إليه هواه * فيضحى الأسير قتيل الغرام
اسیر یسیر
سوى اسمه « يقال له عاشق والسلام
فلم يبق منه
بفرط النحول وحب القليل * وحزن مذيب يطول السقام
وقال طاهر: المفاوز عنه منقطعة، والطريق إليه منطمسة، توق من علالاته
واحذر أماكن الاتصال فانها خدع ، وقف حيث وقف القوم تسلم. وأنشد:
وكذبت طرفى فيك والطرف صادق » وأسمعت أذنى فيك ماليس تسمع
ولم أسكن الأرض التى تسكنونها *لكى لا يقولوا: إننى بك مولع
فلا كبدى تهدأ ولا لك رحمة » ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع
* سمعت محمداً يقول سمعت أحمد بن على بن جعفر الفارسى يقول سمعت
على بن الحسين بن حمدان يقول سمعت أبى يقول قال طاهر المقدسى: لو عرفت
الناس قدر أنوار العارفين لاحترقوا فى أنوارهم ، ولوبدا الأهل الأحوال
لاحترقت أحوالهم .
* سمعت عثمان بن محمد العثمانى يقول سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول
قال أبو عبيد البسرى : سألت رجلا بالكام : ما الذى أجلسك فى هذا الموضع؟
قال: وما سؤالك عن شئ إن طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟ قلت:
تخبر نى ماهو ؟ قال: علمى بأن مجالسنى مع الله تستغرق نعيم الجنان كلها، ثم قال
أوه، قد كنت أظن أن نفسى قد ظفرت ، ومن الخلق هربت ، فإذا أنا كذاب
فى مقامى، لوكنت محباله صادقا ما اطلع على أحد . فقلت: أما علمت أن المحبين
خلفاء الله فى أرضه مستأنسون بخلقه يبعثونهم على طاعته؟ قال: فصاح بى

- ٣١٩ -
صحية وقال: يا مخدوع لو شممت رائحة الحب وعاين قلبك ما وراء ذلك من
القرب ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت . ثم قال : يا سماء ويا أرض اشهدا
على أنه ما خطر على قلبى ذكر الجنة والنار قط ، إن كنت صادقا فأمتنى. قال:
فو الله ما سمعت له كلاما بعدها وخفت. نففت أن يسبق إلى الظن من الناس فى
قتله فتركته ومضيت ، فبينا أنا كذلك إذا أنا بجماعة فقالوا : ما فعل الفتى؟
فكنيت عن ذلك فقالوا: ارجع فان الله قد قبضه . فصليت معهم عليه ، فقلت
لهم: من هذا الرجل ومن أنتم ؟ قالوا : ويحك هذا رجل كان به يمطر المطر،
قلبه على قلب إبراهيم الخليل ، أما رأيته يخبر عن نفسه أن ذكر النار ما خطر
على قلبه قط ، فهل كان أحد هكذا إلا إبراهيم عليه السلام ؟ قلت : فمن
أنتم؟ قالوا: نحن السبعة المخصوصون من الأبدال. قلت: علمونى شيئا.
قالوا : لا تحب أن تعرف ولا تحب أن يعرف أنك ممن لا يحب أن يعرف.
﴾ قال الشيخ: كذا حدثناه العثمانى عن البسرى. ورأيت من رواية
بعضهم عن طاهر المقدسى : سمعت أبى يقول سمعت أحمد بن جعفر يقول : قال
طاهر : إن الانقطاع إلى الله لا يكون بمشاركة الدنيا، ومن ألجأ نفسه إلى الانقطاع
إليه اتخذ أنس الناس وحشة عند ما أفس بالانقطاع إلى نفسه
* حدثنا عثمان بن محمد ثنا محمد بن أحمد البغدادى ثنا عباس بن يوسف
عن طاهر قال : خرجت من عسقلان أريد غزة فى طلب البدلاء فإذا أنا بفتى
عليه أطهاررثة ماراً على ساحل البحر ، قال: فكانى لم أعبابه، فالتفت إلى فقال :
لاتنأ عنى بأن ترى خلقى » فانما الدر داخل الصدف
علمى جديد وملبسى خلق • ومنتهى اللبس منتهى الصدف
٥٨٩ -
قصر الصامت
ومنهم المبالغ فى الرياضة المتابع فى السياسة قمع هواه وكفى عناه العابد
القانت المعروف بنصر الصامت.
* حدثنا أبو بكر محد بن أحمد المعدل ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا إسحاق

- ٣٢٠ -
ابن سفيان ثنا نصر بن الحريش الصامت قال: حججت أربعين حجة ماكلات
فيها أحدا فسمى الصامت - أسند الحديث الكثير
* حدثنا مهد بن أحمد بن الحسن تنا الحسن بن على بن الوليد الفسوى
ثنا نصر بن الحريش الصامت ثنا المشمعل بن ملحان عن الحسن بن دينار عن
أيوب عن أبى قلابة عن عائشة قالت. (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يفتتح الصلاة بالتكبير ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين)).
* حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا إسحاق بن
سنين ثنا نصر بن الحريش الصامت ثنا المشمعل بن ملحان عن سويد بن معمر
عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((صلوا على من قال لا إله إلا الله وصلوا خلف من قال لا إله
إلا الله )) .
محمد بن إبراهيم البغدادى
٥٩٠
# ومنهم المتوكل السابج والمتجرد الرائح، كان لفنون العلم جامعا وكلامه
للقلوب نافعا، شيخ القوم ولسانهم فى المحبة والشوق والانس والقرب وموارد
القلوب ومعانى الخطوب، وصفاء الذكر ونقاء السر، يحث على تصحيح
الأعمال والتخفف عن الأثقال . جالس الامام أحمد بن حنبل وبشر بن
الحارث، وكان يقول لا يكون الصوفى صوفيا حتى لا يسمع له صوت ولا يوطاً له
عقب ولا تكون له رئاسة. أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادى. كان مولى
عيسى بن أبان القاضى، عرف له آيات وكرامات تقدم له ذكر
* حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم حدثنى أبو بكر الخياط الصوفى قال
سمعت أبا حمزة يقول : سافرت سفرة على التوكل ، فبينا أنا أسير ذات ليلة
والنوم فى عينى إذ وقعت فى بئر فرأيتنى قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج
لبعد مرتقها وطولها نجلست فيها. فبينا أنا جالس إذ وقف على رأسها رجلان
فقال أحدهما لصاحبه: لا يجوز ونترك هذه فى طريق السابلة والمارة . فقال