النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ - وساح فى مفاوز الخطرات يلاحظ عنها أحكام السعادات يقول فى حداثه : كيف السبيل إلى مرضات من غضبا * من غير جرم ولم نعرف له سببا وأقول : لتعرف نفسى قدرة الخالق الذى * يدبر أمر الخلق وهو شكور وأشكركم فى السر والجهر دائبا . وإن كان قلى فى الوثاق أسير قال : وسمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ليس أعمال الخلق بالذى ترضيه ولا تسخطه، إنما رضى عن قوم فاستعملهم باحمال الرضى ، وسخط على قوم فاستعملهم باعمال السخط . وإنى ربما تمثلت بهذه الأبيات : ياموقد النار فى قلبى بقدرته * لو شئت أطفأت عن قلبى بك النار لاعار إن مت من شوقى ومن حزنى = على فعالك بى لاعار لاعارا قال : وسمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقول: من جهل قدره هتك ستره . * سمعت أبا عمرو العثمانى يقول أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول تكلمت خدع الدنيا على ألسنة العلماء ، وأمانت قلوب القراء فتن الدنيا ، فلست ترى إلا جاهلا متحيرا ، أو حالما مفتونا، فيا من جعل سمعى وعاء لعلم عجائبه ، وقلبى منبعا لذكره ، ویامن من على بمواهبه اجعلنى بحبلك معتصما، وبجودك متمسكا، وبحبالك متصلا. وأ كمل نعمتك عندى بدوام معرفتك فى قلبى، كما أكملت خلقى ، وسددنى التى تبلغنى إليك ، واجعل ذلك مضموما إلى نعمائك عندى، واهد فى للشكر حتى أعلم مكان الزيادة منك فى قلبى، ولا تنزع محبتك من قلبى ياذا الجلال والاكرام والجمال والنور والبهاء. والحمد لله أولا وآخرا. * حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا يوسف بن الحسين قال : سألت ذا النون: من أجالس؟ قال : جالس من الناس من تقهرك هيبته وتخوفك فى السر والعلانية رؤيته، ويخبرك عن نفسك بالذى هو أعلم به منك. (١٦ - حلية - اشر) - ٢٤٢ - ونحو هذا . إلا أن كلامه دلنى على مجالسة من تقع على هيبته . قال يوسف: وقيل لذى النون: أين مجلس الامنين؟فقال: فى مقعد صدق عندمليك مقتدر. قال يوسف: وسألت ذا النون يوماً من الأيام : من أصحب؟ قال: لاتصحب من ينخدع بغيرك . قال يوسف : فعرضت هذه الكلمة على طاهر المقدسى فقال : نهاك عن محبة الخلائق باسرها . قال وسمعت يوسف يقول : زار ذو النون أخاله فى شقة بعيدة ، فقال ذو النون: ما بعد طريق أدى إلى صديق، ولا ضاق مكان من حبيب. قال وسمعت ذا النون وقيل له : مالك إذا رأيت العاصى لا تحقد عليه، وتقبح فعله وتهجره ؟ فقال: لأنى أنظر إلى الصالح فى الصنع فيهون على المصنوع. قال وسمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت الفتح بن شخرف يقول قال لى ذو النون: من قطع الآمال من الخلق وصل إلى الخالق. ولن يصل عبد إلى محبوبه دون قطع الآمال ممن دونه، فمن أحب لقاء الله فليرم بكنفه عنده، وليخلص وليشمر وليصبر ويرضى ويستسلم مخاطراً بنفسه فتؤديه مخاطرة نفسه إلى نفسه . قال وسمعت يوسف بن الحسين يقول: حدثنى محمد بن يحيى السرخسى الناسك قال: سمعت أبا يزيد البسطامى يقول : الحب الله على أربعة فنون: ففن منه وهو منته . وفن منك وهو ودك. وفن له، وهو ذكرك له . وفن بينكما وهو العشق . قال يوسف : فذكرت ذلك لذى النون فقال: هذا الكمال. الزاهد يقول: كيف أصنع؟والعارف يقول : كيف يصنع بى ؟ ثم قال: تاه القوم فى جماله وجلاله. قال: وسمعت. يوسف بن الحسين يقول قال ذو النون : مقامات الرجال تسعة عشر مقاما أولها الاجابة ، وأعلاها التوكل . وقال ذو النون: الناس أعداء ماجهلوا، وحساد. ما منعوا من جهل قدر «هتك ستره. قال: وأتاه رجل يومافقال: ياأبا الفيض أو صنى فقال: بم أوصيك ؟إن كنت ممن قد أيدت منه فى علم الغيب بصدق النوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دماء النبيين والمرسلين والصديقين. وذلك خير من وصيتى . وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء . قال وسمعته يقول: استعبدنا بالعناء فلا بد من الانقياد له. قال: وسئل: لم أحب الناس - ٢٤٣ - الدنيا ؟ قال: لأن الله تعالى جعل الدنيا خزانة أرزاقهم، فمدوا أعينهم إليها. قال : الحبيب يسبق الاغتفار قبل الاعتذار . وقال: من يسكن قلبك عليه فلا تفش سرك إليه. وسئل: من دون الناس غما ؟ قال أسوؤهم خلقا. قيل: وما علامة سوء الخلق ؟ قال : كثرة الخلاف . وقال : صدور الأحرار قبور الأسرار. وسئل يوما اقيم يجد العبد الخلاص؟ قال: الخلاص فى الأخلاص، فاذا أخاص تخاص. قيل: فما علامة الاخلاص ؟قال: إذا لم يكن فى عملك محبة حمد المخلوقين ولا مخافة ذمهم فانت مخلص إن شاء الله . * أسند الحديث * حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو الحسين الصوفى محمد بن عبد الله الرازى - بدمشق - حدثنى أبو يعقوب يوسف بن الحسين الصوفى الرازى ثنا أحمد بن حنبل ثنا مروان بن معاوية ثنا هلال بن سعيد أبو المعلى عن أنس بن مالك قال: ((أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم طوائر ثلاث فأكل طيراً واستخبأ خادمه طيرين فردهما عليه من الغد، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ألم أنهك أن ترفع شيئا لغد ؟ إن الله يأتى برزق كل غد)). قال يوسف: كنت أتيت أبا عبد الله فى أيام المتوكل فسألنى عن بلدى وقال: ماحاجتك، وفى أى شىء جئت إلى ! فقلت: لتحدثنى. فقال : اما بلغك أنى قد أمسكت عن الحديث؟ فقلت بلى ولكن حدثنى بشىء أذكرك به، وأترحم عليك. تحدثنى بهذا الحديث ، ثم قال: هذا من بايتك ياصوفى. تسالنى عن شيوخ الرى، فقال: إيش خبر أبى زرعة حفظه الله ؟ فقلت : يخير، فقال : خمسة أدعو الله لهم فى دبر كل صلاة: أبواى، والشافعى، وأبو زرعة ، وآخر ذهب عنى اسمه . قال الشيخ : وحدث بهذا الحديث عن يوسف بن الحسين شيخنا القاضى أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم - فيما أملاه - ثنا يوسف بن الحسين الرازى الصوفي ثنا أحمد بن حنبل باسناده مثله، ولم يذكر الكلام . * حدثنا أبو محمد بن حيان - إملاء - ثنا أحمد بن عصام الرازى حدثنى يوسف بن الحسين ثنا عامر بن سیار ثنا محمد بن زياد عن ميمون بنمهرانعن ابن عباس قال: من اشترى مالا يحتاح إليه أوشك ان يبيع ما يحتاج إليه. - ٢٤٤ - سعيد بن إسماعيل ٥٦٨ - ﴿ ومنهم العارف الفاصح. والعابد الناصح. كان بالحكم منطيقا فصيحا وللمريدين شفيقا نصيحا ، علمهم الآداب الرفيعة ونبههم على ملازمة الشريعة. كان إلى موافقة الحق مجذوبا وعن حظوظ النفس مطهر مسلوبا ، أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد الحيرى . وازى المولد، خرج زائراً إلى أبى حفص النيسابورى مع شيخه شاه الكرمانى فقبله أبو حفص وحسه عنده ،وصار له سكنا، وعلى ابنته ختنا. كان حميد الأخلاق. مديد الأرفاق. بقيت بركته وآثاره على أهل نيسابور. وتوفى بهاسنة ثمان وتسعين ومائتين ، فيما ذكره لى أبو عمرو بن حمدان، وأنه حضر الصلاة عليه ودفن بمقبرة الحيرة عند قبر أستاذه أبى حفص النيسابورى، وزرت قبزيهما سنة إحدى وسبعين وثلثمائة . سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول سمعت أبا عثمان الخيرى يقول : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لقوله تعالى ( وإن تطيعوه تهتدوا). سمعت عبد الله بن محمد المعلم - صاحب الحان - يقول سمعت أبا حمر بن نجيد يقول قال محمد بن الفضل البلخى: إن الله تعالى زين أباعثمان بفنون عبوديته وأبرزه للناس ليعلمهم آداب العبودية. * سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت جدى أبا عمر بن نجيد يقول سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامنى الله فى حال فكرهته، ولا نقلنى إلى غيره فسخطته . * سمعت محمد بن أحمد بن عثمان يقول سمعت أبا عثمان يقول : موافقة الاخوان خير من الشفقة عليهم . * سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول: قرأت بخط أبى أحمد بن حمدان : سمعت أبا عثمان يقول: صلاح القلب من أربع خصال : التواضع لله ، والفقر إلى الله، والخوف من الله [ والرجاء الله. قال: وسمعت أباعثمان يقول: لا يكمل - ٢٤٥ - الرجل حتى يستوى قلبه فى أربعة أشياء ، فى المنع، والعطاء، والعز والذل . قال وسمعت أبا عثمان يقول : أهل العداوة من ثلاثة أشياء : من الطمع فى المال، والطمع فى إ كرام الناس والطمع فى قبول الناس . قال وسمعت أباعثمان يقول: الخوف من الله] يوصلك إلى الله، والكبر والعجب فى نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس فى نفسك مرض لا يداوى. وقال أبو عثمان: سرورك بالدنيا أذهب سرورك بالله عن قلبك . وخوفك من غير الله أذهب خوفك من اللّه عن قلبك. ورجاؤك ممن دونك أذهب رجاءك له عن قلبك . وقال أبو عثمان: حق لمن أعزه الله بالمعرفة أن لا يذل نفسه بالمعصية . وقال أبو عثمان : أصل التعلق بالخيرات قصور الأمل. وقال أبو عثمان: أنتٍ مسجون ما تبعت مرادك وشهو تك . اذا فوضت وسات استرحت . * سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله الرازى يقول: لما تغير الحال على أبى عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه ، ففتح أبو عثمان عينيه وقال : يابنى خلاف السنة فى الظاهر رياء باطن فى القلب . * سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن أحمد الملامتى يقول سمعت الحسين الوراق يقول : سألت أبا عثمان عن الصحبة فقال : الصحبة مع الله عز وجل بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة . والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم. والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والحرمة . والصحبة مع الأهل والولد بحسن الخلق . والصحبة مع الاخوان بدوام البشر والانبساط مالم يكن إنما . والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم . ورؤية نعمة الله عليك أن عافاك مما ابتلاهم به. * سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أباالحسين الفارسى يقول سمعت محمد بن أحمد بن يوسف يقول سمعت أبا عثمان يقول: تعززوا بعز الله كى لا تذلوا. وقال أبو عثمان: العاقل من تأهب للمخاوف قبل وقوعها . والتفويض ودما جهلت علمه إلى عالمه. والتفويض مقدمة للرضا، والرضا باب الله (١) سقط من ز - ٢٤٦ - الأعظم. والذكر الكثير أن تذكره فى ذكرك له أنك لم تصل إلى ذكره إلا به وبفضله . هضمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الحسين الوراق يقول سئل أبو عثمان: كيف يستجيز للعاقل أن يزيل للائمة عمن يظلمه؟ قال: ليعلم أن الله سلطه عليه. وقال محفوظ: سئل أبو عثمان: ما علامة السعادة والشقاوة ؟ فقال : علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن تكون مردودا. وعلامة الشقاوة أن تعصى الله وترجو أن تكون مقبولا . 2 أسند الحديث: فمن مسانيد حديثه : • أخبرنا محمد بن الحسين ثنا سعيد بن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل قال: وجدت فى كتاب جدى أبى عثمان بخطه : حدثنى أبو صالح حمدون القصار صاحب أبى محمد بن يحيى النيسابورى ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبثر عن أشعث عن محما. عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وعليه صوم شهر رمضان أطعم عنه وليه كل يوم مسكينا)). # حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عبدان بن محمد المروزى ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبثر بن القاسم عن أشعث بن سوار عن محمد عن نافع عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من أفطر يوما من رمضان فمات قبل أن يقضيه فعليه بكل يوم مد لمسكين)). قال سليمان: لم يروه عن أشعث إلا عبثر. ومحمد الذى يروى عنه أشعث هذا الحديث: محمد بن سيرين . وقيل محمد بن أبى ليلى . أحمد بن عيسى ٥٦٩ - * ومنهم العارف المعروف الكامل. بالبيان موصوف. له الكتب المذكورة والأجوبة المشهورة. أبو سعيد الخزاز أحمد بن عيسى. صحب ذا النون ونظراءه. انتشرت بركاته على أصحابه ومتبعيه. سيد من تكلم فى علم الفناء والبقاء. - ٢٤٧ - * سمعت عثمان بن محمد العثمانى يقول ثنا العباس بن أحمد الرملى قال قال أبو سعيد الخزاز : المعرفة تانى القلب من وجهين : من عين الجود، ومن بذل الجهود . * سمعت أبا الحسن على بن عبد الله الجهضمى يقول سمعت يحيى بن المؤمل يقول سمعت شيخى أبا بكر الدقاق يقول سمعت أحمد بن عيسى يقول : فارقوا الأشياء على الأحكام والوداع تفرغ قلوبكم لما تستقبلون، فانه من فارق شيئا ولم يحكمه فانه راجع إليه وقتا لا محالة ، لما بقى عليه منه . وفيما تستقبلون شغل هما تخلفون . * سمعت محمد بن موسى يقول سمعت عمر بن على الفرغانى يقول سمعت ابن الكاتب يقول سمعت أبا سعيد الخزاز يقول: إن الله معجل لأرواح أوليائه التلذذ بذكره، والوصول إلى قربه . ومجل لأبدانهم النعمة بمانالوه من مصالحهم، وأجزل لهم نصيبهم من كل كائن ، فعيش أبدانهم عيش الجانين وعيش أرواحهم عيش الربانيين . لهم لسانان ، لسان فى الباطن يعرفهم صنع الصانع فى المصنوع. ولسان فى الظاهر يعلمهم علم المخلوقين. فلسان الظاهر يكلم أجسامهم . ولسان الباطن يناجى أرواحهم. * سمعت أبا الفضل الهروى سمعت أبا بكر الدقاق يقول : انتبه يوما أبو سعيد الخزاز من غفوته وقال: اكتبوا ما وقع لى فى هذه الغفوة : إن الله جعل العلم دليلا عليه ليعرف. وجعل الحكمة رحمة منه عليهم ليؤلف. فالعلم دليل إلى الله، والمعرفة دالة على الله، فبالعلم تنال المعلومات ، وبالمعرفة تنال المعروفات . والعلم بالتعلم، والمعرفة بالتعرف. فالمعرفة تقع بتعريف الحق. والعلم يدرك بتعريف الخلق ، ثم تجرى الفوائد بعد ذلك . سمعت أبا الفضل الطوسى يقول سمعت غلام الدقاق يقول سمعت أبا سعيد السكرى يقول سمعت أبا سعيد الخزاز تقول: كل باطن يخالف ظاهراً فهو باطل . * محمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول سمعت - ٢٤٨ - محمد بن على الكتانى يقول سمعت أبا سعيد الخزاز يقول: العارفين خزائن أو دعوها علوماً غريبة، وأنباء معجيبة، يتكلمون بها بلسان الأبدية، ويخبرون عنها بعبارة الأزلية . * سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت على بن عبد الله يقول سمعت أبا العباس الطحان يقول قال أبو سعيد الخزاز: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شئ، ولا يتسلى عنه بشىء، ويتبع آثاره ولا يدع استخباره وأنشدنا: أسائلكم عنها فهل من مخبر * فمالى بنعم مذنات دارها على فلو كنت أدرى أين خيم أهلها * وأى بلاد الله إذ ظعنوا أموا إذاً لسلكنا مسلك الريح خلفها * ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم * سمعت عثمان بن محمد العثمانى يقول ثنا أبو بكر الكتانى وأبو الحسن الرملى قالا: سألنا أبا سعيد الخزاز فقلنا: أخبرنا عن أوائل الطريق إلى الله . فقال : التوبة وذكر شرائطها، ثم ينقل من مقام التوبة إلى مقام الخوف. ومن مقام الخوف إلى مقام الرجاء، ومن مقام الرجاء إلى مقام الصالحين . ومن مقام الصالحين إلى مقام المريدين ، ومن مقام المريدين إلى مقام المطيعين ومن مقام المطيعين إلى مقام المحبين ، ومن مقام المحبين إلى مقام المشتاقين، ومن مقام المشتاقين إلى مقام الأولياء، ومن مقام الأولياء إلى مقام المقربين . وذكروا لكل مقام عشر شرائط، إذا ماناها وأحكمها وحلت القلوب هذه المحلة أدمنت النظر فى النعمة، وفكرت فى الأيادى والاحسان ، فاتفردت النفوس بالذكر، وجالت الارواح في ملكوت عزه بخالص العلم به واردة على حياض المعرفة، إليه صادرة، ولبا به قارعة، وإليه فى محبته ناظرة. أما سمعت قول الحكيم وهو يقول:" أراعى سواد الليل أنسا بذكره * وشوقا إليه غير مستكره الصبر ولكن سروراً دائما وأرضا * وقرعا لباب الرب ذى العزوالفخر خالهم أنهم قربوا فلم يتباعدوا، ورفعت لهم منازل فلم يخفضوا، ونورت قلوبهم لكى ينظروا إلى ملك عدن بها ينزلون فتاهوا بمن يعبدون، - ٢٤٩ - وتعززوا بمن به يكتفون ، حلوا فلم يظعنوا، واستوطنوا محلته فلم يرحلوا، فهم الاولياء وهم العاملون، وهم الأصفياء وهم المقربون، أين يذهبون عن مقام قرب هم به آمنون؟ وعزوا فى غرف ثمبها ساكنون ، جزاء بما كانوا يعملون، فلمثل هذا فليعمل العاملون . * سمعت أبا عمرو العثمانى يقول سمعت أبا الحسن الرازى يقول قال أبو سعيد الخزاز : كل ما فاتك من الله سوى الله يسير ، وكل حظ لك سوى الله قليل . وقال : الناس فى الفرح بالله على أربع طبقات: إنما هو المعطى والمعطى والاعطاء والعطاء، فمن الناس من فرح بالمعطى، ومنهم من فرح بالمعلى - وهو نفسه - ومنهم من فرح بالاعطاء ومنهم ، من فرح بالعطاء . فينبغى أن يكون فرحك فى العطاء بالمعطى، ولذتك فى اللذات بخالق اللذات، وتنعمك فى النعم بالمنعم دون النعم، لأن ذكر النعمة عند ذكر المنعم حجاب، ورؤية النعمة عند رؤية المنعم حجاب . * أسند الحديث : فمن مسانيده : * أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس ثنا على بن محمد المصرى تنا أبو سعيد أحمد بن عيسى الخزاز البغدادى الصوفى ثنا عبد اللهبن إبرهيم الغفارى ثنا جابر بن سليم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سوء الخلق شؤم وشراركم أسوؤكم خلقا)). أحمد النورى ٥٧٠ - ومنهم أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنورى أحد الأئمة،له اللسان الجارى بالبيان الشافى عن أسرار المتوجهين إلى البارى، لقى أحمد بن أبى الحوارى وصحب سريا السقطى. يعرف بابن البغوى سمعت عبد المنعم بن حيان يحكى عن أبى سعيد الأعرابى محنته وغيبته عن إخوانه فى أيام محنة غلام الخليل ، وأنه أقام بالرقة سنين متخليا من الأيناس ، ثم عاد بعد المدة المديدة إلى بغداد، وفقد أناسه وجلاسه - ٢٥٠ - -وأشكاله، وانقبض عن الكلام لضعف فى بصره وانحلال فى جسمه وقوته * حدثنا عثمان بن محمد العثمانى ثنا أبو بكر محمد بن حمدان ثنا محمد ابن أحمد أبى سفيان ومحمد بن على القحطبى قالا : قدم أبو الحسين النورى وکان صوفيا متكلما فى بعض قدماته من مکة فی غیر أوان الحج خرجنا فاستقبلناه فوق بغداد، فرأينا فى وجهه تغيراً، فقلنا: ياأبا الحسين تغير الأسرار -من تغير الأبشار . فقال: لا إن الحق تحمل كل كل وثقل عن قلوب أوليائه ثم أنعدنى : آخرجنی من وطنی * كما ترى صیرفی * صيرنى كما ترى . أسكن قفر الدمن إذا تغيبت بداء وإن بدا غيبنى * وافقته حتى إذا . وافقنى خالفنى وقال لا تشهد ما ه تشهد أو تشهدنی * سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول رأى النورى فى رجوعه من الحرم ولم يبق منه إلا خاطره. فقال له رجل: هل يلحق الأسرار ما يلحق الصفات؟ فقال : لا، إن الحق أقبل على الأسرار لحملها، وأعرض عن الصفات فمحقها . ثم أنشأ يقول : أهكذا صيرفى « أزعجنى عن وطنى « غربنى شردنى * شردنى غربنى حتى إذا غبت بداء وإن بدا غيبنى « واصلنى حتى إذاه واصلته فاصلنى یقول لاتشهد ما ه تشهد أو آشهد فى • سمعت عمر البناء - البغدادى بمكة - يحكى لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلا الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم فاخذ فى جملة من أخذ النورى فى جماعة ، فادخلوا على الخليفة فامر بضرب أعناقهم، فتقدم النورى مبتدراً إلى السياف ليضرب عنقه ، فقال له: السيافه: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك ؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتى هذه اللحظة فتوقف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمره إلى الخليفة . فرد أمرم إلى قاض القضاء - وكان يلى القضاء يومئذ إسماعيل بن إسحاق - فقدم إليه "النورى فساله عن مسائل فى العبادات والطهارة والصلاة. فاجابه ثم قال له: إلى - ٢٥١ - و بعد هذا لله عباد يسمعون بالله وينظرون بالله ويصدرون بالله ، ويردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله. فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء القوم ز نادقة فليس فى الأرض موحد فامر بتخليتهم . وسأله السلطان يومئذ من أين ياكلون؟ فقال: لسنا نعرف الأسباب التى يستجلب بها الأرزاق ، نحن قوم مدبرون . وقال: من وصل إلى وده أنس بقربه، ومن توصل بالوداد فقد اصطفاه من بين العباد . * حدثنا أبو الفضل الهروى قال حكى لى عن جعفر بن الزبير الهاشمى أن أبا الحسين النورى دخل يوما الماء نفاه لص فاخذ ثيا به، فبقى فى وسط الماء فلم يلبث إلا قليلا حتى رجع إليه اللص معه ثيابه، فوضعها بين يديه وقد جفت يمينه، فقال النورى : رب قدرد على ثيابى فرد عليه يمينه. فرد الله عليه بده ومضى . * سمعت أبا الفرج الورثانى يقول سمعت على بن عبد الرحيم يقول : دخلت على النورى ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين، فسالته عن أمره فقال طالبتنى نفسى باكل التمر جعلت أدافعها فتابى على ، نخرجت فاشتريت ، فلما أن أ كات قلت لها : قومى حتى تصلى فابت فقلت الله على وعلى ان قعدت على الأرض أربعين يوما فما قعدت . * ممعت محمد بن موسى يقول سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول سمعت أبا الحسين النورى يقول : كان فى نفسى من هذه الآيات شئ فأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت : وعزتك لئن لم تخرج لى سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقن نفسى. قال: نخرجت لى سمكة فيها ثلاثة أرطال. قال: فبلغ ذلك الجنيه فقال: كان حكمه أن يخرج له أفعى فتلدغه . * سمعت محمد بن موسى يقول حكى فارس الجمال عن النورى قال : كانت المراقع غطاء على الدر ، فصارت مزابل على جيف. ·سمعت أبا الفضل نصر بن أبى نصر الطوسى يقول ضمعت على بن عبدالله ٦ - ٢٥٢ - البغدادى يقول سمعت فارسا الجمال يقول: لحق أبا الحسين النورى علة والجنيد علة فالجنيد أخبر عن وجده، والنورى كتم. فقيل للنورى لم تخبر كما أخبر صاحبك ؟ فقال: ما كنا نبتلى ببلوى فنوقع عليه الشكوى. ثم أنشأ يقول: إن كنت للسقم أهلا * فأنت للشكر أهلا عذب فلم تبق قلباً * يقول للسقم مهلا فأعيد على الجنيد ذلك، فقال الجنيد : ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن تكشف عن عين القدرة فينا . ثم بدأ يقول ... أجل مامنك يبدو * لأنه عنك جلا » وأنت يا أنس قلبى أجل من أن تجلا » أفنيتنى عن جميعى )» فكيف أرعى المحلا قال . فبلغ ذلك الشبلى . فأنشأ يقول ... محنتى فيك أننى « لاأبالى بمحنتى * ياشفائى من السقام وإن كنت عاتى « تبت دهر اخذعرفتك * ضيعت فيك توبتى قربكم مثل بعدكم * فتى وقت راحتى # سمعت على بن عبد الله الجهضمى يقول سمعت على بن عبيد الله الخياط يقول سمعت أبا محمد المرآه ش يقول سمعت أبا الحسين النورى يقول - ويوصى بعض أصحابه - عشرة وأى عشرة، احتفظ بهن واحمل عليهن جهدك، . فأولى ذلك من رأيته يدعى مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربن منه . والثانية من رأيته يركن إلى غير أبناء جنسه ويخالطهم فلا تقربن منه . والثالثة من رأيته يسكن إلى الرئاسة والتعظيم له فلا تقرين منه، ولا ترتفق به وإن أرفقك ولا ترج له فلاحا والرابعة . فقير رجع إلى الدنيا إن مت جوعا فلا تقرين منه ولا ترفق به إن أرفقك ، فان رفقه يقسى قلبك أربعين صباحا. والخامسة من رأيته مستغنيا بعلمه فلا تأمن جهله. والسادسة من رأيته مدعيا حالة باطنه لا يدل عليها، ولا يشهد عليها حفظ ظاهره فاتهمه على دينه. والسابعة من رأيته يرضى عن نفسه ويسكن إلى وقته فاعلم أنه مخدوع، فاحذره أشد الحذر. والثامنة مريد يسمع القصائد ويميل إلى - ٢٥٣ - الرفاهة لاترجون خيره . والتاسعة فقير لا تراه عند السماع حاضرا فظنهمه ، واعلم أنه منع بركة ذلك لتشويش سره ، وتبديد همه . والعاشرة من رأيته مطمئنا إلى أصدقائه وإخوانه وأصحابه مدعيا لكال الخلق بذلك فاشهد بسخافة عقله و وهن ديانته . * سمعت أبا الحسن يقول حدثنى عبد الواحد بن بكر حدثنى على بن عبد الرحيم قال : رأيت أبا الحسن النورى قائما حيال الكعبة يحرك شفتيه كانه يسأل شيئا ثم أنشأ يقول : كفى حزنا أنى أناديك دائبا * كأنى بعيد أو كأنك غائب وأسأل منك الفضل من غير رغبة * ولم أر مثلى زاهداً فيك راغب * سمعت عثمان بن محمد العثمانى يقول قرأت على أبى محمد عبدالله بن محمد الرازى - بنيسابور - عن أبى الحسين النورى قال: أعلى مقامات أهل الحقائق انقطاعهم عن الخلائق، وسبيل المحبين الغلذذ بمحبوبهم، وسبيل الراجين التأميل لمامولهم، وسبيل الفانين الفناء فى محبوبهم ومامولهم، وسبيل الباقين البقاء ببقائه. ومن ارتفع عن الفناء والبقاء حينئذ لافناء ولا بقاء . وقال : إن المحبة للمحبوب تتزايد من لطائف المحبوب . * حدثنا عثمان بن محمد العثمانى قال: قرأت على أبى محمد عبد الله بن محمد الرازى قال أنشدنا النورى . كادت سرائر سرى أن تسر بما « أوليتنى من سرور لا أسميه فصاح للسر سر منك يرقبه * كيف السرور بسر دون مبديه فظل يلحظه سرا ليلحظه * والحق يلحظنى ألا أراعيه وأقبل السريغنى الكل عن صفتى . وأقبل الحق يغنينى ويغنيه * حدثنى عثمان بن محمد قال أخبرنى أحمد بن الحسين قال سمعت أبا الحسن القناد يقول : كتبت إلى النورى وأنا حديث . إذا كان كل الكل فى النور فانيا * أبن لى عن أى الوجودين أخبر فأجابنى فى الحال . - ٢٥٤ - إذا كنت فيما ليس بالوصف ثانيا * فوقتك فى الأوصاف عندى نحير * حدثنا عثمان بن محمد قال أخبرنا الحسن بن أحمد أبو على الصوفى قال كتب النورى إلى الجنيد يسأله عن السر ووصفه فى شعره ثلاثة أوصاف. يناجيك سر سائل عن ثلاثة * سرائرهم كتم وإعلانهم ستر فتى ضاع كتم السر بين ضلوعه « عن إدراكه حتى كانلم يكن سر فأسبل أستار التخفر صائنا * لكل حديث أن يكون هو السر فكتام سرمدرك الكتم لم ينل * سوى حدكتم السرمن ظنه ذكر فكاته المكنون ثم تكامت « جوائحه الكل من بته صفر منين بما يهواه مالاح لامح • يقاربه إلا احتمى صوبها الفكر ومكتتم وافى الضمائر وامتطى * لمودعه جحداً وليس به غدر لامهم تاج الفخار ذكرته * ومن شربه فى حاله المنهل الغمر فقال الجنيد: والله ما رميت بسرى إلى أحدهما لأفضله على الآخر إلا جذبنى إليه ، وقد أرجأت أمرهما إلى الله. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرزى يقول سمعت القناد يقول سمعت أبا الحسين النورى يقول: رأيت غلامه جميلا ببغداد فنظرت إليه، ثم أردت أن أردد النظر فقلت له : لم تلبسون النعال الصرارة ونمشون فى الطرقات ؟ قال: أحسنت أ تحسن العلم. ثم أنشأ يقول : تامل بعين الحق إن كنت ناظراً * إلى صفة فيها بدائع قاطر ولا تعط حظ النفس منها لما بها * وكن ناظراً بالحق قدرة نادر ومن مسانيد حديثه فيما أخبرنيه محمد بن عمر بن الفضل بن غالب فى كتابه وقد لقيته وسمعت منه غیر شئ. *حدثنا محمد بن عيسى الدهقان قال : كنت أمشى مع أبى الحسين أحمد بن محمد النورى المعروف بابن البغوى الصوفى فقلت له : ما الذى تحفظ عن السرى السقطى ؟ فقال : ثنا السرى عن معروف الكرخى عن ابن السماك عن الثورى - ٢٥٥ - عن الأعمش عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجركمن خدم الله عمره)) قال محمد بن عيسى الدهقان: فذهبت إلى السرى السقطى فسألته فقال : سمعت معروف بن فيروز يقول : خرجت إلى الكوفة فرأيت رجلا من الزهاد يقال له السماك فقال: حدثنى الثورى عن الأعمش مثله : الجنيد بن محمد الجنيد ٥٧١ ومنهم المربى بفنون العلم المؤيد بعيون الحلم، المنور بخالص الأيقان وثابت الأيمان العالم بمودع الكتاب والعامل بحلم الخطاب ،الموافق فيه للبيان والصواب أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد: كان كلامه بالنصوص مربوطا ، وبيانه بالأدلة مبسوطا. فاق أشكاله بالبيان الشافى، واعتناقه للمنهج الكافى، وأزومه للعمل الوافى * سمعت أبا الحسن على بن هارون بن محمد وأبا بكر محمد بن أحمد المفيه يقولان: سمعنا أبا القاسم الجنيد بن محمد غير مرة يقول: علمنا مضبوط الكتاب والسنة ، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. وكان فى أول أمره يتفقه على مذهب أصحاب الحديث مثل أبى عبيد وأبى ثور فاحكم الاصول وصحب الحارث بن أسد المحاسبى وخاله السرى بن مفلس فسلك مسلكهما فى التحقيق بالعلم واستعماله سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا محمد الخواص يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان الحارث بن أسد المحاسبى يجىء إلى منزلنا فيقول : أخرج معى نصحر. فأقول له : تخرجنى من عزلتى وأمنى على نفسى إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات. فيقول: اخرج معى ولا خوف عليك. فأخرج معه فكان الطريق فارغ من كل شئ لانرى شيئا نكرهه. فإذا حصلت معه فى المكان الذى يجلس فيه قال لى : سلنى . فأقول له ماعندى سؤال أسألك فيقول : سلنى هما يقع فى نفسك فتنثال على السؤالات فاسأله عنها فيجيبنى عليها فى الوقت ، ثم يمضى إلى منزله فيعملها كتبا . فكنت أقول * - ٢٥٦ - الحارث كثيرا : عزلتى وأنسى وتخرجنى إلى وحشة رؤية الناس والطرقات ؟ فيقول لى: كم تقول أنسى وعزلتى ? لو أن نصف الخلق تقربوا منى ماوجدت بهم أنسا، ولو أن النصف الآخر تاوا عنى ما استوحشت لبعدهم. * قرأت على أبى الحسين محمد بن على بن حبيش الناقد الصوفى صاحب أبى العباس بن عطاء ببغداد - سنة تسع وخمسين وثلاثمائة من كتا بهفاقر به . قلت سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول: إن أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة تعريف المصنوع صالعه، والمحدث كيف كان أحدثه ، وكيف كان أوله ، وكيف أحدث بعد موته، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث ، فيعرف المربوب ربه، والمصنوع صالعه، والعبد الضعيف سيده، فيعبده وبوحده ، ويعظمه ويدل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته ، فان من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه، ولم يضف الخلق فى تدبيره إلى وليه والتوحيد علمك وإقرارك بان الله فرد فى أوليته وأزليته ، لا ثانى معه ولا شئ يفعل فعله، وأفعاله التى أخلصها لنفسه أن يعلم أن ليس شيء يضر ولا ينفع، ولا يعطى ولا يمنع، ولا يسقم ولا يبرى، ولا يرفع ولا يضع، ولا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحي ، ولا يسكن ولا يحرك غيره جل جلاله، فقد سئل بعض العلماء فقيل له: بين التوجيه وعلمنا ما هو . فقال: هو اليقين . فقيل له : بين لنا . فقال هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونها فعل الله وحده لاشريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحدته . وتفسير ذلك أنك جعلت الله واحداً فى أفعاله، إذا كان ليس شئ يفعل أفعاله، وإنما اليقين اسم للتوحيد إذا تم وخلص. وإن التوحيد إذا تم تمت المحبة والتوكل وسمى يقينا . فالتوكل عمل القلب، والتوحيد قول العبد، فإذا عرف القلب التوحيد وفعل ماعرف فقد تم . وقد قال بعض العلماء: إن التوكل نظام التوحيد ، فإذا فعل ما عرف فقد جاء بالمحبة واليقين والتوكل ، وتم إيمانه، وخلص فرضه لأنك إذا عرفت أن فعل الله لا يفعله شىء غير ال، ثم تخاف غيره وترجو غيره لم تأت بالامر الذى ينبغى فلو عملت ماعرفت لرجوت الله وحده حين عرفت أنهلا - ٢٥٧ - يفعل فعله غيره فالقول فيمن يقصر على قلبه أنه ناقص التوحيد، لأن القلب مشتغل بالفتنة التى هى آفة التوحيد. قلت : ما هو ؟ قال: ظنك أن شيئا يفعل فعل الله، فاسم ذلك الظن فتنة . والفتنة هى الشرك اللطيف. قلت: أو ليس الفتنة من أعمال القلب؟ قال: لا ولكنها داخلة عليه ومفسدة له. قلت : وما هى؟ قال: ظنك بالله، إذ ظنفت أن من يشاء يفعل فعله، والكلام فى هذا يطول، ولكن من يفهم يقنع باليسير . * سمعت الحسين بن موسى يقول سمعت أبا نصر الطومى يقول فيمت عبد الواحد بن علوان يقول سمعت الجنيد يقول فيما يعظنى به : يافتى الزم العلم ولووردعليك من الاحوال ماورد ويكون العلم مصحوبك ، فالأحوال تنذرج فيك وتنفد، لأن الله عز وجل يقول: ( والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - فيما كتب إلى - وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال: رأيت الجنيد فى النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك الاشارات ، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، وتقدت تلك الرسوم وما تفعنا إلا ركيمات كنا نركعها فى الاسحار . * سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا الحسين بن الدراج يقول ذكر الجنيد أهل المعرفة بالله ومايراءونه من الأوراد والعبادات، بعدما ألطفهم الله به من الكرامات فقال الجنيد : العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك . * أخبرنى جعفر بن محمد - فى كتابه - وحدثنى عنه الحسين بن يحي الفقيه الأسفيعانى قال سمعت الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سفته، ولزم طريقته ، فان طريق الخيران كلها مفتوحة عليه. وقرأت على محمد بن على بن حبيش فقلت سمعت أبا القاسم الجنيدبن محمد يقول: سألت عن المعرفة وأسبابها، فالمعرفة من الخاصة والعامة هى معرفة واحدة، لأن المعروف بهاواحد، ولكن لها أول وأعلى ، فالخاصة (١٧ - حلية - عاشر) - ٢٥٨ - فى أعلاها وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية ، إذ لاغاية للمعروف عند المارفين، وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة، ولا تحيط به العقول، ولا تتوهمه الأذهان، ولا تكيفه الرؤية. وأعلم خلقه به أشدهم إقراراً بالعجز عن إدراك عظمته ، أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شئْ مثله، إذ هو القديم وما سواه محدث، وإذ هو الأزلى وغيره المبدأ، وإذ هو الاله وماسواه مألوه، وإذا هو القوى من غير مقو ، وكل قوى فبقوته قوى، وإذ هو العالم من غير معلم، ولافائدة استفادها من غيره، وكل عالم فبعلمه علم. سبحانه الأول بغير بداية، والباقى إلى غير نهاية، ولا يستحق هذا الوصف غيره، ولا يليق بسواه ، فأهل الخاصة من أوليائه فى أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية. والعامة من المؤمنين فى أوله! ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها ، وعلى أدناها . فالشاهد على أدناها الأقرار بتوحیدالله، وخلع الأندادمن دونه، والتصديق به وبكتابه. وفرضه فيه ونهيه . والشاهد على أعلاها القيام فيه بحقه واتقاؤه فى كل وقت، وإيثاره فى جميع خلقه واتباع معالى الاخلاق ، واجتناب مالا يقرب. منه. فالمعرفة التى فضلت الخاصة على العامة هى عظيم المعرفة فى قلوبهم بعظيم القدر والاجلال، والقدرة النافذة والعلم المحيط، والجود والكرم والآلاء، فعظم فى قلوبهم قدره وقدر جلالته وهيبته، وتفاذ قدرته ، وأليم عذابه وشدة بطشه، وجزيل ثوابة وكرمه وجوده بجنته وتحننه، وكثرة أياديه ونعمه وإحسانه، ورأفته ورحمته. فلما عظمت المعرفة بذلك عظم القادر فى قلوبهم، فأجلوه وهابوه وأحبوه، واستحيوا منه وخافوه ورجوه، فقاموا بحقه واجتنبوا كل مانهى عنه ، وأعطوه المجهود من قلوبهم وأبدانهم . أزعجهم على ذلك ما استقر فى قلوبهم من عظيم المعرفة بعظيم قدره وقدر ثوابه وعقابه ، فهم أهل الخاصة من أوليائه. فلذلك قيل فلان بالله عارف ، وفلان بالله عالم ،لا رأوه مجلاها ثبار إهباراجيا طالبا مشتاقا ورعامتقيا باكيا حزينا خاضعامتذللا. فله ظهرت منهم هذه الاخلاق عرف المسلمون أنهم بالله أعرف وأعلم من - ٢٥٩ - عوام المسلمين، وكذلك وصفهم الله فقال ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال داود عليه السلام: إلهى ما علم من لم يخفك . فالمعرفة التى فضلت بها الخاصة العامة هى عظيم المعرفة ، فاذا عظمت المعرفة بذلك واستقرت وأزمت القلوب صارت يقينا قويا فكملت حيفئذ أخلاق العبد وتطهر من الادناس ، فنال به عظيم المعرفة بعظيم القدر والجلال ، والتذكر والتفكر فى الخلق كيف خلقهم ، وأتقن صنعتهم، وفى المقادير كيف قدرها فالسقت على الهيئات التى هيأها ، والاوقات التى وقتها. وفى الأمور كيف دبرها على إرادته ومشيئته، فلم يمتنع منها شىء عن المضى على إرادته، والاتساق على مشيئته . وقد قال بعض أهل العلم: إن النظر فى القدة يفتح باب التعظيم الله فى القلب. ومر بعض الحكماء بمالك بن دينار فقال له مالك : عظنا رحمك الله. فقال: بم أعظك؟ إنك لوعرفت الله أغناك ذلك عن كل كلام، لكن عرفوه على دلالة أنهم لما نظروا فى اختلاف الليل والنهار، ودوران هذا الفلك، وارتفاع هذا السقف بلا عمد ومجارى هذه الانهار والبحار، علموا أن لذلك صالها ومديراً لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمال خلقه فعبدوه بدلائله على نفسه ، حتى كأنهم ماينوه ، والله فى دار جلاله عن رؤيته، ففى ذلك دليل أنهم بعظيم قدره أعرف وأعلم، إذ هم له أجل وأهيب . « سمعت أبا الحسن على بن هارون بن محمد السمسار يقول سمعت الجنيد ابن محمد يقول. اعلم يا أخى أن الوصول إذا ما سألت عنه مفاوز مهلكة، ماهل متلفة، لا نسلك إلا بدليل، ولا تقطع إلا بدوام ورحيل، وأنا واصف لك منها مفازة واحدة، فافهم ما أذمته لك منها ، وقف عند ما أشير لك فيها، واستمع لما أقول، وافهم ما أصف: اعلم أن بين يديك مفازة إن كنت ممن أريد بشئء منها، وأستودعك الله عن ذلك. أسأله أن يجعل عليك واقية باقية، فان الخطر فى سلوكه عظيم، والأمر المشاهد فى الممر بها جسيم، فان من أوائلها أن يرغل بك فى فيج برزخ لا أمدله إيغالا، ويدخل بك بالهجوم فيه إدخالا، وترسل فى جويهنته إسالا. ثم تتخلى منك لك، ويتخلى منك له، فمن أنت - ٢٦٠ - حينئذ وماذا يرادبك، وماذا يراد منك؟ وأنت حينئذ فى محل أمه روع. وأنسه وحشة، وضياؤه ظلمة، ورفاهيته شدة، وشهادته غيبة، وحياته ميتة ، لادرك فيه الطالب ، ولامهمة فيه لسارب، ولا نجاة فيه لهارب ، وأوائل ملاقاته اصطلام، وفوائح بدائعه احتكام ، وعواطف ممره احترام. ان غمرتك غوامره انتسفنك بوادره ، وذهب بك فى الارتماس، وأغرقتك بكنيف الانطماس ، فذهبت سفالا فى الانغماس إلى غير درك نهاية ولا مستقر لغاية، فمن المستنقذلك مما هنالك، ومن المستخرج لك من تلك المهالك؟ وأنت فى فرط الاياس من كل فرج مشوه بك فى إغراق لجة اللجج : احذر ثم احذر، فكم من متعرض اختطف، ومتكلف انتسف، وأقلف بالغرة نفسه، وأوقع بالسرعة حتفه، جعلنا الله وإياك من الناجين ، ولا أحرمنا وإياك ماخص به العارفين . واعلم يا أخى أن الذى وصفته لك من هذه المفاور وعرضت ببعض ذعته إشارة إلى علم لم أصفه، وكشف العلم بها يبعد، والكان بهايفقد، نفذ فى نعت ما تعرفه من الأحوال، وما يبلغه النعت والسؤال،، ويوجد فى المقاربين والأشكال ، فان ذلك أقرب بظفرك لظفرك، وأبعد من حظك لفظك، وأحذر من مصادمات ملاقاة الأبطال والهجوم على حين وقت النزال ، والتعرض لأماكن أهل الكمال، قبل أن تمات من حياتك ثم تحي من وفاتك، وتخلق خلقا جديدا، وتكون فريدا وحيدا، وكل ما وصفته لك إشارة إلى علم ما أريده. *. سمعت على بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول - وقرأه علينا فى كتاب كتب به إلى بعض إخوانه -: اعلم رضى الله عنك أن أقرب ما استدعى به قلوب المريدين ، ونبه به قلوب الغافلين ، وزجرت عنه نفوس المتخلفين، ما صدقته من الأقوال جميع ما أتبع به من الأفعال ، فهل يحسن يا أخى أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره، ولا تظهر منه زيفته وآثاره. وألا يكون قائله عاملا فيه بالتحقيق، وبكل فعل بذلك القول يليق، وأفك من دما إلى الزهد وعليه شعار الراغبين ، وأمر بالترك وكان من