النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
أكثرهم معرفة وأقواهم يقيناوأ كملهم إيمانا كما جاء فى الخبر ((أشد الناس بلاهـ
الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)).
* أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - وحدثنى عنه عثمان بن
محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت أبا عبد الله الحارث بن أسد يقول.
- وسأله ساؤل - إن النعم من الله تعالى على لا تحصى، ظاهرة وباطنة ، وعامة
وخاصة ، صغيرة و كبيرة ، فی کل أحوالی ومع كل أسبابى، ومع كل شئٍّ من
بدنى وجوارحى وعقلى وطبعى وحياتى وعيشى ، وكل ما أتقلب فيه ، وكل
منفعة تحدث فی دینی و دنیای، وکل ليل ونهار يختلف على ، وشمس وقر
وسائر الأشياء نعم على، إلا أنى أجدنى فى أكثرها غافلا عن شكره عليها،
إلا النعمة العظيمة کالکرب ینزل بی فیفرج الله عنی کربی، وینفسعنی غمی ،
وكالمال الكثير يرزقنى ، فان عظمت النعمة انتبهت لعظيم قدرها ، وموقع
منفعتها لى، فانتبهت للشكر وذكرت أنها من الله تفضل، وحمدته عليها،
وسائر النعم لقلة قدرها أنسى أنها نعمة ، فان ذكرت أنها نعمة ذكرتها ذكرا
بغير تعظيم لها، ولم ترج شدة الشكر عليها، حتى لقد نسيت الشكر عند أكثر
النعم ، إلا عند الفرج من الكرب ، أو النعمة العظيمة فى المنفعة . فقال
الحارث : هذا فعل عامة العباد من الجاهلين ، يعاملون الله على قدر عظيم
إحسانه وقلته، وإن أكثر ماقل من النعم لربما كان أكثر منفعة من عظيمها ،
وربما كان عظيمها يعقب ضرارا فى الدين أو فى الدنيا، ولربما كان إحسان الله فى
النعمة الصغيرة أكثر من النعمة فى كبيرها، لماقبة منفعتها، ولربما عظمت
النعمة من سعة الدنيا فيطغى صاحبها وتشغله حتى يعصى الله فيدخل النار ،
ولو كانت النعمة أقل من ذلك لما أطفته ولا ألزمته كثرة الفرائض فيها فلا
يقوم بها، كمن كثرت الحقوق عليه لله فى السعة، فلم يقم بحقه من أداء الزكاة
فى مواضعها بغير مكافأة ليد الفقير عنده، ولا اجتلاب حمد ولا ثناء،
ولامخافة ذم. وكذلك صلة القرابة والجار المحتاج البين حاجته وغير ذلك .
وربما ضرته السعة فى الدنيا دون الدين، وربما قتله كثرة ماله من لصوص

- ١٠٢ -
بقتلونه عليه ، وغير ذلك طيب الطعام كثرته قد تضره حتى تورثه الأوجاع
والسقم . وكذلك يوهب له الولد الذكر فيعصى الله فيه ، وربما ضره فى الدنيا
وغمه بما يصيبه من الأسقام، وربما كبر حتى يلجئه إلى الاختلاف إلى السجون
ومخاصمة الجيران فيه، أو عداوتهم، وكذلك يكون فى الكرب الشديد
من المرض أو بمن يعنيه أمره من ولد وأهل ، فيكثر دعاؤه وتضرعه، ويتصدق
ويخشع قلبه، فاذا فرج عنه وعاد إلى العافية رجع إلى اللهو والشهوة والعصيان،
وقل تضرعه إلى الله، فكان المرض أصلح لقلبه وأوفر لدينه ، وكانت العافية
إن استعملها فيما يضره فى دينه أضر عليه من المرض، وكفاك بعلم الله تعالى فى
ابن آدم، ووصفه له إذ يقول (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه
وإذا مسه الشر فذو دماء عريض) وقال: (وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه
أو قاعداً أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضرمسه) ومثل
ذلك فى كتاب الله كثير ، فانما أتيت أنك نظرت إلى قدر النعم عند ورودها
عليك، ولم تنظر فى عواقبها فى دينك ودنياك، ما تكون فى العاقبة أنضر أم
تنفع ؟ ألم تسمع قول الله (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا)
والله ماتدرى إذا وردت النعم عليك أيها أنفع لك ؟ أقليلها أم كثيرها؟ فاذا
وردت عليك النعمة فاحمد الله الذى من بها، وكن مشفقا من أدنى السلامة منها
فى دينك ودنياك، فان كانت صغيرة فاستصغرها قلبك فاذكرماقبتها وخيرة
الله فيها، فلعل الله أن يكون قد خار لك فيها ونظر لك بأن قللها، ولم يجعلها
أعظم مما هى ، لعله قد علم أنها لو عظمت وزادك منها أنك تعصى بها فيغضب
عليك ، أو يعطيك فى دنياك أو تورئك ضررا فى دينك ، ألا ترى أنك تعمل
بظاهر النعم وتنسى عواقبها، وقد تبينت عواقبها بالتجارب فيك وفى غيرك،
من كثير الضرر فى عظيمها، وكثرة السلامة فى أكثر ماصغر منها، والله
لقد بين لك مولاك أن كثيرا منها كان زوالها نعمة عظيمة من الله على من
زالت عنه ، وأن بقاءها بلية عليه، من ذلك أن الغلام الذى قتله الخضر عليه
السلام قد كان نعمة فى الظاهر عظمة غلام ذكر. وقد روى أن الخضر مرمع

-١٠٣ -
موسى عليهما السلام بعشرة غلمان فأخذ غلاما اضوؤهم وأحسنهم وجها فقطف
وجهه، فأخبرك العليم الخبير بعواقب ضرر النعم وبمنافع عواقبها ، فقال :
( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين نخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) فصرف
عنهما بقتله إياه أن يدخلا النار. وقد قال مجاهد: قد علمنا أن أبويه قد فرحابه
حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، وكان فى بقائه هلكتهما. وكذلك قلع الخضر
لوحا من السفينة فى لجج البحر وكان عند أصحابها أن فى ذلك الغرق ، وقد قال
موسى ( أخرقتها لتغرق أهلها ) ? وإنما خرقها لينجو أهلها أن لاتمر بالملك
الغاصب فيراها صحيحة فيأخذها، فالغلام قتله خيرة فى الدين، والسفينة خرقها
خيرة فى الدنيا . فبهذا فاستدل أن النعم ليست فى المنافع على قدر عظمها
وصغرها، لأن الغلام لو كان ابنه لم يخش عليه عاقبة طغيان أبويه فيها ، ومما
يبين لك هذا قوله تعالى ( فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب
وحما ) قيل التفسير رزقا ابنة تزوجها فى وخرج من نسلها سبعون نبيا.
* أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - فی کتابه - وحدثنى عنه عثمان بن مهد
قال سمعت الجفيد بن محمد يقول: سئل الحارث بن أسد عن قول الله تعالى
( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) وعن قوله صلى الله عليه وسلم: « لو
توكاتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا).
ما السبيل أكرم الله وجهك إلى هذا التوكل الذى ندب الله المؤمنين إليه؟
صف لى كيف هو وكيف دخول الناس فيه. فقال الحارث رحمه الله : الناس
يتفاتون فى التوكل، وتوكلهم على قد إيمانهم وقوة علومهم . قيل : ما معنى
قوة إيمانهم قال: تصديقهم للعدة، وثقتهم بالضمان. قيل: فمن أين فضلت
الخاصة منهم على العامة، والتوكل فى اعتقاد الايمان مع كل من آمن بالله ! قال:
الذى فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب ،
والهدو عن الحركة ، فعندها يافتى استراحوا من عذاب الحرص ، وفلوا من
أسر الطمع، وخرجوامن ضيق طول الأمل . قيل: فما الذى ولد هذا ؟قال:
خالتان : الأولى منهما دوام لزوم القلب المعرفة ، والاعتماد على الله ، وترك

- ١٠٤ -
الحيل . والثانية كثرة الممارسة حتى يألفها إلفا ، ويختارها اختيارا ..
قيل: فالتوكل فى نفسه ماهو، وما معناه ؟ قال: قد اختلف الناس فيه
قيل له : اختصر منه جوابا موجزا . قال : نعم، التوكل هو الاعتماد على الله
بازالة الطمع من سوى الله، وترك تدبير النفوس فى الأغذية، والاستغناء
بالكفاية ، وموافقة القلب لمراد الرب، والقعود فى طلب العبودية، واللجأ إلى.
الله. قيل: فهل يلحق التوكل الأطماع؟ قال: يلحقه الأطماع من طريق.
الطباع خطرات ، ولا يضره ذلك شيئا . قيل: فما الذى يقويه على إسقاط
الطمع ؟ قال اليأس مما فى أيدى الناس حتى يكون بما معه من الثقة بما وعده
سيده أغنى ممن بملك الدنيا بحزافيرها كما قيل لأبى حازم ألك مال ؟ قال.
أكثر المال ثقتى بربى ، ويأسى مما فى أيدى الناس وكان أبو حازم يقول: الدنيا
شيئان شئّ لى وشئّ لغيرى، فما كان لى لو طلبته بحيلة من فى السموات والأرض.
لم يأتنى قبل أجله، وما كان لغيرى لم أرجه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقى، يمنع
رزقی من غیری کما منع رزق غیری منی ،ففى أى هذين أفنى عمرى . وكان.
بعضهم يقول :
اترك الناس فكل مشغلة * وقد بخل الناس بمثل الحردلة
لا أسل الناس وسل من أنت له
قيل : فما الذى يقوى المتوكل ؟ قال ثلاث خصال الأولى منها حسن الظن
بالله، والثانية نفى التهم عن الله، والثالثة الرضا عن الله العالى فيماجرى به التدبير
لتأخير الأوقات وتعجيلها. قيل: بم تلحق هذه المنزلة؟ قال: بصفاء اليقين
وتمامه، فان اليقين إذا تم سمى تمامه توكلا. وهكذا قال ذو النون المصرى
فهم بالحالة العالية والمقام الشريف كما قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبى
الحوارى : مامن حالة من حالات المتعبدين إلا وشيخك هذا قد دخل فيها
وعرفها. إلا هذا التوكل المبارك الذى ما أعرفه إلا بعشام الريح . وقال
ذو النون المصرى: المقامات سبع عشرة مقامة أدناها الاجابة وأعلاها صدق
التوكل . قيل فما أجمل ما تراه القلوب فى باطنها ويلحقها فكر خواطر الاطماع

٠٠ ١٠٥ -
قال: تنبيها من الله بحرص الجوارح عن إشارة الأرواح فيما طمعت حياء من
الله تعالى أن يراهم يستر يحون إلى غيره. كما قال الحكيم:
مريدوه يستحيون أن يراهم * يشيرون بالأرواح نحو سواه
قيل : هذا فى الظاهر واليقظة فهل لهم زاجر فى مناماتهم عند إشارة
الأرواح ومطالعتها فى خطرات الاطماع؟ قال : قد روى عن النباجى قال :
طمعت يوما فى شىء من أمور الدنيا حملتنى عيناى ومت فسمعت هاتفا فى
منامى وهو يقول: أو يجعل يافتى بالحر المريد إذا وجد عند مولاه كل ما يريد
أن يركن بقلبه إلى العبيد ! فهو عزوجل يزجرثم ويثبتهم ويريهم مواضع الشين
والخلل، ليعملوا فى شدة تمام اليقين، وكثرة السكون والاعتماد عليه دون
خلقه، فتكون لهم الزيادة فى مقامهم ، وحسن اللجأ فى افتقارهم إلى سيدهم،
فمرهم يافتى على الاستواء. قيل: فما معنى قوله تعالى ( ومن يتوكل على الله
فهو حسبه)؟ قال: أى سببه بمعنى حسبى من كل شىء أن أنوكل عليه. قيل:
فما الاسباب التى تشين توكله؟ قال: الأسباب التى فيها الحرص والمكابدة على
الدنيا والاسباب التى تشغله عن دوام السكون وتزيد فى الاضطراب وتقوى
خوف الفوت ،وهى الاسباب التى تستعبده وتتعبه ، فتلك التى يؤمر بقطعها
حتى يستريح بروح اليقين، ويتفرج بحياة الاستغناء. قيل: فما علامة سكون
المتوكل ؟ قال: تحركه أزواج المستبطى فيما ضمن له من رزق ربه، ولا تخلفه
فترة المتوانى عن فرصته. قيل أيجد هذا فقد شىء منعه قال: لايجد فقده إذا
منعه لعلة معرفته بحسن اختيار الله له أملا من الله أن يعوضه فى حسن العواقب
أفضل من إرادته بالعاجل، كانه يراه قريبا، فمن هاهذا لا يجد فقد شيء منعه
قيل فما يقويه على هذه الحالة : قال : حسن علمه بحسن تدبير الله له ، فعندها
أسقط عن قلبه اختياره لنفسه ورضى بما اختار الله له .
* أخبرنا جعفر بن محمد - فى كتابه - وحدثنى عنه عثمان بن محمد قال
سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: وزعت المختصين
بالمعرفة والايمان فقال: هم الذين جعلهم الحق أهلا لتوحيده وإفراد تجريده،

- ١٠٦ -
والذا بين عن اداء إدراك تحديده، مصطنعين لنفسه مصنوعين على عينه ، ألقى
عليهم محبة منه له، واصطنعتك لنفسى، ولتصنع على عينى ، وألقيت عليك
محبة منى . فأخذ أوصاف من صنعه لنفسه والمصنوع على عينه والملقى عليه محبة
منه له، أن لا يستقر لهم قدم علم على مكان ، ولا موافقة كفاء على استقرارهم ،
ولا مناظرة عزم على تنفيذهم، هم الذين جرت بهم المعرفة حيث جرى بهم
العلم إلى نهاية غاية، خنست العقول وبادت الأذهان ، وانحسرت المعارف ،
وانفرضت الدهور وتاهت الحيرة فى الحيرة عند امت أول قدم نقلت لمرافقة
وصف محل لمحة مما جرى عليهم العلوم التى جعلها لهم به له هيهات ذلك له ماله به
عنددله فأين تذهبون . أما سمعت طبه لما أبداه، وكشفه مارواه واختصاصه
لسر الوحى لمن اصطفاه ( أوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى)
شهد له أنه عبده وحده، لم يجر عليه استعباداً لغيره يخفى ميل همة ولا المام
شهوة ، ولا محادثة نظرة ولا معارضة خطرة، ولا سبق حق بلفظه، لا يسبق أهل
الحق الحق بنطق ولا رؤية حظ بلمحة، أوحى إليه حينئذ ما أوحى ، هيأ. لفهم
ما أولاه بما به تولاه واجتباه حمل جينئذماحمل أوحى إليه حينئذما أوحى بالأفق
الأعلى ضاقت الاماكن وخنست المصنوعات عن أن تجرى فيها أو عليها أوحى
ما أوحى إلا بالأفق الأعلى ( إذ يغشى السدرة ما يغشى) انظر نظر من خلافى
نظره من عين منظوره إلى السدرة حيث غشاها ( ماغشى ) فثبتت لما غشاها،
وانظر إلى الجبل حيث تجلى له ( جعله دكا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال
سبحانك تبت إليك ) أن أعود لمسألتك الرؤيا بعد هذا المقام، وإلى
إكثاره مافرط من سؤاله، وإلى أن العلم لو صادف حقيقة الرسم لا يليق به
التم، وانظر إلى إخباره عن حبيبه ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة
المنتهى) والعند هاهنا لا ينتهى مكان، إنما ينتهى وقت كشف علم لوقت ،
وانظر إلى فضل الوقتين ومختلف المكانين ، وفرق مابين المنزلتين فى العلو والدنو
وكذا فضلت عقول المؤمنين من العارفين ، فمنها من يطيق خطاب المناجاة
ـمع علم قرب من ناجاه وأدناه ، فلا يستره فى الدنو علم الدنو ولا فى العلو علم

- ١٠٧ -
العلوومنها من لا يطيق ذلك فيجعل الأسباب هى المؤدية إليهم الفهم، وبها
يستدرك فهم الخطاب فيكون منه الجواب أن لا يقف عند قوله ( وما كان
لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى
باذنه ما يشاء إنه على حكيم ) وهذه أماكن يضيق بسط العلم فيها إلا عند
المفاوضة لأهل المحاضرة، وفى الاشتغال بعلم مسالك الطرقات المؤدية إلى علوم
أهل الخاصة الذين خلوا من خلواتهم، وبرئوا من إرادتهم، وحيل بينهم
وبين ما يشتهون، عصفت بهم رياح الفطنة فأوردتهم على بحار الحكمة
فاستنبطوا صفو ماء الحياة، لا يحذرون غائلة ، ولا يتوقعون نازلة ، ولا
يشرهون إلى طلب بلوغ غاية، بل الغايات لهم بدايات ، هم الذين ظهروا فى
باطن الخلق، وبطنوا فى ظاهره، أمناء على وحيه، حافظون لسره ، نافذون
لأمره ، قائلون بحقه، عاملون بطاعته (يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون)
جرت معاملتهم فى مبادئ أمورهم بحسن الأدب فيما ألزمهم القيام به من حقوقه
فلم تبق عندهم نصيحة إلا بذلوها، ولا قربة إلا وصلوها ، سمحت نفوسهم
ببذل المهج عند أول حق من حقوقه فى طلب الوسيلة إليه ، فبادرت غير
مبقية ولا مستبقية ، بل نظرت إلى أن الذى عليها فى حين بذلها أكثر بحالها
مما بذات، لوائح الحق إليها مشيرة، وعلوم الحق لديها غزيرة، لا توقفهم لائمة
عند نازلة ، ولا تثبطهم رهبة عند فادحة، ولا تبعثهم رغبة عند أخذ أهبة بما
استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء .
* أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر - فى كتابه - وحدثنى عنه عثمان قال
سمعت الجنيد بن محمد يقول : سئل الحارث بن أسد وقيل له : رحمك الله ،
ما علامة الأنس بالله ؟ قال: التوحش من الخلق. قيل له: فما علامة التوحش من
الخلق ؟ قال: الفرار إلى مواطن الخلوات ، والتفرد بعذوبة الذكر ، فعلى قدر
ما يدخل القلب من الأنس بذكر الله يخرج التوحش، كما قال بعض الحكماء
فى مناجاته : يامن آنستى بذكره، وأوحشنى من خلقه، وكان عند مسرفى
ارحم عبرتى . وفى قول الله تعالى لداود عليه السلام: كن بى مستأنسا، ومن

- ١٠٨-
سواى مستوحشا. وقيل لبعض المتعبدين: ما فعل فلان؟ قال: أنس
فتوحش. وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركى مالا يعنينى،
وأنسى بمن لم يزل. وقال ذو النون فى بعض كلامه : يا أنيس كل منفرد
بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك . وقال عبد الواحد بن زيد الراهب :
يا راهب لقد تعجلت الوحدة. فقال الراهب : يا فتى لو ذقت حلاوة الوحدة
لا ستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة ما أنستها الفكرة . قال
يا راهب: ما أقل ما يجد العبد فى الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس.
والسلامة من شرهم . قال: ياراهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال:
إذا صفاً الود وخلصت المعاملة . قال: يا عبد الله متى يصفو الود؟ قال: إذا
اجتمع الهم فصار فى الطاعة . قلت : متى تخلص المعاملة ؟ قال: إذا اجتمع
الهم فصارهما واحدا . وقال بعض الحكماء : عجبا للخلائق كيف أرادوا بك
بدلا ، وعجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك، اللهم آ نست الآنسين
من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك ، تشاهدهم فى ضائرم،
وتطلع عليهم فى سرائرهم، وسترى عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف ،
فاذا أوحشتنى العزلةآ نسنى ذكرك، وإذا كثرت على الهموم رجعت إلى
الاستجارة بك، يارب العالمين. وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن
وكما قال بعض الحكماء: لو أن معى أنسا لتوحشت. قيل: رحمك الله فما علامة
صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم، واختيار
القلب عذوبة الذكر . قيل: رحمك الله فما علامته فى ظاهره ؟ قال: منفرد فى
جماعة ، ومستجمع فى خلوة ، وغريب فى حضر ، وحاضر فى سفر، وشاهد
فى غيبة ، وغائب فى حضور. قيل: اشرح عن وصف هذا، مامعنى منفرد
فى جماعة ، ومستجمع فى خلوة؟ قال: منفرد بالذكر مشغول بالفكر، لما استولى
على القلب والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر وحلاوته، وهو منفرد
فیما هو فيه عن الجماعة ، وهو شاهد معهم بيدنه، كما روى عن على بن أبى
طالب فى حديث كهول بن زياد فقال: ((مجم بهم العلم عن حقيقة الأمر فباشروا
۔

- ١٩ =
روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنوا بما استوحش منه
الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلى العلى
عند الملك العالى ، فهذه صفة المنفرد فى جماعة. قيل : فما المستجمع فى خلوة؟
قال: مستجمع له بهمة قد جمع للهموم فصيرهاهما واحدا فى قلبه، فاستجمعت
له الهموم فى مشاهدة الاعتبار وحسن الفكر فى نفاذ القدرة، فهو مستجمع
الله بعقله وقلبه وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة لدوام
الذكر إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة، وليس شى
منه متفرقا ولا وهم معطلا، وهذه صفة المسجتمع فى انفراده. قيل: فما معنى
غائب فى حضور ؟ قال: غائب بوحمه، حاضر بقلبه ، فمعنى غائب أى غائب عن
أبصار الناظرين، حاضر بقلبه فى مراعاة العارفين
* أخبرنا جعفر بن محمد - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال
سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول: المحاسبة والموازنة
فى أربع مواطن ، فيما بين الإيمان والكفر ، وفيما بين الصدق والكذب ، وبين
التوحيد والشرك . قال وسمعت الحارث يقول. الذى يبعث العبد على التوبة
ترك الاصرار، والذى يبعثه على ترك الاصرار ملازمة الخوف . وقال الحارث:
العبودية أن لا ترى لنفسك ملكاوتعلم أنك لا تملك لنفسك ضرا ولا نفعا.
والتسليم هو الثبوت عند نزول البلاء من غير تغير منه ظاهرا وباطنا. والرجاء
هو الطمع فى فضل الله ورحمته. وأقهر الناس لنفسه من رضى بالمقدور . وأكمل
العاقلين من أقر بالعجز أنه لا يبلغ كنه معرفته . والخلق كلهم معذورون فى
العقل مأخوذون فى الحكم. ولكل شيء جوهر وجوهى الانسان العقل،
وجوهر العقل الصبر، والعمل بحركات القلوب فى مطالعات الغيوب أشرف
من العمل بالجوارح .
$ قال الشيخ رحمه الله تعالى: قد أتينا على طرف من كلام الحارث بن
أسد مجتزيا من فنون تصانيفه وأنواع أقواله وأحواله بما ذكرنا إذ هو البحر
العميق ورواياته عن المحدثين المشهورين فى تصانيفه مدونة اقتصرنا من
رواياته على ما.

- ١١٠ -
* حدثناه محمد بن عبد الله بن سعيد ثنا أحمد بن القاسم الفرائضى تنا
الحارث بن أسد المحاسبى ثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن القاسم عن عطاء
عن أم الدرداء عن أبى الدرداء. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ما يوضع فى الميزان أثقل من خلق حسن)) القاسم هو محمد بن أبى بزة حدثناه
أبو بكر بن خلاد ثنا محمد بن غالب تمتام ثنا عفان ثنا شعبة عن القاسم بن أبى
يزة به . وحدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفى ثنا
الحارث بن أسد ثنا محمد بن كثير الكوفى عن ليث بن أبى سليم عن عبد الرحمن
ابن أسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. قال: ((شغل النبى صلى الله عليه
وسلم فى شئء من أمر المشركين فلم يصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما
فرغ صلاهن الأول فالأول ، وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف)»
٤٦٦ - على الجرجانى
ومنهم المنخلى من الشهوات . والمتحلى بالخلوات، تخلى من الجزع والهلع
واستحلى الفزع والضرع. على الجرجانى (١). من قدماء المتعبدين.
* حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابورى - ببغداد - قال سمعت أبا
حامد أحمد بن محمد بن حمدان النيسابورى يقول سمعت إسماعيل بن عبد الله
الشامى يقول سمعت سريا السقطى يقول: خرجت من بغداد أريد الرباط إلى
عبادان لأصوم بها رجبا وشعبان ورمضان، فلقيت فى طريقى عليا الجرجانى
وكانمن الزهادالكبار فدناوقت إفطاری ،وكان معى ملح مدقوق وأقراص ،
فقلت : هلم رحمك الله، فقال: ملحك مدقوق ومعك من ألوان الطعام . ان
تفلح وان تدخل إستان المحبين. فنظرت إلى مزود كان معه فيه سويق الشعير
فيسف منها . فقلت : ما دعاك إلى هذ؟ قال . إنى حسبت ما بين المضغ إلى
الاستفاف سبعين تسبيحة، فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة . فلما دخلنا
عبادان قات: موعظة أحفظها عنك، قال: نعم إن شاء الله ،احفظ عنى خمس
(١) في : المصرية على الجرجرائى

- ١١١ -
خصال : إنك إن حفظتها لا تبالى ما أضعت بعدها، قلت : نعم . قال: مانق
الفقر ، وتوسد الصبر، وعاد الشهوات ، وخالف الهوى ، وافزع إلى الله فى
جميع أمورك. قلت: فإذا كنت كذلك ! قال يهب اللهلك خمسا: الزهد ومع
الزهد القنوع ومع القنوع الرضا ، ومع الرضا المعرفة، ومع المعرفة الشوق . ثم
يهب لك خمسا : السباق، والبدار ، والتخفف ، وحسن البشارة، وحسن
المنقلب إلى الله. أولئك أحباء الله. قلت: فأين ترى لى أن أسكن؟ قال:
ارحل نحو لكام. قلت : فهل شىء أعيش به ؟ قال: فقت فى وجهى وقال:
تفر إلى الله من ذنبك، وتستبطئه فى رزقك ! فلا والله ماأدرى دخل
البحر أم لا .
وحكى جعفر بن نصير عن السرى بزيادة ألفاظ .
* أخبرنى جعفر بن محمد - فى كتابه حا كيا عن السرى السقطى - قال:
خرجت من بغدادأريد الرباط إلى عبادان فصحبنى على الجرجانى فىالزورق ،
فلما حضر وقت إفطارى أخرجت قرصين من شعير وملح مدقوق وقلت
لعلى: هلم ياأبا الحسن. قال: فجعل يطيل النظر إلى الرغيفين والملح، ثم إنه
التفت إلى فقال: ياسرى ملحك مدقوق ! قلت: نعم. قال : ياسرى ليس
تفلح. قلت: ولم قال: ياسرى أما علمت أن خبز الشعير والملح الجريش ينور
القلب ! فجعل يتردد فى صدرى ، فلما قربنا من عبادان وأردنا أن تفترق
قلت : رحمك الله كلمة أحفظها عنك. قال: أو تفعل! قلت: نعم افعل فقال لى:
ياسرى احفظ عنى خمس خصال، إن أنت حفظتها لاتبالى ماضيعت بعدهن .
قلت : وماهن يرحمك الله ؟ قال: ياسری عانق الفقر ، وتوسد الصبر، وماد
الشهوات، وخالف الهوى، واضرع إلى الله فى جميع أمورك ، فاذا كنت كذلك
وهب الله لك خمسا. قلت: وماهن! قال: الشكر ، والرضا، والخوف،
والرجاء ، والصبر على البلاء . ثم تدفعك هذه إلى خمس : إلى الورع الخفى،
وتصفية القلوب ، وترك ماحاك فى الصدور وترك مالا يعنيك، وترك الفضول
لحفظ الجوارح، ثم تمدك بخمس: بحياة القلوب ، وصفاء الاعتبار، والفهم

- ١١٢ -
من الله، والتيقظ من الغفلة، ومساعدة الأوطان فى طاعة الله. فعندها يرديك
الله بخمسة أردية: اللطف، والحلم، والرأفه، والرحمة للعالم، وهيبة النار
إذا اطلعت عليها ذكرت الله بالربوبية . ويلزم قلبك خمسا : السباق ، والبدار
.. والتصبر عن الحرام، وصدق الانقطاع، وصحة الارادة .
٤٦٧ - قديم
قال الشيخ : ومن عرف من متقدمى البغداديين بالنسك والتحقيق
بالتصوف أبو هاشم قديم .
جلس إليه سفيان الثورى محمد طريقته وملازمته للصفاء والوفاء . لا نحفظ
-من كلامه شيئا إلا ما حكاه عنده الثورى أنه قال: مازلت أرائى وأنا لا أشعر
إلى أن جالست أباها شم فأخذت منه ترك الرياء، وبلغنى أنه رأى شريك بن عبد الله
القاضى خارجا من دار يحي البرمكى يطرق بين يديه فقال أعوذ بالله من علم
يورث هذا، ويفضى بصاحبه إلى ما أرى .
* سمعت عبد المنعم بن عمر يقول سمعت أبا سعيد بن زياد الأعرابى يقول:
ثنا محمد بن المؤمل القرشى ثنا أبو هاشم محمد بن سعيد أبو على قال سمعت أبى
يقول: بينا أنا أطوف بالكعبة ليلا إذا أنا بأعرابية تقود أعرابيا مكفونا
وهو يقول :
أنت فى موضع البعيد قريب * من منيب إلى رضاك يؤب
تسمع الصوت حيث لا يسمع الصـ » وت ومن حيث ما دعاك تجيب
ليس إلا بك النفوس تطيب * ياشفاء السقام أنت الطبيب
كل وصل خلاف وصلك زور * كل حب خلاف حبك حوب
من يرد من جنان وجهك مرعى • يلقه من لدنك مرعى خصيب
أوحوى قلبه المحبة إلا . وهو لا شك عندك المحبوب
أنت روح القلوب أنت غناها * بك تحي وتستريح القلوب
بك يدنو البعيد من كل أمر * بك ينأى عن الذنوب القريب

- ١١٣ -
شريح بن يونس
٤٦٨ -
﴿ قال الشيخ: ومن المشهورين بتحقيق العبادة والعبودية. والانقياد
التعظيم الالهية والربوبية . المأخوذ عنه الآداب الشريفة ، والمقتبس منه الكثير
من آثار الشريعة . أبو الحارث شريح بن يونس .
نقل عنه الأحوال السنية، وله الآيات البديعة. توفى سنة خمس
وثلاثين ومائتين .
حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق الثقفى قال سمعت أحمد
ابن الضحاك الخشاب يقول - وكان من البكائين - رأيت فيما يرى النائم شريح
١٠بن يونس فقلت: ما فعل بك ربك يا أبا الحارث! فقال: غفر لى، ومع ذلك
جعل قصرى إلى جنب قصر محمد بن بشير بن عطاء الكندى . فقلت: يا أبا
الحارث أنت عندنا أكبر من محمد بن بشير. فقال: لا تقل ذاك فان الله
تعالى جعل لمحمد بن بشير حظا فى عمل كل مؤمن ومؤمنة، لانه كان إذا
دعا الله قال: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات،
والكاثنين منهم .
* سمعت سليمان بن أحمد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول
سمعت شريح بن يونس يقول: رأيت رب العزة فى المنام فقال لى: يا شريح
حدل حاجتك. فقلت: رحمال سرّ بسر".
• سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت حامد بن شعيب يقول: سمعت
شريح يونس يقول : كنت ليلة نائما فوق المشرعة فسمعت صوت ضفدع
فاذا ضفدعة فى فم حية فقلت : سألتك بالله إلا خليتها . نفلاها.
﴿ ومما أسند: حدثنا أبى ثنا محمد بن إبراهيم بن أبان السراج - ببغداد
سنة ثلثمائة - تنا شريح بن يونس ثنا إسماعيل بن خالد عن مجالد عن الشعبى عن
جابر: ((أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انسب لنا ربك،
فأنزل الله تعالى (قل هو الله أحد) إلى آخرها)). غريب من حديث الشعبى
( ٨ - حلية - عاشر)

- ١١٤-
لم يروه إلا إسماعيل عن أبيه . .
* حدثنا أبى ثنا محمد بن إبراهيم تناشريح بن يونس ثنا على بن ثابت عن
حمزة النصیبی عن أبى الزبير عن جابر . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( من نسى أن يسمى على طعامه فليقرأ قل هو الله أحد إذا فرغ)). لا أعلم.
أحدا رواه عن أبى الزبير إلا حمزة .
* حدثنا أبو على محمد بن أحمد بن الحسن ثنا العباس بن أحمد الوشاء ثنا
شريح بن يونس ثنا أبو حفص الأبار عمر بن عبد الرحمن ثنا محمد بن جحادة.
عن أبى صالح عن أبى هريرة ((أن رجلا خرج من المسجد حين أخذ المؤذن
فى الاقامة فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)). لم يروه
عن محمد بن جحادة إلا أبو حفص وعنه شريح.
* حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا شريح بن
يونس ثنا أبو حفص الآبار عن محمد بن جحادة عن عطية عن أبى سعيد . قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام
جائر)). لم يروه عن محمد إلا أبو حفص وعنه شريح.
* حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن هشام بن أبى الدميك ثناشريح بن
يونس ثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبى عن الحارث عن على: قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( استووا تستو قلوبكم، وتماسوا وتراحموا))
لم يروه عن مجالد إلا أبو خالد وعنه شريح.
* حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبى حصين ثنا محمد بن عبد الله الحضرمى.
ثنا شريح بن يونس أبو الحارث ثنا إبراهيم بن خيثم بن عراك بن مالك عن
أبيه عن جده عن أبى هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس فى تهمة
حبسا يسيراً حتى استبرأ » .
* حدثنا إبراهيم بن مهد بن حمزة ثنا حامد بن شعيب ثنا شريح بن يونس
تنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان حدثنی عبد الرحمن بن
مر السلمى وحجربن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية فسلمنا وقلنا: أتيناك

- ١١٥-
زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال: « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى
لنا صلاة الغداة وأقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون
ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما
قعهد إلينا ؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيه
فانه من يعيش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين ، وعضوا عليها بالتواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فان
كل بدعة ضلالة )) .
* حدثنا القاضى أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا حامد بن شعيب
ثنا شريح بن يونس ثنا يزيد بن هارون أنبأنا عبد الأعلى بن أبى المساور عن
عكرمة عن ابن عباس قال: أتى عبد المطلب فى المنام فقيل له احفر بُرة. قال
وما برة ؟ قال: مضنون ضن بها عن الناس وأعطيتموها. قال: فلما أصبح
جمع قومه فأخبرهم فقالوا : ألا سألته ما هى ؟ فلما كان من الليل أتى فى
منامه فقيل له: احفر قال: وما أحفر ؟ قال : احفر زمزم بركة من الله عز
وجل. ومغنما تسقى الحجيج، ومعشراجما . فلما أصبح جمع قومه فقالوا له :
ألا سألت أين موضعها؟ فلما بات من الليل أتى فقيل له: احفر قال: أين أقيل
موضع زمزم . قال : وأين موضعها؟ قال: مسلك الذر وموقع الغراب بين الفرث
والدم : فلما أصبح دما قومه فأخبرهم فقالوا: هذا موضع نصب خزاعة،
ولا يدعونك. وكان ولده جميعا غيبا إلا الحارث. فقام هو والحارث فهرا
حتى استخرجا عزالامن ذهب فى أذنيه قرطان ، ثم حفراحتى استخرجا حلية
من ذهب وفضة، ثم حفرا حتى استخرجا سيوفا ملفوفة فى عباءة ، ثم حفرا
حتى استبطا الماء، فأناه قومه فقالوا: ياعبد المطلب خذ واغنم . فقال :
التونى بقداح ثلاثة أسود وأبيض وأحمر، جعل الأسود لقومه والأحمر للبيت
والابيض له ، فضرب بها نخرج الاسود على الغزال فصار لقومه ، ثم ضرب
تفرج الأحمر على الحلية للبيت وصار السيوف له .

- ١١٦ -
٤٦٩ - السرى السقطى
ومنهم العلم المنشور. والحكم المذكور. شديد الهدى، حميد السعى .
دو القلب النقى. والورع الحفى. عن نفسه راحل. ولحكم ربه نازل. أبو الحسن
السرى بن المغلس السقطى . خال أبى القاسم الجنيد وأستاذه.
* أخبرنى جعفر بن محمد بن نصير - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن
إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السرى بن المغلس يقول : لو
أحسست بانسان يريد أن يدخل على فقلت بلحيتى كذا - وأمر يده على لحيته.
كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل - لخفت أن يعذبنى اللّه على ذلك
بالنار . قال وسمعت السرى يقول: إنى لأنظر إلى أنفى كل يوم مرارا مخافة
أن يكون وجهى قد اسود. قال: وسمعت السرى يقول: ما أحب أن أموت
حيث أعرف. فقيل له: ولم ذلك يا أبا الحسن ؟ قال: أخاف أن لا يقبلنى
قبرى فأفتضح. قال وسمعت السرى يقول: إن نفسى تناز عنى أن أغمس
جزرة فى دبس منذ ثلاثين سنة فما يمكننى . قال وسمعت السرى يقول : إنى
أحب أن آكل أكلة ليس لله على فيها تبعة، ولا لمخلوق فيها منة. فما أجد إلى
ذلك سبيلا. قال وسمعت السرى يقول: خرجنا يوما من مكة نريد بعض
المواضع، فلما أصحرنا رأيت فى مجرى السيل طاقة بقل فمددت يدى فأخذتها
وقلت: الحمد لله، ورجوت أن تكون حلالا ليس لمخلوق فيها منة . فقال لى
بعض من رآ نى وقد أخذتها : ياأبا الحسن التفت ، فالتفت فاذا مثل تلك الطاقة.
فقال لى: خذ هذا من نائبك. فقلت له : الطاقة الأولى ليس لأحد فيها
منة وهذا بدلالنك تريد لك على فيه منة. إنما أريد ماليس لمخلوق فيه منة
ولا لله فيه قبعة. قال وسمعت السرى يقول: كان أهل الورع فى وقت من
الأوقات أربعة: حذيفة المرعشى، وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط ،
وسليمان الخواص، فنظروا فى الورع فلما ضافت عليهم الأمور فزعوا إلى
التقلل. قال وسمعت السرى يقول: كنت بطرسوس وكان معى فى الدار فتيان

- ١١٧ -
متعبدون، وكان فى الدار تنور يخبزون فيه ، فانكسر التنور فعملت لهم
بدله من مالى، فتورعوا أن يختبروا فيه . قال وسمعت السرى وذكر أن
أبا یوسف الغسولی کان یلزم الثغر و یغزو ، وكان اذا غزا ودخلوا بلاد الروم
أكل أصحابه من طعام الروم وفواكههم، فيقول أبو يوسف: لا آكل ،
فيقال له: تشك أنه حلال، فيقول: لاأشك، هو حلال . فيقال له :
فسكلٍ من الحلال. فيقول : إنما الزهد فى الحلال . قال وسمعت السرى يذم.
من يأكل بدينه ويقول : من النذالة أن يأكل العبد بدينه .
* حدثنا عمر بن أحمد بن شاهين ثنا على بن الحسين بن حرب قال: بعث
بى أبى إلى السرى بشىء من حب السمال - لسعال كان به - فقال لى: كم ثمنه؟
قلت له : لم يخبرنى بشئء. فقال اقرأ عليه السلام وقل له: نحن نعلم الناس منذ
خمسين سنة أن لا يأكلوا بأديانهم ، ترانا اليوم نأكل بأدياننا .
• سمعت محمد بن إبراهيم بن محمد يقول سمعت على بن عبدالحميد الغضائرى
الحلبى يقول سمعت سريا السقطى ودققت عليه الباب فقام إلى عضادنى الباب
فسمعته يقول: اللهم اشغل من شغلنى عنك بك ، فكان من بركة دمائه أنى
حججت أربعين حجة من حلب على رجلى ماشيا ذاهبا وجائيا .
* ممعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهافى يقول ثنا أبو
حامدا حمد بن محمد بن حمدان ثنا إسماعيل بن عبد الله الشامى قال قال سرى
السقطى : خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها
روغان، واجتهاد ليس معه سهو، وتيقظ ليس معه غفلة ، ومراقبة الله فى السر
والجهر ليس معه رياء، ومراقبة الموت بالتأهب.
· سمعت أبا عبد الله يقول ثنا أبو حامد ثنا إسماعيل قال قال السرى
السقطى: للمريد عشر مقامات، التحبب إلى الله بالنافلة، والتزين عنده بنصيحة
الأمة ، والأنس بكلام الله ، والصبر على أحكامه ، والأثرة لأمره، والحياء من
نظره، وبذل المجهود فى محبوبه، والرضاء بالقلة، والقناعة بالخمول.
* حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمد ثنا

- ١١٨ -
إسماعيل بن عبد الله الشامى قال قال سرى السقطى: للخائف عشر مقامات :
الحزن اللازم، والهم الغالب، والخشية المقلقة، وكثرة البكاء ، والتضرع فى
الليل والنهار، والهرب من مواطن الراحة، وكثرة الوله، ووجل القلب،
(وتنغص العيش، ومراقبة الكمد.
• [سمعت أبا الحسين محمد بن على بن حبيش يقول سمعت القاسم بن
عبد الله البزاز يقول سمعت سريا السقطى يقول: لو أن رجلا دخل إلى
بستان فيه من جميع ماخلق الله من الأشجار عليها جميع ماخلق الله من الأطيار،
تخاطبه كل طير منها بلغته وقال : السلام عليك ياولى الله، فسكنت نفسه إلى
ذلك كان فی یدیها أسیرا .
* حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحي ثنا أبو العباس السراج قال سمعت
إبراهيم بن السرى السقطى يقول سمعت أبى يقول: عجبت لمن هدا وراح فى
طلب الارباح وهو مثل نفسه لا يريح أبدا .
* حدثنا إبراهيم بن محمد ثنا أبو العباس السراج قال سمعت ابن السرى
يقول سمعت أبى يقول . لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على
أولادها للاقت السرور فى معادها .
* حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول
سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السرى بن المغلس يقول: وددت أن حزن
الخلق كلهم ألقى على .
* سمعت أبى يقول سمعت أحمد يقول سمعت أبا القاسم يقول سمعت الجنيد
يقول سمعت السرى يقول. إن فى النفس لشغلا عن الناس.
* حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا عباس بن يوسف الشكلى ثنا محمدبن
إسحاق الأسلمى قال سمعت السرى يقول : المغبون من فنيت أيامه بالتسويق
والمغبون من تمنى الصالحون مقامه .
* حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ثنا على بن الحسين بن حرب القاضى
- إملاء - قال سمعت السرى يقول: سئل حكيم من الحكماء: متى يكون

- ١١٩-
العالم مسيئا؟ قال: إذا كثر بقباقه وانتشرت كتبه وغضب أن يرد عليه شئ
من قوله . هذا أو معناه.
* أخبرنا جعفر - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت
الجنيد بن محمد يقول : بعثنى السرى يوما فى حاجة فأبطأت عليه ، فما جئت
قال لى : إذا بعث بك رجل يتكلم فى موارد القلوب فى حاجة فلا تبطئ عليه
فانك تشغل قلبه . قال وسمعت السرى يقول: احذر أن تكون ثناء منشورا
وعيبا مستورا . وسمعته يقول : سمعت أبا جعفر السماك- وكان سيخا شديد
العزلة فرأى عندى جماعة قد اجتمعوا حولى فوقف ولم يقعد ثم نظر إلى
فقال لى: أبو الحسن صرت مناخا للبطالين، فرجع ولم يقعد وكره إلى اجتماعهم
حولى . قال وسمعت السرى يقول: إنى أعرف طريقا يؤدى إلى الجنة قصدا.
فقيل له : ما هو ياأبا الحسن ؟ فقال : أن تشتغل بالعبادة وتقبل عليها وحدها
حتى لا يكون فيك فضل . قال وسمعت السرى يقول: اعرف طريقا مختصرا
يؤديكم إلى الجنة . فقلت ماهو ؟ قال: لا تأخذ من أحد شيئا ولا تسل أحدا
شيئا ، ولا يكن معك ما تعطى منه أحدا شيئا. قال وسمعت السرى يقول:
رأيت الفوائد ترد فى ظلم الليل . قال وكان إذا أراد أن يفيدنى سألنى ، فقال
لى يوما : ما الشكر؟ فقلت: أن لا يعصى فى نعمة. فقال: ما أحسن ما أجبت
ما أحسن ما تقول . قال الجنيد وهذا هو فرض الشكر أن لا يعصى فى نعمة](١)
* أخبرنا جعفر بن محمد فى كتابه - وحد ثنى عنه نصر بن أبى نصر قال
سمعت الجنيدبن محمد يقول: قال رجل لسرى السقطى: كيف أنت؟ فأنشأ يقول:
من لم يبت والحب حشو فؤاده * لم يدر كيف تفتت الأكباد
* حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن الحسن البغدادى
يقول ثنا أحمد بن محمد بن صالح ثنا محمد بن عبدوس ثنا عبدوس بن القاسم قال
سمعت السرى يقول: كل الدنيا فضول إلا خمس خصال: خبز يشبعه . وماء
يروبه. وثوب يستره: وبيت يكنه. وعلم استعمله . وقال: التوكل الانخلاع
عن الحول والقوة.
(١) فى مع مؤخر عن هذا الموضع .

- ١٢٠-
• أخبرنا جعفر بن محمد - فى كتابه - وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال
سمعت الجنيد يقول سمعت السرى يقول: أربع خصال ترفع العبد: العلم
والأدب، والعفة ، والأمانة .
• أخبرنا جعفر بن محمد فى -كتابه -وحدثنى عنه محمد بن إبراهيم قال
سمعت الجنيد يقول ممعت السرى يقول: اللهم ما عذبتنى بشئ فلا
قمذبنى بذل الحجاب .
* حدثنا عثمان بن محمد العثمانى قال سمعت أبا العباس القرشى يقول حدثنى.
بكير بن مقاتل البغدادى قال حدثنى العباس بن يوسف الشكلى حدثنى أحمد.
ابن محمد الصوفى قال سمعت السرى بن المغلس يقول : انقطع من انقطع عن الله
بخصلتين، والصل من اتصل بالله بأربع خصال : فأما من انقطع عن الله بخصلتين
فيتخطى إلى نافلة بتضييع فرض، والثانى عمل بظاهر الجوارح لم يواطئ عليه.
صدق القلوب. وأما الذى اتصل به المتصلون فلزوم الباب، والتشمير فى الخدمة.
. والصبر على المكاره، وصيانات الكرامات.
* حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب البغدادى - فى كتابه ولقيته -
وحدثنى عنه عثمان بن محمد العثمانى حدثنى عبد الله بن ميمون قال سمعت أبا
الحسن السرى بن المغلس يقول: معنى الصبر أن تكون مثل الأرض تحمل
الجبال وبنى آدم، وكل ما عليها ، لا تأبى ذلك ولا تسميه بلاء ، بل قسميه نعمة
وموهبة من سيده ، لا يراد فيها أداء حكم بها عليه .
* سمعت محمد بن على بن حبيش يقول سمعت عبد الله بن شاكر يقول قال
سری السقطى : صليت ليلة وردی ومددت رجلى فى المحرابفنودیت یاسری
كذا تجالس الملوك ؟قال فضممت رجلى ثم قلت : وعزتكلامددت رجلى أبدا.
* حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ثنا جعفر ثنا أحمد بن خلف قال : دخلت
يوما على السرى فرأيت فى غرفته كوزا جديدا مكسورا. فقال: أردت ماء
مبردا فى کوز جديد فوضعته على هذا الرواق ليبرد ومت فرأيت فى منامى
جارية مزينة فقالت : ياسرى من يخطب مثلى يبرد ماء! ثم رفسته برجلها،