النص المفهرس
صفحات 341-360
- ٣٤١ - * حدثنا أبى ثنا احمد بن محمد بن مصقلة واحمد بن محمد بن أبان قالا : ثنا سعيد بن عثمان حدثنى ذو النون قال: بينا أنا فى بعض مسيرى إذ لقيتنى امرأة فقالت لى: من أين أنت ؟ قلت رجل غريب. فقالت لى: ويحك وهل يوجدمع الله أحزان الغربة؟ وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء ؟ قال فبكيت فقالت لى : مايبكيك؟ قلت: وقع الدواء على داء قد قرح ف سرع لى نجاحه. قالت : فان كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت: والصادق لا يبكى؟ قالت: لا! قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئاً أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب ، وهذا ضعف الأطباء بابطال الداء قال. فبقيت متعجبا من كلامها، فقالت لى: مالك؟ قلت : تعجبت من هذا الكلام . قالت : وقد نسيت القرحة التى سألت عنها ؟ قلت : لاما أنا بالمستغنى عن طلب الزوائد قالت : صدقت حب ربك سبحانه، واشتق إليه فان له يوما يتجلى فيه على كرسى كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كاً.الا يظمأون بعده أبدا قال: ثم أخذت فى البكاء والزفير والشهيق وهى تقول. سيدى إلى كم تخلفنى فى دار لاأجد فيها أحدا يسعفنى على البكاء ایام حیاتی ثم -تركتنى ومضت. ** حدثنا أبى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذاالنون یقول : کم من مطیع مستأنس ، و کم عاص مستوحش، و کم محب ذليل ، وكل راج طالب قال وسمعته يقول : اعلموا أن العاقل يعترف بذنبه ، ويحس بذنب غيره، ويجود بما لديه ويزهد فيما عندغيره ويكف أذاه ويحتمل الأذى عن غيره والكريم يعطى قبل السؤال ، فكيف يبخل بعد السؤال ؟ ويعذر قبل الاعتذار، فكيف يحقد بعد الاعتذار ؟ويعف قبل الامتناع فكيف يطمع فى الازدياد. قال: وسمعته يقول: ثلاثة من أعلام المحبة : الرضافى المكروه، وحسن الظن فى المجهول ، والتحسين فى الاختيار فى المحذور. وثلاثة من أعلام الصواب الأنس به فى جميع الأحوال، والسكون إليه فى جميع الأعمال ، وحب الموت بغلبة الشوق فى جميع الأشغال . وثلاثة من أعمال اليقين : النظر إلى الله تعالى - ٣٤٢ - فى كل شىء، والرجوع إليه فى كل أمر، والاستعانة به فى كل حال . وثلاثة من أعمال الثقة بالله : السخاء بالموجود، وترك الطلب للمفقود، والاستنابة إلى فضل الموجود. وثلاثة من أعمال الشكر: المقاربة من الاخوان فى النعمة، واستغنام فضاء الحوائج قبل العطية، واستقلال الشكر لملاحظة المنة . وثلاثة من أعلام الرضى . ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب فى حشو البلا. وثلاثة من أعمال الانس بالله: استلذاذ الحلوة والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة . وثلاثة من أعلام حسن الظن بالله: قوة القلب، وفسحة الرجا فى الزلة، ونفى الاياس بحسن الأنابة . وثلاثة من أعلام الشوق : حب الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة ، ودوام الحزن مع الكفاية . * حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهافى ثنا أحمد بن محمد ابن حمدان النيسابورى ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشى قال سمعت ذا النون المصرى يقول: إلهى ما أصغى إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنم طائر ولا تنعم ظل ولا دوى ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثلك شئء وأنك غالب لا تغلب وعالم لا تجهل وحليم لا تسفه وعدل لا تجور وصادق لا تكذب ، إلهی نانى أعترف لك اللهم بما دل عليه صنعك، وشهد لك فعلك، فهب لى اللهم طلب رضاك برضاى ومسرة الوالدلولده يذكرك لمحبنى لك (١) ووقار الطمأنينة وتطلب العزيمة اليك لأن من لم يشبعه الولوع باسمك ولم يروه من ظمائه ورود غدران ذكرك، ولم ينسه جميع الهموم رضاه عنك، ولم يلهه عن جميع الملاهى تعداد آلائك، ولم يقطعه عن الأنس بغيرك مكانه منك كانت حياته ميتة وميلته حسرة وسروره غصة وأنسه وحشة إلهى عرفنى عيوب نفسى وافضحها عندى لا تضرع إليك فى التوفيق للتنزه عنها، وأبتهل اليك بين يديك خاضعا ذليلا فى أن تغسلنى منها ، واجعلنى من عبادك الذين شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم (١) هنا كلمات غير مرتبط بعضها ببعض. - ٣٤٣ - تجول فى ملكوتك وتنفكر فى عجائب صنعك ترجع بفوائد معرفتك وعوائد إحسانك قد البستهم خلع محبتك وخلمت عنهم لباس التزين لغيرك الهى لا تترك بينى وبين اقصى مرادك حجابا الاهتكته ولا حاجزاً الا رفعته ، ولا وعراً الا سهلته ، ولا بابا الا فتحته ، حتى تقيم قلبى بين صياء معرفتك ، وتذيقنى طعم محبتك، وتبرد بالرضى منك فؤادى، وجميع احوالى حتى لا أختار غير ما تختاره وتجعل إلى مقاماً بين مقامات اهل ولايتك ومضطربا فسيحا فى ميدان طاعتك ، الهى كيف استرزق من لا يرزقنى الامن فضلك ام كيف اسخطك فى رضى من لا يقدر على ضرى الا بتمكينك . فيامن أسأله ايناسا به وايحاشا من خلقه ويامن اليه التجائى فى شدنى ورجائى ارحم غربتى وهب لى من المعرفة ما ازداد به يقينا ،ولا تكلنى الى نفسى الامارة بالسوء طرفة عين . * حدثنا ابى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا سعيد بن عثمان الخليط عن أبى الفيض ذى النون المصرى قال : ان لله لصفوة من خلقه ، وان الله خيره من خلقه قيل له : يا ابا الفيض فما علامتهم؟ قال: اذا خلع العبد الراحة واعطى المجهود فى الطاعة واحب سقوط المنزلة قيل له : ياابا الفيض فما علامة اقبال الله عزوجلٍ على العبد ؟ قال: اذا رايته صابرا شاكرا ذاكرا فذلك علامة اقبال الله على العبد . قيل : فما علامة اعراض الله عن العبد ! قال اذا رايته ساهيا راهبا معرضا عن ذكر الله فذاك حين يعرض الله عنه . ثم قال! ويحك كفى بالمعرض عن اللهوهو يعلم أن الله مقبل عليه وهو معرض عن ذكره: قيل له باأبا الفيض فما علامة الانس بالله ؟ قال: اذا رأيته يؤنسك بخلقه فانه بوحشك من نفسه،واذا وايته بوحشك من خلقه فانه يؤنسك بنفسه ثم قال أبو الفيض: الدنيا والخلق لله عبيد ، خلقهم للطاعة وضمن لهم أرزاقهم ونهاهم وحذرهم وأنذرهم ،حرصوا على مانهاهم الله عنه ، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها الله لهم ، فلاهم فى أرزاقهم استزادوا. ثم قال: مجبا لقلوبكم كيف لا تتصدع !! ولأجسامكم كيف لاتتضعضع، إذا كنتم تسعون ما أقول لكم وتعقلون. * حدثنا عبد الله بن محمدثنا أبو بكر الدينورى ثنا محمد بن أحمد - ٣٢٤ - الشمشاطى قال سمعت ذا النون المصرى يقول: بينا أنا سائر على شاطئ" نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهى تقول فى دجائها: يا من هو عند ألسن الناطقين، يامن هو عند قلوب الذاكرين ، يا من هو عند فكرة الحامدين، يا من هو غلى ثموس، الجبارين والمتكبرين، قد علمت ما كان منى يا أمل المؤملين . قال: ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها . قال وسمعت ذا النون يقول: دخلت إلى سواد نيل مصر فياءنى الليل فقمت بين زروعها ، فاذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ثم امتنعت عليها فتركتها وبكت وهى تقول: يا من بذره حبا يابساً فى أرضه ولم يك شيئا ، أنت الذى صيرته حشيشا ثم أقبته عوداً قائما ، بتكوينك وجعلت فيه حبا متراكبا، ودورته فكونته وأنت على كل شيء قدير. وقالت: محمست لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع، ومعجبت لمن هذا صنعه كيف يشتكى . فدنوت منها فقلت : من يشكو أمل المؤملين ؟ فقالت لى : أنت ياذا النون ، إذا اعتللت فلا تجعل علتك إلى مخلوق مثلك، واطلب دواءك ممن ابتلاك وعليك السلام، لا حاجة لى فى مناظرة الباطلين . ثم أنشأت تقول : وكيف تنام العين وهى قريرة * ولم تدر فى اى المحلین تنزل * حدثنا محمد بن احمد بن الصباح ثنا أبو بكر محمد بن خلف المؤدب - وكان من خيار عباد الله - قال: رأيت ذا النون المصرى على ساحل البحر عند صخرة موسى، فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال: سبحان الله ما اعظم شأنكما، بل شان غالقكما اعظم منكاومن شانكما . فلما شهور الليل لم يزل ينشدٍ هذين البيتين إلى ان طلع محمود الصبح : اطلبوا لأنسكم مثل ماوجدت انا » قدوجدت لى سكناليس هو فى هو امعنا إن بعدت قربنی او قربت منه دنا * أنشدنا عثمان بن محمد العثمانى قال أنشدنى العباس بن احمد لذى النون المصرى : إذا ارتحل الكرام اليك يوما * ليلتمسوك حالا بعد حال - ٣٤٥ - فان وحالنا حطت لترضى * بحلمك عن حلول وارتحال أنحاء فى فنائك يا إلهى * النيك معرضين بلا اعتلال فسنا كيف شئت ولا تكلنا * الى تدبيرنا بإذا المعالى حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أبو العباس احمد بن عيسى الوشاء ثنا أبو عثمان سعيد بن الحكم - تلميذ ذى النون - قال: سئل ذو النون : ما سبب الذنب؟ قال: اعقل ويحك ما تقول، فانها من مسائل الصديقين . سبب الذنب النظرة، ومن النظرة الخطرة، فان تداركت الخطرة بالرجوع الى الشذهبت ، وان لم تذكرها امتزجت بالوساوس فتتولد منها الشهوة وكل ذلك بعد باطن لم يظهر على الجوراح، فإن تذكرت الشهوة والا تولد منها الطلب، فان تداركت الطلب والا تولد منه العقل . * حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد ثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول سمعت ابا الفيض ذا النون بن ابراهيم يقول : بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء فى جبال بيت المقدس، إذ سمعت صوتا حزينا وبكاء جهيرا وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا يا غربتاه عن وطننا وافقراه بعد غنانا واذلاه بعد عزنا . فتبعت الصوت حتى قربت منه فلم أزل أبكى لبكائه حتى إذا أصبحنا نظرت اليه فإذا رجل ناحل كالشن المحترق فقلت يرحمك الله تقول مثل هذا الكلام. فقال: دعنى فقد كان لى قلب فقدته ، ثم أنشأ يقول : قد كان له قلب اعيش به * بين الهوى فرماه الحب فاحترق فقلت له : لم تشتكى الم البلاء وانت تنتحل المحبة ان المحب هو الصبو » و على البلاء لمن احبه. حب الاله هو السرو » رمع الشفاء لكل كربه * حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقسم قال سمعت ابا محمد الحسن بن على بن خلف يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول : إن سكت - ٣٤٦ - علم ما تريد، وان نطقت لم تنل بنطقك مالا يريد، وعلمه ؟ رادك ينبغى أن يغنيك عن مسألته أو ينجيك عن مطالبته . * حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول ان لله عباداً عرفوه بيقين من معرفته فشمروا قصداً اليه ، احتملوا فيه المصائب لمايرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالاشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان ، فما نظروا اليها بعين راغب ، ولا تزودوا منها الاكزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذكره لهجت ألسنتهم فى رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا اليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلاشفاههم ، خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسامهم ، باكية أعينهم. لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطماراً بالية ، وسكنوا من البلاد قفاراً خالية ، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الاخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهبوا للنقلة والارتحال . * أخبرنا احمد قال سمعت ابا محمد يقول سمعت اسرافيل يقول: حضرت ذا النون فى الحبس وقد دخل الجلواذ بطعام له ، فقام ذو النون فنفض يده فقيل له : ان اخاك جاء به، فقال: إنه مر على يدى ظالم. قال: وسمعت رجلا سأل ذا النون فقال: رحمك الله ! ما الذى أنصب العباد وأضناهم ؟ فقال: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه: ولم لاتذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم، وقراءة كتبهم بين ايديهم، والملائكة وقوف بين يدى الجبارينتظرون أمره فى الاخيار والاشرار. ثم قال: مثلوا هذا فى نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال وسمعت - ٣٤٧ - ذا النون يقول : قال الحسن : ما أخاف عليكم منع الاجابة ، إنما أخاف عليكم منع الدعاء . * حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا احمد بن محمد بن سهل الصير فى ثنا ابو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول : إن الطبيعة النقية هى التى يكفيها من العظمة رائحتها ، ومن الحكمة إشارة اليها . * حدثنا أحمد بن محمد ثنا الحسن بن على بن خلف قال سمعت إسرافيل يقول : أنشدنا ذو النون بن إبراهيم المصرى فقال : توجع بامراض وخوف مطالب * وإشفاق محزون وحزن كئيب ولوعة مشتاق وزفرة واله « وسقطة مسقام بغير طبيب وفطنة جوال وبطأة غائص « ليأخذ من طيب الصفا بنصيب ألمت بقلب حيرته طوارق * من الشوق حتى ذل ذل غريب يكاتم لى وجداً ويخفى حمية * نوت فاستكنت فى قرار لبيب خلا فهمه عن فهمه لحضوره * فمن فهمه فهم عليه رقيب يقول إذا ماشفه الشوق واجدى * بك العيش ياأنس المحب يطيب فهذا لعمری عبد صدق مهذب * صفى فاصطفى فالرب منه قريب * حدثنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول : كتب رجل إلى عالم: ما الذى أكسبك علمك من ربك، وما أفادك فى نفسك ؟ فكتب إليه العالم : أثبت العلم الحجة ، وقطع محمود الشك والشبهة، وشغلت أيام عمرى بطلبه، ولم أدرك منه ما فاتنى . فكتب إليه الرجل: العلم نور لصاحبه، ودليل على حظه، ووسيلة إلى درجات السعداء. فكتب إليه العالم: أبليت إليه فى طلبه جدة الشباب، وأدركنى حين علمت الضعف عن العمل به ، ولو اقتصرت منه على القليل كان لى فيه مرشد إلى السبيل . * حدثنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول: سأل رجل ذا النون المصرى عن سؤال فقال له ذو النون: قلبى لك مقفل ، فان فتح لك -٣٤٨ - اجبتك، وإن لم يفتح لك فاعذرنى واتهم نفسك . * حدثنا عثمان بن محمد بن عثمان ثنا محمد بن أحمد الواعظ ثنا العباس بن يوسف الشكلى ثنا سعيد بن عثمان. قال : كنت مع ذى النون فى تيه بنى إسرائيل فبينا نحن نسير إذا بشخص قد أقبل فقلت : -أستاذ شخص، فقال لى : أنظر فانه لا يضع قدمه فى هذا المكان إلا صديق. فنظرت فإذا امرأة، فقلت : إنها امرأة، فقال: صديقة ورب الكعبة . فابتدر إليها وسلم عليها فردت السلام ثم قالت: ما للرجل ومخاطبة النساء ؟ فقال لها : إني أخولهذا النون ولست من أهل التهم. فقالت: مرحبا حياك الله بالسلام . فقال لها : ما حملك على الدخول إلى هذا الموضع؟ فقالت : آية فى كتاب الله تعالى : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) فكلما دخلت إلى موضع يعصى فيه لم يهنى القرار فيه بقلب قد أبهلته شدة محبته، وهام بالشوق إلى رؤيته . فقال لها: صفى لى فقالت: يا سبحان الله ! أنت عارف تكلم بلسان المعرفة تسألنى} فقال يحق للسائل الجواب. فقالت: نعم ، المحبة عندى لها أول وآخر، فأولها لهج القلب بذكر المحبوب ، والحزن الدائم ، والتشوق اللازم، فاذا صاروا إلى أعلاها شغلهم وجدان الخلوات عن كثير من أعمال الطاعات . ثم أخذت فى الزفير والشهيق وأنشأت تقول : أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذى هو حب الهوى * فذكر شغلت به عن سواكا واما الذى انت اهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا فا الحد فى ذا ولا ذاك لى . ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا ثم شهقت شهقة فإذا هى قد فارقت الدنيا . * حدثنا عثمان بن محمد بن أحمد ثنا العباس بن يوسف قال سمعت سعيدبن عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: وصف لى رجل بشاهرت فقصدته فأقت على بابه أربعين يوماً ، فلما كان بعد ذلك رايته، فلما رآً فى هرب منى، فقلت له: سألتك بمعبودك الا وقفت على وقفة. فقلت: سألتك بالله بم عرفت - ٣٤٩ - الله، وباى شئّ تعرف إليك الله حتى عرفته؟ فقال لى: نعم، رأيت لى حبيبا إذ قربت منه قربنی وأدنانی ، وإذا بعدت صوت بی وزادانى ،وإذا قمت بالفترة رغبنى ومنانى، وإذا عملت بالطاعة زادنى وأعطانى، وإذا عملت بالمعصية صبر على وقأنانى. فهل رأيت حبيبا مثل هذا? الصرف عنى ولا تشغلنی ثم ولى وهو يقول: حسب المحبين فى الدنيا بان لهم * من ربهم سببا يدنى إلى سبب قوم جسومهم فى الأرض سارية * نعم وأرواحهم تخقال فى الحجب لطفى على خلوة منه تسددنى * إذا تضرعت بالاشفاق والرغب يارب يارب أنت الله معتمدى * متى أراك جهاراً غير محتجب * حدثنا أبى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول : مدح الله تعالى الشوق لنوره السموات ، وأنى لوجهه الظلمات، وحجبه بجلالته عن العيون، ووصل بها معارف العقول، وأنفذ إليه أبصار القلوب ، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور ؟ إلهى لك تسبح كل شجرة ، ولك تقدس كل مدرة بأصوات خفية ، ونغمات زكية ، إلهى قد وقفت بين يديك قدمى ، ورفعت إليك بصرى، وبسطت إلى مو .4. ،، وصرخ إليك صونى وأنت الذى لا يضجره الندا ولا تخيب من دماك. إلهى هب لى بصراً يرفعه إليك صدقه ، فان من تعرف إليك غير مجهول ، ومن يلوز بك غير مخذول ، ومن يبتهج بك مسرور ومن يعتصم بك منصور، * قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى: حدثنا أبى ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول : إن لله خالصة من عباده، ونجباء من خلقه، وصفوة من بريته صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها فى الملكوت معلقة، أولئك نجباء الله من عباده، وأمناء الله فى بلاده، والدعاة إلى معرفته، والوسيلة إلى دينه، هيهات بعدوا وفاتو، ووارهم بطون الأرض ونجاجها، على أنه لا تخلو الأرض من قائم فيها بحجته على خلقه لئلا تبطل حجج الله ثم قال: وأين ! أولئك قوم حجبهم الله عن عيون خلقه، وأخفاهم عن آفات الدنيا وفتنها، ألاوم - ٣٥٠ - الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين، واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم، واستدلوا على فساد أعمالهم بالمعرفة، وهربوا من وحشة الغفلة وتسريلوا بالعلم لاتقاء الجهالة، واحتجزوا عن الغفلة بخوف الوعيد، وجدوا فى صدق الأعمال لادراك الفوت ، وخلوا عن مطامع الكذب ومعانقة الهوى ، وقطعوا عرى الارتياب بروح اليقين وجاوزوا ظلم الدجا ودحضوا حجج المبتدعين باتباع السنن ، وبادروا إلى الانتقال عن المكروه قبل فوت الامكان ، وسارعوا فى الاحسان تعريضا للقعود عن الاساءة ولاقوا النعم بالشكر استجلالا لمزيده، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم وحركات الجوارح من زينة الدنيا وغرورها ، فزهدوا فيها عيانا، وأكلوامنها قصدا وقدموا فضلا، وأحرزوا ذخرا، وتزودوا منها التقوى، وشمروا فى طلب النعيم بالسير الحثيث والأعمال الزكية، وهم يظنون بل لا يشكون أنهم مقصرون، وذلك أنهم عقلوا فعرفوا ثم اتقوا وتفكروا فاعتبروا حتى أبصروا، فلما أبصروا ستولت عليهم طرقات أحزان الآخرة، فقطع بهم الحزن حركات ألسنتهم عن الكلام من غير هى خوفا من التزين فيسقطوا من عين الله، فأمسكوا وأصبحوا فى الدنيامغمومين ، وأمسوا فيها مكروبين ، مع عقول صحيحة، ويقين ثابت ، وقلوب شاكرة ، وألسن ذاكرة وأبدان صابرة وجوارح مطيعة أهل صدق ونصح وسلامة وصبر وتوكل ورضى وايمان. عقلوا عن الله أمره فشغلوا الجوارح فيما أمروا به وذكر وحياء وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق وحجروا الهوى بدلالات العقول وتمسكوابحكم التنزيل وشرائع السنن ولهم فى كل ثارة منها دمعة ولذة وفكرة وعبرة ولهم مقام على المزيد للزيادة. فرحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المؤمنين والصالحين. قال وسمعت ذاالنون يقول: إياك أن تكون فى المعرفة مدعيا وتكون بالزهد محترفا وتكو بالعبادة متعلقا فقيل له: يرحمك الله ! فسرلنا ذلك . فقال اما علمت أنك إذا أشرت فى المعرفة إلى نفسك بأشياء وأنت معرى من حقائقها كنت مدعيا؟ وإذا كنت فى الزهد موصوفا بحالة وبك دون الأحوال كنت محترفا وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنجو من الله بالعبادة لا بالله كنت بالعبادة متعلقا لا يوليها والمنان عليك؟. قال وسمعت - ٣٥١ - ذا النون يقول: معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتمل عنك ويحكم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة. قال وسمعت ذا النون يقال: أهل الذمة يحملون على الحال المحمودة والمباح من الفعل فما الفرق بين الذمى والحنيفى الحنيفى أولى بالحلم والصفح والاحتمال . * حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم تنا أبو حامد أحمد بن محمد النيسابورى ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن قال قيل لأبى الفيض ذى النون: كيف أصبحت | قال: أصبحت تعبا إن تفعنى تعبى والموت يجد فى طلبى. وقيل له: كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت مقيما على ذنب ونعمة، فلا أدرى من الذنب أستغفر أم على النعمة أشكر . وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت بطالا عن العبادة متلوثا بالمعاصى، أتمنى منازل الأبرار وأحمل عمل الأشرار . وسمعت ذا النون يقول: إلهى لو أصبت موئلا فى الشدائد غيرك أو ملجأ فى المنازل سواك لحق لى أن لا أعرض إليه بوجهى عنك، ولا أختاره عليك ، لقديم إحسانك إلى وحديثه، وظاهر منتك على وباطنها، ولو تقطعت فى البلاء إربا إربا، وانصبت على الشدائد صباصبا ، ولا أجد مشتكى غيرك، ولا مفرجا لما بى عنى سواك. فياوارث الأرض ومن عليها ، وياباعث جميع من فيها ، ورث أملى فيك منى أملى ، وبلغ همى فيك منتهى وسائلى . * حدثناعثمان بن محمد العثمانى ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازى ثنا محمد بن أحمد بن سلمة النيسابورى قال سمعت ذا النون يقول : ياخراسانى إحذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعا . قلت : وكيف ذلك ؟ قال : لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه. ثم قال: تعلق الناس بالأسباب وتعلق الصديقون بولى الأسباب. ثم قال: علامة تعلق قلوبهم بالعطاياطلبهم منه العطايا ، ومن علامة تعلق قلب الصديق بولى العطايا أنصباب العطايا عليه وشغله عنها به . ثم قال: ليكن اعتمادك على الله فى الحال لا على الحال مع الله . ثم قال: أعقل فان هذا من صفوة التوحيد. * حدثنا عثمان بن محمد ثنا الحسن بن أبى الحسن ثنا محمد بن يحي بن آدم - ٣٥٢ - ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الخواص . قال سمعت ذا النون يقول: من أدرك طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم، وليكن أول شئ يسأل عنه العقل، لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل، ومتى أردت الخدمة لله فاعقل لم تخدم ثم اخدم . * حدثنا عثمان بن أحمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف بن الحسن يقول : أتى رجل من أهل البصرة ذا النون فسأله : متى تصح لى عزلة الخلق قال : إذا قويت على عزلة نفسك . قال: فمتى يصح طلبى الزهد قال : إذا كنت زاهدا فى نفسك هاربا من جميع ما يشغلك عن الله لان جميع ما شغلكعن الله هى دنيا . قال يوسف: فذكرت ذلك لطاهر القدسى فقال: هذا نزل أخبار المرسلين . * حدثنا أبى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون المصرى - وسئل: أى الحجاب أخفى الذى يحتجب به المريد عن الله ؟ فقال: ويحك : ملاحظة النفس وتدبيرها . وقال ذو النون: وقال بعضهم : علم القوم بأن الله يراهم على كل حالفاحترزوا به عمن سواه فقال له غيره من أصحابه من الزهاد - وكان حاضراً بمجلسه يقال له طاهر - يا أبا الفيض رحمك الله ! بل نظروا بعين اليقين إلى محبوب القلوب فرأوه فى كل حالة موجوداً ، وفى كل لمحة ولحظة قريباًٍ، وبكل رطب ويابس عليما، وعلى كل ظاهر وباطن شهيدا، وعلى كل مكروه ومحبوب قائما، وعلى تقريب البعيد وتبعيد القريب مقتدرا. ولهم فى كل الأحوال والاعمال سائسا، ولما يريدهم به موفقا، فاستغنوا بسياسته وتدبيره وتقويته عن تدبير أنفسهم ، وخاضوا البحار وقطعوا القفار بروح النظر إلى نظره البهيج ، وخرقوا الظامات بذور مشاهدته، وتجرعوا المرارات بحلاوة وجوده ، وكابدوا الشدائد واحتملوا الأذى فى جنب قربه وإقيان عليهم، وخاطروا بالنفوس فيما يعلمون ويحملون ثقة منهم باجتيازه، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال محبة منهم لارادته وموافقة لرضاه، ساخطين على أنفسهم معرفة منهم حقه، واستعداداً للعقوبة - ٣٥٣ - بعدله عليهم ، فأداهم ذلك إلى الابتلاء منه فلم تسع عقولهم ومفاصلهم وقلوبهم محبة لغيره، ولم تبق زنة خردلة منهم خالية منه ولا باقياً فيهم سواء، فهم له بكليتهم، وهو لهم حظ فى الدنيا والآخرة ، وقد رضى عنهم ورضوا عنه، وأحبهم فأحبوه، وكانوا له وكان لهم، وآثروه وآ ثرم، وذكروه فذ كرم ﴿ أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون) فصاح عند ذلك ذو النون وقال : أين هؤلاء ؟ و کیف الطريق إليهم و کیف المسلك ? فصاح به : يا أبا الفيض ! الطريق مستقيم، والحجة واضحة. فقال له: صدقت والله يا أخى ، فالهرب إليه ولا تعرج إلى غيره . حدثنا أبى ثنا أحمد ثنا سعيد بن عثمان . قال سمعت ذا النون يقول : ويحك من ذكر الله على حقيقة نسی فی حبه كل شىء، ومن نسی فی حبه کل شىء حفظ الله عليه كل شئء وكان له عوضا فى كل شئّ. قال وسمعت ذا النون وأناه رجل فقال: يا أبا الفيض دلنى على طريق الصدق والمعرفة. فقال: يا أخى أد إلى الله صدق حالتك التى أنت عليها على موافقة الكتاب والسنة ، ولا ترق حيث لم ترق فنزل قدمك فانه إذا زل بك لم تسقط ، وإذا ارتقيت أنت تسقط. وإياك أن تترك ما تراه يقينا لما ترجوه شكا. قال: وسمعت ذا النون يقول وسئل: متى يجوز للرجل أن يقول: أرانى الله كذا وكذا؟ فقال: إذا لم يطق ذلك. ثم قال ذو النون: أكثر الناس إشارة إلى الله فى الظاهر أبعدهم من الله، وأرغب الناس فى الدنيا وأخفاه لها طلبا أكثرهم لما ذما عند طلابها. قال وسمعته يقول : كلت ألسنة المحققين لك عن الدعاوى ونطقت ألسنة المدعين لك بالدعاوى . قال وسمعت ذا النون يقول : لا يزال العارف ما دام فى دار الدنيا مترددا بين الفقر والفخر ، فإذا ذكر الله افتخر وإذا ذكر نفسه افتقر . قال وسمعت ذا النون وسئل: بم عرف العارفون ربهم؟ فقال: إن كان بشئء فيقطع الطمع والاشراف منهم على اليأس مع التمسك منهم بالأحوال التى أقامهم عليها وبذل المجهود من أنفسهم ثم إنهم وصلوا بعد إلى الله بالله . * حدثنا عثمان بن محمد العثمانى ثنا أحمد بن عيسى الرازى قال سمعت (٢٣ - حلية - تاسع) - ٣٥٤ - يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصرى - وذكر يوماً على المراقب وقرب الأولياء، وفوائد الأصفياء، وأنس المحبين ، فأنشأ يقول : ومحب الاله فى غيب أنس « ملك القدر خادم الزى عبد هو عبد وربه خيررب * ما لقلب الفتى عن الله ضد وقال يوسف: وسألت ذا النون: ما علامة الآخرة فى الله؟ قال ثلاث: الصفاء والتعاون والوفاء. فالصفاء فى الدين، والتعاون فى المواساة، والوفاء فى البلاء. • حدثنا عثمان بن محمد حدثنى أحمد بن عبد الله القرشى حدثنى محمد بن خلف قال سمعت إبراهيم بن عبد الله الصوفى يقول : سئل ذو النون عن سماع العظة الحسنة والنغمة الطيبة فقال: مزامير أنس فى مقاصير قدس بألحان توحيد فى رياض تمجيد، بمطربات الغوانى فى تلك المعانى المؤدية باهلها إلى النعيم الدائم فى مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم قال: هذا لهم الخبز، فكيف طعم النظر ؟. .* حدثنا عثمان بن محمد العثمانى ثنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأنصاري قال سمعت يوسف بن الحسن يقول قال ذو النون المصرى يوما وأتاه رجل فقال له: أوصنى . فقال: بم أوصيك ؟إن كنت ممن قد أيد منه فى علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دماء النبيين والمرسلين والصدقين وذلك خير لك من وصيتى لك . وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء . * حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر الدينورى ثنامحمد بن أحمد الشمشاطى قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائز على شاطئ نيل مصر إذا أذا بجارية عليها دباء شعث الكلال ، وإذا القلب منها متعلق بحب الجبار وهى منقطعة فى نيل مصر وهو يضطرب بأمواجه فبينا هى كذلك إذ نظرت إلى حوت ينساب بين الوجبتين فرمت بطرفها إلى السماء وبكت وأنشأت تقول : لك تفرد المتفردون فى الخلوات ولعظيم رجاء ما عندك سبح الحيتان فى البحور الزاخرات ولجلال هيبتك تصافقت الأمواج فى البحور المستفحلات ولمؤ الستك استأنست - ٣٥٥ - بك الوحوش فى الغلوات وبجودك وكرمك قصد إليك ياصاحب البروالمسامحات ثم ولت عنى وهى تقول : يامؤنس الأبرار فى خلواتهم * ياخير من حطت به النزال من نال حبك لا ينال تفجعا * القلب يعلم أن مايفنى محال ثم غابت عنى فلم أرها . فانصرفت وأنا حزين القلب ضعيف الرأى. * حدثنا عبد الله بن محمدثنا أبو بكر ثنا محمد بن أحمد قال سمعت ذا النون يقول : بينا أنا سائر بين جبال الشام إذا أنا بشيخ على تلعة من الأرض قد تساقطت حاجباه على عينيه كبرا ، فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد على السلام ثم أنشأ وهو يقول بصوت عليل: يامن دماه المذنبون فوجدوهقريبا، ويامن قصد إليه الزاهدون فوجدوه حبيبا ، ویامن استأنس به المجتهدون فوجدوه سريعا مجيبا . ثم أنشأ يقول: وله خصائص مصطفين لحبه * اختارهم فى سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه * فهم ودائع حكمة وبيان ثم صرخ صرخة فإذا هوميت . * حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن محمد قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عباداً فتقوا الحجب وعلوا النجب ، حتى كشف لهم الحجب فسمعوا كلام الرب . قال وسمعت ذا النون يقول: إن لله عباداً على الأرائك يسمعون كلام الله إذا كلم المحبين فى المشهد الأعلى لأنهم عبدوه سراً فأوصل إلى قلوبهم طرائف البر، عملوا ببعض ماعلموا ، فلما وقفوا فى الظلام بين يديه هدى قلوبهم إلى ما يعدون، فسرت ألبابهم لمعرفة الوقوف بين يديه . * حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال سمعت سعيد بن الحكم يقول سمعت ذا النون يقول : لكل قوم عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه من ذكر الله . * حدثنا محمد بن حمد مال سمعت أحمد بن عيسى يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول: سئل ذو النون : من أدوم الناس عناء ؟ قال: أسرؤم - ٣٥٦ - خلقا : قيل وما علامة سوء الخلق ؟ قال كثرة الخلاف . قال ومحمعت ذا النون يقول: سئل جعفر بن محمد عن السفلة فقال : من لايبالى ماقال ولا ما قيل فيه . * حدثنا محمد بن محمد ثنا أحمد بن عيسى ثنا سعيد بن الحكم قال سمعت ذا النون يقول: دخلت على متعبدة فقلت لها: كيف أصبحت ؟ قالت: أصبحت من الدنيا على فناء مبادرة للجهاز، متأهبة لهول يوم الجواز، أعترف لله على ما أنعم بتقصيرى عن شكرها، وأقر بضعفى عن إحصائها وشكرها ، قد غفلت القلوب عنه وهو منشئها، وأدبرت عنه النفوس وهو يناديها. فسبحانه ما أمهله للانام، مع تواتر الأيادى والانعام 17 قال: وسمعت ذا النون يقول : بينا أنا أسير فى بلاد الشام إذا أنا بعا بد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلى استقر بين تلك الأشجار ثم قال : أعوذ بك سيدى ممن يشغلنى عنك يامأوى العارفين ، وحبيب التوابين ، ومعين الصادقين . وغاية أمل المحبين. ثم صاح: واغماه من طول البكاء، واكرباه من طول المكث فى الدنيا ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه فلاشى ألذ عندهم من ذكره والحلوة بمناجاته . ثم مضى وهو يقول : قدوس قدوس قدوس . فناديته: أيها العابد قف لى. فوقف لى وهو يقول: اقطع عن قلبى كل علاقة ، واجعل شغله بك دون خلقك . فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو الله لى فقال : خفف الله عنك مؤن نصب السير إليه ودلك علىرضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة . ثم سعى من بين يدى كالهارب من السبع . * حدثنا عثمان بن محمد العثمانى ثنا محمد بن أحمد المذكر عن بعض أصحابه قال قال ذو النون لفتى من النساك : يافتى خذ لنفسك بسلاح الملامة واقمعها برد الظلامة ، تلبس غداً سرابيل السلامة، واقصرها فى روضة الامان وذوقها مضض فرائض الايمان، تظفر بنعيم الجنان . وجرعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر، حتى تكون تام الأمر. فقال له الفتى: وأى نفس تقوىعلى هذا ؟ فقال: نفس على الجوع صبرت، وفى سربال الظلام خطرت. نفس - ٣,٥٧- ابتاعت الآخرة بالدنيا بلا شرط ولائنيا . نفس تدرعت رهبانية القلق ، ورعت الدجا إلى واضح القلق ، فما ظنك بنفس فى وادى الحنادس سلكت، ومجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت ، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفى ظلم الدياجى سهرت، فهى بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها فى ظلم الدجا •شتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش . هذه نفس خدوم حملت اليوم القدوم ، وكل ذلك بتوفيق الحى القيوم . * حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادى ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال قلت لذى النون: صف لنا من خيار من رأيت. فذرفت عيناه وقال : وكبنا مرة فى البحر نريدجدة، ومعنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة، قد ألبس ثوبا من الهيبة . فكنت أحب أن أكلمه فلم أستطع. بينما نراه قارئًا، وبينما تراه صائما وبينما تراه مسبحاً. إلى أن رقد ذات يوم ، ووقعت فى المركب تهمة جعل الناس يفتش بعضهم بعضا إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلى من هذا الفتى النائم . فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته فما كان حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات ثم قال: يا فتى ما تشاء ؟ فقلت: إن نهمة وقعت فى المركب وإن الناس قد فتش بعضهم بعضا حتى بلغوا إليك . فالتفت إلى صاحب الصرة وقال: أ كما يقول؟ فقال: نعم! لم يكن أحد أقرب إلى منك. فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه وخيل إلينا أن كل حوت فى البحر قد خرج فى فم كل حوت درة فقام الفتى إلى جوهرة فى فى حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال : فى هذه عوض مما ذهب منك وأنت فى حل . * حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمد بن حمدان ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشى قال سمعت أبا الفيض ذا النون يقول: إلهى من ذا الذى ذاق طعم حلاوة مناجاتك فألهاه شئ عن طاعتك ومرضاتك - ٣٥٨ - م من ذا الذى ضمنت له النصر فى دنياه وآخرته فاستنصر بمن هو مثله فى عجزه وفاققه أم مر ذا الذی تكفلت له بالرزق فى سقمه وصحته فاسترزق غيرك بمعصيتك فى طاعته ؟ أم من ذا الذى عرفته آثامه فلم يحتمل خوفامنك مؤونة فطامه ؟ أم من ذا الذى أطلعته على ما لديك ثم انقطع إليك من كرامته فأعرض عنك صفحا إخلاداً إلى الدعة فى طلب راحته؟ من ذا الذى عرف دنياه وآخرته فاتر الفانى على الباقى لحقه وجهالته، أم من ذا الذى شرب الصافى من كأس محبتك فلم يستبشر بقوارع محنتك، أم من ذا الذى عرف حسن اختيارك الخلقك فى قدرتك فلم يرض بذلك أم من ذا الذى عرف علمك بسره وعلانيته وقدرتك على تفمه وضره فلم يكتف بك عن علم غيرك به ولم يستغن بك عن قدرة عاجز مثله . حدثنا أبى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يدعو : اللهم متع أبصارنا بالجولان فى جلالك ، و سهرنا هما نامت عنه عيون الغافلين ، واجعل قلوبنا معقودة بسلاسل النور، وعلقها بأطناب التفكر، ونزه أبصارنا عن سر مواقف المتحيرين، وأطلقنا من الأسر لنجول فى خدمتك مع الجوالين ، اللهم اجعلنا من الذين استعملوا ذكر قطع اللذات ، وخالفوا متاع الغرة بواضحات المعرفة . اللهم اجعلنا من الذين لخدمتك فى أقطار الأرض لهم طلابا، وخصائص أصفيائك أصحابا، وللمريدين المعتكفين ببابك أحيابا. اللهم اجعلنا من الذين غسلوا أوعية الجهل بصفو ماء الحياة فى مسالك النعيم حتى جالت فى مجالس الذكر مع وطوبة ألسنة الذاكرين. اللهم اجعلنامن الذين وقعوا فى زهرة ربيع الفهم حتى تسامت أسفية الفكرة فوق سمو السمو حتى تسامى بهم نحو مسام العلويين براحات القلوب، ومستنيطات عيون الغيوب بطول استغفار الوجوه فى محاريب قدس رهبانية الخاشعين حتى لاذت أبصار القلوب بجواهر السماء وعبرت أفنية النواحين من مصاف الكروبين ومجالسة الروحانيين فتوهموا أن قد قرب احتراق بالقلوب عند إرسال الفكرة فى مواقع الأحزان بين يديك - ٣٥٩ - فأحرقت نار الخشية بصائر مناقب الشهوات من قلوبهم وسكنت خوافى ضلوع مضايق الغفلات من صدورهم ، فأنبت ذكر الصلوات رقاد قلوبهم . * حدثنا عثمان بن محمد العثمانى قال: قرأ على أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازى قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول : بالعقول يجتنى ثمر القلوب، وبحسن الصوت تستمال أعنة الأبصار، وبالتوفيق تنال الحظوة وبصحبة الصالحين تطيب الحياة . والخير مجموع فى القرين الصالح، إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أمانك . * حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: حرم الله الزيادة فى الدين، والالهام فى القلب، والفراسة فى الخلق على ثلاثة نفر : على بخيل بدنياه، وسخى بدينه ، وسئ' الخلق مع الله . فقال له رجل : بخيل بالدنيا عرفناه، وسخى بدينه عرفناه، صف لناسئ الخلق مع الله. قال: يقضى الله قضاء ومضى قدراً وينفذ علما ويختار لخلقه أمراً فترى صاحب سوء الخلق مع الله مضطرباً فى ذلك كله غير راض به ، دائما شكواه من الله إلى خلقه فما ظنك . * حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قلت لذى النون: دلنى على الطريق الذى يؤدينى اليه من ذكره. فقال: من أنس بالخلوة فقد استمكن من بساط الفراغ، ومن غيب عن ملاحظة نفسه فقد استمكن من مقاعد الاخلاص، ومن كان حظه من الأشياء هواه لم يبال مافاته ممن هو دونه، ثم قال: المتضع يبدى غير الذى هو به، والصادق لايبالى على أى جنب وقع. قال: وسمعت ذا النون يقول: العارف متلوث الظاهر صافى الباطن. والزاهد صافى الظاهر متلوث الباطن . قال: وسمعت ذا النون يقول: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكمامانه خاف الله ، فاذا خاف الله تولدت من الخوف هيبة الله فاذا سكن درجة الهيبة دامت طاعته لربه فاذا أطاع تولدت من الطاعة الرجاء فاذا سكن درجة الرجاء تولدت من الرجاء المحبة ، فاذا استحكمت معانى المحبة فى قلبه سكن بعدها درجة الشوق فاذا - ٣٦٠ - اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله فاذا أنس بالله اطمأن إلى الله فاذا اطمأن إلى الله كان ليله فى نعيم ، ونهاره فى نعيم ، وسره فى نعيم ، وعلانيته فى نعيم . * حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر الدينورى ثنا محمد بن أحمد الشمشاطى . قال سمعت ذا النون المصرى يقول: إن لله عباداً أسكنهم دار السلام فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام ، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش وقاموا جوفه الظلام، وطلبوا الحور الحسان من الحى الذى لا ينام. فلم يزالوا فى نهارهم صياما، وفى ليلهم قياما ، حتى أتاهم ملك الموت عليه السلام. * حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أحمد بن عيسى الوشاء ثنا سعيدبن الحكم. قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير فى بعض سياحتى فاذا أنا بصوت حزين كئيب موجع القلب - أسمع الصوت ولا أرى الشخص - وهو يقول: سبحان مفنى الدهور ، سبحان مخرب الدنيا ، سبحان مميت القلوب ، سبحان باعث من فى القبور. فاتبعت الصوت فإذا أنا بنقب، وإذا الصوت خارج من النقب وهو يقول: سبحان من لا يسع الخلق إلا سره ، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك وأوناك بعهدك، سبحانك ما أحلك عمن عصاك وخالف أمرك. ثم قال : سيدى بحلك نطقت، وبفضلك تكلمت ، وما أنا والكلام بين يديه ما لا یستأهله قدری ، فیا إله من مضى قبلى ، ویا إله من يكون بعدى بالصالحين فألحقنى، ولأعمالهم فوفقنى . ثم قال: أين الزهاد والعباد ؟ أين الذین شدوا مطایاهم إلى منازل معروفة ، وأهمال موصوفة، نزل بهم الزمان فأبلاهم، وحل بهم البلاء فأفناهم ، فهل أنتظر إلا مثل الذى حل بهم. ثم أقبل على ما كان فيه . فقات: رجل غرقت نفسه عن كلام الناس فانصرفت وتركته باكيا . * حدثنا أبى ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان . قال سمعت ذا النون يقول: أشد المريدين تفاقا من حظ لحظة أو أفاق بكلمة بلا حجة استبانها فيما بينه وبين ربه، ثم سئل عن الحجة فعبر عن نفسه بحجة كان قبل