النص المفهرس

صفحات 281-300

- ٢٨١ -
مطمئنة إليها أنفس المتقين، والهة عليها أبصار المتفكرين، قنعة بها قلوب
المستبصرين ، متناهية إليها أوهام المتوهمين ، ساكنة اليها فكر الناظرين،
مستبشرة بها اخلاص الصديقين كلمة خف على القلوب محملها ، ولان على
الجوارح ملفظها ، وسلس على الألسن تردادها ، وعذب على اللهوات مقالتها
وبرد على الأكباد لذاذتها .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان وأبو بكر قالوا: ثنا إبراهيم بن محمد
ابن الحسن قال: قرأت على عبد العزيز بن محمد بن المختار الدمشقى عن أحمد
ابن عاصم أنه قال : احذر هذا الوعيد وخذ فى المحاسبة ، واعقل درجتك ولا
تزهو عند الخلائق بكثرة تقياتك ، وجوهرك جوهر الفضائح وسيماك سيما
الأبرار، واستح من الله عز وجل فى تضييعك من قبل أن لاتستحييك الخزنة
من المبالغة فى عذابك ، فان خزنة جهنم تغضب الله عز وجل عليك مالا تغضب
أنت لله على نفسك فى معصيتك اياه ، فاستح من قبولك من نفسك دعواها
الصدق ، وقد افتضحت عندك، وبان جوهرها من خالص ضميرها بإيثارها
محجة الكذب على محجة الصدق وليصح عداوتك اياها ، وليكن لك فى الحق
حظ ونصيب كامل ، باقرارك الله عليها بكذبها ، وكن سخين العين على ما ظهر
لك منها، ولتكن عندك فى عداد المستدرجين ، واجرها فى ميزان الكذابين
فانه حكى عن عزير أنه قال: اله البرية! انى لأعد نفسى مع انفس الكذابين
الظالمين، وروحى مع ارواح الملكى، وبدنى مع ابدان المعذبين .
* حدثنا اسحاق بن احمد بن على ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا احمد بن
ابى الحوارى ثنا أحمد بن عاصم ابو عبد الله الأنطا كى . قال : اذا صارت
المعاملة الى القلب استراحت الجوارح .
* حدثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا احمد بن ابى
الحوارى ثنا أحمد بن عاصم . قال: هذه غنيمة باردة، أصلح فيما بقى يغفر
لك فيما مضى .
* حدثنا اسحاق ثنا إبراهيم ثنا أحمد ثنا أحمد بن عاصم قال قال فضيل

- ٢٨٢ -
ابن عياض لابنه على: يابنى ! لعلك ترى أنك مطيع؟ لصرصر بن صراصر
الحش الموع لله منك .. يعنى بالصرصر الذى يصيح بالليل.
* حدثنا اسحاق ثنا إبراهيم ثنا احمد قال: سمعت ابا عبد الله الأنطاكى
يقول: ما اغبط أحداً الا من عرف مولاه، وأشتهى ان لاأموت حتى أعرفه
معرفة العارفين الذين يستحيونه ، لا معرفة التصديق .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين
ثنا موسى بن عمران بن موسى الطرسوسي ثنا احمد بن أبى الحوارى . قال
سمعت احمد بن ماصم يقول: احب ان لاأموت حتى أعرف مولاى . وقال لى :
يا أبا احمد : ليس المعرفة الاقرار به، ولكن المعرفة التى إذا عرفت استحييت .
* حدثنا أبى وابو محمد قالا : ثنا إبراهيم ثنا حمران بن موسى ثنا احمد
ابن ابى الحوارى قال سمعت احمد بن عاصم يقول : الخير كله فى حرفين .
قلت: وماهما ؟ قال : تزوى عنك الدنيا، ويمن عليك بالقنوع ويصرف عنك
وجوه الناس ، ويمن عليك بالرضى .
* حدثنا اسحاق بن احمدثنا إبراهيم بن يوسف ثنا احمد بن أبى الحوارى
قال سمعت أبا عبد الله الانطا كى يقول: ليس شيء خيراً من ان لا تمتحن
بالدنيا - اى لا تتعرض لها ..
* سمعت أبى يقول سمعت خالى عثمان بن محمد بن يوسف يقول سمعت أبى
يقول: قال أحمد بن عاصم الانطا كى : أنفع اليقين ماعظم فى عينك مابه قد
أيقنت ، وصغر فى عينك ما دون ذلك ، وأثبت الخوف ما حجزك عن المعاصى،
وأطال منك الحزن على ما قد فات ، وألزمك الفكر فى بقية عمرك وخاتمة
أمرك. وأنفع الرجاء ما سهل عليك العمل لادراك ما ترجو، وألزم الحق
إنصافك الناس من نفسك ، وقبولك الحق ممن هودونك . وأتفع الصدق
ان تقر لله بعيوب نفسك ، وأنفع الاخلاص مانفى عنك الرياء والتزين واتفع
الحياء ان تستحى ان تسأله ما تحب وتأنى ما يكره. واتفع الشكر ان تعرف
منه ما ستر عليك من مساويك فلم يطلع أحداً من المخلوقين عليك .

- ٢٨٣ -
* سمعت ابى يقول سمعت عثمان بن محمد بن يوسف يقول سمعت ابى
يقول قال احمد بن عاصم الأنطاكى: اتفع الصدق مانفى عنك الكذب فى مواطن
الصدق . وانفع التوكل ما وثقت بضمانه واحسنت طلبته. وانفع الغنى ما نفى
عنك الفقر وخوف الفقر . وانفع الفقر ماكنت فيه متجملا وبه راضيا. وانفع
الحزم ما طرحت به التسويف للعمل عند إمكان الفرصة وانتهاز البغية فى
ايام المهلة ، وعند غفلة أهل الغرة . وانفع الصبر ماقواك على خلاف هواك
ولم يجد الجزع فيك مساغا. وانفع الأعمال ما سلمت من آفاتها وكانت منك
مقبولة. وانفع الاناءة والتؤدة حسن التدبير والفكر والنظر امام العمل
فانهما يفيدان المعرفة بثواب العمل ، فيحتمل للنواب مؤنة العمل ويغبط يوم
المجازاة. وانفع العمل ماضر جهله وازداد بمعرفته وجعا، وكنت به عاملا.
وانفع التواضع ما ذهب عنك الكبر، وامت عنك الغضب . وانفع الكلام
ماوافق الحق . وأنفع الصمت ماصمت هما إذا نطقت به عظمت فعشت ، وأضر
الكلام ما كان الصمت خيراً لك منه ، وألزم الحق أن تلزم نفسك بأداء ما ألزمها
الله تعالى من حقه ، وان كان فى ذلك خلاف هواك . وتلزم والديك وولدك
ثم الأقرب فالأقرب فألزمهم من الحق وان كان فى ذلك خلاف هواك وخلاف
أهوائهم . وأتفع العلم مارد عنك الجهل والسفه . وأنفع الاياس ما أمات منك
الطمع من المخلوقين . فانه مفتاح الذل واختلاس العقل، واخلاق المروءات
وتدنيس العرض ، وذهاب العلم، وردك الى الاعتصام بربك والتوكل عليه .
وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردها إلى قبول الحق. وأوجب الأعداء
مجاهدة أقربهم منك دنواً، وأخفاهم عنك شخصا وأعظمهم لك عداوة ، مع
دنوه منك، ومن يحرض جميع أعدائك عليك. وهو إبليس الموكل بوسواس
القلوب ، فله فلتشتد عداوتك ولا تكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك!
على صبرك على مجاهدته ليخافك فانه أضعف منك ركنا فى قوته ، وأقل ضرراً
فى كثرة شره، اذا أنت اعتصمت بالله. وأضر المعاصى عليك إهمالك الطاعات
بالجهل، لأن إحمالك المعاصى لا ترجو لها ثوابا، بل تخاف عليها عقابا،

- ٢٨٤ -
وإعمالك الطاعات بالجهل فاسدة تلتمس لها ، وقد استوجبت لها عقابا، فكم
بين ذنب يخاف فيه العقوبة والخوف طاعة ، وبين ذنب أنت فيه آمن من
العقوبة ؟ والامن من معصية .
قلت: فما تقول فى المشاورة ؟ قال: لا تثقن فيها بغير الأمين . قلت : فما
تقول فى المشورة ! قال: انظر فيها لنفسك بدءاً كيف تسلم من كلامك ، فاذا
كنت كذلك ألهمت رشدك فتتقى وتوثق. قلت فما ترى فى الأنس بالناس؟
قال: ان وجدت عاقلا مأموناً فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع.
قلت فما افضل ما اتقرب به الى الله عز وجل؟ قال: ترك معاصيه الباطنة. قلت
فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة
والباطنة. قلت: فما اضر المعاصى؟ قال: ما لا تعلم انها معصية، واضرمنها
ما ظننت انها طاعة وهى لله معصية. قلت : فأى المعاصى انفع لى ؟ قال: ما
جعلتها نصب عينيك فأطلت البكاء عليها إلى مفارقتك الدنيا ثم لم تعد فى
مثلها، وذلك التوبة النصوح . قلت : فما أضر الطاعات لى ؟ قال : مانسيت بها
مساويك وجعلتها نصب عينيك)) إدلالا بها وأمنا، واغتراراً منك من خوف
ماقد جنيت، وذلك للعجب . قلت : فأى المواضع أخفى لشخصى ؟ قال
صومعتك وداخل بيتك . قلت: فان لم أسلم فى بيتى ؟ قال: ففى المواضع التى
لم تلحق بك شهوة وتحيط بك فتنة. قلت: فما أنفع لطف الله لى ؟ قال إذا
عصمك من معاصيه، ووفقك لطاعته . قلت هذا مجمل ، أعطنى تفسيراً
أوضح منه. قال: نعم ! إذا أعانك بثلاث: عقل يكفيك مؤنة هواك، وعلم
يكفيك جهلك ، وغنى يذهب عنك خوف الفقر .
* حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال قرأت على
عبد العزيز بن محمد قال سمعت الأنطا كى يقول : أما بعد فان أهل الطاعة قد
قدموا بين يدى الأعمال لطيف المعرفة بالأسباب التى يستديمون بها صالح
الأعمال ، ويسهل عليهم مأخذه، وصيروا أعمالهم فى الدنيا يوماً واحداً وليلة
واحدة ، كلما مضت استأنفوا النية وطلبوا من أنفسهم حسن الصحبة ليومهم

- ٢٨٥ -
وليلتهم. فكلما مضى عنهم يوم وليلة راقبوا أنفسهم فيها على جميل الطاعة
كان عندهم غنما، وذكروا اليوم الماضى فسروا به، وصبروا أنفسهم فيها على
المستقبل لانقضاء الأجل فيه أو فى ليلته فأطرحوا شغل القلب بانقضاء تذكر
غد، وأعملوا أبدانهم وجوارحهم، وفرغوا له قلوبهم، فقصرت عندهم الآمال،
وقربت منهم الآجال ، وتباعدت أسباب وساوس الدنيا من قلوبهم، وعظم
شغل الآخرة فى صدورهم، ونظروا إلى الآخرة بعين بصيرة ، وتقربوا إلى الله
عز وجل بأعمال زاكية واستقامت لهم السيرة حتى وجدوا حلاوة الطاعة فى
الدنيا حين ساعدتهم الزيادة فى التقوى ، فقرت بالخوف أعينهم، وتنعموا
بالحزن فى عبادتهم، حتى نحلت أجسامهم، وبليت أجسادهم، ويبست على
عظامهم جلودهم ، وقل مع المخلوقين كلامهم، وتلذذوا بمناجاة خالقهم. فقلوبهم
بملكوت السموات متعلقة، وذكرهم بأهوال القيامة مقبلة مديرة ، أبدانهم
بين المخلوقين عارية فعموا عن الدنيا ، وصموا عنها وعن أهلها ومافيها، وضح
لهم أمر الآخرة حتى كأنهم ينظرون إليها، فتخلص إلى ذلك قوم من طريق
الاجتهاد لتذل لهم الأنفس، وتخضع لهم الجوارح . فاجتهد قوم فى الصلاة
لدوام الخشوع عليهم. واجتهد قوم فى الصوم لهدو الجوارح عنهم. واجتهد
قوم فى ترك الشهوات وطلب الفوز، وذلك من رياضه الأنفس حتى أفضوا
بالأنفس الى الجوع وتحول الجسم .
* حدثنا أبى ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال قرأت على عبد العزيز
ابن محمد عن أبى عبد الله الانطاكى قال: ان الحكماء نظروا الى الدنيا بعين القلا
إذ صح عندهم ان شهوات الدنيا تفسد عليهم حكمتهم، ونظروا إلى الآخرة
باعين قلوبهم فصيروا الدنيا عندهم معبراً يجوزون عليها ، لاحاجة لهما فى
الاقامة فيها ، والآخرة منزلا لا يريدون بها بدلا، ولا عنها حولا. فسرحت
أحوالهم فى ملكوت السماء، واتخذوا للمكروه فى جنب الله تعالى جنة،
حهمومهم فى قلوبهم ، وقلوبهم عند ربهم. نظروا بأعين القلوب واستربحوا
دلالات العقول على جلب الهدى ، نظروا بأعين قلوبهم إلى الآخرة

- ٢٨٦ -
فأيقنوا واستبضروا. ونظروا باعين الوجوه الى الدنيا فاعتبروا وانزجروا،
فاستصغروا ما أحاطت به اعين الوجوه من الدنيا، واستعظموا ما احاطت به
عين القلوب من ملك الآخرة .
* حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال قرأت
على عبد العزيز بن محمد الدمشقى عن احمد بن عاصم الأنطا كى قال: إنى
أدركت من الأزمنة زمانا عاد فيه الاسلام غريبا كما بدأ، وعاد وصف الحق
فيه غريبا كما بدا، إن نزعت فيه الى عالم وجدته مفتونا بالدنيا بحب التعظيم
والرياسة ، وان نزعت الى عابد وجدته جاهلا فى عبادته، مجذوعاً صريع
عدوه إبليس قد صعد به الى اعلى سطح فى العبادة وهو جاهل بأدناها،
فكيف له بأعلاها؟ وسائر ذلك من الرعاع فقبيح أعوج، وذئاب مختلسة،
وسماع ضارية، وأمالب جارية . هذا وصف عيون مثلك فى زمانك من
حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة، وذلك أنى لست ارى عالما الا مغلوبا على
عقله، بعيداً غور فطنته لمضرته لأمور دنياه متبعا هواه ، معجباً برأيه ،
شحيحا على دنياه، منمحا بدينه، متعزماً بمذموم القضاء معانقا لهواه فيما
يرضى، غير منتقل هما يكره الله تعالى منه بل مستزيداً من انواع الفتنة والبلاء،
محتملا شقاء الدنيا بالشهوة ، قاسيا قلبه ، عظيما غفلته عما خلق له، مستبطئا
لما يدعى مما قد ضمن له، غير واثق بالله ، مفقود منه خوف ما قد استوجب
بة النار ، معترض للموت فيما يستقبل ، مشغوف بدنياه، غافل عن آخرته ،
عاشق للذهب والفضة، زاهد فيما ندب اليه من الشوق . فكما انه ضعف
يقينه فيما يتشوق اليه كذلك كان أمنه عند الوعيد ، فعندها كان ناسيا لذنوبه
ذاكرا محاسنه قد صيرها نصب عينيه ، وآ ثامه تحت قدميه ، داخلا فيما
لا يعنيه، مشغوفا بالدنيا لا يقنعه قليلها ولا يشبعه كثيرها، ولا يسمى ولا يكدح
الا لها ، ولا يفرح ولا يتزين الا لها، ولا يرضى ويسخط الا لها، راض بحظه
بقليل حفظه المتروك النتقل عنه، من كثير حظه من آخرته، بل راض بحظه
من المخلوقين من حظه من خالقه، خائف من فقر بدأ به، آمن من معاص قد

- ٢٨٧ -
قدمها، وعقوبات قد استحقها، متزين للخلائق بما يسقطه عند خالقه، مؤيس
منه غير موثوق به . متحرزون يتزينون بالكلام فى المجالس ، يتكبرون فى
مواطن الغضب، عند خلاف الهوى ذئاب ، اقران عند ممارسة الدنيا طلس
دجر جرائزة. فالطمع الكاذب يستميله، والهوى المردى بخلق مروءته
ويسلبه نور اسلامه، ولم يكن على حقيقة خوف فنزع به الامتحان إلى جوهره
وطباعه ، والله المستعان .
فتعقل الآن وصف من هذا؟ وصف عيون ملتك فى زمانك فاعتبروا
يا أولى الأبصار. واتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا ولهم أوجب
النواب ثم نبههم لعظم المنةفى قسم العقول، ولم يعذر بالتقصير من ضيع شكره
وآثر هواه . ذلك بأن الله تعالى خلق الهوى نجعله صداً للعقل، وجعل للعقل
شكلا وهو العلم، والهوى والباطل شكلان مؤتلفان قرينان يدعوان إلى
مذموم العواقب للدنيا والآخرة، هيهات يا أهل العقول من الذى يحظر على
الله عزوجل مواهبه؟ ومن الذى يمنحه الله تعالى منحة فيجب عنه ومن الذى
يمنعه الله عز وجل شيئا فيوجد عنده؟ هل للعباد إلى الله تعالى من حاجة بعد
تركيب جوارحهم ? الخير للثواب، والشر للعقاب. حركات الخير والشر من
الطاعات و المعاصى ، نخلق سبحانه هذه الأسباب بلا شرح ترجمة منا جعلها
بقدرته أضداداً ، ولم يدع مستغلقا إلا جعل له مفتاحا، ولا شكلا الا جعل
عليه تبيانا واضحا . فلا اله الا الذى خلق للخير أسباباً لا يستطيع العباد أن
يصلوا الى شىء من أعمال الخير الا بتلك الأسباب، وهى حاجزة عن المعاصى
اذا أسكنها الله تعالى قلب من أحبه واستعمله به .
* حدثنا أبى قال سمعت عثمان بن محمد يقول سمعت أبا محمد بن يوسف
يقول قال أبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكى : استكثر من الله عز وجل
لنفسك قليل الرزق تخلصا الى الشكر، واستقلل من نفسك لله كغير الطاعة
ازدراء على النفس وتعرضاً للعفو، وارفع عنك حاضراً ليس بحاضر العلم
بخالص العمل، وتحرز فى خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ، واستجلب

- ٢٨٨ -
شدة التيقظ بشدة الخوف، واحذر خفى التزين بحاضر الحياء ، والق مجازفة
الهوى بدلالة العقل ، وقف عند غلبته عليك لاسترشاد العلم، واستبق خالص
الاعمال ليوم الجزاء، وانزل بساحة القناعة باتقاء الحرص ، وارفع عظيم الحرص
بإيثار القناعة ، واستجلب حلاوة الزهد بقصر الامل ، واقطع أسباب الطمع
بصحة الاياس، وتخلص الى راحة القلب بصحة التفويض، واطف نار الطمع
بيرد الاياس، وسد سبيل العجب بمعرفة النفس ، واطلب راحة البدن باحمام
القلب، وتخلص الى اجمام القلب بقلة الخلطأ وترك الطلب، وتعرض لرقة
القلب بدوام مجالسة أهل الذكر من أهل العقول ، واستجلب نور القلب
بدوام الحزن ، واستفتح باب الحزن بطول الفكر ، والتمس وجود الفكر فى
مواطن الخلوات وتحرز من إبليس بالخوف الصادق بمخالفة هواك ، واياك
والرجاء الكاذب فانه يوقعك فى الخوف الكاذب ، وامزج الرجا الصادق بالخوف
الصادق، وتزين لله بالصدق فى الاعمال، وتحبب اليه بتعجيل الانتقال،
واياك والتسويف فانه بحر يغرق فيه الهلكى، وإياك والغفلة فمنها سواد
القلب، واياك والتوانى فيما لا عذر فيه فاليه ملجأ النادمين ، واسترجع
بسالف الذنوب شدة الندم وكثرة الاستغفار، وتعرض لعفو الله بحسن
المراجعة، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء والمناجاة ، وتخلص الى
عظيم الشكر باستكنار قليل الرزق واستقلال كثير الطاعة ، واستجلب زيادة
النعم بعظيم الشكر ، واستدم عظيم الشكر بخوف زوال النعم ، واطلب بها
العز باماتة الطمع ، وادفع ذل الطمع بعز الاياس ، واستجلب عزا لا ياس ببعد
الهمة ، واستعن على بعد الهمة بقصر الامل ، وبادر باتهاز البغية عند امكان
الفرصة بخوف فوات الامكان، ولا امكان كالايام الخالية مع صحة الابدان ،
واحذرك سوف فان دونه ما يقطع بك عن بغيتك واياك والثقة بغير المأمون
فان للشر ضراوة كضراوة الغذاء ولا عمل كطلب السلامة ولا سلامة كسلامة
القلب ، ولا عقل كمخالفة الهوى ، ولا عز كعزاليأس ، ولا خوفكخوف حاجز
ولا رجاء كرجاء معين ولا فقر كفقر القلب ولاغنى كغنى النفس ولاقوة كغلبة

- ٢٨٩ -
الهوى ولا نور كنور اليقين ولا يقين كاستصغارك الدنيا ولا معرفة كمعرفة
نفسك ولا نعمة كالعافية ولا عافية كمساعدة التوفيق ولا شرف كبعد الهمة
ولا زهد كقصر الأمل ولا حرص كالمنافسة فى الدرجات ولاعدل كالانصاف
ولا تعتدى كالجور ولا جور كموافقة الهوى ولا طاعة كأداء الفرائض
ولامصيبة كعدم العقل، ولاعدم عقل كقلة اليقين ، ولا قلة يقين كفقدك
الخوف، ولافقدخوف كقلة الحزن على فقدك الخوف ، ولا مصيبة كاستهانتك
بذنبك ورضاك بالحالة التى أنت عليها ، ولا مشاهدة كاليقين، ولا فضيلة
كالجهاد، ولا جهاد كجاهدة هذه النفس، ولا غلبة كغلبة الهوى، ولاقوة
كرد الغضب، ولامعصية كحب البقاء، وإن حب الدنيا لمن حب البقاء، ولاذل
كالطمع. واياك والتفريط عند امكان الفرصة فانه ميدان يجرى لاهله بالحسرات
والعقول معادن للرأى، والعلم دلالة على اختيارعواقب الامور باقبال مواردها
وتصرف مصادرها، والتزين اسم لمعان ثلاثة: فمتزين بعلم، ومتزين بجهل،
ومتزين بترك التزين وهو اعمقها واحبها الى إبليس من العالم .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم من محمد بن الحسن ثنا
أحمد بن عبد العزيز بن محمد الأنطاكى قال سمعت أبا عبد الله الأنطاكى يقول :
إنى تبحرت العلوم وجربت الأصول وأدمت الفكر والهمت الاعتبار وعنيت
بالاذكار وطالعت الحكمة ودارست الموعظة وتدبرت القول بالمعقول وصرفت
المعانى بالذهن، فلم أجد من العلم علما ولا للصدر أشفى، ولا للهم أتقى،
ولا للقلب أحي ، ولا للخير اجلب ولا للشر اذهب ولا على القلب أغلب
ولا بالعبد أولى من علم معرفة المعبود وتوحيده والايمان واليقين بآخرته
ليصح الخوف من عقابه والرجاء لثوابه، والشكر على نعمه، والفكر ليست
لنا غاية، والالهام لانهاية له، وبدلالات العقول علمت العزم، وبقوة
العزم يقهر الهوى، وانما يوصل إلى حقائق الاخبار بالعناية والتفهم والتدبر،
فعند ذلك يصح الايقان وتصح الاعمال وإلا كانت اعمال الارتياب. ليس الملك
من تابع هواه ونال ملك الدنيا، بل الملك من ملك هواه واستصغر ملك الدنيا.
( ١٩ - حلية - تاسع)

- ٢٩٠ -
* حدثنا أبى وعبد الله بن محمد بن جعفر قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن
الحسين قال أخبر نى عبد العزيز بن محمد قال قال أبو عبد الله الانطاكى : عرض
الخلائق عارض من الهوى أقعد المريد وألهى العاقل فلا العاقل عرف داءه،
ولا المريد طلب دواءه. ومن استعصم بالله عصم ، ومن عصم حجب عن
المعاصى . ومن توقى وقى، ومن التمس العافية عوفى، ومن استسلم الى نفسه حجب
عن الطاعة وغلبه الهوى فسلك به سبيل الردى، واستحوذ عليه الشيطان فكان
من الغاوين . والمحروم من حرم السؤال، والسؤال مفتاح الاجابة والكريم
يعطى قبل السؤال، وأكثر منن الله على عبده قبل السؤال. استغن ممن عدل
عنك بوجهه وخل الطريق لمن لا يفيق، ولاتحجب النصح عن مستفيق واقصد
لقلبك قصد الطريق واحبس لسانك حبس المضيق، والق الصديق بوجه طليق،
وعامل الله بقلب سليم، وحاسب النفس بالحساب الدقيق .* مابال أعمال الآخرة
لاتبين فينا، وغلبنا بالسهو منا والغفلة والتقصير فيها، إنما وضح وصح أن
مطالبتنا الدنيا من تقصيرنا، ومطالبتنا آمال الآخرة فالا من نقصها وأول
درجات العلم الخوف من فوات الآمال ، ومن أعجب بعمل حرص أن يتمه،
ومن رأى ثوابه أحب أن يتقنه، ومن تآخى الحكمة شغل عما سواها،
ومن قرعينا بشئ لهج بذكره، والأقاويل محفوظة إلى يوم تلقاها، وكل نفس
رهينة بما قدمت يداها، والناس منقوصون مدخولون ، فالمستمع غائب،
والسائل متغيب ، والمجيب متكلف، أدنى الرضى يزيل أعمالهم، وأدنى
السخط يزيل كل إحسان عندهم والعجب بمحق العبادة ويزرى من العقل ،
وما وجدت فقراً أضر من الجهل ولا مالا أعدم من العقل والخوف يكسب
الورع ، واليقين يكسب الخوف ، وصحة التركيب من ذوى الألباب يكسب
اليقين والمشاورة تجغلب المظاهرة والتدبير دليل على عقل العاقل وصحة الورع
من علامات الخوف وحسن الخلق يجتلب كرم الحسب، وسوء الخلق من شأن
ذوى الأحساب ، ومن عقل أيقن، ومن أيقن خاف ومن خاف صبر ومن صبر
ورع، ومن ورع أمسك عن الشبهات و نفى الحرص . فعند ذلك دارت رحی

- ٢٩١ -
العبد بأعمال الطاعات لله. ومن سحق عقله ضعف يقينه ومن ضعف يقينه
فقد منه خوفه وظهر منه أمنه ومن ظهر منه أمنه كثرت غفلته ومن كثرت
منه غفلته قسا منه قلبه ومن قسا منه قلبه لم ينجح فيه موعظة وغلب عليه حب
دنياه وكثرت فيه أعمال آخرته بلا حقيقة خوف والله المستعان.
* حدثنا ابى قال سمعت عثمان بن محمد بن یوسف یقول سمعت ابى محمد
ابن يوسف يقول قال أحمد بن عاصم: كتب رجل إلى اخيه ((أما يعد فاطلب
ما يعنيك بترك مالا يعنيك فان فى ترك مالا يعنيك درك لما يعنيك)). قال :
وكتب رجل الى اخيه: ((أما بعد فالله الله اسمع احدثك عنه أنه لم يرفع
المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن بقدركرمه وجوده، ولم يفرح المحزونين
بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته، فما ظنك بالتواب الرحيم الذى
يتودد الى من يؤذى به فكيف بمن يؤذى فيه ؟ وما ظك بالنواب الرحيم
الكريم الذى يتوب على من يعاديه فكيف بمن يعادى فيه والذى يتفضل على
من يسخطه ويؤذيه فكيف بمن يترضاه ويختار سخط العباد فيه.
* حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن محمد بن موسى الانطاكى . قال
سمعت أبا عبد الله أحمد بن عاصم الالطا كى يقول: أشر مكنة الرجل البذاء
- وهو الوقيعة منه وهى الغيبة - وذلك أنه لا ينال بذلك منفعة فى الدنيا
ولا فى الآخرة بل يبغضه عليه والمتقون يهجره الغافلون، وتجتنبه الملائكه
وتفرح به الشياطين . ويقال إنها تفطر الصائم وتنقض الوضوء وتحبط الأعمال
وتوجب المقت. والغيبة والنميمة ، قريفتان مخرجهما من طريق البغى ، والمام
قاتل والمغتاب آكل الميتة، والباغى مستكبر ، ثلاثتهم واحد، وواحدم
ثلاثة، فاذا عود نفسه ذلك رفعه الى درجة البهتان فيصير مغتابا مباهتا كذا با
فإذا ثبت فيه الكذب والبهتان صار مجانبا للإيمان . قال أحمد بن عاصم : ولا
يكسب بالغيبة تعجيل ثناء ولا يبلغ به رئاسة ، ولا يصل به الى مزبة فى دنيا
من مطعم أو ملبس ولا مال، وهو عند العقلاء منقوص ، وعند العامة سفيه
وعند الامناء خائن، وعند الجهال مذموم. ولا يحتمله فى نقص الامن كان فى

- ٢٩٢ -
مثل حاله وما وجدت فى الشرنوعا اكثر منه ضرراً فى العاجل والآجل ولا أقل
نفعا ولا اظهرجهلا ولا اعظم وزراً من مكتسبيه يبغضه عليه المنقون، ويحذره
الفاسقون، ويهجره العاقلون. والغيبة اسم لثلاثة معان، ورابعها كبيرة
تذلت عيب غيرك فى القلب فتكره أن تتكلم به خوف مادية . والمعنى الثانى
أن تذكر باللسان وتكره أن تذكر اسم الرجل بعينه، والثالث معناه فى القلب
والعفو . وذكر الغيية باللسان فاما إظهارك اسم الرجل فالغيبة المصرحة التى
لم يبق صاحبها على نفسه ولا على جلسائه. فاذا صح ذلك فى العبد زقى منه إلى
درجة البهتان فذكر فيه ما ليس فيه، فصار مباهتا مغتابا عاماً كاذبا باغيا ،
لم يمتنع من خصلة من هذه الخصال التى ذكرتها ، وذلك كله مجانب لليقين ،
مثبت للشك . واعلم أن مخرج الغيبة من تزكية النفس ، ومن شدة رضى
صاحبها عن نفسه، وإنما اغتبته بما لم ترفيك مثله أو شكله، ولم يغتب بشىء
إلا ما احتملت لنفسك من العيب أكثر مما اغتبت إن كنت جاهلا بكثرة
عيوب نفسك، أو كنت عارفا بها، وإنما يقبلهامنك من هو مثلك، ولو علمت
أن فيك من النقصان أكثر مما تريد أن تنقص به لحجزك ذلك عن غيبة غيرك
ولا ستحييت أن تغتاب غيرك بما فيك من العيوب إذا عرفت وأنت مصر
عليها ، جرمك أعظم من جرم غيرك. وإنما يساعدك على القبول منك من هو
أعمى قلبا منك بمعرفة عيوب نفسه، ولو لا ذلك لما اجترأت على ذكر عيب
غيرك عنده . فاحذر الغيبة كما تحذر عظيم البلاء ، فان الغيبة إذا ثبتت فى القلب
وأذن صاحبها فى احتمالها بالرضى لسكونها حتى توسع لأخواتها معها فى
المسكن، وأخواتها: النميمة والبغى وسوء الظن والبهتان العظيم والكذب .
فاحذرها فنها مزرية فى الدنيا بصاحبها ومخزية له فى الآخرة. لأن الغيبة
حرام فى التنزيل ، فمن محت فيه الغيبة صح فيه الكذب والبهتان، وذلك
لأنهما مجانبان للإيمان ، لأن الله تعالى حرم من المؤمن على لسان نبيه صلى
الله عليه وسلم ماله ودمه ، وأن يظن به ظن السوء. وانما الظن فى القلب دون
الاظهار ، فكيف بمن يظهر ما فى القلب باللسان ما يعارض به عيب غيره بما

- ٢٩٣ -
یعرف من عيوب نفسه فهو رضی منه بعیوبها، فان همت النفس !عيوب غيرها
فردها إلى عيوب نفسك، لأنك إن لقيت عالماً ناصحاً فاستشرته فى أمر فى
أى المواضع أنزل وأسكن؟ قال: اذهب والق الله حيث ما كنت وأخل أمرك
قال : نجعلت أستزيده فلا يزيدنى .
* حدثنا إسحاق بن أحمد بن على ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبى
الحوارى ثنا أبو عبد الله الأنطاكى قال: كتب أخ لعبيد الله إلى يونس بن
عبيد: أما بعد ، يا أخى كيف انت وكيف حالك ؟ فكتب إليه يونس : سألتنى
عن حالى وأخبرك ان نفسى قد دات لى بصوم يوم بعيد الطرفين شديد الحر
ولن تذل لى بترك الكلام فيما لا يعنيه .
* حدثنا أحمد بن إسحاق تنا إبراهيم بن نائلة ثنا أحمد بن ابى الحوارى
قال سمعت ابا عبد الله الانطاكي يقول: اذا صارت العاملة الى القلب
ارتاحت الجوارح .
* حدثنا محمد بن جعفر المكتب ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ثنا ابو
حاتم ثنا احمد بن ابى الحوارى قال سمعت أبا عبد الله احمد بن عاصم الانطاكى
يقول: ما من عافية إلا وقد تقدمها عفو ، لولا العفو لجاءت البلية
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن
أخبرنا عبد العزيز بن محمد قال سمعت الانطاكى يقول: إنه من عرف المعبود
بخالص التوحيد وعظيم القدرة والسلطان، والملك والجبروت، والعدل وتظاهر
النعم، وجميل العفو والاحسان وكرم الصفح والتجاوز، والمن والعطاء،
وجميل افعاله - فعبده دون المخلوقين، وقنع بكفايته ، ورضى من عظيم عقا به
وأليم عذابه، اما بسبيل رجاء لعظيم ثوابه وجزيل جزائه ، واما على سبيل
شكر مكافأة لنعم جنابه وكريم ما به ، واما على سبيل محبة وشوق اليه لحسن
أياديه وجميل احسانه لتواتر نعمائه وعظيم عطائه . واما على سبيل حب من
جميل ستره وكريم صفحه من معرفة من يملك الضر والنفع والموت والحياة
والنشور بأن تخرج معرفة الله واخلاص توحيده من صحة التركيب وحجة

- ٢٩٤ -
العقود، وفضيلة الالهام فى الملكوت ودلالة العلم، ومساعدة التوفيق،
وعناية العبد بنفسه، والتدبير للاختبار، والفكر فى الاعتبار، وطن الأذكار
وغائص الفهم . وتفاذ معرفة الالهام فى الملكوت لمادل عليه التنزيل قوله
تعالى ( أولم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ')
ففيما ذكرنا آيات للموقنين من العقلاء، فقد ندب الله تعالى اولى الالباب
للتدبير والاعتبار بما ظهر من شواهد آثار قدرته ليستدلوابه على ربوبيته
وخالص توحيده ولطف صفعه، بأنه بارئ البرايا. وأما ما ندب إليه من الفكر
من بعد قوله تعالى: ( وفى الارض آيات الموقفين) قال: (وفى أنفسكم أفلا
قبصرون). فالاحوال ثلاثة: حالة محمودة، وحالتان مذمومتان. الحالة
المحمودة ما دخل إليه اللطف ودلك عليه العقل والعلم. والحالتان المذمومتان
الغفلة والامن .. والحواس خمس وسادسها الملك وهو القلب. فالحواس
المؤدية للاخبار ، فعلى قدر ماادت الحواس من الاخبار يكون تدبير الملك
ومن خاف ضرر أحوال الغفلة من قلبه اكثر التفقد من قلبه، ومن عرض
احواله على عقله لم تكذبه صحة النظر ، ومن قدم النظر امام البصر أفاده النظر
بصراً . قلت: وما معنى النظر؟ قال: تدبر الخير إذا ورد، ومعرفته إذا
صدر . قلت: فإذا أفاده النظر بصراً يكون ماذا ؟ قال: يصبح بالنظر بصيراً
فيوضح له البصر اليقين بمحمود العواقب ، فيحتمل لذلك مؤونة العمل قبل
ابتغاء الثواب. وعلى العاقل أن يوقف نفسه على ما يؤمل، ويستجرها فى
يومها ويبصرها ما يرتجيه فى غده . فعند ذلك تلقى إليه نفسه معاذبر العجز
عندما صدقها العبد. فالحليم لا يخدع والعاقل لا يغش نفسه ومن فكر ألهم،
ومن ألهم استحكم الأمور والعقل، وفى العناية هم ، وفى الفرح تحصيل الأعمال
وسرور الأبرار ، ولكل شرمظان يعقب فيه السرور عنده أو الهموم ، باغفال
الحذر تصاب المقاتل ، ومن أمكن عدوه بسلاح نفسه قتل، ففطرت النفوس
على قبول الحق فعارضها الهوى فاستالها فآ ثرت الحق بالدعوى وآثرت اهما لها
بالهوى . لا يستحق المأمول بالشك. وانما يوصل إلى فهم المعرفة أجناسها، كما

- ٢٩٥ -
يصل التاجر إلى أرباح الثياب بمعرفة أصنافها، وبقوة العزم يقهر الهوى،
ولا يصل الى الشىء بضده، ولا يكون من ترك الشئ أخذه، على قدر اليقين
يتعطل ويضمحل الشك ، وبأدنى الشك يضمحل اليقين، واستقر منار الهدى
بالأنبياء وقامت حجج الله عز وجل بأولى العقول، فآخذ بحظه ومضيع لنفسه
فلا حمد لآخذ، ولا عذر لتارك حجة الله على خلقه وأنبيائه عليهم الصلاة
والسلام كتابه .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال
قرأت على عبد العزيز بن محمد عن الانطاكى قال: اعلم أن الجاهل من قل صبره
على علاج عدوه لنجاته بل ساعد عدوه على مجاهدته ، فذلك أهل أن يضحك
به الضاحكون ، والكلام كثير موجود، وجوهره عزيز مفقود ، فان العلم
الكثير الذى يحتاج منه القليل، والأعمال كثيرة والصدق فى الاعمال قليل .
والاشجار كثيرة وطيب ثمرتها قليل، والبشر كثير وأهل العقول قليل،
فاستدرك ماقد فات ما بقی واستصلح ماقد فسد فیما بقى او وضح ، وبادر فى
مهلتك قبل الأخذ بالكظم، واعد الجواب قبل المسألة فقد وجدتك تعد
الجوابات لحكام الدنيا قبل مسألتهم إياك، فماذا أعددت من الجوابات لحكم
السماء من صدق الجوابات وتقدم فى الاجتهاد لتدفع به خطر الاعتذار فانك
عسيت لا يقبل منك المعذرة مع إحاطة الحجج بك وشهادات العلم عليك واعتراف
العقول بالاستهانة لمن لابد لك من لقائه، فاحذر من قبل أن يجافيك الامر على
عظم غفلتك فيفونك إصلاح ما قد فات مع محموم الدنيا ماهو آت من قبل
الاياس منك عند انقطاع الأجل والأخذ بالكظم مع زوال النعم حين لا يوصل
إلا إلى الندامة فيالها من حسرة إن عقلت الحسرة، ويالها من موعظة لو
صادفت من القلوب حياة. وأنا موصيك ونفسى من بعد بوصية إن قبات عشت
فى الدنيا حكيما مؤدبافيها ليا، وخرجت من الدنيا فقيرا مغتبطافيها مغبوط!
وفى الآخرة متوجها ملكا.
* حدثنا أبى تنا عباس بن حمزة ثنا أحمد بن أبى الحوارى قال سمعت أبا

- ٢٩٩ -
عبد الله الأنطاكى يقول : كفى بالعبد عاراً أن يدعى دعوة ثم لا يحققها بفعله
أو يجعل لغیر ربه من قلبه نصيبا ، أو يستوحش مع ذكره حتى يربد به بدلا
ينبغى- للعبد أن يشتغل بتصحيح ضميره، ويعلم مع معاملته وما يطلب وممن
يهرب فانه إذا عرف ذلك طلب من نفسه الحقائق ولم يلق ربه كالعبد الآبق.
* حدثنا عثمان بن محمد العثمانى تنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادى تنا
محمد بن أحمد البغدادى قال أنشدنى عبد الله بن القاسم القرشى قال : أنشدنى
أحمد بن عاصم الأنطاكى لنفسه : .
ألم تر أن النفس يرديك شرها « وأنك مأخوذ بما كنت ساعيا
فمن ذا يريد اليوم للنفس حكمة * وعلما يزيد العقل للصدر شافيا
هلم إلى الآن إن كنت طالبا « سبيل هدى أوكنت للحق باغيا
فعندى من الأنباء علم مجرب * فمنه بالهام ومنه سماعيا
أخبر أخباراً تقادم عهدها * وكيف بدا الاسلام إذ كان باديا
وكيف نمى حتى استتم كماله » و کیف ذوی إذصار كالثوب باليا
ومن بعد ذا عندى من العلم جوهر * يفيدك علماء إن وعيت كلاميا
وعلما غزيرا جالى الرين والصدى * عن القلب حتى يترك القلب صافيا
فصبح صحيح محكم القول واضح * أعز من الياقوت والدر غاليا
فأصبحت بالتوفيق للحق واضحا » وذاك بالهام من الله ماضيا
لأنى فى دهر تغرب وصفه * فصار غريبا موحش الأهل قاصيا
فأحوج ما كنا إلى وصف ديننا * ووصف دلالات العقول زمانيا
عجائب من خير وشر كليهما * فان كنت سماعا بدا القلب واعيا
فقد ندب الاسلام أحمد ندبة * كاندب الأموات ذو الشجوشاجيا
فأول ما أبدأ فبالحد للذى « برانى للاسلام إذ كان باريا
وصيرنى إذ شاء من نسل آدم * ولم أك شيطانا من الجن عاتيا
ولو شاء من إبليس صير مخرجى * فكنت مضلا جاحد الحق طاغيا
ولكنه قد كان باللطف سابقا * وإذ لم أكن حيا على الأرض ماشيا

- ٢٩٧ -
وصيرنى من بعد فى دين أحمد * وعلمنى ماغاب عنه سؤاليا
وفهمنى نورا وعلما وحكمة « فشكرى له فى الشاكرين موازيا
فمن أجل ذا أرجوه إذ كان ناظرا * لضعفى وجهلى فى الملائم حاليا
ومن أجلذا أرجوه إذ كان غافرا · ومن أجل ذا قد صحمنى رجائيا
ومن أجل ذا أرجوه إذ لم يكافنى * ولكن بلطف منه كان ابتدائيا
فلو كنت ذا عقل لما قد رجوته * لقدكنتذاخوفوشکری محاذيا
ولو كنت أرجوه لحسن صفيعه * شكرت فصح الآن منى حيائيا
فشكرى له إذصيرت بالحق عالما * وللشر وصافا وللخير واصيا
ومن بعد ذا وصفى لنفسى وطبعها « ووصفى غيرى إذ عرفت ابتدائيا
فهذا من الانباء وصف غرائب . فمن كان وصف لكان بحاليا
فكيف به إذ كان بالحق عالما * فهيهات لا ينجيه إلا الفيافيا
وذاك لان الناس قدآثروا الهوى * على الحق سراً ثم جهرا علانيا
فهذا زمان الشر فاحذر سبيله * فان سبيل الشريردى المهاويا
سيأتيك من أنبائه وصف خابر * كلام بتحبير ووصف قوافيا
يقولون لى اهجر هواك وإنما * أكد وأسعى أن أقيم هوائيا
ونفسك جاهدها وإنى لمائل * إليها فما أن دار إلا تنائيا
وكيف أطيق اليوم أن أهجر الهوى * وقد ملكته النفس منى زماميا
تقودنى الايام فى كل محنة * لدى طبع يبدو يهيج ذاتيا
فأصبحت مأسوراًلدى النفس والهوى * يشدان منى ما استطاعا وناقيا
* أخبرنا أحمد بن سليمان بن أيوب بن خذلم الدمشتى فى - كتابه -
ثنا أبو زرعة الدمشقى ثنا أحمد بن عاصم قال سمعت الحفنى يذكر أنه سمع
مالك بن أنس یقول : کان ناقع مجالس زياد بن أبی زیاد فمات زياد فكان
نافع يمر بنا فنقول: ألا نوسع لك رحمك الله؟ قال فيأبى ويقول: اتقوا
هذه المجالس .

- ٢٩٨ -
٤٥٨ محمد بن المبارك
ومنهم ذو العقل الوافى . والورع الصافى. والبيان الشافى . أبو عبد الله محمد
ابن المبارك الصورى . رحمه الله .
* حدثنا أبى ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن محمد الدمشقى
قال سمعت محمد بن المبارك الصورى يقول: أحمال الصادقين لله بالقلوب، وأحمال
المرائين بالجوارح للناس، فمن صدق فليقف موقف العمل لله لعلم الله به لالعلم
الناس لمكان همله .
* حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن
محمد الدمشقى قال سمعت محمد بن المبارك الصورى يقول: الق الله تقوى لا تطلع
نفسك على تقوى الله تجد به غيرك وتسلط الآفة على قلبك .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد ثنا عبد الله بن
محمد قال سمعت محمد بن المبارك يقول : تخاف أن يفوتك عند البقال من
قطعتك تبادر إليه وتبكر عليه، ولا تخاف أن يفوتك من الله ما تؤمل بكثر
القعود عنه والتشاغل عن المبادرة إليه ، مهلا رحمك الله ، فان فى قلبك وجعا
لا يبريه إلا حبه، ولا يستنطقه إلا الأنسن به، وجوما لا يشبعك إلا ماطعمت
من ذكره، وعطشا لا يرويه إلا ما وردت عليه لذته للذاذة مناجاته . قال :
وسمعت محمد بن المبارك يقول: ماترى إلا متغيرا بشهوة من نفسه، ومأخوذا
بيواقى دنيا غيره، كذب مؤمن ادعى المعرفة بالله ويداء ترمى فى قطاع
المستكثرين ، ومن وضع يده فى قصعة غيره ذلت رقبته ، وما أثبت لأحدادعى
محبة الله وهو يلف الثريد بثلاثة أصابع .
* حدثنا أبى وأبو حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد ثنا عبد الله بن محمد
قال سمعت محمد بن المبارك يقول: ليس من المعرفة بالله أن تجعلها - يعنى
النفس - مطية لهوى غيرك ، وطريقا لطلب دنيا مخلوق غيرك .
* حدثنا أبى وأبو محمد بن حيان قالا:ثنا إبراهيم ثنا عبد الله قال سمعت

- ٢٩٩ -
محمد بن المبارك يقول: ما آمن بالله من رجامخلوقا فيما ضمن الله له .
* حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن محمد قال سمعت محمد بن المبارك
يقول: يزهدون فى التجارة لأنفسهم ويجعلون انقطاع النفوس إلى غيرم .
* حدثنا أبو الفتح أحمد بن الحسين بن محمد بن سهل الحمصى الواعظ ثنا
أبو الحسن محمد بن أبوب الصموق العابد - بمصر - ثنا محمد بن أصبغ بن
الفرج قال سمعت محمد بن المبارك الصورى يقول: بينما أنا أجول فى بعض
جبال بيت المقدس إذا أنا بشخص منحدر من جبل فقابلت الشخص فاذا امرأة
عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف ، فلما دنت منى سلمت على فرددت
عليها السلام فقالت : ياهذا من أين أنت ؟ قلت لها: رجل غريب . قالت :
سبحان الله فهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الغرباء ومحدث
الفقراء ؟ قال فبكيت فقالت: أو لا يبكى العليل إذا وجد طعم الغافية ؟قلت:
فلم? قالت : لأنه ما خدم القلب خادم هو أحب إليه من البكاء ، ولا خدم البكاء
خادم هو أحب اليه من الزفير والشهيق فى البكاء . قلت لها : علمينى رحمك الله
فانى أراك حكيمة . فأنشأت وهى تقول :
. فانها مركب مجموع
دنياك غرارة فدعها
منيته نفسه تطيح
دون بلوغ الجهول منها
فانه فاحش قبيح
لا تركب الشر واجتنبه
* فانه واسع فسيح
والخير ذا قدم عليه ترشد
فقلت لها : زيدينى رحمك الله . فقالت : سبحان الله أو ما كان فى موقفنا
هذا ما أغناك من الفوائد عن طلب الزوائد ؟ قال قلت : لا غنى بى عن طلب
الزوائد قالت : حب ربك شوقا إلى لقائه فان له يومايتجلى فيه لأوليائه .
* حدثنا أبی قال قرأت من خط جدی محمد بن یوسف - و کان قد لقی
عدة من أصحاب محمد بن المبارك - دخلت مسجداً فرأيت فتى قداكتنفه
الناس قياما وقعوداً، وأقربهم إليه طائفة منصوبة يسألونه عن علم طريق
الآخرة، وعن معرفة الآفات الواردة، فيجيبهم بلسان ذرب فى الحكمة متسع

- ٣٠٠ -
فى المعرفة، قريب من كل حجة ، اسان لا يغضب على سائله وإن ردد عنيه
المسألة حتى يفهمه أو يكون جاهلا فيعلمه ، بلسان قد بذ بعزو سننه فرسان
الكلام عذب اللفظ مطلاق المطلق. فدنوت منه وقد تفرق الناس عنه ،
وصار جليس حزنه وحليف مهمه وشريك سدمه وأخيذ جنايته وأسير نار
العفاة ، قدغشيته من هموم قلبه ، فلم أزل قاعداً متسلسا فى دنوى وهدوئی
قد جمعت فيه نفسى حتى إذا صرت فى الموضع الذى لاعتق صوته ونظر
إلى فى حال من غضب على نفسه وضنا من توهم أمنيته لاذ بفضله على ضعفى
ولم يلجثنى إلى مذلة فى مسألنى حتى قال لى : حياك الله بالسلام، ونعمنا
وأنعمنا وإياك بثبوت الأحزان، فكشف بقوله ضيقا عن قلبى ، وأدبنى
لنفسه فنعم ما به أدبنى ، فلما تجلى عنى ضيق الحصر ، وسقط الخجل ، وزال
الوجل أولانى أنس المشهد وجذبنى بلسانه إلى قريب المقعد . قلت لنفسى :
قد ظفرت فسلى فقلت : رحمك الله ما هذا السبيل الذى أمر الله محمداً صلى الله
عليه وسلم بدوسه وقطعه . قلت رحمك الله فهل لهذا السبيل من شرح يبين
مناره؟ قال نعم، أما السبيل فهو الايمان بالله طريق محمد ممدودلاهل الايمان
بالله من الدنيا إلى الآخرة ، فمن أحمد درسه وقطعه عز فأعز غيره، ورضى به
عن الاختيار عليه مدبه الطريق إلى الآخرة، وإن هو عدل عن باب الطريق
بالاختيار منه للهوى الذى خذله منه لزمه قوله تعالى (ولا تتبعوا السبل فتفرق
بكم عن سبيله) قلت : رحمك الله فما الا يمان المؤدى إلى الآخرة الموصل بأهله
إلى محمود العاقبة ؟ فقال: إن الذى سالت عنه من الإيمان بالله إيمان ظاهر وقع
به الستر الظاهر وإيمان باطن وقعت به الخشية الباطنة. قلت: فما الايمان
الظاهر ؟ قال: إقرار اللسان بالتوحيد وموافقة جوارح الأبدان فرائض
التوحيد، هذا هو الإيمان الظاهر الذى يقع الستر الظاهر به، ويحقق به العبد
دمه وماله إلا فى المال من حقوق إيمانه . وأما الايمان الباطن الذى وقعت
به الخشية الباطنة فهو إيمان القلب وهو على ثلاثة : فالأول منها التصديق لله
فيما وقع به وعده ووعيده. والثانى حسن الظن بالله تعالى من غير المعرفة .