النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ -
الحميرى الشيرازى - بها إملاء من أصله - ثنا منصور بن عبد العزيز الثعلبى
ن بمصر - ثنا محمد بن إسماعيل بن الحبال الحميرى عن أبيه قال. كان محمد بن
إدريس الشافعى رجلا شريفا، وكان يطلب اللغة والعربية والفصاحة والشعر
فى صغره، وكان كثيراً ما يخرج إلى البدو ويحمل مافيه من الأدب ، فبيتا
هو ذات يوم فى حى من أحياء العرب ، إذ جاء اليه رجل بدوی فقال له :
ما تقول فى امرأة تحيض يوماً وتطهر يوماً؟ فقال: لا أدرى. فقال له : يابن
أخى !: الفضيلة أولى بك من النافلة ، فقال له: إنما أريد هذا لذاك، وعليه قد
عزمت وبالله التوفيق وبه أستعين، ثم خرج إلى مالك بن أنس ، وكان مالك
صدوقا فى حديثه، صادقا فى مجلسه، وحيداً فى جلوسه ،فدخل عليه وارتفع
على أصحابه فنهره مالك فوجده موقراً فى الأدب، فرفعه على أصحابه وقدمه
عليهم وقربه من نفسه، فلم يزل مع مالك إلى أن توفى مالك رحمه الله، ثم
خرج إلى اليمن، وقد خرج بها الخارجى على هارون الرشيد، وطعن الشافعى
عليه ، وأعرض عمن ساعده، ورفع من قعد عنه، فبلغ ذلك الخارجى ما يقول
فيه ، فبعث إليه فأحضره عنده وهم بقتله ، فلما سمع كلامه وتبين له شرفه
وفضله وعفته، عفا عنه وعرض عليه قضاء المن فامتنع من ذلك، ثم أشخص
هارون جيشه إلى ذلك الخارجى ، فقبض عليه وحمل الى بساط السلطان ،
وحمل معه الشافعى، وأحضرا جميعا بين يدى الرشيد، فأمر بقتلهما، فقال
له الشافعى: ياأمير المؤمنين : إن رأيت ان تسمع كلامى وتجعل عقوبتك من
وراء لسانى، ثم تضمنى بعد ذلك الى لما يليق لى من الشدة والرخاء . فقال له:
هات . فبين له القصة وعرفه شرفه، وذكر له كلاما استحسنه هارون وأمره
أن يعيده عليه ، فأعاد تلك المعانى بألفاظ أعذب منها . فقال له هارون:
كثر الله فى أهل بيتى منلك. وكان محمد بن الحسن حاضراً فلم يقصر، وخلى له
السبيل، وسأله محمد بن الحسن فنزل عليه أياماً، ثم سأله الشافعى أن يمكنه من
كتبه وكتب أبى حنيفة، فأجابه إلى ذلك ثلاث ليال، وكان الشافعى قد استبعد
الوراقين ، فكتبوا له منها ما أراد ثم خرج إلى الشام فأقام بها مدة ينقض
( ٦ - عليه - تاسع)

- ٨٢ -
أقاويل أبى حنيفة ويرد عليه ، حتى دون كلامه ، ثم استخار فى الرد على مالك
فأرى ذلك فى المنام ، فرد عليه خمسة أجزاء من الكلام - أو نحو ذلك - ثم
خرج إلى مصر (١) والدار لمالك وأصحابه يحكمون فيه، ويستسقون بموطئه، فلما
ماینوه فرحوا به، فلما خالفهم وثبوا عليه و نالوا منه ، فبلغ ذلك سلطانهم ،
جمعهم بين يديه ، فلما سمع كلامه وتبين له فضله عليهم ، قدمه عليهم وأمنه
أن يقعد فى الجامع، وأمر الحاجب أن لا يحجبه أى وقت باء. فلم يزل أمره
يعلو، وأصحابه يتزايدون، إلى أن وردت مسألة من هارون الرشيديدعو الناس.
إليها وقد استكتمها الفقهاء فأجابوه إلى ذلك وقبلوها منه طوعاً ومنهم كرها،
نجىء بالمسألة إلى الشافعى فلما نظر فيها قال: غفل والله أمير المؤمنين عن الحق
وأخطأ المسير عليه بهذا، وحق الله علينا أوجب وأعظم من حق أمير المؤمنين
وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف
ما اعتقدته الأئمة والخلف . فكتب بذلك إلى هارون ، فكتب فى حمله مقيداً
حمل حتى أحضر فى دار أمير المؤمنين فأجلس فى بعض الحجر، ثم دخل محمد
ابن الحسن وبشر المريسى جميعا، فقال لهما هارون الرشيد: القرشى الذى
خالفنا فى مسألتنا قد أحضر فى دارنا مقيدا، فما الذى تقولان فى أمره ؟ فقال
محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين ! وقد بلغنى أيضا أنه قد خالف صاحبه،
وقد رد عليه وعلى صاحبى أيضا، وجعل لنفسه مقالة يدعو الناس إليها ،
ويتشبه بالأئمة ، فإن رأيت أن تحضره حتى نبلو خبره ونقطع حجته . ثم
تضاعف عليه عقوبة أمير المؤمنين . فدما به بقيده، فأحضر بين يدى
أمير المؤمنين فسلم عليه فلميرد عليه، وبقى قائما طويلا لا يؤذن له بالجلوس ،
وأمير المؤمنين مقبل غليهما دونه، ثم أوماً إليه فجلس بين الناس ، فقال محمد
ابن الحسن : هات مسألة يا شافعى نتكلم عليها ، فقال له الشافعى : سلونى هما
أحببتم ، فتجرد بشر وقال له : لولا أنك فى مجلس أمير المؤمنين وطاعته فرض
لننزلن بك ما تستحقه، فليس أنت فى كنف العمر ، ولا أنت فى ذمة العلم
فيليق بك هذا. فقال له الشافعى: عض ما أنت . وذا بلغة أهل اليمن
(١) خروجه الى مصر لم يكن الا في آخر سنة ١٩٩ فلا تصح هذه الاقصوصة .

- ٨٣ -
فأنشأ يقول :
أهابك يا عمرو ماهبتنى * وخاف بشراك إذ هبتنى
وتزعم أمى عن أبيه * من أولاد حام بها عبقنى
فأجابه الشافعى وهو يقول :
ومن هاب الرجال تهيبوه * ومنحقر الرجال فلنیهابا
من قضت الرجال له حقوقا * ولم يعص الرجال فما أصابا
فأجابه بشر وهو يقول :
هذا أوان الحرب فاشتدى زيم
فأجابه الشافعى وهو يقول :
سيعلم ما يريد إذا التقينا = بشط الراب أى فتى أكون
فقال بشر: يا أمير المؤمنين دعنى وإياه . فقال له هارون : شأنك وإياه .
فقال له بشر: أخبر نى ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟ فقال الشافعى:
يا بشر ما تدرك من لسان الخواص فأ كلمك على لسانهم، إلا أنه لا بد لى أن
أجيبك على مقدارك من حيث أنت ، الدليل عليه به ومنه وإليه ، واختلاف
الأصوات فى المصوت إذا كان المحرك واحداً دليل على أنه واحد، وعدم الضد
فى الكمال على الدوام دليل على أنه واحد، وأربع نيرات مختلفات فى جسد
واحد متفقات على ترتيبه فى استفاضة الهيكل ، دليل على أن الله تعالى واحد
وأربع طبائع مختلفات فى الخافقين أضداد غير أشكال مؤلفات على اصلاح
الأحوال ، دليل على أن الله تعالى واحد، وفى (خلق السموات والأرض
بعد موتها، وبث فيها من كل ذاية وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين
السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) كل ذلك دليل على أن الله تعالى واحد
لا شريك له. فقال بشر: وما الدليل على أن محمداً رسول الله ؟ قال: القرآن
المنزل، وإجماع الناس عليه، والآيات التى لا تليق بأحد، وتقدير المعلوم فى
كون الايمان بدليل واضح دليل على أنه رسول الله ، لا بعده مرسل يعز له،
وامتحانك إياى بهذين السؤالين، وقصدك إياى بهما دون فنون العلوم دليل

- ٨٤ -
على أنك حائر فى الدين ، تائه فى الله عز وجل ، ولو وسعنى السكوت عن
جوابك لا خترته. وإن قلت امراً لى لا أشعر من سؤاليك هذين ، لقلت:
بعيد من بركات اليقين ، وكيف قصرت بدى عنك ، لقد وصل لسانى إليك .
فقال له بشر: ادعيت الاجماع ، فهل تعرف شيئا أجمع الناس عليه ؟ قال: نعم
أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين ، فمن خالفه قتل . فضحك هارون
وأمر بأخذ القيد عن رجليه . قال: ثم انبسط الشافى فى الكلام فتكلم
بكلام حسن ، فأعجب به الرشيد وقربه من مجلسه ورفعه عليهما. قال : ثم
خاصا فى اللغة - وكان بشر مدلا بها - حتى خرجا إلى لغة أهل اليمن، فانقطع
بشرفى مواضع كثيرة فقال محمد بن الحسن لبشر: يا هذا ! إن هذارجل قرشى
واللغة من نسكه ، وأنت تتكلفها من غير طبع ، فدعونى وما لكا ، ودعو
مالكا معى .. قال الشافعى: إن كنت أبا ثور يعقر الحرف . نجرى بينهما عشر
مسائل انقطع محمد بن الحسن فى خمس منها، حتى أمر هارون الرشيد بجز
رجل محمد بن الحسن، فأراد الشافعى أن يكافئه ، لما كان له عليه من اليد ،
فقال يا أمير المؤمنين ! والله ما رأيت يمنيا هو أفقه منه، وجعل يمدحه بين
يدى أمير المؤمنين ويفضله ، فعلم هارون الرشيد ما يريد الشافعى بذلك ، نخلع
عليهما وحمل كل واحد منهما على مهرى قرطاس، يريد بذلك مرضاة الشافعى
وخلع على الشافعى خاصة، وأمر له بخمسين ألف درهم . فانصرف إلى البيت
وليس معه شئٍ ، قد تصدق بجميع ذلك ووصل به الناس . فقال له هارون
الرشيد : أنا أمير المؤمنين وأنت القدوة ، فلا يدخل على أحد من الفقهاء
قبلك . فأنشأ محمد بن الحسن يقول :
أخذت ناراً بيدى » أشعلتها فى كبدی
فقلت: وبحى سيدى « قتلت نفسى بيدى
* حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله
الدقاق والمعروف بابن السماك البغدادى ثنا محمد بن عبيد الله المدینی حدثنى
أحمد (١) بن موسى النجار . قال قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأموى ثنا
(١) وعنه يقول الذهبي حيوان وحشىذكرمحنة الشافعى مكذوبة فضيحة لمن تدبرها اه ميزان

- ٨٥ -
عبد الله (١) بن محمد البلوى. قال: لماجىء بأبى عبد الله الشافعى إلى العراق أدخل
إليها ليلا على بغل قتب ، وعليه طيلسان مطبق ، وفى رجليه حديد وذاك أنه
كان من أصحاب عبد الله بن الحسن ، وأصبح الناس فى يوم الاثنين لعشر
خلون من شعبان سنة أربع وثمانين ومائة ، وكان قد اعتور على هارون
الرشيد أبو يوسف القاضى، وكان قاضى القضاة محمد بن الحسن على المظالم،
فكان الرشيد يصدر عن رأيهما، ويتفقه بقولهما، فسبقا فى ذلك اليوم إلى
الرشيد فاخبراه بمكان الشافعى، وانبسطا جميعا فى الكلام، فقال محمد بن الحسن
الحمد لله الذى مكن لك فى البلاد ، وملك رقاب العباد ، من کل باغ ومعاند
إلى يوم المعاد ، لا زلت مسموعا لك ومطاعا، فقد علت الدعوة وظهر أمر الله
وهم كارهون، وإن جماعة من أصحاب عبد الله بن الحسن اجتمعت وهم متفرقون
قد أناك من ينوب عن الجميع وهو على الباب ، يقال له محمد بن إدريس بن
العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن
عبد المطلب بن عبد مناف ، يزعم أنه أحق بهذا الأمر منك ، وحاش لله، ثم
إنه يدعى من العلم مالم يبلغه سنه، ولا يشهد له بذلك قدره وله لسان ومنطق
ورواء، وسيحليك بلسانه وأنا خائف، كفاك الله مهماتك، وأقالك عثراتك .
ثم أمسك . فأقبل الرشيد على أبى يوسف فقال: يا يعقوب ! قال: لبيك
يا أمير المؤمنين. قال: أنكرت من مقالة محمد شيئا ؟ فقال له أبو يوسف: محمد
صادق فيما قاله، والرجل كما خلق. فقال الرشيد : لا خبر بعد شاهدين
ولا إقرار أبلغ من المحنة ، وكفى بالمرء إنما أن يشهد بشهادة يخفيها عن خصمه
على رسلكما لا تبرحا. ثم أمر بالشافعى فادخل فوضع بين يديه بالحديد الذى
كان فى رجليه ، فلما استقربه المجلس ورمى القوم إليه بابصارهم، رمى الشافعى
بطرفه نحو أمير المؤمنين وأشار بكفة كتابه مسلما ، فقال : السلام عليك
يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فقال له الرشيد: وعليك السلام ورحمة
الله وبركاته ، بدأت بسنة لم تؤمر باقامتها ، وزدنا فريضة قامت بذاتها، ومن
أعجب العجب أنك تكلمت فى مجلسى بغير أمرى . فقال له الشافعى: يا أمير
(١) كذاب معروف وضع رحلة الشافعى راجع مناقب الشافعى لابن حجر.

- ٨٦ -
المؤمنين ! إن الله عز وجل وعد ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا). وهو الذى إذا وعد وفى ؛ فقد مكننى فى
أرضه وأمننى بعد خوفى يا أمير المؤمنين ! فقال له الرشيد : أجل قد أمنك
الله إن أمنتك . فقال الشافعى : فقد حدثت أنك لا تقتل قومك صبرا،
ولا تزدريهم بهجرتك غدرا، ولا تكذبهم إذا أقاموا لديك عذراً. فقال
الرشيد: هو كذلك، فما عذرك مع ما أرى من حالك ؛ وتسييرك من حجازك
إلى عراقنا التى فتحها الله علينا بعد أن بغى صاحبك ثم اتبعه الأرذلون وأنت
رئيسهم ؟ فما ينفع لك القول مع إقامة الحجة ولن تضر الشهادة مع إظهار
التوبة. فقال له الشافعى : ياأمير المؤمنين ! أما إذا استطلقنى الكلام ، فلسنا
تكلم إلا على العدل والنصفة. فقال له الرشيد: ذلك لك . فقال الشافعى: والله
يا أمير المؤمنين لواتسع لى الكلام على مابى لما شكوت لكن الكلام مع
ثقل الحديد يعور، فان جدت على بفكه تركت كسره إياى وفصحت عن
نفسى، وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدى السفلى ، والله غنى حميد .
فقال الرشيد لغلامه : ياسراح حل عنه . فأخذ ما فى قدميه من الحديد فجثى
على ركبته اليسرى ونصب اليمنى وابتدر الكلام فقال : والله يا أمير المؤمنين
لأن يحشرنى الله تحت راية عبد الله بن الحسن وهو ممن قد علمت لاينكر عنه
اختلاف الأهواء ، وتفرق الآراء ، أحب إلى وإلى كل مؤمن من أن
يحشر نى تحت راية قطرى بن الفجاءة المازنى. وكان الرشيد متكئا فاستوى
جالساً وقال : صدقت وبررت ، لأن تكون تحت راية رجل من أهل بيت
رسول الله وأقاربه إذا اختلفت الأهواء ، خير من أن يحشرك الله تحت راية
خارجى يأخذه الله بغتة ، فأخبرنى ياشافعى ما حجتك على أن قريشا كلها
أئمة وأنت منهم ؟ قال الشافعى: قد افتريت على الله كذبا يا أمير المؤمنين
ان تطب نفسى لها. وهذه كلمة ماسبقت بها، والذين حكوها لأمير المؤمنين
أبطلوا معانيه ، فان الشهادة لاتجوز إلا كذلك. فنظر أمير المؤمنين إليهما ،

- ٨٧ -
فلما رآهما لا يتكلمان علم ما فى ذلك وأمسك عنهما ، ثم قال له الرشيد : قد
صدقت ياابن إدريس ، فكيف بصرك بكتاب الله تعالى ؟ فقال له الشافعى :
عن أى كتاب الله تسألنى؟ فان الله سبحانه وتعالى أنزل ثلاثا وسبعين كتابا
على خمسة أنبياء ، وأنزل كتابا موعظة لنبى وحده، وكان سادسا، أولهم آدم
عليه السلام وعليه أنزل ثلاثين صحيفة كلها أمثال ، وأنزل على أخنوخ وهو
إدريس عليه السلام ست عشرة صحيفة كلها حكم ، وعلم الملكوت الأعلى .
وأنزل على إبراهيم عليه السلام ثمانية صحف كلها حكم مفصلة ، فيها فرائض
ونذر. وأنزل على موسى عليه السلام التوراة كلها تخويف وموعظة. وأنزل
على عيسى عليه السلام الانجيل ليمين لبنى إسرائيل ما اختلفوا فيه من التوراة
وأنزل على دواد عليه السلام كتابا كله دعاء وموعظة لنفسه حتى يخلصه به من
خطيئته، وحكم فيه لنا والعاظ لداود وأقاربه من بعده. وأنزل على محمد
صلى الله عليه وسلم الفرقان وجمع فيه سائر الكتب فقال: (تبيانا لكل شىء
وهدى وموعظة) (أحكمت آياته ثم فصلت). فقال له الرشيد: قد أحسنت
فى تفصيلك أفكل هذا علمته ؟ فقال له: إى والله يا أمير المؤمنين . فقال له
الرشيد : قصدى كتاب الله الذى أنزله الله على ابن عمى رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذى دعانا إلى قبوله، وأمرنا بالعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابه
فقال: عن أى آيه تسالنى ? عن محكمه أم عن متشابهه ؟ أم عن تقديمه أم عن
تأخيره ؟ أم عن ناسخه أم عن منسوخه ؟أم عن ما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته
أم عن ما ثبتت تلاوته وارتفع حكمه؟أم عن ماضر به الله مثلا، أم عن ماضر به الله
اعتبارا أم عن ما أحصى فيه فعال الأمم السالفة ، أم عن ما قصدنا الله به من
فعله تحذيراً؟. قال: بم ذاك؟ حتى عدله الشافعى ثلاثا وسبعين حكما فى
القرآن. فقال له الرشيد: ويحك ياشافعى، أفكل هذا يحيط به علمك؟ فقال له
يا أمير المؤمنين ! المحنة على القائل كالنار على الفضة، تخرج جودتها من رداءتها
فهانذا فامتحن. فقال له الرشيد: ما أحسن، أعد ماقلت فسأسألك عنه بعد
هذا المجلس إن شاء الله ، قال له: وكيف بصرك بسنة رسول الله صلى الله عليه

- ٨٨-
وسلم ؟فقال له الشافعى: إنى لأعرف منها ما يخرج على وجه الايجاب ولا يجوز
تركه كما لا يجوز ترك ما أوجبه الله تعالى فى القرآن. وماخرج على وجه التأديب.
وما خرج على وجه الخاص لا يشرك فيه العام وما خرج على وجه العموم.
يدخل فيه الخصوص، وما خرج جوابا عن سؤال سائل ليس لغيره استعماله ،
وماخرج منه ابتداء لازدحام العلوم فى صدره . وما فعله فى خاصة نفسه
واقتدى به الخاصة والعامة ، وما خص به نفسه دون الناس كلهم مع مالا
ينبغى ذكره، لأنه أسقطه عليه السلام عن الناس وسنه ذكراً . فقال له
الرشيد : أخذت الترتيب ياشافعى لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت
موضعها لوصفها، فما حاجتنا إلى التكرار عليك، ونحن نعلم ومن حضرنا
أنك حامل نصابها مقلابها. فقال له الشافعى: ذلك من فضل الله عليناوعلى الناس،
وإنما شرفنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيك. فقال: كيف بصرك بالعربية؟
قال: هى مبدأنا وطباعنا بها قومت ، وألسنتنا بها جرت ، فصارت كالحياة
لا تتم إلا بالسلامة. وكذلك العربية لا تسلم إلا لأهلها، ولقدولدت وما أعرف
اللحن، فكنت كمن سلم من الداء ما سلم له الدواء، وعاش بكامل الهناء . وبذلك
شهد لى القرآن: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) - يعنى قريشا -
وأنت وأنا منهم يا أمير المؤمنين ، والعنصر نظيف والجرثومة منيعة شامخة ،
أنت أصل ونحن فرع، وهو صلى الله عليه وسلم مفسر ومبين، به اجتمعت
أخسابنافنحن بنو الاسلام،وبذلك ندعی وننسب فقال له الرشيد: صدقت،
بارك الله فيك. ثم قال له: كيف معرفتك بالشعر؟ فقال: إنى لأعرف طويله
و كامله ، وسريعه و مجتثه ، ومسرحه و خفيفه، وهزجه ورجزه، وحكمهوغزله
وما قيل فيه على الأمثال تبيانا للاخبار، وما قصد به العشاق رجاء للتلاق
وما رفى به الأوائل ليتأدب به الأواخر، وما امتدح به المكثرون بابتلاء
أمرائهم وعامتها كذب وزور وما نطق به الشاعر ليعرف تنبيها وحال لشيخه
فوجل شاعره، وما خرج على طرب من قائله لا أرب له، وما تكلم به
الشاعر فصار حكمة لمستمعه ، فقال له الرشيد : اكفف ياشافعى فقد أنفقت

- ٨٩ -
فى الشعر، ما ظنقت أن أحداً يعرف هذا ويزيد على الخليل حر، ولقد
زدت وأفضلت . فكيف معرفتك بالعرب؟ قال: أما أنا فمن أضبط
الناس لا بائها وجوامع أحسابها، وشوابك أنسابها، ومعرفة وقائعها،
وحمل مغازيها فى أزمنتها وكمية ملوكها وكيفية ملكها وماهية مراتبها،
وتكميل منازلها وأندية عراضها ومنازلها، منهم تبع وحمير، وجفنة،
والأسطح، وعيص وعويص (١) والاسكندر واسفاد، واسططاويس وسوط.
وبقراط وارسططاليس ، من أمثالهم من الروم إلى كسرى وقيصر ونوبة
واحمر وعمرو بن هند وسيف بن ذى يزن والنعمان بن المنذر وقطر بن أسعد
وصعد بن سعفان وهو جد سطيح الغسانى لأبيه، فى أمثالهم من ملوك
قضاعة وهمدان، والحيا زربيعة ومضر ، فقال له الرشيد يالشافعى لولا أنك
من قريش لقلت : إنك ممن لين له الحديد، فهل من موعظة ؟ فقال الشافعى :
إنك تخلع رداء الكبر عن عاتقك، وتضع تاج الهيبة عن رأسك، وتنزع
قميص التجبر عن جسدك، وتفتش نفسك، وتنشر سرك ، وتلقى جلباب
الحياء عن وجهك، مستكينا بين يدى ربك. وأكون واعظا لك عن الحق ،
وتكون مستمعا بحسن القبول، فينفعنى الله بما أقول ، وينفعك بما تسمع .
فقال له الرشيد: أما إنى قد فعلت وسمعت الله والرسول والواعظين بعدهما،
فعظ وأوجز . خل الشافعى عنه إزاره، وحسر عن ذراعيه، وقال :
أيامير المؤمنين! اعلم أن الله جل ثناؤه امتحنك بالنعم، وابتلاك بالشكر،
ففضل النعمة أحسن لتستغرق بقليلها كثيراً من شكرك، فكن لله تعالى شاكراً
ولاً لائه ذاكراً، تستحق منه المزيد . واتق الله في السر والعلانية تستكمل
الطاعة، واسمع لقائل الحق وإن كان دونك تشرف عند الله، وتزد فى عين
رعيتك، واعلم أن الله سبحانه وتعالى يفتش سرك فان وجده بخلاف علانيتك
شغلك بهم الدنيا وفتق لك ما يزلق عليك، واستغنى الله والله غنى حميد. وإن
وجده موافقا لعلانيتك أحبك وصرف هم الدنيا عن قلبك ، وكفاك مؤونة
نظرك لغيرك، وترك لك نظرك لنفسك ، وكان المقوى لسياستك. وان
(١) فى هذه الاقصوصة على اختلافها تصحيفات والقائد أسطر لم نمن بت صحيحها راجع
مناقب الشافعى الرازى .

- ٩٠ -
قطاع إلا بطاعتك لله تعالى، فكن له طائعا تكتسب بذلك السلامة فى
العاجل، وحسن المنقلب فى الآجل ( فان الله مع الذين اتقوا والذين ثم
محسنون ) واحذر الله حذر عبد علم مكان عدوه ، وغاب عنه وليه ، فتيقظ
خوف السرى ، لا تأمن من مكر الله لتواتر نعمه عليك ، فان ذلك مفسدة
لك، وذهاب لدينك، وأسقط المهابة فى الأولين والآخرين، وعليك
بكتاب الله الذى لا يضل المسترشد به، ولن تهلك ما تمسكت به فاعتصم
بالله تجده تجاهك، وعليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكن على
طريقة الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، وما نصب الخلفاء المهديون فى الخراج
والأرضين، والسواد والمساكن والديارات، فكن لهم تبعا وبه أملا راضيا
مسلما، واحذر التلبيس فيه فانك مسئول عن رعيتك، وعليك بالمهاجرين
والأنصار (الذين تبوؤًا الدار والايمان ) فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيتهم
وآنهم من مال الله الذى آتاك، ولاتكرههم على إمساك عن حق، ولا على
خوض فى باطل، فانهم الذين مكنوا لك البلاد، واستخلصوا لك العباد ونوروا
لك الظلمة، وكشفوا عنك الغمة، ومكنوا لك فى الأرض، وعرفوك السياسة
وقلدوك الرياسة، فنهضت بثقلها بعد ضعف، وقويت عليها بعد فشل ، كل ذلك
يرجوك من كان من أمثالهم لعفتهم طمع الزيادة لهم ، فلا قطع الخاصة تقربا
إليهم بظلم العامة ، ولا قطع العامة تقربا إليهم بظلم الخاصة لتسقديم السلامة
وكن لله كما تحب أن يكون لك أولياؤك من العامة من السمع والطاعة، فانه
ماولى أحد على عشرة من المسلمين فلم يحطهم بنصيحة إلا جاء يوم القيامة ويده
مغلولة إلى عنقه، لا يفكها إلا عدله ، وانت أعرف بنفسك. قال: فبكى الرشيد
- وقد كان فى خلال هذه الموعظة يبكى لا يسمع له صوت - فلما بلغ إلى هذا
الفصل بکی الرشيد وعلا نحيبه وبكى جلساؤه وبكى محمد وأبو يوسف . فقال
الوالى : يا هذا الرجل ! احبس لسانك عن أمير المؤمنين فقد قطعت قلبه
حزنا . وقال محمد بن الحسن وهو قائم على قدمه : اغمد لسانك يا شافعى عن
أمير المؤمنين فانه أمضى من سيفك . - والرشيد يبكى لا يفيق - فأقبل

- ٩١ -
الشافعى على محمد والجماعة فقال: اسكتوا أخرسكم الله لا تذهبوا بنور الحكمة
يا معشر عبيد الرعاع وعبيد السوط والعصا، أخذ الله لأمير المؤمنين منكم
لتلبيسكم الحق عليه، وهو يرتكم الملك لديه، أما والله ما زالت الخلافة بخير
ما صدف عنها أمثالكم، ولن تزال بشر ما اعتصمت بكم، فرفع الرشيد رأسه
وأشار إليهم أن كفوا ، وأقبل على بسيف فقال: خذ هذا الكهل إليك ولا
تحلنى منه. ثم أقبل على الشافعى فقال: قد أمرت لك بصلة ، فرأيك فى قبولها
موقف. فقال له الشافعى: كلا! والله لا يرانى الله تعالى قد سودت وجه
موعظتى بقبول الجزاء عليها ، ولقد عاهدت الله عهداً أنى لا أخلط بملك من
الملوك تكبر فى نفسه وأصغر عند ربه، إلا ذكرت الله تعالى لعله أن يحدث له
ذكراً. ثم نهض فلما خرج أقبل الرشيد على محمد ويعقوب فقال لهما: مارأيت
كاليوم قط، أفرأيتما أنتما كيومكما ? فلم تجد بداً من أن نقول: لا. فقال
الرشيد لهما : أبهذا تغريانى : لقد بؤبما اليوم بالم عظيم ، لولا أن من الله على
بالتأييد فى أمره، كيفما أو قمتانى فيما لا خلاص لى منه عند ربى . ثم وثب
الرشيد والصرف الناس. فلقد رأيت محمداً وهو بعد ذلك يكثر التردد إلى
الشافعى ، وربما حجب، ثم إن الشافعى بعد ذلك دخل على الرشيد فأمر له
بألف دينار فقبلها، فضحك الرشيد وقال: لله درك ! ما أفطنك؟ قاتل الله
عدوك فقد أصبح لك وليا . وأمر الرشيد خادمه سراجا باتباعه ، فما زال
يفرقها قبضة قبضة حتى انتهى إلى خارج الدار وما معه إلا قبضة واحدة ،
فدفعها إلى غلامه وقال له : انتفع بها . فأخبر سراج الرشيد بذلك ، فقال :
لهذا ذرع حمه وقوى متنه. فاستمر الرشيد عليهما .
﴿ قال الشيخ رحمة الله تعالى عليه: ذكر الأئمة والعلماء له:
* حدثنا محمد بن إبراهيم قال سمعت الخضر بن داود يقول سمعت الحسن بن
محمد الزعفرانى يقول. قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوماً
فبلسان الشافعى - يعنى لما وضع كتابه - .
* حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عمرو بن عثمان المكى ثنا أحمد بن محمد ابن

- ٩٢ -
بنت الشافعى قال: سمعت أبى وهمى يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا ساءه
شىء من التفسير والرؤيا يسأل عنها، التفت إلى الشافعى فيقول: سلوا هدا.
* حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا أبو محمد بن أبى حاتم ثنا محمد
ابن روح عن إبراهيم بن محمد الشافعى. قال: كنا فى مسجد سفيان بن عيينة
يحدث عن الزهرى عن على بن الحسين ((أن النبى صلى الله عليه وسلم مربه رجاء
فى بعض الليل وهو مع امرأته صفية فقال: هذه امرأتى صفية . فقال: سبحان
الله يارسول الله! فقال: إن الشيطان يجرى من الانسان مجرى الدم .. فقال
سفيان بن عيينة للشافعى : مافقه هذا الحديث يأبا عبد الله ؟ فقال: إن كان
القوم انههو النبى صلى الله عليه وسلم كانوا بتهمتهم إياه كفاراً، لكن النبي
صلى الله عليه وسلم أذن من بعده فقال: ((إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا، حتى
لايظن بكم ظن السوء)) لأن النبى صلى الله عليه وسلم لايتهم وهو أمين الله فى
أرضه . فقال ابن عيينة : جزاك الله خيراً ياأبا عبد الله.
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثناأبو بكر بن أبي عاصم ثنا إبراهيم بن محمد
الشافعى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعى يقول فى حديث النبى صلى الله
عليه وسلم: ((إنما هى صفية)) ما هذا من النبى صلى الله عليه وسلم للتهمة
لو اتهماه لكفرا، هذا من النبى صلى الله عليه وسلم على الأدب ، يقول: إذا
مر أحدكم على رجل يكلم امرأة وهى منه بنسب فيقل : إنها فلانة وهى منى
بنسب . فقال ابن عيينة : جزاك الله خيراً أبا عبد الله.
* حدثنا أبو أحمد الغطرينفى حدثنى أبو على آدم بن موسى الحوارى قال:
سمعت أبا معين يقول سمعت بعض أصحابنا يقول : سأل رجل سفيان بن عيينة
عن من نفخ فى معلاته ما كفارته ؟ قال: فسال سفيان الشافعى - وكان فى
مجلسه - فقال الشافعى، تفخ ن ف خ ثلاثة أحرف. يكفره سبحان هو
أربعة أ رف لکل حرف من ذلك حرف من هذا وزيادة حرف . قال الله
عز وجل ( الحسنة بعشر أمثالها). فقال سفيان بن عيينة وددت أنى كنت
أحسن مثلها .

- ٩٣ -
* حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبدان بن أحمد ثنا عمر بن
العباس قال سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول - وذكر الشافعى - فقال:
كان شاباً مفهماً .
* حدثنا عبد الله بن محمد حدثنى عمرو بن عثمان المكى عن الزعفرانى
قال سمعت يحيى بن معين يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول أنا أدعو الله فى
صلاتى الشافعى منذ أربع سنين * حدثنا الحسن بن سعيد بن جعفر ثنا
زكريا الساجى حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى قال: حدثت عن يحي بن
سعيد القطان . فذكر مثله .
* حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن أحمد بن أبى رجاء قال سمعت
الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعى يقول: كان محمد بن الحسن يقرأ على
جزءاً ، فاذا جاء أصحابه قرأ عليهم أوراقا، فقالوا له: إذا جاء هذا الحجازى
قرأت عليه جزءاً، وإذا جئنا قرأت علينا أوراقا ؟ قال: اسكنوا إن تابعكم
هذا لم يثبت لكم أحد.
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو الطيب أحمد بن روح ح . وحدثنا
عبد الرحمن بن أبى عبد الرحمن ثنا عبد الرحمن بن أبى حاتم قالا : ثنا الربيع
ابن سليمان قال سمعت الحميدى يقول سمعت (١) الزنجى مسلم بن خالد يقول
للشافعى: افت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتى . وهو ابن خمس
عشرة سنة .
* سمعت سليمان بن أحمد يقول سمعت أحمد بن محمد الشافعى يقول: كانت
الحلقة فى الفتيا بمكة فى المسجد الحرام لابن عباس، وبعد ابن عباس لعطاء
ابن أبى رباح، وبعد عطاء لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وبعد ابن
جريج لمسلم بن خالد الزنجى، وبعدّ مسلم لسعيد بن سالم القداح ، وبعد سعيد
لمحمد بن إدريس الشافعی وهو شاب.
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن روح ح. وحدثنا عبد الله بن
مهد ثنا عمرو بن عثمان قالا: ثنا أحمد بن العباس قال سمعت على بن عثمان وجعفر
(١) لم يدرك الحميدى مثل هذا التاريخ.

- ٩٤ -
الوراق يقولان : سمعنا أبا عبيد يقول : مارأيت رجلا أعقل من الشافعى .
* حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال سمعت
أحمد بن يحيى يقول سمعت الحميدى يقول: سمعت سيد الفقهاء محمد بن
إدريس الشافعى .
* حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أبو نعيم عبد الملك بن
محمد بن عدى قال سمعت الربيع يقول سمعت أيوب بن سويد الرملى يقول :
ماظننت أنى أعيش حتى أرى مثل الشافعى .
* حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل حدثنى محمد بن أحمد بن أبى يوسف
الخلال ثنا يحيى بن نصر ثنا الشافعى ثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبى
يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كرز قالت : أتيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فسمعته يقول: ((أقرواالطير على وكناتها)). فقال الشافعى فى قوله
عليه الصلاة والسلام: (( أقروا الطير على وكناتها)) .: إن علم العرب كان فى
زجر الطير والبارح والخط والاعساف . كان أحدهم إذا غدا من منزله یرید
أمراً نظر أول طير يراه فان سنح عن يساره فاجتاز عن يمينه فمر عن يساره قال
هذا طير الأشائم ، فرجع وقال : حاجة مشؤومة. فقال الحطيئة بمدح أبا
موسى الأشعرى .
لا تزجر الطير شحاً إن عرضن له * ولا يفيض على قسم بأزلام
يعنى أنه سلك الاسلام فى التوكل على الله وترك زجر الطير . وقال بعض
شعراء العرب يمدح نفسه :
ولا أنا ممن يزجر الطير نعمه * أصاح غراب أم تعرض أطلب
* وكانت العرب فى الجاهلية إذا كان الطير سائحاً فرأى طيراً فى وكره حركه
فيطير ، فينظر أسلك له طريق الأشائم أم طريق الأيامن فيشبه قول النبى صلى
الله عليه وسلم: ((أقروا الطير على وكناتها)). أى لا تحر كوها ، فان تحريكها
وما تعملونه مع الطير لا يصنع ما يوجهون له قضاء الله عز وجل ، وقد سئل
النبى صلى الله عليه وسلم عن الطير فقال: )) إن ذلك شئ يجده أحدكم فى
نفسه فلا يصدنكم )» .

- ٩٥ -
* حدثنا أحمد بن إسحاق تنا أبو الطيب أحمد بن روح ثنا محمد بن مهاجر
- أخو حبيب القاضى - ثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن يزيد عن سباع
ابن ثابت عن أم كرز ((أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أقروا الطير على
مكناتها)). قال: فسمعت ابن عيينة يسأل عن هذا الحديث فيفسره على نحو
ما فسره الشافعى . قال ابن مهاجر : فسألت الأصمعى عن تفسير هذا الحديث
فقال مثل ما قال الشافعى. قال: وسألت وكيما فقال: إنما هى عندنا على صيد
الليل. فذكرت له قول الشافعى فاستحسنه وقال: ما ظنفته إلا على صيد الليل
* حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن ثنا أحمد بن محمد بن زياد ثنا
تميم بن عبد الله الرازى قال سمعت سويد بن سعيد يقول: كنا عند سفيان بن
عيينة نجاء محمد بن إدريس جلس فروى ابن عيينة حديثا رقيقا فغشى على
الشافعى ، فقيل: ياأبا محمد مات محمد بن إدريس. فقال ابن عيينة: إن كان
قد مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه .
* حدثنا أبو حامد ثنا أحمد ثنا تميم قال سمعت أبا زرعة يقول سمعت قنيبة
ابن سعيد يقول : مات الشافعى وماتت السنة .
* حدثنا الحسن بن سعيد بن جعفر ثنا زكريا الساجى ثنا الزعفرانى قال:
حج بشر المريسى سنة إلى مكة ثم قدم فقال : لقد رأيت بالحجاز رجلا ما
رأيت مثله سائلا ولا مجيبا - يعنى الشافعى - .
* حدثنا الحسن بن سعيد تنا زكريا الساجى ثنا أبو ثور عن ابن البناء
قال: سمعت بشر المريسى يقول: رأيت بالحجاز فتى لن بقى ليكونن - أظنه
قال - واحد الدنيا، فلما كان بعد ذلك قال لى بشر: إن الفتى الذى قلت لك
قد قدم، اذهب بنا إليه ، فسلمنا عليه ثم تساء لا ، فجعل الشافعى يصيب
وبشر يخطئ، فلما خرجنا قال: كيف رأيته؟ قال قلت: كنت تخطىء وكان
يصيب. قال : ما رأيت أفقه منه .
حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجى ثنا الحسن بن على الرازى
قال سألت محمد بن عبد الله بن نمير فقلت: أكتب رأى أبى حنيفة ؟ قال:

- ٩٦ -
لا ! ولا كتابه. قال فقلت: رأى من أكتب ؟ قال: رأى مالك والأوزاعى
والثورى ، ورأى الشافعى .
* حدثنا أبو محمد بن أبى حاتم ثنا أبو بكر بن إدريس - وراق الحميدى -
قال قال الحميدى : كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأى فلم يحسن كيف ترد
عليهم حتى جاءنا الشافعى ففتح لنا .
* حدثنا محمد بن على بن حبيش وأبو أحمد محمد بن أحمد الجرجانى قالا: ثنا
حبان بن إسحاق البلخى ثنا محمد بن مردويه قال سمعت الحميدى يقول: صحبت
الشافعى إلى البصرة فكان يستفيد منى الحديث وأستفيد منه المسائل .
* حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا أبو محمد بن أبى حاتم ثنا أبو
بشر بن حماد الدولابى ح. وحدثنا أبو محمد بن حيان تنا عبدالرحمن بن داود
ثنا أبو زكريا النيسابورى تناعلى بن حسان قالا: ثنا أبو بكر بن إدريس قال سمعت
الحميدى يقول : كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة،
فقال لى ذات يوم - أوذات ليلة - ههذا رجل من قريش يكون له هذه المعرفة
وهذا البيان - أو نحو هذا من القول- يمر بمائة مسألة بخطئ خمسا أو عشراً،
اترك ما أخطأ فيه وخذ ما أصاب . قال: فكان كلامه وقع فى قلبى ، لجالسنه
فغلبتهم عليه ، فلم يزل يقدم مجلس الشافعى حتى كان يقرب مجلس سفيان
قال: وخرجت مع الشافعى إلى مصر فكان هو ساكنا فى العلو ونحن فى الأوسط
فربما خرجت فى بعض الليل فأرى المصباح فأصيح بالغلام فيسمع صوتى
فيقول : بحقى عليك ايرق . فأرق فاذا قرطاس ودواة فأقول : مه ياأبا عبد الله
فيقول: تفكرت فى معنى حديث، أو مسألة، خفت أن يذهب على. فأمرت
بالمصباح وكتبت ما أملانى .
* حدثنا محمد بن المظفر ثنا أبو الجرير عبد الوهاب بن سعد بن عثمان بن
عبد الحكم ثنا جعفر عن أبى خلف ثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت
أبى يقول : ما رأت عيناى مثل الشافعى.
: حدثنا محمد بن المظفر ثنا محمد بن بشر بن عبد الله عن هاشم بن مرئد

- ٩٧ -
قال : سمعت يحيى بن معين يقول : الشافعى صدوق ليس به بأس.
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو الطيب أحمد بن روح الزعفرانى قال :
كنت مع يحيى بن معين فى جنازة فقال له رجل: يا با زكريا ما تقول فى الشافعى؟
قال: دع هذا عنك، لو كان الكذب له مطلقا ل كانت مروءته تمنعه أن يكذب.
* حدثنا محمد بن حميد ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال سمعت محمد بن
مسلم بن واره يقول: قدمت من مصر فأتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلم
عليه قال: كتبت كتب الشافعى؟ قلت. لا. قال: فرطت، ما علمنا المجمل من
المفصل ، ولاناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه حتى
جالسنا الشافعى، قال : حملنى ذلك إلى أن رجعت إلى مصر وكتبتها تم قدمت.
* حدثنا الشيخ أبو أحمد بن عبدالله ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا
أبو بكر بن أبى حاتم ثنا محمد بن مسلم بن واره قال: سألت أحمدبن حنبل قلت:
ما ترى لى من الكتب أن أنظر فيها لنفتح الآثار! رأى مالك أو الثورى ،أو
الأوزاعى؟ فقال لى قولا أجلهم أن أذكره لك . فقال: عليك بالشافعى فانه
أكبرهم صواباً وأنبعهم للآثار. قلت لأحمد: فما ترى فى كتب الشافعى التى عند
العراقيين أحب إليك، أو التى عندهم مصر؟ قال: عليك بالكتب التى وضعها
بمصر، فانه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر فأحكم
ذاا: ثم . فلما سمعت ذاك من أحمد - وكنت قبل ذلك قد عزمت على الرجوع
إلى البلد وتحدث الناس بذلك - تركت ذلك وعزمت على الرجوع إلى مصر.
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن روح ثنا محمد بن عبد الله الرازى
قال : سمعت ابن راهويه يقول: كنت مع أحمد بمكة فقال : تعال حتى أريك
وجلا لم ترعيناك مثله . فأرانى الشافعى .
* حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إسحاق بن أحمد الفارسى قال سمعت محمد
ابن خالد بن يزيد الشيبانى يقول عن حميد بن زنجويه قال سمعت أحمد بن حنبل
يقول: يروى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يمن على
أهل دينه فى رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتى يبين لهم أمر دينهم، وإنى
(٧ - حليه - تاسع)

- ٩٨ -
نظرت فى سنة مائة فإذا رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر بن
عبد العزيز ونظرت فى رأس المائة الثانية فاذا هو رجل من آل رسول الله
صلى الله عليه وسلم. محمد بن إدريس الشافعى .
* حدثنا أبو محمد بن حیان ثنا إسحاق بن أحمد ثنا محمد بن خالد بن يزيد
الشيبانى قال سمعت الفضيل بن زياد ينبئ عن أحمد بن حنبل فقال: هذا الذى
ترون كله أو عامته من الشافعى وما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعى.
* حدثنا أبو محمد ثنا أبو عبد الله المكى حدثنى ابن مجاهد قال سمعت
محمد بن الليث يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما صليت صلاة منذ كذا
سنة إلا وأنا أدعو للشافعى .
* حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس
أخبرنى أبو عثمان الخوارزمى - نزيل مكة فيما كتب إلى - ثنا محمد بن عبد
الرحمن الدينورى قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: كانت أنفس أصحاب الحديث
فى أيدى أبى حنيفة ما تبرح حتى رأينا الشافعى وكان أفقه الناس ، فى كتاب
الله وفى سنة رسوله، ما كان يكفيه قليل الطلب فى الحديث. قال: وسمعت
ذئبا يقول: كت مع أحمد بن حنبل فى المسجد الجامع فر حسين - يعنى
الکرابیسی۔۔ فقال: هذا ۔ یعنی الشافعی - رحمة من الله، لأنه من آل محمد
صلى الله عليه وسلم. ثم جئت إلى حسين فقلت: ما تقول فى الشافعى؟ فقال
ما أقول فى رجل أسدى إلى أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق ? ما كنا
ندرى ما الكتاب والسنة نحن ولا الألون حتى سمعت من الشافعى الكتاب
والسنة والإجماع. قال: وسمعت محمد بن الفضل البزار يقول : سمعت أبى
یقول : حججت مع أحمد بن حنبل ونزلت معه فی مکان واحد ، ۔۔ أو فی دار
بمكة - وخرج أبو عبد الله باكراً وخرجت أنا بعده، فلما صليت الصبح
درت فى المسجد نجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة وكنت أدور مجلساً مجلساً
طلبا لأبى عبد الله أحمد بن حنبل، حتى وجدته عند شاب أعرابى ، وعليه
ثياب مصبوغة، وعلى رأسه جمة فراجمية (?) حتى قعدت عند أحمد بن حنبل

-٩٩ -
فقلت: أبا عبدالله ! تركت ابن عيينة وعنده الزهرى وعمرو بن ديناروزيادين
علاقة ، ومن التابعين ما الله به عليم ؟ قال : اسكت ، فان فاتك حديث بعلو
تجده بنزول ولا يضرك فى دينك ولا فى عقلك ولا فى فهمك ، إن فاتك عقل
هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أفقه فى كتاب الله
من هذا الفتى القرشى. قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعى.
* حدثنا الحسن بن سعيد بن جعفر ثنا زكريا الساجى قال سمعت الحسن
ابن محمد الزعفرانى يقول: ما ذهبت إلى الشافعى مجلسا قط الا وجدت فيه
أحمد بن حنبل ، وقد كان الشافعى ألزم منك إلى ما انتبهك إلا بضبة الباب .
* حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عمرو بن عثمان المكى ح. وحدثنا الحسن
ابن سعيد ثنا زكريا الساجى تنا عبد الله بن داود عن أبى توبة البغدادى قال :
رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعى فى المسجد الحرام . فقلت يأبا عبد الله !هذا
سفيان بن عيينة فى ناحية المسجد يحدث . فقال: هذا يفوت - يعنى الشافعى
- وذاك لا يفوت ـ يعنى ابن عيينة -.
* حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ذكر جعفر بن أحمد بن ظرس قال
سمعت محمد بن جبريل قال قال يحيى بن معين لما قدم الشافعى : كان أحمد بن
حنبل ينهى عنه، فاستقبلته يوماً والشافعى راكب بغلة وهو يمشى خلفه،
فقلت : يأبا عبد الله أنت كنت تنهانا عنه وأنت تتبعه ؟ قال: اسكت ! إن
لزمت البغلة انتفعت * حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجى ثنا جعفر
قال : سمعت ابن جبريل البزاز يقول مثله .
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن روح ثنا محمد بن ماجه القزوينى
قال : جاء يحيى بن معين يوما إلى أحمد بن حنبل ، فبينا هو عنده إذمر الشافعى
على بغلته، فوثب أحمد فسلم عليه وتبعه، فأبطأ ويحيي جالس، فلما جاء قال
يحيى : يا أبا عبد الله ! كم هذا؟ فقال أحمد: دع هذا عنك، إن أردت الفقه
فالزم ذنب البغلة .
* حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجى ثنا أبو العباس الساجى قال:

- ١٠٠ -
سمعت أحمد بن حنبلى ما لا أحصيه فى المناظرة تجرى بينى وبينه وهو يقول :
هكذا قال أبو عبد الله الشافعى .. ومن ذلك أنه كان يقول: سجدتما السهو
قبل السلام فى الزيادة والنقصان . وقال أحمد بن حنبل : ما رأيت أحداً أتبع
للأثر من الشافعى .
* حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا أبو محمد بن أبى حاتم ثنا أبى
ثنا عبد الملك بن حبيب بن ميمون بن مهران قال قال لى أحمد بن حنبل :
مالك لا تنظر فى كتب الثنافى ؟ فما من أحد وضع الكتب أتبع للسنة
من الشافعى .
* حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن جعفر بن خليل المقرى قال
سمعت أبا جعفر الترمذى يقول: أردت أن أكتب كتب الرأى فرأيت النبي
صلى الله عليه وسلم فى المنام فقلت: يا رسول الله ! أكتب رأى مالك ؟ قال:
ما وافق مته سفتى. فقلت: يا رسول الله ؟ فأ كنب رأى الشافعى ! فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس برأى، إنه رد على من خالف سنتى)).
* حدثنا عبد الله بن محمد بن نصر الترمذى قال : كتبت الحديث تسما
وعشرين سنة، وسمعت مسائل مالك وقوله، ولم يكن لی حسن رأى فى
الشافعى ، فبينا أنا قاعد فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، إذ
غفوت غفوة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام فقلت: يا رسول الله!
أكتب رأى أبى حنيفة؟ قال: لا، قلت: أكتب رأى مالك؟ قال: اكتب
ما وافق سنتى، قلت له: أكتب رأى الشافعى؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان
يتولى، وقال: ليس بالرأى ، هذا ود على من خالف سنتى قال: خرجت فى اثر
هذه الرؤيا إلى مصر فكتبت كتب الشافعى .
* حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ثنا أبو محمد بن أبى حاتم أخبرنى
أبو عثمان الخوارزمى - نزيل مكة فيما كتب إلى - ثنا محمد بن رشيق ثنا محمد بن
الحسن البلخى قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم فقلت:
يا رسول الله! ما تقول فى قول مالك وأهل العراق؟ قال: ((ليس قولى إلا