النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
لأبي الحسن السندي
(٧١٩٤) (٢٣٤/٢)
(خَيْرًا) أي: عظيمًا، كما يدل عليه التنكير، وإلا فكل مؤمن قد أُريد به خير
(يُفَقِّهْهُ) بإعطاء علم يؤدي إلى الخشية (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أي: للدين والفقه،
كأنه اعتذار لهم من نفسه بأن الأمر ليس بيده، والتفاوت بينهم في الفقه ليس
من جهته، والله تعالى أعلم.
(٧١٩٥) (٢٣٤/٢)
قوله: (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) أي: تجزئ أو تكتب (يَذَرُ)(١) أي: يدع (بِجِرَّائِي)
بفتح جيم، وتشديد راء، وهو بالمد والقصر؛ أي: من أجلي (وَلَخُلُوفُ)
بضم، وقيل: أو بفتح، وقد تقدم تحقيق الحديث.
(٧١٩٦) (٢٣٤/٢)
قوله: (كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ) جَوَّزَ أبو البقاء رفع (حَسَنَةً) على أنها نائب
الفاعل، وليس في هذا ذكر الحسنة التي هَمَّ بها؛ بل معناه أنه تعالى أثابه على
هَمِّه بحسنة، ونصبها على أن في (كُتِبَتْ) ضميرًا(٢) للحسنة التي هَمَّ بها،
والمعنى: كتبت الخصلة التي هَمَّ بها حسنة، وانتصابها على الحال؛ أي:
أثبتت له حسنة؛ أي: مثابًا عليها، ويجوز أن يكون مفعولاً به؛ أي: صيّرها له
حسنة. انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون مدار الفائدة: ما تدل عليه لفظة
(حَسَنَةً) من الوحدة؛ أي: كتبت له حسنة واحدة، ثم الموافق لروايات مسلم
للحديث نصب (حَسَنَةً) ففي بعضها: (فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً) وفي بعضها:
(فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً) وقد سبق ما يتعلق بهذا الحديث في مسند ابن عباس (إِلَى
سبعمائة وَسَبْعِ أَمْثَالِهَا) زيادة (وَسَبْعِ أَمْثَالِهَا) موجودة في نسخ ((المسند))
(١) في ((الأصل)): يذع. والمثبت من ((م)) والمسند.
(٢) في ((م)) ضمير.

٣٦٢
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
ولم توجد في روايات مسلم وغيره، ولعل الضمير لسبعمائة أو لمائة، وعلى
الثاني كأنه في المعنى تأكيد(١) لسبعمائة وتكرار له، وعلى الأول لعله بيان
المضاعفة التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البَقَرَة: ٢٦١]
ويمكن حمله على الثاني على هذا أيضًا، على أن يراد: وبسبع (٢) أمثالها
سبعمائة أُخر كما هو مقتضى العطف ظاهرًا، وقد جاء بعد هذا في أصلنا:
(فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً) وهو تكرار للأول، ذُكِرَ تأكيدًا له؛ لأن كتابة
(حَسَنَةً) على تقدير عدم العمل مما تستبعده العقول، ثم ذكر بعده في أصلنا:
(وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا؛ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً
وَاحِدَةً، فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا؛ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ) فقوله: (فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ
عَلَيْهِ) ثانيًا تكرار للتأكيد أيضًا، كرره لما فيه من بيان عفوه عن همِّ المعصية،
مع أن العقل يقتضي ظاهرًا أن همَّ السيئة سيئة، فينبغي أن يكتب عليه، وإنما
تعرضنا لعبارة أصلنا؛ لما وقع في بعض الأصول هاهنا من السقط المخل
للمعنى، وكأنه بسبب ما وقع في الحديث من التكرار ؛ للتأكيد أسقطه بعض
الكاتبين، والله تعالى أعلم.
(٧١٩٧) (٢ /٢٣٤)
قوله : (فُقِدَتْ) على بناء المفعول؛ أي: غابت عن الناس (ولَمْ يُدْرَ) على
بناء المفعول (مَا فَعَلَتْ) على بناء الفاعل؛ أي: ما حصل لها وما طرأ عليها
(لَا أُرَاهَا) بضم الألف؛ أي: لا أظنها إلا الفأرة، يريد أنها مُسِخَت فأرًا،
وظاهر هذا الحديث أن الفأرة الموجودة اليوم من نسلها؛ فإنها على خصال بني
إسرائيل في ترك ألبان الإبل، فهذا الحديث يفيد بقاء ما مسخه اللّه تعالى من
الأقوام، وكذا جاء في الضب مثل ذلك، وقد جاء في الصحيح ما يدل على أنه
(١) في ((م)): تأكيدًا.
(٢) في ((م)): ولسبع.

٣٦٣
لأبي الحسن السندي
لا بقاء له ولا لنسله، وظاهر هذا الحديث يدل على أنه قاله على سبيل التخمين
قبل العلم بأنه لا بقاء له؛ فلا إشكال، ويحتمل أن المراد: بيان المجانسة بأن
تلك الأقوام مُسِخَت فأرًا، فأخذ الفأر المعهود بعض طباعها و(١) تَعلَّم منها،
فلذلك الفأر المعهود يشرب بعض الألبان دون بعض، وهذا ممكن غير مستبعد
من قدرة القادر تعالى، وقد جَوَّزَ بعض أهل العلم مثل هذا في القرد، واللَّه
تعالى أعلم (أَتَقْرَأْ التَّوْرَاةَ؟) أي: إنك تستبعده اعتمادًا على التوراة مع أن
التوراة قد وقع فيها من التحريف ما لم يبق معه اعتماد عليه؛ فاتركها .
(٧١٩٨) (٢ /٢٣٤)
قوله: (قَالَ: فِي الْكِتَابِ) (٢) أي: في كتابه، قوله: (بَيْنَ شُعَبِهَا) بضم
الشين المعجمة، وفتح العين المهملة؛ أي: نواحيها، قيل: يداها ورجلاها،
وقيل: نواحي الفرج الأربع، وضمير (جَلَسَ) للواطئ، وضمير (شُعَبِهَا)
للمرأة، وأحيل التعيين إلى قرينة المقام (جَهَدَهَا) دفعها وأَتعبها(٣)، كناية عن
معالجة الإيلاج، والحديث يدل على أن الإنزال غير مشروط في وجوب
الغسل؛ بل المدار على الإيلاج.
(٧١٩٩) (٢٣٤/٢)
قوله: (إِنِّي أَنْظُرُ ... ) إلخ، عُدِّي النظر لتضمينه معنى الرؤية؛ أي: أرى
ما ورائي، أو هو بتقدير: إلى، فهو من قبيل الحذف والإيصال؛ كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] والحديث يدل على رؤيته من
(١) زاد في ((م)): لا.
(٢) قول أبي قطن: ((هو في الكتاب مرفوع)) قال الشيخ أحمد شاكر: ((هو حكاية لقول هشام
الدستوائي، يريد هشام به: توثيق رفع الحديث إلى النبي (َّ﴾ وتوكيده من حفظه ومن كتابه))
المسند (١٢ /١٨٥).
(٣) في ((الأصل: أتبعها. والمثبت من ((م)).

٣٦٤
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
وراءه، ولا بعد فيها (١) من جهة القدرة، فوجب إجراؤها على ظاهرها،
وكونها كانت بهذه العين أو بعين أخرى خلقها الله تعالى من ورائه، فذاك غير
معلوم؛ فلا وجه للبحث عنه (فَسَوُّوا) من التسوية؛ أي: كما لو كنتم قدامي.
(٧٢٠٠) (٢ /٢٣٤)
قوله: (لَا تَقَدَّمُوا) أي: لا تتقدموا، بحذف إحدى التاءين (بَيْنَ يَدَيْ
رَمَضَانَ) أي: قدامه (بِيَوْم) أي: بصوم يوم، والباء للتعدية (إِلَّا رَجُلٌ) استثناء
من فاعل (لَا تَقَدَّمُوا) ورفعه على البَدَلية؛ أي: إلا رجل منكم يعتاد الصوم؛
فليصم عادته، وهذا(٢) النهي حمله بعضهم على أن يكون بنية رمضان، أو
لتكثير عدد صيامه، أو على صوم يوم الشك، ولا يخفى أن قوله:
(وَلَا يَوْمَيْنِ) لا يناسب الحمل على الشك؛ إذ لا يقع الشك عادة في يومين،
والاستثناء بقوله: (إلا أن يكون شيء ... ) إلخ، لا يناسب التأويلات الأُوَل؛
إذ لازمه جواز صوم يوم أو يومين لمن يعتاده بنية رمضان مثلاً، وهذا فاسد،
والوَجْه: أن يُحمل النهي على الدوام؛ أي: لا تُداوموا على التقدم؛ لما فيه من
إيهام لُحُوق هذا الصوم برمضان إلا لمن يعتاد المداومة على صوم آخر الشهر،
فإنه لو داوم عليه لا يُتَوهَّم في صومه اللحوق برمضان، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠١) (٢٣٤/٢-٢٣٥)
قوله: (إِحْدَى صَلاَتَيْ الْعَشِيِّ) بفتح عين، وكسر معجمة، وتشدید یاء؛
أي: آخر النهار ما بين زوال الشمس وغروبها (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: اعتمد، وهو
من إطلاق القول على الفعل، وهو كثير في كلام العرب (السَّرَعَانُ) بفتحتين،
وجَوَّزَ سكون الراء: المُسْرِعون إلى الخروج، وضبط بضم أو كسر فسكون:
جمع سريع (قَالَ) أي: بعضهم لبعض (أَقَصُرَتْ الصَّلاَةُ) بضم الصاد أو على
(٢) في ((الأصل)): هنا. والمثبت من ((م)).
(١) من ((م)).

٣٦٥
لأبي الحسن السندي
بناء المفعول، قيل: وهو الأشهر، قالوه على وجه التقرير، أو على وجه
السؤال، وأجاب الآخرون بنعم (فَهَابَاهُ) تعظيمًا وتبجيلاً؛ لمعرفتهما جاهه
وقدره، زادهما اللَّه تعالى (يُسَمَّى: ذَو الْيَدَيْنِ) حكاية للاسم على حالة الرفع
التي هي أشرف الأحوال، وإلا فالظاهر (ذَا الْيَدَيْنِ) كما وقع في رواية غيره
(لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ) خرج على حسب الظن، ويعتبر الظن قيدًا في الكلام
تُرِك ذكره؛ بناءً على أن الغالب في بيان أمثال هذه الأشياء ؛ أن يجري فيها
الكلام بالنظر إلى الظن، فكأنه: قال (١) : ما نسيتُ ولا قُصِرت في ظني، وهذا
الكلام صادق لا غبار عليه، ولا يتوهم فيه شائبة كذب، وليس مبنى الجواب
على كون الصدق المطابقة للظن؛ بل على أنه مطابقة الواقع، فافهم (قَالَ: كَمَا
يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟) أي: قال رسول اللَّه ◌َل بعدما جزم ذو اليدين بوقوع
البعض: الأمر كما يقول ذو اليدين؟ قاله استفهامًا (فَجَاءَ فَصَلَّى) قالوا: وليس
فيه رجوع المصلي إلى قول غيره، وترك العمل بيقين نفسه؛ لجواز أنه سألهم
ليتذكر، فلما ذَكَّروه تَذَكَّر، فعلم السهو فبنى عليه لا أنه رجع إلى مجرد
قولهم. قلت: يمكن أنه شك، فأخذ بقول الغير، والجزم بأنه (٢) تذكر
لا يخلو عن نظر، والله تعالى أعلم. واستدل بالحديث من قال: الكلام مطلقًا
لا يبطل الصلاة؛ بل ما يكون لإصلاحها فهو معفو، ومن يقول بإبطال الكلام
مطلقًا يحمل الحديث على أنه قبل نسخ إباحة الكلام في الصلاة، لكن يُشْكَل
عليهم: أن النسخ كان قبل بدر، وهذه الواقعة قد حضرها أبو هريرة وكان
إسلامه أيام خيبر، وقال صاحب ((البحر)) من علمائنا الحنفية: ولم أر لهذا
الإيراد جوابًا شافيًا، والله تعالى أعلم. (فَكَانَ مُحَمَّدٌ يُسْأَلُ (٣) ثُمَّ سَلَّمَ؟) أي:
يقول له السائل: ثم (٤) سَلَّمَ؟ .
(١) في ((الأصل، م)): قيل.
(٢) في ((م)): أنه .
(٣) في ((الأصل)): سئل. وفي ((م)): قبل. والمثبت من المسند.
(٤) في ((الأصل)): أثم.

٣٦٦
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
(٧٢٠٢) (٢٣٥/٢)
قوله: (هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً) أي: قلوبهم أسرع إلى قبول الحق، ولذلك آمنوا
وهاجروا إليه بلا سبق محاربة (الْإِيمَانُ يَمَانٍ) أصله: (يَمَنِيٌّ) بتشديد الياء
للنسبة، ثم حذفت إحديهما وعوض عنها الألف، وقيل: قُدِّمت إحديهما، ثم
قلبت الفاء فصار كقاض، وعلى هذا القول فـ(يَمَانِيَةٌ) بتخفيف الياء، وهو
المشهور الأصح، وحكي تشديدها على الجمع بين العوض والمعوض عنه،
قيل: قال هذا القول وهو بتبوك، وأراد بـ (الْيَمَنِ): مكة والمدينة، وقيل: قاله
لأن الأنصار أصلهم: من اليمن، وقيل: لأن ابتداء الإيمان كان من مكة، وهو
من اليمن. قلت: كل ذلك لا يناسب أول الحديث؛ بل الوَجْه: أنه قال ذلك؛
لأن أهل اليمن أسرع إلى قبوله، وأجد (١) في طلبه وطلب الحكمة والفقة في
الدين؛ فإنهم آمنوا وهاجروا لطلب الدين بلا سبق محاربة، والله تعالى أعلم،
ولعل المراد بـ (الْحِكْمَةُ): علم أصول الإيمان، وبـ (الْفِقْهُ): علم فروعه، فبَيِّنَ
أن الإيمان وتحقيق أصوله وفروعه له اختصاص بأهل اليمن لما ذكرنا.
(٧٢٠٣) (٢٣٥/٢)
قوله: (يُنْجِيهِ) من الإنجاء أو التنجية؛ أي: يستقبل عمله بإنجائه من
العذاب من غير حاجة إلى رحمة العزيز الوهاب، والمقصود: أن كل أحد
يحتاج إلى رحمته تعالى ومغفرته، ولا أحد يستغني بعمله عنهما؛ كيف وهو في
عمله أولاً: يحتاج إلى توفيقه تعالى، وثانيًا: في القبول إلى رحمته؟ ثم هو
لا يفي بأداء شكره في مقابلة بعض نعمه الدنيوية؛ فكيف يصلح سببًا للنجاة من
النيران وللدخول في الجنان بلا حاجة إلى رحمة الرحمن؟ وليس معنى الحديث
أنه لا حاجة إلى العمل وأنه لا ينفع أصلاً؛ بل معناه: أن المرء معه يحتاج إلى
(١) في ((الأصل)): واجبة. والمثبت من ((م)).

٣٦٧
لأبي الحسن السندي
الرحمة كما قلنا، ولذلك قال: (إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ) أي: لا ينجيني عملي في
وقت إلا وقت أن يتغمدني اللَّه، فينجني العمل حينئذ، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠٤) (٢٣٥/٢)
قوله: (لَتُؤَدَّنَّ) على بناء المفعول بيان لعدله تعالى، وفيه حثّ على ترك
الظلم وأداء الحقوق إلى أهلها في الدنيا (حَتَّى يُقْتَصَّ) على بناء المفعول؛
أي: يؤخذ القصاص (الْجَمَّاءِ) بفتح فتشديد، التي لا قرن لها (تنْطَحُهَا)
المشهور: رواية كسر الطاء، ويجوز الفتح، بيان لكيفية القصاص؛ أي:
الجماء تنطح القرناء في القصاص، أو بيان لعلته؛ أي: القرناء تنطح الجماء في
الدنيا؛ فلذلك أخذ القصاص، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠٥) (٢٣٥/٢)
قوله: (الْمُسْتَبَّانِ) افتعال من السَّبِّ، وهما اللذان يسبُّ كل منهما صاحبه
(فَعَلَى الْبَادِئِ) أي: فإثم ما قالا على من شرع أولاً؛ لأنه الذي سَبَّ وتسبب
لِسَبِّ الآخر، ولكن ما دام الآخر لا يتجاوز حدَّ الاقتصاص؛ لأنه تسبب لذلك
القدر، فإن جاوز صار مستحقًّا لإثم الزائد لعدم تسبب الأول للزائد، وقوله:
(مَا لَمْ يَعْتَدِي) هكذا في النسخ، والموافق للقواعد (يَعْتَدِ) وقد مَرَّ توجيه
مثله، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠٦) (٢٣٥/٢)
قوله: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ) قيل: (مِنْ) تحتمل أن تكون زائدة؛
ما نقصت مالاً، وأن تكون صلة لـ (نَقَصَتْ) والمفعول محذوف؛ أي:
ما نقصت شيئًا من مال، وذلك إما بأن يبارك فيه، ويدفع عنه المفسدات فينجبر
نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا معلوم عادةً، أو بأن نقصه لكونه مُنجَبِرًا
بالثواب لا يُعَدُّ نقصًا (عَنْ مَظْلَمَةٍ) بكسر لام وجوز فتحها، وأنكره بعض،
وقيل: بضم لامه أيضًا، يُقال: لما أُخذ من الإنسان ظلمًا، والمراد: ما جرى

٣٦٨
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
عليه ظلمًا أعم من المال، وجاء بمعنى: الظلم (بِهَا) أي: بهذه العادة التي هي
العفو، أو بمقابلة الظلم (١)، أو بسبب تحمله إياها (عِزَّا) إما في الآخرة أو في
الدنيا؛ لأن من عُرِفَ بالعفو والصفح (٢) ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه
وكرامته (وَلَا تَوَاضَعَ) هكذا في نسخ ((المسند)) بالاقتصار على لفظ (تَوَاضَعَ)
والظاهر: أن فيه سقطًا من الرواة، والذي في مسلم: ((وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إلَّا
رَفَعَهُ اللَّهُ تعالى)) ورفعه يكون في الآخرة، أو في الدنيا بأن يثبت له في القلوب
بتواضعه منزلةً ورِفْعَةً عند الناس، ويمكن إرادة الوجهين في المواضع الثلاثة.
قلت: وبالجملة فالحديث جاء لرفع ما يمنع المتصدق (٣) من النقص صورة،
والعافي من توهم الذل، والمتواضع من الخفض ببيان أن هذه الأعمال تؤدي
إلى خلاف ذلك، ففيه حث للناس على هذه الأعمال، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠٧) (٢٣٥/٢)
قوله: (مَنْفَقَةٌ) هو وما بعده مَفعَلة، بفتح ميم وعين؛ أي: موضع لنفاقها،
ورواجها، ومظنة له في الحال، و(مَمْحَقَةٌ) أي: موضع لنقصان البركة،
ومَظِنَّة له في المال بأن يسلط اللَّه عليه وجوهًا يُتْلَف فيها؛ إما سرقًا أو حرقًا أو
غرقًا أو غَصْبًا أو نهبًا، أو عوارض ينفق فيها من أمراض وقحط وغير ذلك مما
شاء الله، كذا قيل.
(٧٢٠٨) (٢٣٥/٢)
قوله: (نَهِى عَنْ النَّذْرِ) أي: بظن أنه يفيد في حصول المطلوب،
والخلاص عن المكروه (لَا يُقَدِّمُ) من التقديم (شَيْئًا) أراد الله تأخيره (مِنْ
الْبَخِيلِ) الذي لا يأتي بهذه الطاعة إلا في مقابلة شفاء مريض ونحوه مما عَلَّقَ
(١) في ((م)): المظلمة.
(٣) في ((م)): التصدق.
(٢) في ((م)): الصلح.

٣٦٩
لأبي الحسن السندي
النذر عليه، وقال الخطابي: نهى عن النذر تأكيدًا لأمره، وتحذيرًا للتهاون به
بعد إيجابه، وليس النهي لإفادة أنه معصية؛ وإلا لما وجب الوفاء به بعد كونه
معصية. قلت: ما ذكرنا أوضح مما ذكره؛ فإنه لا دلالة للفظ الحديث على ما
ذكره؛ فليتأمل، والله تعالى أعلم.
(٧٢٠٩) (٢٣٥/٢)
قوله: (الدَّرَجَاتِ) أي: منازل الجنة (وَيُكَفِّرُ بِهِ الْخَطَايَا) أي: يغفرها أو
يمحوها من كتب الحفظة، ويكون ذلك المحو دليلاً على غفرانها، وهذا هو
ظاهر رواية (١): (يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا). (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) إتمامه بتطويل
الغُرَّة، والتثليث، والدَّلك (فِي الْمَكَارِهِ) جمع مَكْره؛ بفتح الميم، من الكره،
بمعنى: المشقة؛ كبرد الماء، وألم الجسم، والاشتغال بالوضوء مع ترك أمور
الدنيا، و(٢) قيل: ومنها: الجد في طلب الماء وشرائه بالثمن الغالي (وَكَثْرَةُ
الْخُطَا) بِبُعْد الدار ( وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ) بالجلوس لها في المسجد، أو تعلق القلب
بها، والتأهب لها .
(٧٢١٠) (٢٣٥/٢)
قوله: (الْمُؤْمِنُ يَغَارُ) بفتح الياء، يُقال: غار على أهله، يغار غيرًا وغيرةً
أي: الغيرة من شأن المؤمن وخلقه، وليست من الأمور المضادة لمقتضى
الإيمان (غَيْرًا) بفتح فسكون؛ أي: غَيْرةً؛ أي: فيجب الوقوف عند حدوده،
ولا ينبغي تجاوزها بالغَيْرة؛ فإن مقتضى الغيرة(٣) مرعيَّة في حدوده وشرائعه
على وجه الكمال، فما بقي في التجاوز عنها غَيْرة؛ بل صار التجاوز عنها سفهًا
محضًا، والله تعالى أعلم.
(١) ((المسند)) (٣٠٣/٢).
(٣) في ((م)): الغيرية.
(٢) من (م)).

٣٧٠
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
(٧٢١١) (٢٣٥/٢)
قوله: (لَقِيتُ ... ) إلخ، يدل على جواز خروج الجنب إلى السوق ونحوه
(فَانْسَلَلْتُ) أي: خرجت بتدريج (الرَّحْلَ) أي: المنزل (لَا يَنْجُسُ) بفتح
الجيم وضمها؛ أي: الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المصاحبة، وتقطع عن
المجالسة، وإنما هو أمر تعبدي، والله تعالى أعلم.
(٧٢١٢) (٢٣٥/٢)
قوله: (أَْوَلُكُمْ أَعْمَارًا) فإن طول العمر مع حسن العمل ربح؛ أيُّ ربح!
(٧٢١٣) (٢٣٦/٢)
قوله: (يَمُدُّ يَدَيْهِ) أي: ويرفعهما (حَتَّى إِنِّي) أي: من المبالغة في رفعهما.
(٧٢١٤) (٢٣٦/٢)
قوله: (كَتَبَ الْجُمُعَةَ) ظاهره: أنه أوجب (١) عليهم يوم الجمعة بعينها،
والعبادة فيه، فاختاروا لأنفسهم يومًا آخر، وطلبوا أن يبدل اللَّه لهم ذلك اليوم
الآخر فأجيبوا إلى ذلك، ولا يستبعد مثل ذلك من قوم قالوا لنبيهم ﴿أَجْعَل لَّنَاَ
إِلَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٨] (وَهَدَانَا اللَّهُ لَهَا) حيث وفقنا لقبوله(٢)، وثبتنا عليه (غَدًا
لِلْيَهُودِ) أي: فالعيد غدًا لليهود؛ أي: في يوم بعد يوم الجمعة.
(٧٢١٥) (٢٣٦/٢)
قوله: (لَا يَرَىُ بِهَا بَأْسًا) أي: لا يبالي بها، ولا يعظم عنده قبحُها،
والجملة حال، وكذا جملة (يَهْوِي بِهَا) وهو بكسر الواو: من باب ضرب؛
أي: ينحطُّ وينزل؛ أي: فلا ينبغي إرسال اللسان، وعدم المبالاة بالكلام،
واللَّه تعالى أعلم.
(١) في ((الأصل)): واجب. والمثبت من ((م)).
(٢) في ((م)): بقبوله.
:

٣٧١
لأبي الحسن السندي
(٧٢١٦) (٢٣٦/٢)
قوله: (فَصَلٌ) بتشديد اللام، وتعديته ب على لتضمين معنى(١) البناء؛ أي:
فصلٌّ بانيًا عليها أخرى وإن طلعت الشمس، وبه أخذ الجمهور، وخلافه غير
قوي، والله تعالى أعلم.
(٧٢١٧) (٢٣٦/٢)
قوله: (فَأَلْقَتْ) أي: أسقطت (٢) الأخرى المرمية أو الرامية (جَنِينًا) كان
في بطن المرمية (فِيهَا) أي: في جنينها (بِغُرَّةٍ) المشهور: تنوين غُرَّةٍ، وما بعده
بدل منه، أو بيان له، وروى بعضهم بالإضافة، و(أو) للتقسيم لا للشك؛ فإن
كلاَّ من العبد والأمة يُقال له: الغُرَّة؛ إذ الغرة: اسم للإنسان المملوك، ويطلق
على معانٍ أُخَر أيضًا.
(٧٢١٨) (٢٣٦/٢)
قوله: (مَا ذَعَرْتُهَا) بمعجمة، ومهملة، من الذعر؛ أي: ما نَفَّرْتها (لَابَتَيْهَا )
حرَّتیها .
(٧٢١٩) (٢٣٦/٢)
قوله: (بِالصُّرَعَةِ) بضم صاد، وفتح راء، المبالِغُ في صراع الناس؛ أي:
يطرحهم على الأرض، ويُقال له: الصريع؛ كالسكين، والصُرْعة بضم
فسكون: من يسقطه الناس، ويُقال له: صريع؛ كأمير، والباء زائدة في خبر
(لَيْسَ) والمراد: أن القوي من يدفع نفسه التي هي أعدى عدو الإنسان عند
قيامها لا من يدفع غيره، والمراد: أنه الممدوح شرعًا، لا أنه لا يطلق الاسم
إلا عليه، وقيل: هو من قبيل نقل الاسم، والله تعالى أعلم.
(١) زاد في ((م)): أي.
(٢) في ((م)): سقطت.

٣٧٢
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
(٧٢٢٠) (٢٣٦/٢)
قوله: (كَانَ يُكَبِّرُ) أي: في الصلاة (كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) عام مخصوص
بغير الرفع من الركوع، وخصوص العام غير عزيز حتى قيل: ما من عام إلا
وقد خُصَّ منه البعض، ثم نفس (١) هذه القاعدة أيضًا عام مخصوص بنحو قوله
تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٩] فهي موافقة لمقتضاها (وَيَقُولُ: إِنِّي
أَشْبَهُكُمْ) لأن الناس تركوا هذه التكبيرات، فيبين لهم أن هذه التكبيرات مسنونة
حتى يرجعوا إليها، وليس مقصوده: الافتخار، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم.
(٧٢٢١) (٢٣٦/٢)
قوله: (فَلْيَنْثُرْ) من نَصَرَ وضَرَبَ؛ أي: فليُخْرِج الماء من أنفه بقوة؛ تنقيةً
له، أو ليُخْرِج الأذى منه (وَمَنْ اسْتَجْمَرَ) أي: استعمل الأحجار الصِّغار
للاستنجاء، أو بخر الثياب، أو أكفان الميت، والأول أشهر (فَلْيُوتِرْ) أي:
فليستعمل الوتر؛ لما جاء أنه تعالى يحب الوتر.
(٧٢٢٢) (٢٣٦/٢)
قوله: (تُسَافِرُ) أي: أن تسافر، وهو فاعل ((لا يحل)) بتقدير أن، أو بإرادة
المصدر، واستعمال الفعل على هذا الوجه كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ
ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الزُّوم: ٢٤] ويمكن أن يُقال: هذه الجملة أيضًا صفة
( لاِمْرَأَةٍ) والفاعل يؤخذ منها؛ أي: لا يحلُّ لامرأة مسافرة فِعلها - الذي هو
السفر - لكن هذا بعيد من القواعد (يَوْمًا وَلَيْلَةً) قد جاءت المدة مختلفة،
فالظاهر أن المراد: إطلاق السفر، وإنما جاءت المدة مختلفة نظرًا إلى حال
الخطاب، والله تعالى أعلم (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرم) أي: إذا لم يكن معها زوج،
وترك السفر مع الزوج لظهوره، والله تعالى أعلم.
(١) في ((م)): نفسر.

٣٧٣
لأبي الحسن السندي
(٧٢٢٣) (٢٣٦/٢)
قوله: (مَا بَيْنَ بَيْتِي) المراد: البيت المعهود، وهو بيت عائشة الذي صار
فيه قبره، وفي رواية الطبراني(١): ((ما بين المنبر وبيت عائشة))، وفي رواية
البزار (٢): ((ما بين قبري ومنبري رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)) قيل: على ظاهره،
وأنه قد نقل من الجنة، وسينقل إليها، وقيل: العبادة فيها سببٌ مؤدٍ (٣) إلى
روضة من رياض الجنة (عَلَى حَوْضِي) أي: سينقل إلى الحوض، فيكون له
وَلّه هنا منبرًا، أو أن الأرض التي هو فيها منقولة من حوالي الحوض وستنقل
إلى مقرها، فصار المنبر الآن على الحوض.
(٧٢٢٤) (٢٣٦/٢)
قوله: (كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) كالأسد والذئب والكلب، وأمثالها مما
يعدو على الناس بأنيابه، والناب: السن الذي خلف الرباعية.
(٧٢٢٥) (٢٣٦/٢)
قوله: (قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ) لما فيه من المشقة والتعب، ومعاناة (٤) الحر
والبرد، والخوف، وترك النوم، ومفارقة الأهل والأصحاب، وخشونة العيش،
ثم هذا هو لفظ الحديث، وأما ما اشتهر على الألسنة من قوله: ((السفر قطعة
من سقر))(٥) فلعله نقل بالمعنى (أَحَدَكُمْ) بالنصب (طَعَامَهُ) بالنصب؛ أي:
على وجه يشتهى (نَهْمَتَهُ) بفتح، فسكون؛ أي: حاجته الضرورية، كأن مراده
وَله: بيان أنه ينبغي أن يكون سفر الإنسان على قدر حاجته الضرورية،
ولا ينبغي أن يكون سفره لفضول المال؛ فإن المال يطلب للراحة فترك الراحة
لأجله واختيار العذاب له خلاف المعقول، والله تعالى أعلم.
(١) ((المعجم الأوسط)) (٢٦٩/٣ رقم ٣١١٢).
(٣) في ((الأصل)) : مؤدي.
(٢) ((مسند البزار)) (٤٨/٢ رقم ٥١١).
(٤) في ((م)): والمعاناة.
(٥) في ((الأصل، م)): السفر.

٣٧٤
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
(٧٢٢٦) (٢٣٦/٢)
قوله: (مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان كما في رواية (وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) من الخير
والبركة؛ كما في رواية (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) سبيلاً إلى تحصيله بطريق (إِلَّا أَنْ
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) أي: بأن يستهموا عليه، وضمير (عَلَيْهِ) لـ(مَا) وقيل: للمذكور
من النداء والصف الأول، والاستهام: الاقتراع؛ أي: إلا بالقرعة، وفيه:
تجهيل للمتساهلين في هذا الأمر، فلا يَرِد عليهم(١) أنهم قد عَلِمُوا بِخَبَرِ
الصَّادِق، وهم بسعة من تحصيله بلا استهام ومع هذا لَا يُحَصِّلُونَهُ؛ فكيف
يَصْدُق الخبر بأنهم لو عَلِمُوا لَاسْتَهَمُوا؟ (وَلَوْ يَعْلَمُوا) حذفت النون لمجرد
التخفيف، وهو كثير (التَّهْجِيرِ) أي: التبكير (٢) إلى الصلاة مطلقًا، وقيل:
الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التَّهْجِير من الْهَاجِرَة (لَاسْتَبَقُوا
إِلَيْهِ) أي: سَبَقَ بعضهم بعضًا إليه لا بسرعة المشي في الطريق؛ فإنه ممنوع؛
بل بالخروج إليه، والانتظار في المسجد قبل الآخِرِ (حَبْوًا) كما يمشي الصبي
أول أمره.
(٧٢٢٧) (٢٣٦/٢)
قوله: (فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَكَ) أي: كنت ميتًا؛ لكثرة ما يطرأ عليه
من الهموم والأحزان.
(٧٢٢٨) (٢٣٦/٢-٢٣٧)
قوله: (حَتَّى يُبْعَثَ) أي: يُخلق، وقيل: يخرج، ولعل التعبير بالبعث
لزعمهم أنهم رُسُل، ففيه مشاكلة تقديرية استهزاءً بهم، ويحتمل أن المراد أن
الشيطان يبعثهم، فهم رُسُل الشيطان (دَجَّالُونَ) من الدَّجْل، وهو الخلط؛ أي:
خَلاَّطون بين الحق والباطل، يدعون النبوة لا الإلهية (٣)، وقد وجد منهم كثير
(١) من ((م)).
(٢) في ((الأصل)): التكبير. والمثبت من ((م)). (٣) في ((الأصل)): الآلهة.

٣٧٥
لأبي الحسن السندي
في الأعصار، أهلكهم اللَّه، وكذلك يفعل بمن بَقِيَ، والدَجَّال الأعظم خارج
عن هذا العدد، وهو يدَّعِي الإلهية، وبه فارق الدَجَّالين (قَرِيبٌ ) بالرفع؛ أي:
عددهم قريب.
(٧٢٢٩) (٢٣٧/٢)
قوله: (كَذَاكَ)(١) أي: عِلْمي ذلك، وهو أنه قال كذلك.
(٧٢٣٠) (٢ /٢٣٧)
قوله: (وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ) المراد بالسَّعْي: الإسراع، وقد يطلق على مطلق
المشي أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩] (وَعَلَيْكُمْ
السَّكِينَةُ) جملة حالية في مقابلة قوله: (وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ) واختلفوا في المسبوق؛
هل ما يصلي بعد الإمام، أول صلاته، أم آخرها؟ فمن قال بالأول؛ استدل
برواية: ((اقْضُوا)) ومن قال بالآخر؛ استدل برواية: ((أَتِمُّوا)) أجيب: بأن أصل
القضاء: هو الأداء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ [الجُمُعَة: ١٠] ﴿فَإِذَا
قَضَيْتُم مََّاسِكَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٠٠] والفرق بينهما: اصطلاح الفقهاء، وهو
حادث؛ فلا فرق بين الروايتين، والله تعالى أعلم.
(٧٢٣١) (٢٣٧/٢)
قوله: (أَيْنَ الْمُتَحَابِينَ) هكذا في نسخ ((المسند)) وفي صحيح مسلم(٢):
((أَيْنَ الْمُتَحَابُونَ)) وهو الظاهر، ولعل توجيه ما في ((المسند)) أن المعنى: أين
موقفهم؟ ثم حذف المضاف (٣)، وأبقى المضاف إليه مجرورًا، كما قيل في قوله
قلے
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] على قراءة جر ﴿اَلْآَخِرَةَ﴾ أو المعنى:
أين ترونهم؟ على أنه خطاب للملائكة؛ ليجمعوهم في الظل، والله تعالى
(١) في ((م)): كذلك.
(٣) زاد في ((الأصل)): إليه.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٥٦٦).

٣٧٦
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
أعلم، قوله: (بِجَلالِي) أي: لأجلي ولوجهي، لا للَّهوىُ (فِي ظِلِّي) أي: ظل
عرشي، أو في الظل الذي لا يُمَكِّن لأحدٍ إلا بإذني؛ فالإضافة لأدنى ملابسة.
(٧٢٣٢) (٢٣٧/٢)
قوله: (أُمِرْتُ) على بناء المفعول (بِقَرْيَةٍ) باستيطانها والنزول فيها (تَأْكُلُ
الْقُرَى) أي: تغلبها، وتظهر عليها، بمعنى: أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد،
فتفتح تلك البلاد منها، كذا قيل. قلت: ويمكن أن يكون المراد أنها تُفْنِيها
بانتقال أهل تلك القرى إليها، كما جاء في آخر الزمان، والله تعالى أعلم.
(يَقُولُونَ) أي: أهل الجاهلية لها؛ أي: إنهم كانوا يسمونها بهذا الاسم، قيل:
سُمِّيت باسم واحدٍ نزل بها من العمالقة، وكره وَّةِ التسمية به؛ لدلالته على
التوبيخ، فغيَّره إلى المدينة، من: مدن بالمكان: إذا أقام به؛ للدلالة على أنه
محل لثباته ولثبات المؤمنين فيه، ومعنى (وَهِيَ الْمَدِينَةُ) أي: هي حقيقة بهذا
الاسم دون ذاك، حُكِي عن عِيسَى بن دِينَار ((أَنَّ مَنْ سَمَّاهَا بَيَثْرِبَ؛ كُتِبَتْ عَلَيْهِ
خَطِيئَة)) (١) وذلك لأن التثريب هو التَّوْبِيخ وَالْمَلَمَة، وكان ◌َّهَ يحب الاسم
الحسن وَيَكْرَه القبيح، وأما تسميتها في القرآن بيثرب؛ فهي حكاية قول
المنافقين والذين في قلوبهم مرض (تَنْفِي النَّاسَ) الأشرار كاليهود، فقد نفوا
إلى الشام، والمنافقين فقد أخذوا أخذ استئصال (الْكِيرُ) بكسر الكاف، هو
المبني من الطين، وقيل: هو الزق، والمبني من الطين: هو الكور بضم الكاف
(خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتحتين أو بضم فسكون.
(٧٢٣٣) (٢/ ٢٣٧)
قوله: (هُوَ الطَّهُورُ) بفتح الطاء، اسم لما يتطهر به؛ كالوَضوء لما يُتوضأ
(١) (فتح الباري)) (٨٧/٤)، و((عمد القاري)) (٢٣٥/١٠)، و((شرح النووي على مسلم))
(١٥٤/٩) .

٣٧٧
لأبي الحسن السندي
به (١) (الْحَلَالُ) هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها (الحِلُّ) بكسر الحاء
بمعنى: الحلال (ميتته) بفتح الميم، قال الخطابي: وعوام الناس يكسرونها،
وإنما هو بالفتح، يريد: حيوان البحر إذا مات فيه، قال ابن دقيق: ذكر بعضهم
في إعرابه قريبًا من عشرين وجهًا، لا يظهر غالبها، وأقربها أربعة: الأول: أن
هو مبتدأ، والطهور مبتدأ ثان، و (مَاؤُهُ) خبر له، والجملة خبر المبتدأ الأول.
والثاني: أن هو مبتدأ، و(الطَّهُورُ) خبره، و(مَاؤُهُ) بدل. والثالث: أن هو
ضمير الشأن، وما بعده جملة، وتقدم ذكر البحر لا يضر في تجويز كون هو
ضمير شأن؛ بل المدار على القصد؛ فإن لم يقصد عود الضمير إلى البحر صح
هذا الوجه. والرابع: أن يكون هو مبتدأ، و(الطَّهُورُ) خبره، و (مَاؤُهُ) فاعل.
انتھی.
(٧٢٣٤) (٢٣٧/٢)
قوله: (أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ) بنون وقاف؛ أي: أطرافها(٢)، جمع نقب بفتح
نون - وحكي ضمها - وسكون قاف: هو الطريق بين الجبلين (لَا يَدْخُلُهَا)
بيان لسبب استقرار الملائكة على الأنقاب، واستقرارهم على الأنقاب إما
تمثيل، والمراد: أن الله تعالى منعها من الدجال والطاعون، أو (٣) حقيقة
فيكون منع الطاعون من دخول الأنقاب على سبيل التغليب. ذكره الطيبي.
(٧٢٣٥) (٢٣٧/٢)
قوله: (يُصِبْ) على بناء المفعول، وضميره لمن، وضمير (مِنْهُ) لله؛ أي:
يصير مصابًا بحكم اللّه، ويحتمل أن الجار (٤) والمجرور نائب الفاعل،
(١) ذكرت هذه الكلمة [به] بعد كلمة [الحلال] في الأصل، وليس هذا موضعها بل موضعها
هنا. ولعل ما حدث سبق نظر من الناسخ.
(٢) في ((الأصل)): طرفها.
(٣) في ((الأصل)): و. والمثبت من ((م)).
(٤) في ((الأصل)): الحال. والمثبت من ((م)).

٣٧٨
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
وضمير (مِنْهُ) لـ (مَنْ) والمراد: ابتلاه اللَّه بمصائب؛ ليثيبه عليها. وقال
الطيبي: يصب بكسر الصاد وفتحها، وهو أحسن للأدب؛ أي: يبتليه
بمصائب؛ ليطهره من الذنوب ويرفع درجته. وقال السيوطي في ((الزبرجد)):
قال أبو الفرج: عامة المحدثين يقرءونه بكسر الصاد، يجعلون الفعل للّه،
وسمعت أبا محمد بن الخشاب يفتحه، وهو أحسن وأليق.
(٧٢٣٦) (٢٣٧/٢)
قوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا) جمع عَرية فعيلة، وهي عند كثير: نخلة أو
نخلتان يشتريها من يريد أكل الرطب، ولا نقد بيده يشتريها به، فيشتريها بتمر
بقي من قوته، فرخص له في ذلك؛ دفعًا للحاجة (فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ
فِى خَمْسَةِ) على الشك من الراوي، وقد اختلفوا في تفسير العرية اختلافًا
كثيرًا، والله تعالى أعلم. (بِخَرْصِهَا) قيل: بكسر فسكون: اسم بمعنى:
المخروص؛ أي: القدر الذي يعرف بالتخمين، وبفتح فسكون: مصدر
بمعنى: التخمين، ويمكن أن يراد به: المخروص أيضًا؛ كالخلق بمعنى:
المخلوق، والمراد هاهنا: المخروص، فيصح الوجهان. قلت: هذا على أن
الباء في (بِخَرْصِهَا) للمقابلة كما هو المتبادر الشائع، والمراد: بقدر
المخروص، وأما إذا كانت للسببية؛ فالخرص يكون مصدرًا بمعناه، واللّه
تعالى أعلم.
(٧٢٣٧) (٢٣٧/٢)
قوله: (فَلْيَتَعَوَّذْ باللَّه) ظاهر الأمر: الوجوب، وقد قال به قوم، وجمهور
أهل العلم على الندب (مِنْ أَرْبَع: من (١) عَذَابٍ) أي: من أربعة أنواع
(١) ليست ((بالأصل))، والمثبت من المسند المطبوع.

٣٧٩
لأبي الحسن السندي
للعذاب، ولكون العذاب جنسًا يطلق على الكثير أضيف إليه الأربع؛ تنزيلاً له
منزلة الجمع مع أنه لا يضاف إلا إلى الجمع، وحذف التاء من اسم العدد نظرًا
إلى أن العذاب بلية وفتنة، وأريد بالعذاب ما يعم سببه أيضًا، فلذلك عد فتنة
المحيا وغيرها منه (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) مفعل من الحياة، فهو مقصور
لا ممدود، والمراد: فتنة الحياة بالمال والولد (وَالْمَمَاتِ) أي: الموت،
والمراد: ما يلحق الإنسان عند قربه من الموت، والله تعالى أعلم.
(٧٢٣٨) (٢٣٧/٢)
قوله: (ثُمَّ أَوْمَأَ) بهمزة؛ أي: أشار، وهذا اللفظ يحتمل أن يكون قبل
التكبير أو بعده (أَنْ) تفسيرية (مَكَانَكُمْ) بالنصب؛ أي: اثبتوا مكانكم، قال أبو
البقاء: هو اسم نائب عن الأمر؛ أي: الزموا مكانكم وقفوا، كقوله تعالى:
﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَّكَا ؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] (فَخَرَجَ) في الفاء إشارة إلى أنه استعجل
في الاغتسال (يَنْطِفُ) كيضرب وينصر؛ أي: يقطر قليلاً قليلاً.
(٧٢٣٩) (٢٣٧/٢)
قوله: (إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ) البطانة بكسر موحدة: ضد الظهارة، وأصله: في
الثوب ثم اتسع فيه، فأطلق على صاحب سر الرجل الذي يشاوره في أحواله،
فقيل: المراد: جلساء صالحة وطالحة، والمعصوم من عصمه الله من
الطالحة، وقيل: أي: نفس أمارة بالسوء ونفس لوامة، والمعصوم: من أعطي
نفسًا مطمئنة، وقيل: أي قوة ملكية وقوة حيوانية، والمعصوم: من عصمه الله
لا من عصمته نفسه، وقال الطيبي: فإن قيل: كيف يتصور بطانة السوء في
الأنبياء؟ قلت: المراد: الشيطان، ولكنه يسلم بإعانة اللَّه. انتهى. قلت:
ما عدا المعنى الأول لا يختص بالنبي والخليفة، والله تعالى أعلم (لَا تَأْلُوهُ
خَبَالاً) الخبال بالفتح الفساد؛ أي: لا تقصر في إفساد حاله، وتعديته إلى

٣٨٠
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
المفعولين بتضمين معنى المنع؛ أي: لا يكفف منه الخبال (شَرَّهُمَا)(١) هكذا
في نسخ ((المسند)) ولعل المراد: بشر الأول مخالفته، وإضافته إلى الأول
للملابسة، والله تعالى أعلم.
(٧٢٤٠) (٢٣٧/٢)
قوله: (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) هذا يدل على أنه كان يقصد النزول هناك؛ ليظهر
فيه عز الإسلام؛ بعد أن كان فيه الكفر ظاهرًا؛ فيشكر الله على نعمة الإسلام،
ونصرته تعالى إياه عليه الصلاة والسلام (عَلَى بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِبِ) أي :
لموافقتهم النبي ◌َّ على نشر الإسلام، والدعوة إليه، وانتصارهم له، وإن كان
فيهم من لم يؤمن (حَتَّى يُسْلِمُوا) في ((المجمع)): هو من الأفعال، وقد
كتبت (٢) قريش على ذلك كتابًا، فأكل الأرضة كل ما فيه من الظلم والجور،
وبقي ذكر اللّه، فأخبر وَّ أبا طالب به، فقال لقريش: إن اللَّه سلط على
صحيفتكم الأرضة، أخبرني به ابن أخي؛ فإن كان صادقًا فيها وإلا دفعته
إليكم! فاستحسنوه، فوجدوا الأمر كما أخبر به وَل ثم نكسوا على رءوسهم،
وقد شلَّت يد الكاتب الذي كتب (٣) تلك الصحيفة.
/
(٧٢٤١) (٢٣٧/٢-٢٣٨)
قوله: (أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا) لكونه قد أطاعه في أمر الإيجاب والرخصة جميعًا،
وهو تعالى يحب الطاعة في أمر الرخصة كما يحب في أمر الإيجاب، وأيضًا
العمل بوفق الرخصة بمنزلة القول بأنها في محلها، وأن الحكمة مرعية فيها
بخلاف ترك ذلك، والله تعالى أعلم.
(١) في ((الأصل)): نشرهما. والمثبت من المسند المطبوع.
(٢) في ((الأصل)): كتب. والمثبت من ((م)).
(٣) في ((الأصل)): كتبت. والمثبت من ((م)).