النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
لأبي الحسن السندي
بلا توبة (حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي: منعه وجعله محرومًا منه لا يمنعه دخول الجنة،
فإن من مات على الإيمان يدخلها ولا يمنعه قهرًا بعد أن يشتهي؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ﴾ [فُصَلَت: ٣١] بل بنزع الشهاء عنه، وليس
المراد: التحريم التكليفي؛ إذ لا تكليف ثَمَّ، والله تعالى أعلم.
(٦٥٥٧) (١٦٧/٢)
قوله: (مِنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ) أي: كالعلم بما لا يعني، والعلم الذي لا يعمل به
صاحبه، وبالجملة فإن من العلم ما لا ينفع صاحبه؛ بل يصير عليه حجة، وقال
الطيبي: هو العلم الذي لا يهذب أخلاقه الباطنة فيسري منها إلى الأفعال
الظاهرة، ويفوز بها إلى الثواب الأَجَلِّ. وأنشد فيه:
ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
يا من تقاعد عن مكارم خلقه
لم ينتفع بعلومه في الآخرة
من لم يهذب علمه أخلاقه
قوله: (لَا يُسْمَعُ) على بناء المفعول؛ أي: لا يستجاب، فكأنه غير مسموع
حيث لم يترتب على السماع فائدته المطلوبة منه (لَا تَشْبَعُ) أي: حريصة (١)
على الدنيا لا تشبع منها، وأما الحرص على العلم والخير فمحمود مطلوب،
قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ثم المشهور أن هذه استعاذة من
نفس العلم الغير النافع ونحوه، وعليه بني (٢) ما سبق من الكلام في تفسيره،
قال أبو طالب المكي: قد استعاذ ◌ّر من نوع من العلوم كما استعاذ من الشرك
والنفاق ومساوئ الأخلاق، والعلم الذي لم يقرن بالتقوى فهو باب من الدنيا
والهوى. انتهى. لكن النظر الدقيق يرشد أن ليس المقصود: الاستعاذة من
العلم ونحوه؛ إذ لا يعقل الاستعاذة من القلب والنفس، وإنما المقصود
(١) في ((الأصل)): حريص.
(٢) في ((م)): يبنى.

٢٢٢
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
الاستعاذة من الصفات المقارنة بها، والمعنى: أعوذ بك من أن يجعل علمي
علمًا لا ينفع، ودعائي دعاء لا يسمع، وقلبي قلبًا لا يخشع ونفسي نفسًا
لا تشبع، ثم في استعاذته بَله من هذه (١) الأمور إظهار للعبودية، وإعظام
للرب تبارك وتعالى، وأن العبد ينبغي له ملازمة الخوف، ودوام الافتقار إلى
جنابه تعالى، وفيه حث للأمة على ذلك وتعليم لهم، وإلا فهو وَّ معصوم من
هذه الأمور، وفيه أن الممنوع من السجع ما يكون عن قصد إليه وتكلف في
تحصيله، وأما ما اتفق حصوله بسبب قوة السليقة وفصاحة اللسان فبمعزل عن
ذلك، والله تعالى أعلم.
(٦٥٥٩) (٢/ ١٦٧)
قوله: (فَأَكْبَرَهُ) أي: أكبر العمل في هذه الأيام (مُهْجَةُ نَفْسِهِ) بضم
فسكون؛ أي: دم نفسه؛ أي: أهراقه.
(٦٥٦١) (١٦٧/٢)
قوله: (ثَابَ النَّاسُ) أي: قاموا إليه واجتمعوا حوله.
(٦٥٦٣) (١٦٧/٢)
قوله: (وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ) الظاهر إيقاؤهما على حقيقته، ولا إشكال فيه إلا
أنه كيف حمل وَلّر ذينك الكتابين بأيديهما؛ مع أنه لو جمع أسماء أهل الجنة
في كتاب بالتفصيل لجاء مجلدات تعجز عن حملها الجمال؟ لكن منشأ هذا
الإشكال قياس ذلك الخط بهذا الخط المعلوم، وهو غير سديد؛ فانظر كيف
جمع اللَّه في قلب واحد، وهو قدر لوذة من العلوم ما يعجز عن حملها
الجمال، والله تعالى أعلم. (إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا) أي: لا نعلمه بسبب إلا بإخبارك،
أو في وقت إلا وقت إخبارك، فالاستثناء متصل مفرغ، وقيل: منقطع؛ أي:
(١) تكررت بالأصل.

٢٢٣
لأبي الحسن السندي
لا يعلم، ولكن إذا اخترتنا نعلم. قلت: ظاهر تقريره يقتضي أنه جعل (إن)
بكسر الهمزة شرطية، وهو فاسد رواية؛ فليتأمل (لِلَّذِي) أي: في شأنه، وإلا
فقد قال للحاضرين (أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ) أي: أوقع الإجمال على ما انتهى إليه
التفصيل من العدد؛ بأن كتب الجملة كذا على طريق أهل الحساب، ولأجل
تضمين أجمل معنى أوقع عدي بعلى (إِنْ كَانَ هَذَا أَمْر) هكذا في نسخ
((المسند)) فأما أن يجعل (أَمْر) بدلاً من (هَذَا) ويدل عليه رواية الترمذي (١)
(إِنْ كَانَ أَمْرٌ) بدون هذا، وأما أن يجعل منصوبًا خبرًا؛ لكان بناء على شيوع
ترك الألف في المنصوب كتابة في كتب الحديث، صرح به شراح الحديث.
(سَدِّدُوا): اجعلوا أعمالكم مستقيمة على طريق الحق (وَقَارِبُوا) أي:
الاستقامة إن لم تتم هي، أو اطلبوا قرب الله وطاعته بقدر ما تطيقونه، قال
الطيبي: هذا الجواب من أسلوب الحكيم؛ أي: فيم أنتم من ذلك القدر؟
وإنما خلقتم للعبادة؛ فاعملوا وسددوا وقاربوا. وقد تقدم في مسند عمر
ما يتعلق بتحقيق الجواب (فَرَغَ رَبُّكُمْ) أي: قدر أمرهم على وجه لا يقبل
تغييرًا ولا تبديلاً، فكأنه فرغ من أمرهم، والله تعالى أعلم.
(٦٥٦٥) (٢ /١٦٧)
قوله: (مَا أَبَالِي مَا أَتَيْتُ) أي: إن المرء يبالي بما يأتي، ويميز بين الجائز
منه وغيره للمحافظة على الورع والتقوى؛ فإن فعلتُ أنا شيئًا من هذه الأشياء،
فما بقي لي من التقوى شيء حتى أبالي بما آتي محافظة عليها، والمقصود:
تقبيح هذه الأفعال في حقه وَلّ وأما في حق غيره فكذلك إلا ما خصه الدليل
(تِرْيَاقًا) المشهور: كسر التاء، وقد تضم، وقد تبدل دالاً، وهو دواء مركب
مشهور نافع عن السموم، قيل: وجه قبحه: أنه يجعل فيه لحوم الأفاعي،
(١) ((سنن الترمذي)) (٢١٤١).

٢٢٤
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
والأشياء المحرمة؛ فلو عمل ترياق ليس فيه منها فلا بأس به، وقيل:
الأحوط: تركه عملاً بإطلاق الحديث. (أَوْ عَلَّقْتُ) من التعليق، والتَّمِيمَةُ:
ما تعلق في العنق من العين وغيرها من التعويذات، قيل: المراد: تمائم
الجاهلية مثل الخرزات وأظفار السباع وعظامها، وأما ما يكون بالقرآن
والأسماء الإلهية فهو خارج عن هذا الحكم؛ بل هو جائز؛ لحديث عبد الله
ابن عمرو أنه كان يعلق للصغار (١) بعض ذلك، وقيل: القبح: إذا علق شيئًا
معتقدًا جلب نفع أو دفع ضرر، وأما للتبرك فيجوز، وقال ابن العربي في
((شرح الترمذي)): تعليق القرآن ليس من طريق السنة، وإنما السنة فيه الذكر
دون التعليق، وأما قبح الشعر على إطلاقه فمخصوص به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا
عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٌُ﴾ [يس: ٦٩] وقوله: (مِنْ قِبَلِ نَفْسِي) فيه إشارة إلى
أن إنشاد شعر الغير جائز له وَلّ والشعر اصطلاحًا ما يكون عن قصد؛
فالموزون اتفاقًا ليس منه، فلا إشكال بمثله، والله تعالى أعلم.
(٦٥٦٦) (١٦٨/٢)
قوله: (خَيْرُ الْأَصْحَابِ) يريد أن الصحبة لها حقوق، والجوار كذلك؛ فمن
كان أوفى بتأدية حقوق الشيء فهو خير في ذلك الشيء من الذي لا يعطي له
حقه، ولو كان خيرًا في أمر آخر.
(٦٥٦٧) (١٦٨/٢)
قوله: (مَتَاعٌ) أي: محل للاستمتاع لا مطلوبة بالذات، فتؤخذ على قدر
الحاجة (الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) فإنها من حيث الاستمتاع بها من الدنيا، ومن حيث
إنها تعين الزوج على طاعة المولى من أمور الآخرة.
(١) في ((الأصل، م)): الصغار. والمثبت هو الأقرب.

٢٢٥
لأبي الحسن السندي
(٦٥٦٨) (١٦٨/٢)
قوله: (مِثْلَ مَا يَقُولُ) إلا في الحيعلتين، فيأتي بـ ((لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةً إِلَّا
باللّهِ)) لأحاديث جاءت بذلك، فهو عام مخصوص، وهذا هو الذي يؤيده النظر
في المعنى؛ لأن إجابة (حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ) بمثله يعد استهزاء (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
بِهَا عَشْرًا) قال الترمذي: قالوا: صلاة الرب تعالى: الرحمة. قلت: وهو
المشهور، فالمراد: أنه تعالى يُنْزِل على المصلي أنواعًا من الرحمة والألطاف،
وقد جوز بعضهم كون الصلاة بمعنى ذكر مخصوص، فالله تعالى يذكر
المصلي بذكر مخصوص تشريفًا له بين الملائكة، كما في الحديث: ((وَإِنْ
ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ؛ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)) (١) لا يقال: يلزم منه تفضيل المصلي
على النبي وَّر حيث يصلي الله تعالى عليه عشرًا في مقابلة صلاة واحدة على
النبي ◌ُّ لأنا نقول: هي واحدة بالنظر إلى أن المصلي دعى بها مرة واحدة،
فلعل الله تعالى يصلي على النبي ◌َّير بذلك ما لا يعد ولا يحصى، على أن
الصلاة على كل واحد بالنظر إلى حاله، وكم من واحد لا يساويه ألف؛ فمن
أين التفضيل؟ (الْوَسِيلَةَ) قيل: هي في اللغة: المنزلة عند الملك، ولعلها في
الجنة عند الله أن يكون كالوزير عند الملك، بحيث لا يخرج رزق ولا منزلة
إلا على يديه وبواسطته (إِلَّا لِعَبْدٍ) أي: عظيم على أن التنكير للتعظيم (أَنْ
أَكُونَ أَنَا(٢) هُوَ) من وضع الضمير المرفوع موضع المنصوب على أن (أَنَا )
تأكيد أو فصل، ويحتمل أن تكون (أَنَا) مبتدأ خبره (هُوَ) والجملة خبر
(أَكُونَ). (حَلَّتْ عَلَيْهِ) أي: نزلت عليه، وفي نسخة: (لَهُ) واللام بمعنى
(على) ولا يصح تفسير الحل بما يقابل الحرمة؛ فإنها حلال لكل مسلم، وقد
(١) أخرجه: البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) في ((الأصل)): إما، والمثبت من ((م)) والمسند المطبوع.

٢٢٦
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
يقال: بل لا تحل إلا لمن أذن له فيمكن أن يجعل الحل كناية عن حصول
الإذن في الشفاعة له، ثم المراد: شفاعة مخصوصة، والله تعالى أعلم.
(٦٥٦٩) (١٦٨/٢)
قوله: (كُلَّهَا) بالنصب على أنه تأكيد للقلوب، وهذا الكلام كناية عن سرعة
تقليبها، واحتياج العبد في الثبات على الخير إلى الله تعالى على الدوام، وأما
الكلام في الأصابع فالمحققون فيه على التفويض إليه تعالى، وهو أولى
وأحسن (كَقَلْبٍ وَاحِدٍ) أي: إن تصرفه في الجميع كالتصرف في واحد
لا يشغله شأن عن شأن (اللَّهُمَّ) قاله تعليمًا للالتجاء إليه تعالى في الثبات
وكيفيته، والله تعالى أعلم.
(٦٥٧٠) (١٦٨/٢)
قوله: (الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ) يحتمل أن يقال أن النبي ◌َّ داخل فيهم، أو
يقال: الكلام فيما عدا الأنبياء لا وإلا فتقدم الأنبياء معلوم، قوله:
(يَعْبُدُونِي) قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية بنون واحدة، والأصل:
يَعْبُدُونَنِي. إذ لا سبب لحذف النون، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن تشدد
النون، فتكون كقوله تعالى: ﴿أَنُحُكَّجُوَنِ فِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] والثاني: أن
نقول: حذفت إحدى النونين تخفيفًا. وقال ابن مالك: حذف نون الرفع في
موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابت في فصيح الكلام، كذا ذكره السيوطي،
ولا يخفى أنه لا حاجة إلى ما ذكروه؛ لأن نون الوقاية في مثله جائزة
لا واجبة، كذا ذكره ابن الحاجب في ((كافيته)). قوله: ([تُسَدُّ بِهِمْ](١)
الشُّغُورُ) الثغر: هو موضع يكون حدًّا فاصلاً بين بلاد المسلمين والكفار، وهو
(١) في ((الأصل)): تسدهم، والمثبت من ((م)) والمسند المطبوع.

٢٢٧
لأبي الحسن السندي
موضع المخافة من أطراف البلاد، والمراد: أنهم يقدمون إلى الثغور
والمكاره، ويبعثون إليهما حتى لا تدخل الكفرة بلاد الإسلام من الثغور،
وحتى تندفع المكاره (وَخِيرَتُكَ) بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المثناة من
تحت؛ أي: من اخترته، وظاهره: أن الملائكة يعتقدون فضلهم على بني آدم،
والله تعالى أعلم. وفي ((المجمع)) (١) بعد ذكر هذا الحديث: قلت: له - أي:
لعبد الله بن عمرو - حديث في ((الصحيح)) غير هذا، رواه أحمد والبزار
والطبراني، ورجاله ثقات.
(٦٥٧١) (١٦٨/٢)
قوله: (فَيَقُولُ: أَيْ عِبَادِي) هكذا في بعض النسخ، وهي للنداء، وفي
بعضها (أَنْ) موضع (أَيْ)، والصواب: (أَيْ) وظاهر هذا الحديث: أنهم
يدخلون الجنة من موضع الحساب، وأن الجنة تجيء لهم هناك، وأنهم
لا يمرون على الصراط، والله تعالى أعلم.
(٦٥٧٢) (١٦٨/٢)
قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) على بناء الفاعل (وَرُزِقَ) (٢) على بناء المفعول (كَفَافًا)
بفتح الكاف [ما لا فضل](٣) فيه (وَقَتَّعَهُ) بتشديد النون؛ أي: جعله قانعًا؛
أي: راضيًا بما أعطاه.
(٦٥٧٣) (١٦٨/٢)
قوله: (إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ) أي: للَّه تعالى حين مشاهدة عظيم
صنعه، أو للملك الذي يقبض؛ إما لأنه مع الجنازة، أو لأنه يذكر عند رؤية
(١) («مجمع الزوائد» (٤٥٦/١٠).
(٢) في ((الأصل)): ورق، والمثبت من ((م)) والمسند المطبوع.
(٣) في ((الأصل)): بالأفضل. والمثبت من ((م)).

٢٢٨
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
آثار فعله، ثم هذا الحديث منسوخ عند جمهور أهل العلم، وفي ((المجمع)) (١)
رواه أحمد والبزار، والطبراني في ((الكبير)) ورجال أحمد ثقات.
(٦٥٧٤) (١٦٨/٢ -١٦٩)
قوله: (إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ) بضم الصاد والباء للتعدية، مثل: ﴿بَصُرْتُ بِمَا
لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ [طه: ٩٦] (فَرَخَّمْتُ) بالتشديد؛ أي: رحمت ميتهم وقلت فيه :
رحم اللَّه ميتكم مفضيًا ذلك إليهم؛ ليفرحوا به (وَعَزَّيْتُهُمْ) من التعزية؛ أي:
أمرتهم بالصبر عليه بنحو: أعظم الله أجركم. (الْكُدَى) بضم كاف (٢) ففتح
مقصور: جمع كدية بضم فسكون، وهي الأرض الصلبة، قيل (٣): أراد
المقابر؛ لأنها كانت في مواضع صلبة، والحديث يدل على مشروعية التعزية،
وعلى جواز خروج النساء لها (حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ) ظاهر السوق يفيد أن
المراد: ما رأيت أبدًا كما لم يرها فلان، وإن هذه الغاية من قبيل: ﴿حَّى يَلِجَ
الْجَمَلُ فِ سَيِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ومعلوم أن المعصية غير الشرك لا تؤدي
إلى ذلك، فإما أن يحمل على التغليظ في حقها، وإما أن يحمل على أنه علم
في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضت إلى معصية تكون مؤدية إلى
ما ذكر، والسيوطي رحمه اللّه تعالى مشربه القول بنجاة عبد المطلب، فلذلك
قال في ((حاشية النسائي)): أقول لا دلالة في هذا الحديث على ما توهمه
المتوهمون؛ لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفرًا موجبًا
للخلود في النار؛ كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر
التي يعذب صاحبها، ثم آخر أمره إلى الجنة، وأهل السنة يؤولون ما ورد من
الحديث في أهل الكبائر من أنهم لا يدخلون الجنة بأن المراد: لا يدخلونها مع
(١) «المجمع)) (١٢٧/٣).
(٣) في ((الأصل)): أراد. والمثبت من ((م)).
(٢) من ((م)).

٢٢٩
لأبي الحسن السندي
السابقين الذين يدخلونها أولاً بغير عذاب، فغاية ما يدل عليه الحديث المذكور
هو أنها لو بلغت معهم الكدى؛ لم تر الجنة مع السابقين؛ بل يتقدم ذلك
عذاب أو شدة أو ما شاء الله تعالى من أنواع المشاق، ثم يؤول أمرها إلى
دخول الجنة قطعًا، ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين؛ بل
يتقدم ذلك الامتحان وحده أو مع مشاق أخر، ويكون معنى الحديث: لم تر
الجنة حتى يجيء الوقت الذي يراها فيه عبد المطلب فترينها حينئذ، فيكون
رؤيتك لها متأخرة عن رؤية غيرك مع السابقين، هذا مدلول الحديث على
قواعد أهل السنة لا معنى له غير ذلك على قواعدهم، والذي سمعته من شيخنا
شيخ الإسلام شرف الدين المناوي (١)، وقد سئل عن عبد المطلب فقال: هو
من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، وحكمهم في المذهب معروف. انتهى
كلام السيوطي رحمه اللّه تعالى، والله تعالى أعلم.
(٦٥٧٥) (١٦٩/٢)
قوله: (مِنْ ذَوَاتِ ﴿الَّرْ﴾) [الحجر: ١] أي: من السور المصدرة بهذا
اللفظ، أعني: ﴿الَرْ﴾ [الحجر: ١] فنسبت السورة إلى صدرها، ويحتمل أن
اللفظ المذكور هو آخر صدرها، ويدل عليه أنه كتب بالألف بعد الراء، وهو
خلاف ما عليه خط المصحف، والله تعالى أعلم. (كَبِرَتْ) بكسر الباء
(الرُّوَيْجِلُ) تصغير الراجل، بمعنى: الماشي (أَمِرْتُ) على بناء المفعول، وهو
يحتمل التكلم والخطاب (بِيَوْم الأَضْحَى) أي: بالتضحية في يوم الأضحى
(إِلَّا مَنِيحَةَ ابْنِي) المنيحة: ما يعطيه الرجل غيره ليشرب لبنها ثم يردها عليه،
فمنعه لأنه ملك الغير، وقول الرجل لزعمه أن المنيحة لا ترد، ولذلك قال
وَلَى: ((الْمَنِيحَةُ مَرْدُودَةٌ)) (٢) والله تعالى أعلم. (تَأْخُذُ ... ) إلخ، كأنه أرشده
(١) ((عون المعبود)) (٢٧٣/٨)، و((شرح السيوطي على النسائي)) (٢٨/٤).
(٢) أخرجه: أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠).

٢٣٠
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
إلى أن يشارك المسلمين في العيد والسرور وإزالة الوسخ، فذاك يكفيه إذا
لم يجد الأضحية، والله تعالى أعلم.
(٦٥٧٦) (١٦٩/٢)
قوله: (أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاَةَ) أي: ذكر فضلها (فَقَالَ) تفسير للذكر، ويمكن أن
يحمل (ذَكَرَ) على معنى أراد: أن يذكر فتكون الفاء في قوله: (فَقَالَ) للتعقيب
(حَافَظَ) أي: داوم (وَبُرْهَانًا) أي: حجة على إيمانه (وَنَجَاةً) أي: مع السابقين
(وَمَنْ لَمْ يُحَافِظُ عَلَيْهَا) أي: لم يداوم عليها، ولعل المراد به: من لا يعتقد
افتراضها، فلذلك لا (١) يدوم عليها ولا يبالي بها وبه ظهر. قوله: (وَلَا نَجَاةٌ)
أي من النار (وَكَانَ مَعَ قَارُونَ ... ) إلخ؛ لأنه كافر، فيكون مع الكافرين،
ويمكن أن يحمل من لم يحافظ على ظاهره، ومعنى (وَلَا نَجَاةٌ) أي: مع
السابقين، ومعنى كونه مع الكفرة أنه يشاركهم في العذاب بالنار، ولو مدة؛
نعم. التعبير بما ذكر للتغليظ في أمر الترك هذا، وظاهر الحديث دال على أن
تارك الصلاة كافر، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع))(٢): رواه أحمد،
والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) ورجال أحمد ثقات. انتهى. وعزاه في
((مشكاة المصابيح)) (٢) إلى الدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) أيضًا.
(٦٥٧٧) (١٦٩/٢)
قوله: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ) أي: جماعة أو طائفة أو سرية غازية (إِلَّا
تَعَجَّلُوا ... ) إلخ، هذا فيمن لم ينو الغنيمة بغزوه، وأما من نوى؛ فقد استوفى
أجره کله.
(١) في ((م)): لم.
(٢) («مجمع الزوائد)) (٢١/٢).
(٣) («مشكاة المصابيح)) (١٢٧/١).

٢٣١
لأبي الحسن السندي
(٦٥٧٨) (١٦٩/٢)
قوله: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو يَقُولُ) أي: لقوم جاءوه سائلين
(يَسْبِقُونَ) أي: إلى الجنة.
(٦٥٧٩) (١٦٩/٢)
(قَدَّرَ اللَّهُ) بمعنى (كَتَبَ) كما في رواية؛ أي: كتبها في اللوح المحفوظ
بإجراء القلم عليه (الْمَقَادِيرَ) في رواية: ((مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ)) والمقادير: جمع
مقدار، وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء؛ كالميزان والمكيال، وتستعمل
بمعنى القَدَر، والمراد: الأحوال والأعمال والأعراض المقدرة لهم في الأزل
حسب ما أراد وعلم. قال الطيبي في ((شرح السنة)): القَدَر: سر من أسرار اللَّه
لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلاً، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه
بطريق العقل؛ بل يعتقد أن اللَّه تعالى خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهل يمين
خلقهم للنعيم فضلاً، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلاً، وقد ((سأل رجل
علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني
عن القَدَرِ؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه! فأعاد السؤال، فقال: بحر عميق
لا تلجه! فأعاد السؤال، فقال: سر اللَّه قد خفي عليك؛ فلا تفتشه!)).
(٦٥٨٠) (١٦٩/٢)
قوله: (كُلُّ جَعْظَرِيٍّ) هو الفظ (١) الغليظ المتكبر (جَوَّاظٍ) بفتح جيم
وتشديد واو، قيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين،
وقيل: الجموع المنوع (جَمَّاعِ) أي: للمال (مَنَّاع) له عن مصارفه.
(٦٥٨١) (١٦٩/٢)
قوله: (أَنْ تُطْعِمَ) من الإطعام، كأنه نبه بذلك على أن خير الأعمال: ما فيه
(١) في ((م)): اللفظ .

٢٣٢
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
نفع للعباد وإرضائهم باليد أو باللسان، ففيه أن الخير المتعدي إلى الغير أفضل
من القاصر.
(٦٥٨٢) (١٦٩/٢)
قوله: (مَا مِنْ مُسْلِم) أي: شخص مسلم؛ يشمل الذكر والأنثى (فِتْنَةً
الْقَبْرِ) أي: السؤال فيه، والله تعالى أعلم، قال الترمذي بعد ذكره هذا
الحديث: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل؛ ربيعة بن سيف إنما
يروي عن عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة
سماعًا من عبد الله بن عمرو. انتهى. قلت: وسيجيء في الكتاب بإسناد آخر.
(٦٥٨٣) (١٦٩/٢ -١٧٠)
(جُبَّةٌ سِيجَانٍ) بالإضافة، والسيجان بكسر السين: جمع ساج؛ كالتيجان
جمع تاج، والساج: الطيلسان الأخضر (أَلَا) بالتخفيف (قَدْ وَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ)
إما لأنه راع؛ فإذا لبس ما كان لباسًا لفارس لزم حطهم حيث صار لباسهم لباس
الرعاة، أو لأن هذا اللباس فوق لباسهم عادة، ففي اتخاذه حطًا لهم (وَرَفَعَ كُلَّ
رَاع) إما لأنه من هذا الجنس فبارتفاعه ارتفع جنسه ؛ أو لأنه حين لبس يرغب
في لبسه من كان من جنسه؛ فإذا لبسوا ارتفعوا (مُبْهَمَةً) أي: غير معلوم المدخل
أو الطرف (قَصَمَتْهُنَّ) بقاف وصاد مهملة وميم؛ أي: قطعتهن وكسرتهن
(وَسُبْحَانَ اللَّهِ) عطف على (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) في قوله: (آمُرُكَ بِلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
وهذه الخصلة الثانية (قَالَ: الْكِبْرُ: أَنْ يَكُونَ ... ) إلخ؛ أي: قال السائل:
الكبر بمد الهمزة على الاستفهام، ويمكن القصر على أن أداة الاستفهام مقدرة
في الكلام (سَفَهُ الْحَقِّ) قيل: هو أن يرى الحق سفهًا باطلاً؛ فلا يقبله ويتعظم
عنه (وَغَمْصُ النَّاسِ) أي: احتقارهم وأن لا يراهم شيئًا، وعلى هذا فذكر هذا
الحديث في ذلك المجلس للدلالة على لبس الثوب المرتفع وإن لم يكن كبرًا،

٢٣٣
لأبي الحسن السندي
إلا أنه قد يؤدي إليه، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع)) (١): رواه أحمد كله،
والطبراني بنحوه، وروى البزار من حديث ابن عمر، ورجال أحمد ثقات.
(٦٥٨٤) (١٧٠/٢)
قوله: (فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ) أي: من جهة المبالغة فيه وترك الاقتصاد؛ أي:
فلا تترك الاقتصاد؛ فإنه قد يؤدي إلى الترك، والله تعالى أعلم.
(٦٥٨٦) (١٧٠/٢)
(نَزَلَ رَجُلٌ عَلَى مَسْرُوقٍ فَقَالَ) الظاهر: أن ضمير (قَالَ) للرجل؛ لأنه
عطف على (نَزَلَ) أو النزول فعل له، لكن يحتمل أن ضميره لـ(مَسْرُوقٍ) أي:
فحدثه مسروق بهذا الحديث، وقال له ذلك في مقام التحديث وكلام
((المجمع)) والحافظ ناظر إلى الأول، لكن يؤيد الثاني: أن الطبراني جعله من
رواية مسروق، عن عبد الله، ففي ((المجمع))(٢): رواه أحمد والطبراني،
ورجاله رجال الصحيح، خلا التابعي؛ فإنه لم يسم، وجعله (٣) الطبراني من
رواية مسروق عن عبد الله. انتهى. وقال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) (٤):
عن مسروق، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو. انتهى. ولا يخفى أن ظاهر
الحديث يوافق عقيدة المرجئة، وهي أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما
لا ينفع مع الكفر طاعة، وأهل السنة على خلافه ويرون أن ذلك باطل؛ لما
تقرر عندهم من الأدلة الدالة على ضرر المعصية، وحينئذ فإن قلنا: إنه من
رواية المجهول؛ فلا إشكال، وإلا فلابد من حمل. قوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي:
دخلها ولو بعد العقوبة، ولا يحمل على الدخول ابتداء؛ بل على أعم منه كما
قلنا، ويحمل قوله: (وَلَمْ تَضُرَّهُ مَعَهُ) أي: مع التوحيد (خَطِيئَةٌ) على أنه
(١) ((مجمع الزوائد)) (٢٣٤/٥).
(٣) فى ((الأصل)): وجعل.
(٢) ((مجمع الزوائد)) (١٦٤/١).
(٤) ((تعجيل المنفعة)) (٥٤٩/١).

٢٣٤
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
لا يضره في أصل دخول الجنة، ولو كان دخولاً غير ابتدائي بأن يكون سببًا
لخلوده في النار، وحينئذ فيكون الحديث ردًّا على المعتزلة وأمثالهم القائلين
بخلود أهل الكبائر في النار، والله تعالى أعلم.
(٦٥٨٧) (١٧٠/٢)
قوله: (وَأَفْشُوا) من الإفشاء؛ أي: أكثروا منه بأن تسلموا على من عرفتم
ومن لم تعرفوا.
(٦٥٨٨) (١٧٠/٢)
قوله: (ضَافَ) أي: نزل ضيف رجلاً (مُجِخِّ) بميم مضمومة ثم جيم
مكسورة ثم حاء مهملة مشددة: هي الحامل التي قربت ولادتها، وهي من
صفات الإناث، فلذلك تركت التاء، يقال: أجحت المرأة: إذا حملت ودنا
وقت ولادتها (فَعَوَى) بإهمال العين؛ أي: صاح (جِرَاؤُهَا) ضبط بكسر
الجيم: جمع جرو، وهو الصغير؛ فهو كالصغار لفظًا ومعنى (قِيلَ: مَا هَذَا؟)
أي: تعجبوا من وقوع أمر غير معهود (سُفَهَاؤُهَا) بالرفع (حُلَمَاءَهَا) بالنصب،
وفي ((المجمع))(١): رواه أحمد والبزار والطبراني، وفيه عطاء بن السائب؛
وقد اختلط .
(٦٥٨٩) (٢/ ١٧٠)
قوله: (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ ... ) إلخ، في ((المجمع))(٢): رواه أحمد
والطبراني، وإسناده جيد؛ لأن سماع حماد من عطاء حال الصحة.
(٦٥٩٠) (٢ /١٧٠ -١٧١)
قوله: (وَلَا تُشْرِكْ) من الإشراك، كأنه زعم الرحمة شيئًا قليلاً، فخاف من
الاشتراك أن تفنى، فدعا أن تكون له ولأحب الناس إليه فقط (لَقَدْ
(١) («مجمع الزوائد)) (٥٤٩/٧).
(٢) ((مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٠).

٢٣٥
لأبي الحسن السندي
حَجَبْتَهُنَّ) (١) أي: أنواع الرحمة والألطاف، وفيه تنبيه على كثرة أنواعها، وأنها
ليست كما زعم من قلَّتها.
(٦٥٩١) (١٧١/٢)
قوله: (وَالْغُبَيْرَاءَ) ضبط بضم غين معجمة وفتح باء موحدة بعدها ياء مثناة
من تحت ساكنة: هو ضرب من الشراب، يتخذه الحبش من الذرة.
(٦٥٩٢) (١٧١/٢)
قوله: (لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) جاء بوجوه: راح يريح، ويراح وأراح يريح:
إذا وجد الرائحة، وقد روي بالوجوه الثلاثة كما قيل، وظاهره: أنه لم يدخل
الجنة، فإما أن يحمل على أنه لا يدخلها مع الأولين بمعنى أنه لا يستحق
ذلك، أو على أنه لا يلتذ بريح الجنة وإن دخلها، والله تعالى أعلم، وفي
((المجمع)) (٢): قلت: رواه ابن ماجه، إلا أنه قال: ((مِنْ مَسِيرَةٍ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ))
رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٦٥٩٣) (١٧١/٢)
قوله: (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) قال النووي(٣) رحمه اللّه تعالى: فيه دليل
لجواز ذكر الإنسان بعض ممادحه للحاجة، وإنما ذكر عبد الله بن عمرو ذلك
ترغيبًا للسامع في الاعتناء بخبره به، وحثًّا له على الاستماع له، وأنه علم
محقق (حَتَّى نَفِدَتْ) بكسر الفاء؛ أي: فنيت (بِقَلَائِصَ) جمع قلوص بالفتح:
الناقة الشابة بمنزلة الجارية من النساء (إِذَا جَاءَتْ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِمْ) الظاهر:
أن في الكلام تقديمًا؛ أي: حتى نؤديها إليهم إذا جاءت، وهذا غاية للشراء
وتأجيل لثمنه، ويمكن أن يجعل إذا جاءت متعلقًا بمقدر؛ أي: تؤدى تلك
(١) في (م)): حجبهن.
(٣) ((شرح النووي على مسلم)) (٩/ ٧٧).
(٢) ((مجمع الزوائد)) (٢٨٢/١).

٢٣٦
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
القلائص إذا جاءت، وقوله: (حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِمْ) علة للشراء على أن ضمير
(إِلَيْهِمْ) راجع إلى من بقي من الناس؛ أي: لنعطيها لمن بقي من الناس، قيل:
وفيه إشكال؛ لجهالة الأجل، ويمكن أن يجاب بأن وقت إتيان إبل الصدقة كان
معلومًا إذ ذاك، أو كان هذا الحديث منسوخًا، والله تعالى أعلم.
(٦٥٩٤) (١٧١/٢)
قوله : (مَوْتِ الْفَجْأَةِ) هو بفتح فسکون فهمزة، وروي بضم ففتح ممدود :
هو الموت بلا سبب كالمرض (وَمِنْ لَدْغْ الْحَيَّةِ) أي: والموت من لدغ الحية،
أو هو عطف على (مَوْتِ الْفَجْأَةِ) نظرًا إلى أنه في معنى من موت الفجأة، وعد
لدغ الحية موتًا؛ لأنه من مقدماته (وَمِنْ الْحَرَقِ) بفتحتين، وكذا الغرق، وفي
((المجمع)) (١): رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) وفيه
ابن لهيعة، وفيه كلام.
(٦٥٩٥) (١٧١/٢)
قوله: (قَدْ بَرَّأَهَا) من التبرئة (عَلَى مُغِيبَةٍ) بضم ميم، من أغابت: إذا غاب
عنها زوجها، والمراد: التي في البيت وحدها.
(٦٥٩٦) (١٧١/٢)
قوله: (ثُمَّ يَذْبَحُ) أي: ثانية؛ لعدم جواز الأولى.
(٦٥٩٧) (١٧١/٢)
قوله: (وَشِرْكِهِ) بكسر شين فسكون راء، والإضافة إلى الفاعل؛ أي:
ما يوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتحتين؛ أي: حبائله ومصائده:
جمع شركه (أَقْتَرِفَ) أي: أكتسب.
(١) («مجمع الزوائد)) (٥٧/٣).

٢٣٧
لأبي الحسن السندي
(٦٥٩٨) (٢١٧٢)
قوله: (انْكِحُوا) من النكاح لا من الإنكاح (أَمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ) أي: الولود
من النساء التي تأتي بالأولاد الكثيرة، وليس المراد هاهنا بأم الأولاد المعنى
المشهور بين الفقهاء، وهذا ظاهر ثم معرفة كونها أم الأولاد إن كانت ثيبًا
ظاهرة، وإن كانت بكرًا؛ فبالقبيلة والقرابة (بِهِمْ) بالأولاد؛ أي: بكثرة الأمة
الحاصلة بكثرة الأولاد، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع)) (١): رواه أحمد،
وفيه حيي بن عبد اللَّه المعافري؛ وقد وثق، وفيه ضعف. انتهى، وترك الكلام
في ابن لهيعة.
(٦٥٩٩) (١٧٢/٢)
قوله: (مَنْ رَاحَ) أي: ذهب وخرج (فَخَطْوَةٌ) أي: من خطواته، ولكون
هذه الصفة مقدرة صح وقوع (خَطْوَةٌ) مبتدأ (تَمْحُو) على بناء الفاعل (تُكْتَبُ )
على بناء المفعول (ذَاهِبًا) حال من المجرور المقدر والمذكور؛ أي: تمحو
عنه، ويكتب له حال كونه ذاهبًا، وفي ((المجمع)) (٢): رواه أحمد والطبراني،
ورجال الطبراني رجال ((الصحيح)) ورجال الإمام أحمد فيهم ابن لهيعة.
(٦٦٠٠) (١٧٢/٢)
قوله: (قَالَ: اللَّهُمَّ) جواب (إِذَا) أي: ليقل (يَنْكَأ) الرواية بفتح الكاف
مهموز الآخر، وهو لغة، والأشهر: (يَنْكِي) أي: كـ(يرمي) في هذا المعنى،
ومعناه: المبالغة في أذى العدو، كذا في ((المشارق)) وهو بالرفع على
الاستئناف، والجزم على الجواب لا يساعده. قوله: (وَيَمْشِي) إلا أن يحمل
على الإشباع، أو معاملة المعتل كمعاملة الصحيح.
(١) ((مجمع الزوائد)) (٤٧٤/٤).
(٢) («مجمع الزوائد» (١٤٦/٣).

٢٣٨
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
(٦٦٠١) (٢/ ١٧٢)
قوله: (يَفْضُلُونَا) في ((القاموس)): فضل؛ كنصر وعلم، وهو بتشديد النون
أو تخفيفها على حذف إحدى النونين تخفيفًا .
(٦٦٠٢) (١٧٢/٢)
قوله: (الصَّلاَةُ) أحاديث أفضل الأعمال وردت مختلفة، وقد ذكر العلماء
في توفيقها وجوهًا من جملتها، أن الاختلاف بالنظر إلى اختلاف أحوال
المخاطبين؛ فمنهم من يكون الأفضل له الاشتغال بعمل، ومنهم من يكون
الأفضل له الاشتغال بآخر (مَهْ) أي: ماذا؛ أي: أفضل الأعمال ماذا بعد
الصلاة؟ وعلى هذا فالجواب بالصلاة غير ظاهر؛ إذ لا يمكن أن تكون الصلاة
أفضل الأعمال بعد الصلاة، إلا أن يحمل الصلاة؛ أولاً: على الفرض،
وثانيًا: على نحو الرواتب، وثالثًا: على التطوع الصرف، والأقرب أن الجواب
من أسلوب الحكيم، بمعنى: أنك لا تسأل عن الأفضل بعد الصلاة؛ فإنه
لا يوافقك؛ بل اقتصر على معرفة الأفضل مطلقًا، فصار الأمر كما أفاده وعَ ظله
بهذا الجواب حيث إنه ترك رضا الوالدين واشتغل بالجهاد ( وَلَأَتْرُ كَنَّهُمَا) كأنه
وَّ علم جواز تركهما لاستغنائهما عنه، أو رضاهما بذلك، وإن كان حضور
الولد(١) عندهما أرضى أو لحاجة الإسلام إلى الجهاد، والله تعالى أعلم.
(٦٦٠٣) (٢/ ١٧٢)
قوله: (ذَكَرَ فَتَّانَ الْقُبُورِ) بضم فاء: جمع فاتن، وبفتحها: صيغة مبالغة؛
كعلام، وهو المراد في الحديث؛ لأن قوله: (بِفِيهِ الْحَجَرُ) يدل على الإفراد،
قيل: هو بالفتح من يفتن المقبور بالسؤال ويعذبه؛ أي: إن لم يجب الميت
على وجهه (أَتْرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا) يريد أن الذهول عن الجواب، أو غلبة الدهشة
(١) في ((م)): الوالد.

٢٣٩
لأبي الحسن السندي
والهيبة بحيث لا يطيق الجواب، إنما يخاف عند وقوع الخلل في العقل، وأما
عند وجوده فلا؛ إذ لا يذهل العاقل عادة عن (١) شيء داوم عليه مدة عمره في
مقدار ما ينقل إلى قبره، وكذا لا يخاف غير اللَّه بعد (٢) اعتقاد أنه لا تتحرك ذرة
إلا بإذنه؛ فأي مانع له عن الجواب؟ (كَهَيْتَتِكُمْ) أي: فتكونون على هيئتكم
(بِفِيهِ الْحَجَرُ) أي: في فمه الحجر، يريد أنا نجيبه حتى يسكت كما يسكت من
بفيه الحجر، وفي ((المجمع)) (٣): رواه أحمد، والطبراني في ((الكبير)) ورجال
الطبراني رجال الصحيح.
(٦٦٠٤) (٢/ ١٧٢)
قوله: (يَعْقِلُ عَلَيْهِ) أي: يعقل القرآن ويحفظه ثابتًا ( عَلَيْهِ) أي: على حفظه؛
أي: ما أقدر على حفظه (حُشِيَ) على بناء المفعول؛ أي: ملأ؛ أي: دخل فيه
الإيمان فامتلأ به بحيث ما بقي فيه موضع لغيره، وفيه أن (الْإِيمَانَ) إذا استغرق
قلب العبد وغلب عليه ينسى كل شيء غيره، ويذهل عنه إلا من قواه (٤) اللَّه
تعالى على تحمل القرآن، والعلم مع كمال الإيمان، وشرح صدره لذلك
كالأنبياء ◌ِلَُّ (وَإِنَّ الْإِيمَانَ) أي: كماله بحيث يملأ القلب (يُعْطَى) أي: قد
يعطى، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع))(٥): رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة.
(٦٦٠٥) (١٧٢/٢)
قوله: (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلائِكَتُهُ بِهَا سَبْعِينَ) هذا مخالف للمشهور أن اللَّه
يصلي عليه بها عشرًا، إلا أن يقال: الأجر مما يحتمل الزيادة ويقبله، فيمكن
أن الله تعالى زاد بعد ذلك في أجر من صلى عليه وَ لّ إجلالاً لقدره، وتعظيمًا
(٢) من ((م)).
(١) في ((م)): من.
(٣) («مجمع الزوائد)) (١٦٨/٣).
(٤) في ((الأصل، م)): قوته. والمثبت هو الأقرب.
(٥) («مجمع الزوائد)) (٢٣٠/١).

٢٤٠
حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل
لجاهه زاده الله جاهًا وقدرًا، فأخبر به بعد أن أخبر بالأول، ويمكن أن يقال:
المراد: أن اللَّه والملائكة يصلون هذا العدد على أن اللَّه يصلي عشرًا والملائكة
ما بقي، وقد يقال: الحديث موقوف، لكن مثله لا يقال بالرأي؛ فحكمه:
الرفع، وكذا قد يقال: إن في إسناده ابن لهيعة، لكن هو ليس شديد الضعف؛
بل حديثه حسن عنه (١) (فَلْيُقِلَّ) من الإقلال.
(٦٦٠٦) (٢/ ١٧٢)
(وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي) (٢) قد سبق وجه التوفيق بينه وبين نزول عيسى (فَوَاتِحَ
الْكَلِم) (الكَلِمْ) مفرد لفظًا، فلذا قيل: (وَخَوَاتِمَهُ) والمراد هاهنا الكلام
المركب من انضمام الكلم بعضها إلى بعض؛ أي: أعطيت ما يليق به ابتداء
الكلام وختمه من الحمد والثناء ونحوهما (وَجَوَامِعَهُ) أي: ما هو أجمع
للمعاني مع اختصاره وإيجازه ووضوح دلالته على تلك المعاني (وَتُجُوِّزَ بِي)
على بناء المفعول من الجواز؛ أي: عرج بي ليلة المعراج إلى حيث شاء اللَّه،
أو سومح لي في حساب أمتي، وخفف في أمرهم (ذُهِبَ بِي) على بناء
المفعول (وَعُوفِيتُ) أي: عصمت من القتل (وَعُوفِيَتْ أَمَّتِي) أي: من
الاستئصال كما كان حال الأمم السالفة، أو من شدائد الآخرة وشدة حسابها
مثل ما للأمم الآخرين، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع)) (٣): وفيه ابن
لهيعة؛ وهو ضعيف.
(٦٦١١) (٢ /١٧٣)
قوله: (أَكْثَرَ أَهْلِهَا) أي: أهل الجنة الداخلين فيها ابتداء من المؤمنين،
والمراد: بأكثر أهل النار؛ أي: الذين يدخلونها ابتداء من المؤمنين ثم يخرجون
منها، والله تعالى أعلم، وفي ((المجمع)) (٤): رواه أحمد، وإسناده جيد.
(١) زاد في ((الأصل)) هنا: ((ناس)).
(٣) ((مجمع الزوائد)) (٤١١/١).
(٢) زاد في ((م)): أي.
(٤) ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٤٦١).