النص المفهرس
صفحات 21-40
الدراسة: ٢١ ٢- بداية طلبه للعلم بدأ ابن كثير الاشتغال بالعلم على يد شقيقه عبد الوهاب ، وكان لأسرته شغف بالعلم ، وحرص على الدين ، كما رزقت فيما بينها سجايا التراحم والشفقة . وكانت دمشق حينئذ تزخر بالمدارس والعلماء الأعلام ، فحفظ القرآن وختمه سنة ٧١١ هـ، وله من العمر عشر سنين، ثم أقبل على حفظ المتون وتحصيل العلوم الدينية والعربية إقبالاً منقطع النظير، فأعجب به شيوخه ، وأثنوا على همته ، وتحصيله خيرًا. يقول فيه العلامة ابن قاضي شهبة: وأقبل على حفظ المتون ، والأسانيد والعلل ، والرجال ، حتى برع في ذلك وهو شاب (١) . وقد عُنى بسماع الحديث والإكثار منه ، ولقاء الحفاظ ، فقد ذكر في ترجمة شيخه ابن الشحنة : أنه سمع عليه بدار الحديث الأشرفية أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإِجازات والسماع (٢). ويذكر في ترجمة الوزير أبي القاسم بن سهل الأزدي : أنه سمع صحيح مسلم في تسعة مجالس بقراءة هذا الرجل على الشيخ نجم الدين العسقلاني ، حين قدم دمشق سنة ٧٢٤ هـ (٣) . وكما عُنى بالفقه والحديث حفظًا ومعرفة للعلل والأسانيد والمتون ، فقد عُنى كذلك بالتفسير والتاريخ والقراءات ، حتى إن الإمام الداودي يعده من القراء، ويترجم له في طبقاتهم التي آلّفها ، كما درس أصول الفقه على شيخه أبي البقاء الأصفهاني. وقد لازم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي ، ونهل من علمه الغزير، وقرأ عليه أكثر مؤلفاته ، وصاهره على ابنته . وما زال يجدّ ويجتهد في تحصيل العلم ولقاء الشيوخ ، حتى اشتهر فضله ، وطار صيته ، حتى جاءته إجازات العلماء من بغداد والقاهرة وغيرهما ، ورحل إليه العلماء والطلاب من سائر البلاد ، وأقبل على التصنيف والتأليف ، وكتب في الفقه والحديث ، وعلومه ، والرجال ، والتفسير والتاريخ ، وأصول الفقه ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة الفقه والتاريخ والحديث والتفسير، وما زال يدأب في التحصيل والكتابة حتى كُف بصره ، وهو ١) انظر ذيل تاريخ الإسلام لابن قاضي شهبة، المتوفي سنة ٨٥١ هـ. ٢) أنظر البداية والنهاية لابن كثير (١٤ : ١٥٠). ٣) أنظر البداية والنهاية لابن كثير (١٤ : ١٤٦). ٢٢ جامع المسانيد والسّنن يشتغل بكتابه (جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن) إلى أن عاجلته المنية قبل أن يتمه ، وذلك سنة ٧٧٤ هـ. ٣ - شيوخه لا شك أن للشيخ تأثيره الفعّال في تلاميذه ، فإذا كان الشيخ على مكانة من العلم ، وسعة الفهم تأثر به التلميذ ، وحاول أن يترسم خطاه. فإن كانت له همة وطموح حاول أن يبز شيخه ويتفوق عليه ، وابن كثير قد توفر له الجانبان معًا. فقد حَظي بنخبة من الشيوخ لم يَحْظ بها غيره، وقد وجد عنده من دوافع الطموح والتفوق ما لا يتكرر نظيره إلا نادرًا. فقد سعد ابن كثير بلقاء نخبة ممتازة من أئمة العلم الأفذاذ الذين لا يزال ذكرهم يدوي في سمع الزمان ، ولا تزال مؤلفاتهم وآثارهم العلمية أشهر ما يدور إلى اليوم في المحيط العلمي ، بمَا يشهد لهم بقصب السبق ، والفضل ، والمعرفة والإمامة في العلم. وقد تلقى الحافظ ابن كثير عن هؤلاء الجهابذة العديد من العلوم ، مثل الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله. وكذا الحديث والتفسير والأصول ، والتاريخ ، وعلوم العربية . وأهم هؤلاء الشيوخ الذين تتلمذ لهم ابن كثير هم : ١- شيخ الإِسلام برهان الدين الفزاري : هو العلّامة إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم ، شيخ الشافعية في زمانه ، ابن شيخ الإِسلام تاج الدين الفزاري ، وقد تخرج برهان الدين على والده ، وكان عذب العبارة ، طلق اللسان ، انتهت إليه رياسة المذهب الشافعى في زمانه ، وله تعليقة على التنبيه في عشر مجلدات ، وتخرج عليه نخبة من العلماء ، منهم ابن كثير، وقد قال ابن كثير عنه: لم أر شافعيًا من مشايخنا مثله، وقد توفي هذا الرجل سنة ٧٣٠ هـ. ٢ - العلّامة كمال الدين ابن قاضي شهبة : هو عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب الأسدي ، كان فقيهًا فاضلاً، عارفًاً بالمذهب ، له حلقة بالجامع الأموي ، اشتهر بطريقة فذة في التدريس ، وإفهام طلابه ، توفي سنة ٧٢٦ هـ. ء الدراسة ، ٢٣ ٣- العلّامة كمال الدين ابن الزملكافي : شيخ الشافعيّة بالشام ، انتهت إليه رياسة المذهب تدريسًا وإفتاء ومناظرة ، وقد أثنى عليه ابنٍ كثير ثناءً عطرًا، توفي سنة ٧٢٧ هـ (١) . ٠ ٤- الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي : يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن أبي الزهر ، شيخ الإسلام الإمام الحافظ إمام المحدثين جمال الدين أبو الحجاج المزّي القضاعي الكلبي ، شيخ الحفاظ ، عالم الزمان ، انتهت إليه معرفة الحديث وحفظه ، والفقه على مذهب الإمام الشافعي ، وقد تخرج به جماعة من الأئمة ، منهم ابن كثير، وهو صهره على ابنته ، وله مؤلفات خالدة تشهد له بطول الباع في الحديث وعلومه ، وفي أسماء الرجال ، منها (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) وهو في رجال الكتب الستة ، ومنها كتاب (أطراف الكتب الستة). وقد أجمع كل من ترجم له على أنه كان فردًا في هذا الشأن ، وأنه لم تر الدنيا مثله، وقد توفي سنة ٧٤٢ هـ. ٥- الحافظ شمس الدين الذهبي : هو الإمام الحافظ المؤرخ ، الفقيه ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن محمد بن قايماز الذهبي ، أحد الأئمة الأعلام في الحديث حفظًا ومعرفة ، وبخاصة في أسماء الرجال ، فقد كان شيخ الجرح والتعديل ، ورجل الرجال ، يخبر عن كل رجل كأنما كان یعاشره ويعلم خباياه . مؤلفاته ذائعة الصيت في التاريخ والطبقات وغيرها ، وحسبك من مؤلفاته بميزان الاعتدال في نقد الرجال. قال السيوطي عنه : الناس عيال الآن في الحديث على أربعة : المزّي ، والذهبي ، والعراقي وابن حجر. توفي سنة ٧٤٨ هـ. ٦- شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية : هو الإمام الحجة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ، شيخ الإِسلام ، فريد عصره علمًا ومعرفةً ، فاق الناس في معرفة الفقه وله فيه اجتهادات مشهورة ، وكذلك في التفسير وله فيه استنباطات لم يسبق إليها ، وحفظ من الحديث ما لا ١) أنظر البداية والنهاية (١٤ : ١٣١). ٢٤ جامع المسانيد والسنن يتيسر لغيره حفظه ، ونظر في الرجال ، ووقف من أخبارهم على ما لم يقف عليه غيره ، وكان لا يلتزم بمذهبه الحنبلي، بل كان يفتى بمَا دليله عنده ، أتقن العربية والعلوم العقلية ، ورد على المتكلمين ، ونصر السنّة ، قال عنه ابن سيد الناس: كاد يستوعب السنن حفظًا ، إذا تكلم في التفسير فهو حامل رايته ، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته ، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وروايته ، أو حاضر بالنحل والملل لم تر أوسع من نحلته ، ولا أرفع من درايته ، برز في كل فن على أبناء جنسه ، لم تر عين من رآه مثله ، ولا رأت عينه مثل نفسه. وتصانيفه ، وفتاويه، ومسائله تملأ سمع الزمان ، كان حنبليًا في مستهل حياته ، ثم وصل إلى درجة الاجتهاد ، فكان يفتى بمَا أداه إليه اجتهاده ، في الفقه. وقد توفي رحمه الله سنة ٧٢٦ هـ. ٧- الحافظ علم الدين البرزالي : الإمام الحافظ المؤرخ علم الدين أبو محمد ، القاسم ، بن محمد البرزالي ، مؤرخ الشام الشافعي ، كتب تاريخه : ذيل به على تاريخ ابن شامة ، توفي سنة ٧٣٩ هـ ، وهو محرم فغسل وكفّن ولم يستر رأسه . ٨ - الإمام أبو حفص عمر (ابن الفاكهاني) : قال ابن كثير(١) : الشيخ الإمام ، ذو الفنون ، أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن عبد الله اللخمي ، الإسكندراني المعروف بابن الفاكهاني . سمع الحديث واشتغل بالفقه على مذهب مالك ، وبرع وتقدم في النحو وغيره ، قدم دمشق ، وسمعنا عليه ومعه ، توفي سنة ٧٣٤ هـ. ٩ - قاضى القضاة علاء الدين القونوي : هو العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي ، قال عنه ابن كثير : قدم دمشق ، وهو معدود من الفضلاء. ثم سافر إلى مصر، فولّى مشيخة الشيوخ بها وبدمشق ، وله تصانيف في الفقه وغيره. توفي سنة ٧٢٦ (٢) هـ. ١) البداية والنهاية (١٤ : ١٦٨). ٢) البداية والنهاية (١٤ : ١٧٤). ٢٥ الدراسة ١٠- قاضي القضاة على الدين الأحناني : هو قاضي القضاة ، علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخنائي السعدي الشافعي. توفي سنة ٧٣٢ هـ. كذلك تتلمذ الحافظ ابن كثير على مشاهير الأعلام في عصره ، مثل العلّامة شمس الدين الأصبهاني ، صاحب التصانيف الشهيرة ، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ. وكذا الشيخ أبو العبّاس الحجار، الشهير بابن الشحنة الرحّالة المحدّث المعمّر، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ. والشيخ أبو إسحاق الآمدي ، شيخ دار الحديث بالظاهرية ، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ. والشيخ عز الدين أبو يعلى المتوفى سنة ٧٢٦ هـ. والعلامة ركن الدين زكريا بن يوسف الزاهد ، ركن الدين ، بقية السلف. المتوفى سنة ٧٢٢ هـ. والعلامة ابن العفيف المقدسي النابلسي، توفي سنة ٧٣٧ هـ. والعلّامة نجم الدين أبو الحسن المتوفي سنة ٧٢٩ هـ. وبالجملة فنحن لا نستطيع الإحاطة بشيوخ الحافظ ابن كثير، وما ذكر من غير شك ، فهو قليل من كثير من شيوخ الرجل ، وقد تبين لنا أنهم جميعًا أعلام ، يشار إليهم بالبنان ، مشاهير لا يحتاجون إلى تعريف. آثارهم العلمية خالدة ، ومؤلفاتهم أكثر الكتب تداولاً وتناولاً ، ونحن إذا أمعنا النظر في شيوخ الحافظ ابن كثير، وجدناهم يمتازون بسمات بارزة كان لها أكبر الأثر في ثقافة ابن كثير واتجاهاته ، وهي : ١ - شدة الاهتمام بالحديث وعلومه ، وهذه السمة هي أكبر المؤثرات في ابن كثير، كما هو واضح من مؤلفاته . ٢ - القدرة على الاجتهاد في الفقه ، وعدم الإلتزام بمذهب بعينه ، وكان للإمام ابن تيمية الحظ الأوفر من ذلك ، وبه تأثر الحافظ ابن كثير في العديد من المسائل. ٣ - الأخذ في العقيدة بمذهب السلف رضوان الله عليهم. وعليه فابن كثير وإن تأثر بهذه المدرسة التي كان رائدها شيخ الإسلام ابن تيمية ، إلا أن ابن كثير كانت له مع ذلك شخصيته المتميزة من بين تلاميذ ابن تيمية ، وإن كانت له به خصوصية ليست لغيره ، كما يدل على ذلك طول ثنائه عليه ، والإستفاضة في الحديث عنه في كتابه (البداية والنهاية ) بحيث لو جمع ما فيه من الحديث عن شيخة ابن تيمية لخرج كتابًا كاملاً. وقد لخّص الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي علاقة ابن كثير بأستاذه ابن تيمية حيث قال في ترجمته: وكان له خصوصية بابن تيمية ، ومناضلة عنه ، واتباع له في كثير من ٢٦ جامع المساند والسنن آرائه ، وكان يفتى برأيه في مسالة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي(١) . والخلاصة : أن الحافظ ابن كثير قد استفاد من أساتذته الاتجاه إلى تحصيل الحديث رواية ودراية ، والاجتهاد في الفقه والحديث، ولزوم مذهب السلف في المسائل الاعتقادية ، مع عفة في عرض المسائل الخلافية ، وإبداء الرأي فيها . ٤ - مواهبه، وغلبة الحديث على ثقافته يجمع كل من ترجم له على أنه كان فقيهاً جيد الفهم يقظًا كثير الاستحضار، يمتاز بالضبط والتحرير، بعيدًا عن التكلف ، حريصًا على الحق لا يبغى سواه ، معتمدًا على نفسه في غير زهو أو غرور، يناقش في هدوء ، ويجادل في رفق وأناة ، ولا يشتط في تأييد رأي أو هدمه إذا كان مما يخضع للإجتهاد ، واختلاف وجهات النظر، أقصى ما يعبّر عنه في تأييد رأيه إذا وضح له الدليل أن يقول: والظاهر كذا وكذا والله أعلم : يقول ذلك في إنصاف ، وبعد عن الهوى ، يصدع بالحق ، وإن كان مرًا ، وهذه كلها صفات الراسخين في العلم. تطالعك هذه الصفات وغيرها في وضوح عند مطالعة كتبه من تفسير، وحديث ، وفقه ، وتاريخ ، وغيرها ، مع الأمانة التامة في عَزْو كل رأي لقائله . وهو إن كان قد بلغ درجة الإمامة في كثير من العلوم ، مثل الفقه وأصوله ، والتفسير وعلومه ، والتاريخ والقراءات والنحو والأدب ، والشعر والحساب ، والحديث والرجال ، إلا أن العلوم التي اشتهر بها هي الفقه، والحديث ، والتفسير، والتاريخ ، فقد شهد له بالتبریز والإمامة فيها أولو الشأن ، والمتخصصون فيها ، وشدّت إليه الرحال من أجلها ، وقصده "الركبان من أقطار الأرض ، والتف من حوله التلاميذ، وقصده الناس من كل مكان. وذاع صيته ، واشتهر أمره. والذي نستطيع أن نؤكده في اطمئنان وثقة ، أن ثقافته في الحديث غلبت على سائر معارفه ، وظهر أثرها واضحًا في كل ما كتب من مؤلفات في التفسير والتاريخ والفقه ، فهو يؤثر التفسير بالمأثور على التفسير بالرأي ، ويحرص على أن يورد من الأحاديث والآثار ما يناسب المقام ، ويحاول أن يربط السنة بالكتاب ، مع تمحيص المرويات ونقدها ، وعزوها إلى من خرجها من الأئمة. ١) أنظر ذيل تاريخ الإسلام لأبي زرعة العراقي (ص ١٤٥) مخطوط . الدراسة ٢٧ وكذلك الحال في كتابة التاريخ ، المسمى (بالبداية والنهاية) فهو وإن كان دائرة معارف إسلامية ، في بدء الخلق ونهايته ، وقصص الأنبياء ، والسيرة النبوية ، والفضائل والخصائص ، وتاريخ الإِسلام ، إلا أنه يقوم كذلك على المرويات مشفوعة ببيان حظها من الصحة والضعف والقبول والرد ، والتحقيق والنقد ، مما يجعله أقرب إلى عمل المحدّثين من عمل المؤرخين. كذلك الحال في الفقه ، فهو يعنى بتخريج الأحاديث والآثار لكتاب التنبيه للإمام أبي إسحاق الشيرازي ، والرجل يغلب عليه أسلوب المحدّثين في التثبت في الأخبار، وذكر الأسانيد ، مع التنبيه فيها على ما يحتاج إلى تنبيه. يقول عن نفسه ، ما يبين عن غلبة الحديث عليه : وقد وضعت كل حديث مما يتعلق بالتفسير والتاريخ والأحكام في كتبنا الثلاثة ، ولله الحمد والمنّة (١). والواقع أن هذه المواهب الفذّة ، التي منحها الله للحافظ ابن كثير قد أفادت الناس في حياته ، وبعد مماته ، فتخرج به طوائف من أهل العلم والفضل ، وأخرج للدنيا طائفة من الكتب ، وهي من أجل ما أخرجه العلماء للناس . ٥ - تلاميذه تخرّج بالحافظ ابن كثير نخبة ممتازة من الأئمة والحفاظ ، لا يقل شأنهم عن شيوخه ، مما يشهد له بالتأثير الفعّال في تلاميذه ، وحسن توجيههم ، ونكتفي بذكر طائفة من مشاهيرهم : الحفاظ فقط ، إذ أن تتبع ذلك يطول : ١ - العالم العلّامة، الحافظ ، مؤرخ الإِسلام ، شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن علاء الدين حجي الدمشقي الشافعي صاحب التصانيف الشهيرة ، المتوفي سنة ٨١٨ هـ. ٢ - الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن حافظ العصر شيخ الإسلام العراقي : فهو إمام ابن إمام ، حافظ ابن حافظ ، شيخ إسلام ابن شيخ إسلام ، توفي سنة ٨٢٦ هـ. ٣ - الحافظ الكبير زين الدين العراقي. الإمام الحجة شيخ الإسلام الشافعي المصري ، والد الذي قبله ، صاحب التصانيف في التخريج ، والمصطلح ، وأحاديث الأحكام ، وغيرها ، توفي سنة ٨٠٦ هـ. ١) انظر مقدمة كتاب جامع المسانيد ص ٦١. ٢٨ جامع المسانيد والسّنن ٤ - الحافظ شمس الدين أبو الخير : محمد بن محمد المعروف بابن الجزري الشافعي ، مقرئ المالك الإسلامية ، المتوفي سنة ٨٣٣ هـ. ٦ - وفاته وثناء الأئمة عليه وبعد هذا العمر المبارك ، والحياة الحافلة بالعلم والتصنيف وافت المنية الإمام ابن كثير في يوم الخميس ، في الخامس عشر من شعبان سنة ٧٧٤ من الهجرة النبوية ، وقد شيعته الأمة إلى مثواه الأخير ، فرحمه الله رحمة واسعة ، ودفن بمقبرة الصوفية بدمشق ، بجوار شيخه تقي الدين ابن تيمية . فجزاه الله عن العلم والحديث أحسن الجزاء ، وأكرمه بمَا يكرم به العلماء العاملين ، والأئمة المخلصين. أما عن ثناء الأئمة والحفاظ عليه ، فيقول شيخة الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ : وسمعت مع الفقيه ، المفتي ، المحدّث ذي الفضائل عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصراوي الشافعي ، ولد بعد السبعمائة أو فيها ، سمع من ابن الشحنة وابن الرزاز وطائفة ، وله عناية بالرجال ، والمتون والفقه، خرج وناظر وصنّف وفسّر(١). أ. هـ. وقال فيه تلميذه الحافظ ابن حجي: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث ، وأعرفهم بتخريجها ورجالها ، وصحيحها ، وسقيمها ، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك ، وكان يستحضر شيئًا كثيرًا من التفسير والتاريخ ، قليل النسيان ، وكان فقيهًا جيد الفهم ، صحيح الدين (٢) ... إلخ. ويقول فيه الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ زين الدين العراقي : وكان كثير الاستحضار للمتون والتفسير والتاريخ، حسن الخلق ، كثير التواضع ، منتصبًا للإفادة ، وسمع منه الناس كثيرًا ، وحضرت عليه مع والدي (٣). وقال عنه ابن حبيب: إمام ذوي التسبيح ، والتهليل ، وزعيم أرباب التأويل ، سمع وجمع ، وصنّف وأطرب الأسماع بالفتوى ، وشنّف وحدّث وأفاد ، وطارت أوراق فتاويه ١) طبقات الحفاظ (٤ : ٢٩٠). ٢) ذكرها ابن حجر في أنباء الغمر (ص ٢١). ٣) ذيل تاريخ الإسلام لأبي زرعة (ص ١٤٥). الدراسة. ٢٩ إلى البلاد ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير(١) . وقال عنه الحافظ ابن حجر : وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة سارت تصانيفه في البلاد في حياته ، وانتفع بها الناس بعد وفاته ، ولم يكن على طريق المحدّثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدّثّ الفقهاء (٢). وقال عنه الحافظ بدر الدين العيني: كان قدوة العلماء والحفاظ ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ ، أسمع وجمع وصنّف، ودرّس وحدَّث وألّف، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة علم التاريخ والحديث والتفسير وله مصنفات عديدة مفيدة ، فمنها تفسير القرآن الكريم، والتاريخ (٣) .... إلخ. ونكتفي بهذا القدر، إذ تتبع ذلك يطول، فما زال أهل العلم يثنون عليه في كل عصر، كلما ذكر الحديث أو التفسير أو التاريخ ، ومن رام المزيد فليرجع إلى مصادر ترجمته ، مثل طبقات الحفاظ للسيوطي ، والمواهب للزرقاني ، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، والنجوم الزاهرة ، والمنهل الصافي لابن تغري بردي ، وغيرها. ومن تأمل مؤلفات ابن كثير، عرف أن القوم لم يبالغوا في الثناء عليه ، وأن الرجل أهل لما وصفه به تلاميذه ، وإليك عرضًا سريعًا لما عرف من مؤلفاته مع التعريف بها : ٧ - مؤلفاته وآثاره العلمية (٤) ترك الحافظ ابن كثير ثروة قيّمة من المؤلفات النافعة ، في التفسير والحديث وعلومه ورجاله ، والفقه والتاريخ ، وغيرها ، حفظت لنا المقادير معظمها ، وهي أقرب تناولاً إلى الناس لما فيها من عظيم الفائدة، لما امتازت به من غزارة في العلم، وسهولة في الفهم ، وبعد عن التعقيد والشطط فأقبل الناس عليها وانتفعوا بما فيها. ١) ذكره ابن حجر في أنباء الغمر ص ٢١. ٢) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٣٧٥/١. ٣) عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان للعيني، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٥٤٨ - تاريخ). ٤) انظر مؤلفاته في كتاب كشف الظنون في أسامي العلوم والفنون لحاجي خليفة طبعة استانبول سنة (١٣٦٠) هـ، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ، مطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٧٦ هـ/ ١٩٥٧ م. ! ٣٠ جامع المسانيد والسّنن كما عدت عوادي الزمن على بعض مؤلفاته ، فما نجد منه إلا الحديث عنها ، وسوف نسوق ما استطعنا جمعه من مؤلفاته من خلال ما كتبه بنفسه أو كتبه الناس عنه. ١ - تفسير القرآن العظيم: وهو أشهر كتاب تفسير متداول بين الخاصة والعامة ، اختاره على طريقة التفسير بالمأثور ، حيث يبدأ بتفسير الآية بما يوضحها من القرآن ثم بالأحاديث الواردة فيها عن النبي عد ◌ِّ، إذ خير التفسير ما كان بوارد وليس أعلم بمراد الله إلّا الله عزّ وجلّ ، وما أجمله في موضع في القرآن قد فصله في موضع آخر، ويلي ذلك تفسير رسول اللّه عَ لَه، إذ هو المبلغ عن الله تعالى، والمتلقي عنه، وقد قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. ﴾(١) وقال تعالى ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه﴾ (٢) . ويذكر ابن كثير في تفسير الآية من الأحاديث ما يوضحها ، ويبين المراد منها تمام البيان، فإن لم يجد من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ◌َّه ، نقل من أقوال الصحابة أو التابعين ، والأئمة المعتبرين ، معزوًا إلى من خرج تلك الأحاديث والآثار، مع التنبيه على ما يحتاج منها إلى تنبيه ، ونقد ما يحتاج إلى انتقاد ، كأن تكون النقول من الإسرائيليات ، أو من الأحاديث المنكرات ، وإن فاته من ذلك النزر اليسير، على تأول منه في ذلك. وربما ذكر في الآية من الآثار ما ليس نصًا في تفسيرها ، وبيان معناها ، لكن له علاقة بتوضيح المراد منها وتفهيمها. هذا مع توسط من غير تطويل ممل أو اختصار مخل ، لذا عظم نفعه ، وكثر بين الناس تناوله ، فطبع عدة طبعات ، وبآخره كتاب (فضائل القرآن) طبع ملحقًا به. وقد انتزع من تفسير ابن كثير كتاب (عمدة التفاسير، عن الحافظ ابن كثير) للعلامة الشيخ أحمد شاكر، وهو مختصر من تفسير ابن كثير، عنى فيه بتحقيق النص ، وتخريج الأحاديث ، وحذف الإسرائيليات جملة ، كما حذف الأسانيد ، اكتفاء بالكلام على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا . والكتاب يدل على مقدرة عظيمة للحافظ ابن كثير في علمي التفسير والحديث ، وعلى عقيدة صحيحة لزم فيها مذهب السلف الصالح بلا تعطيل ولا تأويل ، مع عرض لمذهب الفقهاء في اعتدال ، وترجيح لما يؤيده الدليل ، لذلك حاز القبول بين الناس. ١) بعض آية (٤٤) النحل . ٢) آية (١٨)، ١٩) القيامة . --- - - -. - ٣١ الدراسة ٢ - البداية والنهاية : وهو كتاب في التاريخ ، ألّفه على طريقة المحدّثين كما تقدّم. ذكر فيه بدء الخلق ، وقصص الأنبياء ، والسيرة النبوية ، والشمائل والفضائل والخصائص ، وتاريخ الإسلام إلى عصره حتى سنة ٧٦٧ هـ ، وختمه بمَا يكون في آخر الزمان من الفتن والملاحم وأحوال البرزخ ، والبعث والحشر، والقيامة ، وسائر السمعيات. فهو بحق دائرة معارف إسلامية ، وهو مطبوع ومتداول ومشهور لا غنى لأي عالم عنه ، وقد انتزعت بعض موضوعاته ، وأخرجت كتبًا مستقلة فمن ذلك : أ) قصص الأنبياء. طبعة المطبعة التوفيقية بالقاهرة. ب) السيرة النبوية ، أخرجها الدكتور مصطفى عبد الواحد. جـ) الشمائل والفضائل والخصائص ، أخرجها الشيخ طه عبد الرؤوف. د) سيرة عمر بن عبد العزيز، وأخرجها الدكتور أحمد الشرباصي. هـ) النهاية في الفتن والملاحم والسمعيات ، وأخرجها الشيخ طه الزيني ، وله عليها تعليقات ، والشيخ محمد فهيم ، وله عليها تعليقات غير سديدة ، رد فيها الأحاديث الثابتة ، وتأولها بتأويلات بعيدة ، كما أسقط بعض النصوص ، واعتذر بأعذار واهية. و) ما ورد من الرواية في البداية والنهاية، وهو كتاب جمع فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني ما ورد من الأحاديث والآثار في الكتاب ، وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية في ٨٧ ورقة بخط ابن حجر، وعليها خط العلامة الزبيدي برقم ٥٣٢ - ٤٤٤ ، تاريخ كما توجد صورة منها بجامعة الدول العربية تحت رقم ٧٧١. وانتزاع هذا العدد الضخم من الكتب دليل على أن كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير هو من أحسن ما ألّف من نوعه في موضوعه، فقد كان منهجه فيه يتسم بالدقة، فقد نقل الأخبار بأسانيدها وعزى الأقوال بالسند إلى أصحابها ، مع تمحيصها والترجيح بينها ، فليس الرجل مجرد ناقل ، بل النقد والتحليل سمة بارزة في منهجه ، مما جعل الكتاب عظيم النفع والفائدة . ٣- الفصول في اختصار سيرة الرسول : هو السيرة المختصرة ، وهو مطبوع ومتداول ، توجد منه عدة نسخ بدار الكتب مطبوعة ، كما طبعته مطبعة العلوم سنة ١٣٥٧ هـ. ٣٢ جامع المسانيد والسُّنن ٤- مولد رسول الله عليه : وهو مولد مسجوع ، آلّفه استجابة لطلب مؤذن المسجد المظفري بدمشق ، ذكر فيه بعضًا من الأحاديث والآثار المتعلقة بمولده مَ الله، وما يتعلق برضاعه وصفاته ، من الأخبار المنقولة والمقبولة عند الحفاظ المتقنين ، والأئمة الناقلين ، وقد نشرته دار الكتب ببيروت سنة ١٩٦١ م من مخطوطة عثر عليها في مكتبة جامعة برنستن في الولايات المتحدة الأمريكية ، ضمن مجموعة خطية ، وتوجد من هذه الطبعة عدد من النسخ بدار الكتب المصرية . ٥ - اختصار علوم الحديث : وهو كتاب فذّ في موضوعه ، أخرجه لأول مرة الشيخ / محمد عبد الرزاق حمزة المدرّس بالحرم المكي سنة ١٣٤٦ هـ تحت عنوان (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ، للحافظ ابن كثير) وكانت نسخته موجودة بمكتبة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت تحت رقم (٥٧ - مصطلح) وهي نسخة قديمة مكتوبة في طرابلس الشام سنة ٧٦٤ هـ منقولة عن نسخة معتمدة ، قرأت على المصنّف ، وعليها خطه ، وللشيخ / محمد عبد الرزاق حمزة عليها تعليقات لطيفة نافعة. ثم أخرجه بعد ذلك الشيخ /أحمد شاكر، وعلّق عليه كذلك مع احتفاظه بتعليقات الشيخ / محمد عبد الرزاق حمزة ، والكتاب مشهور متداول بين أهل العلم ، ومقرر في كثير من المعاهد العلمية ، والكتاب اختصار لكتاب ابن الصلاح في علوم الحديث. بعبارة سهلة فصيحة ، وجمل مفهومة مليحة ، واستدرك علي ابن الصلاح استدراكات مفيدة ، يبدؤها بقوله (قلت) ثم يذكر رأيه ، فسهل على طالب الفن تناوله. هذا. وقد ذكر فيه خمسة وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث ، مع أن حجم الكتاب وسط سهل التناول . ٦ - التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل : اختصر فيه كتاب (تهذيب الكمال) للحافظ المزّي ، وأضاف إليه ما تأخر في (ميزان الاعتدال) للحافظ الذهبي ، وزاد عليهما زيادات مفيدة في الجرح والتعديل ، ويوجد من الكتاب الجزء التاسع وهو الأخير، في مجلدين كبيرين بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٤٢٢٧ - ب . ٧- جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن : جمع فيه بين الكتب الستة ، ومسند أحمد ، وأبي يعلى، والبزار، والمعجم الكبير ۔ - - الدراسة ٣٣ للطبراني ، ورتبه على حروف المعجم ، وترجم فيه لكل صحابي ويوجد منه ثمانية أجزاء بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٨٤ - حديث مخطوط . وسنفرد ترجمة خاصة لهذا الكتاب ، بعد الفراغ من سرد المؤلفات ، لأنه موضوع التحقيق الذي نقدم له. ٨- إتحاف الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب : ٩- إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه : وهذان الكتابان في مجلد واحد يوجد مخطوطًا بتركيا في مكتبة فيض الله، تحت رقم ٧٨٣، وبالجامعة العربية بالقاهرة صورة منه . كما يوجد كتاب إرشاد الفقيه بدار الكتب المصرية ، ولكن الدار لا تعرف أنه لابن كثير، وهو برقم ٣٧٣ . وقد حقق الكتابان ، كرسائل جامعية ، لكنهما لم ينشرا بعد. ١٠- الإجتهاد في طلب الجهاد : ومعه أخبار هجوم الفرنج على الإسكندرية سنة ٧٦٧ هـ وهو عبارة عن طائفة من الآيات والأحاديث تقع في ٢٣ صحيفة ، مطبوعة وتوجد منه نسخ بدار الكتب المصرية . ١١ - شرح صحيح البخاري : شرع فيه ، ولم يكله ، وصل فيه إلى كتاب العلم ، كما ذكر ذلك في كتبه ، وكما ورد في عامة تراجمه . : ١٢ - كتاب الأحكام : شرع فيه ولم يكله ، وصل فيه إلى الحج. ١٣ - شرح قطعة من التنبيه للإِمام أبي إسحاق الشيرازي : ١٤ - مسند الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ! ٣٤. جامع المسانيد والسُّن ١٥ - مسند عمر بما روى عنه من الأحاديث والأثر. وقد سجل رسالة لنيل درجة الدكتوراه في جامعة أم القرى بمكة . ١٦ - كتاب المقدمات : ذكره في الباعث الحثيث تحت النوع التاسع : المرسل ص ٤٨، الطبعة الثالثة بتحقيق الشيخ / أحمد شاكر، وهو كتاب في الأصول . ١٧ - مختصر كتاب المدخل للبيهقي : ذكره في مقدمة الباعث الحثيث ص ١٩ الطبعة السابقة. ١٨ - طبقات الشافعية : ومعها مناقب الشافعي رحمه الله ، وقد ألفه على السنین ، كما قال كمال الدين بن قاضي شهبة . هذه هي أهم مؤلفات الحافظ ابن كثير، وقد أشرنا فيها إلى المخطوط والمطبوع منها ، وما لم نشر إليه فهو في عداد المفقود - حسب مبلغ علمنا - وقد أعرضنا عن ذكر طائفة من الأجزاء والرسائل في مواضيع شتى، وقد نوه بذكرها في مواضع من تفسيره ، وفي البداية والنهاية ، لأننا لم نعثر لها على أثر في تراجمه ولا في المخطوطات أو المطبوعات ، لذا فقد اكتفينا بما ذكر من أهم مؤلفاته وآثاره العلمية ، وهي من غير شك أكبر دليل على مبلغ علمه ، وعلى قدم راسخة جعلت الحافظ ابن كثير جديرًا بالإمامة والتبريز في التفسير ، والحديث ، وعلومه والتاريخ ، وغيرها من العلوم والفنون. كما نلاحظ على هذه المؤلفات أيضًا أنها - وإن كانت في فنون شتى - إلا أن طابع الحديث وطريقة المحدّثين تغلب عليها ، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك ، ومن آثار غلبة الثقافة الحديثية ألّف الحافظ ابن كثير كتابه (جامع المسانيد) الذي يشرفنا أن نقوم بتحقيقه ، وتقديمه لعلماء السنة والمحبين لها . ٨ - التعريف بكتاب جامع المسانيد عنوان هذا الكتاب: ((جامع المسانيد والسنن، الهادي لأقوم سنن)) ومن عنوان هذا الكتاب يتضح أنه موسوعة في الحديث ، والسنن ، وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر ، فقد ٣٥ الدراسة. جمع هذا الكتاب من أكثر من مائة ألف حديث ، كما ذكر مؤلفه في مقدمته ، وفيها الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والموضوع أيضًا كما ذكر. وقد استقى الحافظ ابن كثير هذا المؤلف من مصادر ذكرها : وهي صحيح الإمام البخاري ، صحيح الإمام مسلم ، سنن أبي داود ، سنن الترمذي ، سنن النسائي ، سنن ابن ماجه ، مسند الإمام أحمد بن حنبل ، مسند البزار، مسند أبي يعلى ، المعجم الكبير للطبراني . فهذه عشرة من دواوين السنة اعتمد عليها ، وجعلها أساسًا لجامعه ، وربما زاد عليها. وهذه الكتب مناهجها مختلفة في التصنيف ، فمنها المؤلف على أبواب الفقه ، كالصحيحين ، والسنن الأربعة ، ومنها المؤلف على المسانيد ، كمسند أحمد والبزار وأبي يعلى ، ومنها المؤلف على المعاجم ، كمعجم الطبراني . فإذا تقرر أن هذه الكتب مختلفة المناهج في التأليف ، فإن إقدام ابن كثير على ضمها في جامع مع الترتيب ، والتبويب ، والنقد والترجمة لكل صحابي ، يعتبر من أبلغ الأدلة على ما وصل إليه الحافظ ابن كثير في الحديث وعلومه من علو كعب ، ودقة نظر، وكثرة حفظ ، وجودة تصنيف ، وشدة استحضار، وطول صبر وأناة . كما يعتبر هذا الكتاب بحق من أكبر الأعمال العلمية وأوسعها ، وأجمعها لحديث رسول الله سَ الِ ، فهو موسوعة علمية فذة في تاريخ التأليف في الحديث. وصف الكتاب وتحليله وبيان منهجه مهد الحافظ ابن كثير للكتاب بمقدمة ضافية، اشتملت على حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والثناء على النبي عَ لّله بمَا يليق بمقامه الرفيع، ثم الحديث عما حباه الله به معد له} من شريعة نسخت ما قبلها ، ثم أخذ الميثاق من النبيين (لَيَؤْمَنّنِ به ولينصُرُنَّه) ثم الحديث عما أنطقه الله به من الحكمة من السنّة قولاً وعملاً، وما حفظ الله به دينه بمَا هيأه الله له من الحفظة الأمناء من الصحابة والتابعين ، لهذا لم تَحْتج أمته إلى نبي بعده على خلاف الأمم قبلها ، فإنهم لما ضيعوا دينهم احتاجوا إلى تجدد النبوة ، ومن هنا ندرك سر حفظ الله لكتابه المكنون عن التبديل والتحريف ، فهيأ له من الحفظة الكرام ما جعله متواترًا على الدوام ، وحفز هِمَمَ الصحابة لجمعه وتدوينه ، وضبط ألفاظه وحروفه ، فجمعه كّتَبَة الوحي ، والصديق ، وذو النورين عثمان ، وبعث به إلى الأمصار، فاجتمعت الأمة عليه ، إلى يوم الناس هذا. 1 i ٣٦ جامع المسانيد والسُّنن كما لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين بالحُجّة على سائر الخلق يحفظون السنن متونها ، ومسانيدها ، عالمين بأحوال رجالها ، يدفعون عنها أهل البدع والأهواء ، ثم ذكر أنه قد ألّف كتابًا سمّاه ((بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) في عشر مجلدات ، ذَبًا عن السنّة، وجعله كالمقدمة لكتابه هذا. ثم ذكر مصادره العشرة التي اعتمد عليها ، وجعلها أساسًا لجامعه ، وهي تشمل على ما يزيد على مائة ألف حديث بالمكرر، وفيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع ، وتشتمل على أحاديث كثيرة في الأحكام ، وفي التفسير، والتاريخ ، والرقائق ، والفضائل ، وغيرها . ثم أثنى على البخاري بدقته في صحيحه ، وتشدده في شرط الصحيح ، ثم توسع عنه الإمام مسلم قليلاً، ولكن فاتهما من الصحيح على شرطهما كثير. ثم ذكر أن ما كان فيه وهن شديد ، فإنه قد بيّنه ، ثم ذكر عنوان الكتاب وتسميته ، حيث قال: (وسمّت كتابي هذا: جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن) وهو المسند الكبير، وشرطي فيه: أني أترجم كل صحابي له رواية عن رسول الله عَ لمه مرتبًا على حروف المعجم ، وأورد له جميع ما وقع له في الكتب ، وما تيسّر لي من غيرها . ويؤخذ من هذه المقدمة بيان منهجة في ترتيب الكتاب على حروف المعجم للصحابة رضوان الله عليهم ، مع ترجمة موجزة لكل صحابي له رواية ، وأنه سيورد له جميع ما وقع له من روايات في الكتب العشرة ، وأنه سيبين ما فيه وهن شديد من الروايات . وبتطبيق ما ذكره في المقدمة على ما في الكتاب يتبين الآتي : ١ - أن الحافظ ابن كثير حدد مصادرُه في الكتاب بالعشرة المذكورة : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي وابن ماجه ، ومسند أحمد ، وأبي بكر البزار، وأبي يعلى الموصلي ، والمعجم الكبير للطبراني ، وسيأتي تفصيل وبيان لموارده . ومع هذا الوضوح الذي لا لبس فيه في مصادره ، إلّا أنه قد أخطأ بعض الكُتّاب حينما تكلموا عن مصادر ابن كثير في هذا الكتاب ، فجعلوا (مسند ابن أبي شيبة) مكان (المعجم الكبير للطبراني ) . ومن هؤلاء الأستاذ / محمد عبد العزيز النجار في تحقيقه لكتاب (البداية والنهاية ) والشيخ / محمد عبد الرزاق حمزة في ترجمته لابن كثير في كتاب (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) والدكتور مصطفى عبد الواحد ، والشيخ /أحمد شاكر في كتابه (عمدة التفاسير) الذي انتخبه من تفسير ابن كثير. ومن قبل هؤلاء الحافظ / محمد أبو المحاسن الحسيني الدمشقي في كتابه (دبل الطبقات) مع أنه تلميذ ابن كثير. 1 ٣٧ الدراسة وتابعه على ذلك الإمام / الشوكاني في كتاب (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ) وابن تغرى بردى في كتابه (النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة) وكتابه (المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ). أما الحافظ ابن حجر عمدة المحققين ، فقد ذكر مصادر الكتاب على التحقيق ، كما ذكرها الحافظ ابن كثير. ونحن إذا استعرضنا الكتاب وجدناه مشحونًا بالأحاديث التي خرجها الطبراني في معجمه ، أما ابن أبي شيبة فليس له سوى حديث واحد في مسند أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه : قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدّثنا هشيم ، عن يونس ، عن أبي برزة قال : كنا في غزاة لنا ، فلقينا أناسًا من المشركين، وأجهضناهم عن بلدهم .. الحديث. 1 ثم قال ابن كثير عقب هذا الحديث : رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عُلية ، عن أيوب ، عن الحسن ، عن أبي برزة أن ذلك كان في غزوة حنين(١) . وهذا الحديث الفذّ لا يمكن أن يعتبر مبررًا لعد ابن أبي شيبة من مصادر الكتاب ، وحذف الطبراني ، مع أن ابن كثير قد أكثر من الرواية عنه في هذا الجامع ، ولعلنا نلاحظ أيضًا أن الطبراني قد أخرج هذا الحديث مع ابن أبي شيبة كما ذكره ابن كثير. ٢ - نلاحظ كذلك أن الحافظ ابن كثير قد شرط على نفسه أن يترجم کل صحابي له رواية عن رسول الله عَ له سواء كانت هذه الرواية في المصادر العشرة، أو في غيرها ، وهو اتجاه حميد ، فلكثير من الصحابة روايات تفردوا بها، ومسائل توجهوا بها للني ڼ تفيدنا في معرفة خواطرهم ، وخلجات أنفسهم ، ومعرفة تاريخ إسلامهم ، ورحلاتهم وغزواتهم ، وما أسند إليه من مهام ، وذلك يتيح لنا نقد كثير من الروايات التي تنسب إليهم ، فقد يروي بعضهم عن بعض ، فيحسب من لا علم له أن الراوي من التابعين ، وربما روى بعض التابعين مرسلاً، فيظن أنه صحابي ، ولا علاج لذلك سوى التراجم والتواريخ . وهو عمل مشكور لابن كثير حيث جعل هذه التراجم جزءًا من كتابه ، وإن كانت موجزة وقصيرة ، وكأنه أراد أن يربط بين الرجل ومروياته ، عن قرب ، وإن كان قد سبقه إلى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وابن الجوزي في كتابه جامع المسانيد والألقاب. ١) جامع المسانيد والسنن (٥: ٣٥) مخطوط . 1 ٣٨ جامع المسانيد والسُّن وابن كثير لم يكتف بالترجمة لكل صحابي له رواية ، بل قد استطرد فذكر جماعة من الصحابة ليست لهم رواية ، لينبه بذلك على أنه لا رواية لهم. وذلك مثل : إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وإبراهيم النجار وإبراهيم النحّام ، وإبراهيم ابن النبي عَ ليه من مارية القبطية الذي توفي قبل أبيه عَ لَّه بعام، وسيأتي الكثير من هؤلاء في الكتاب . وقد بيّن ابن كثير الحكمة في ذكرهم ، وهو أنه قد يروى بعض هؤلاء أحاديث ، وهي مرسلة ، فيظنها بعض الناس متصلة، ويحكم بسماعهم من النبي عَ له، والحقيقة غير ذلك ، كما قال في ترجمة ازداد، ويقال: يزداد الفارسي. قال ابن كثير: مختلف صحبته ، والأكثر أنه ليس بصحابي ، منهم البخاري وغيره. وقال في ترجمة: أسعد بن سهل بن حنيف: الجمهور أنه ولد في حياة الرسول عَ لَّهِ، قبل وفاته بسنتين ، وقال أبو بكر بن أبي داود : صحب رسول الله وبايعه ، والأول أشهر ، روى عن النبي ◌َِّ أحاديث، هي في الحقيقة مرسلة، لكنها عن أبيه ، وكان صحابيًا جليلاً، وقد أورد له شيخنا في الأطراف أحاديث (١). وابن كثير في خلال هذه التراجم لا ينقل فحسب ، وإنما ترى له تحقيقات ، وتعليقات ، وترجيحات تدل على سعة اطلاعه ، فمن ذلك ما قاله في ترجمة : أسد بن زرارة الأنصاري(٢) ، قال: ذكر له الحاكم حديثًا في علي رضي الله عنه ، ثم قال : وقد حكم الحافظ أبو موسى المديني على الحاكم أبي عبد الله بالوهم في ذكر أسد هذا في الصحابة ، وإنما هو أسعد بن زرارة. أما الحديث فهو ((أوحى الله في عليّ ثلاث خصال: أنه سيد المرسلين، وإمام المتقين ،. وقائد الغر المحجّلين)). وقد عقب الحافظ ابن كثير على هذا الحديث قائلاً: وهذا حديث منكر، ويشبه أن يكون موضوعًا من بعض الشيعة الغلاة، وإنما هذه صفات رسول الله صَلى له . ولا شك أن هذا جهد مشكور للحافظ ابن كثير في هذا المجال ، غير أنه أغفل بعض تراجم كان يلزمه ذكرها، لثبوت روايتها من النبي عَ ◌ٍّ، كما شرط على نفسه ، ولا سيما أنه أخرج في كتابه هذا أحاديثهم، منهم: أوس الأنصاري، والحارث بن مالك الأنصاري (٣) وغيرهما. فقد أورد لهما رواية: واكتفى بذكر اسمهما دون أن يترجم لهما. ١) جامع المسانيد والسنن (١: ٦٤) من المخطوط . ٢) جامع المسانيد (١: ٦٤) من المخطوط . ٣) أنظر: جامع المسانيد (١ : ٩٠) من المخطوط . الدراسة ٣٩ ٣ - ذكر الحافظ ابن كثير في المقدمة أنه رتب كتابه هذا على حروف المعجم ، مبتدئًا بالألف ثم الباء ، وهكذا (١) . والأمر كذلك كما ذكر، فقد رتبه على حروف المعجم بالنسبة للصحابة ، بل وبالنسبة للتابعين المكثرين عن الصحابة . ولم يشذ ابن كثير عما رسمه لنفسه إلا في مواطن قليلة ، بعضها في ترتيب مسانيد الصحابة ، وبعضها في ترتيب من روى عنهم. فقد آثر أن يُفرد للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم مسندًا لكل منهم (٢) . وأفرد لعمر بن الخطاب رضي الله عنه مسندًا آخر بما روى عنه من السنن والآثار ، مرتبًا على أبواب الفقه ، وهو خارج عما التزمه في ترتيب الكتاب (٣) . وأخرج المكثرين من الصحابة عن ترتيبهم مع بقية الصحابة ، فأخر ترتيبهم على حسب حروف المعجم ، وهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري : سعد بن مالك ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود ، وأبو هريرة ، وعائشة رضي الله عنهم . ويوجد من الكتاب ثمانية أجزاء بدار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم (١٨٤ - حديث) مخطوط ، والأجزاء الستة الأولى تشمل الأسماء ، والكنى ، والمبهمات ، من الرجال والنساء وتشمل من المكثرين بعض مسند أنس رضي الله عنه. وهناك جزءان آخران ، يشتمل أحدهما على مسند عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. ويشتمل الثاني على جانب كبير من مسند أبي هريرة رضي الله عنه ، يبدأ بحرف الجيم من الرواية عنه ، من (جعفر بن عياض) ينتهي بنهاية مسنده. وعليه فالجزء المفقود من الكتاب يشمل مسند الخلفاء الراشدين ومسند عمر بن الخطاب الخاص به ، ويشمل مسانيد المكثرين من الصحابة ، بقية مسند أنس ، ومسند جابر ، وأبي سعيد الخدري ، وابن عبّاس ، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين. ١) قال الحافظ ابن حجر في ((أنباء الغمر بأبناء العمر)): ٤٧/١: ((لما رتب الحافظ شمس الدين ابن المحب المعروف بـ ((الصامت)) مسند أحمد على ترتيب حروف المعجم - حتى في التابعين المكثرين عن الصحابة - أعجب ابن كثير فاستحسنه ، ورأيت النسخة بدمشق بخط ولده عمر فألحق ابن كثير ما استحسنه في الهوامش من الكتب الستة ومسندى أبى يعلى والبزار ومعجمي الطبراني ما ليس في المسند ، وسمي الكتاب ((جامع المسانيد والسنن)) وكتبت منه عدة عدة نسخ نسبت إليه وهو الآن في أوقاف المدرسة المحمودية، المتن ترتيب ابن المحب والإلحاقات بخط ابن كثير في الهوامش والعصافير، وقد كنت رأيت منه نسخة بيّضها عمر بن العماد ابن كثير مما في المتن والإلحاق، وكتب عليه الإسم المذكور)». اهـ. ٢) جامع المسانيد والسنن (٣: ٨١) مخطوط بدار الكتب تحت رقم (١٨٤). ٣) جامع المسانيد والسنن (٥: ٤٥) مخطوط بدار الكتب تحت رقم (١٨٤). ٤٠ جامع المسانيد والسُّنْن كما توجد نسخة أخرى لهذا الكتاب ، بدار الكتب منقولة على الأولى ويوجد للمجلد الثاني نسخة أخرى في ألمانيا في مدينة برلين ، ويقع في ٣٣٠ ورقة ، ويبدأ بمسند ربيعة بن عثمان التيمي ، وينتهي إلى مسند عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، ويوجد للمجلد الثالث نسخة أخرى في العراق بمكتبة الأوقاف ببغداد ، تحت رقم ٢٨٩٨ وتقع في ٣٥٨ ورقة ، وبها خرم في أولها وآخرها ، ويوجد لهذا المجلد نسخة أخرى بالمغرب في مدينة الرباط تقع في ١٥٢ ورقة. كما يوجد للمجلد الخامس نسخة ثانية في المكتبة الأزهرية ناقص بأوله ويقع في ٢٢٧ ورقة . وقد سبق الكلام على أن الحافظ ابن كثير قد كُف بصره في أخريات حياته ، من طول معاناته لإخراج هذا الكتاب ، ومات قبل أن يستكمله ، فلعل هذا المفقود من الكتاب مما لم يستكمله الحافظ ، حيث حالت دونه منيته رحمه الله. ٤ - شرط الإمام ابن كثير على نفسه في المقدمة ، أن يبين ما فيه وهن شديد من الأحاديث ، وهذا عمل جليل ، وجهد مشكور له ، ومفهوم هذا الكلام أن لا يتعرض لما كان وهنه غير شديد ، كما لم يبين لنا حد الوهن الشديد وغير الشديد ، وبالتطبيق على ما في الكتاب نجده قد نبّه في غالب الأحيان على ضعف بعض الأحاديث ونكارتها ، وربما وصمها بالوضع ، وأحيانًا يشير إلى أنه ترك بعض أحاديث للراوي لشدة وهنها ، وهذا موقف طيب ومحمود حيث نبّه على هذه الأحاديث ، وكانت الفائدة أتم من غير شك لو أنه نقد جميعها ونبّه عليها. ومع ذلك فإنه نقل بعض الأحاديث شديدة الوهن ، وسكت عنها. وهذا على خلاف ما شرطه على نفسه في المقدمة ، ومن تأمل منهج الحافظ ابن كثير في التصحيح ، والتضعيف لاكتشف أنه من المتساهلين في أحاديث الفضائل شأنه شأن كثير من أئمة هذا الشأن ، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ، المتثبتين في أحاديث الأحكام ، وما يمس العقيدة ، وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإليك نماذج توضح منهج الحافظ ابن كثير مما علق عليه في كتابه : في مسند عبادة بن الصامت قال الطبراني : حدّثنا العبّاس بن الربيع بن تغلب ، حدّثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عقبة ، عن محمد بن جحادة ، عن خالد ابن معدان ، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله عَ المه يقول: ((من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائة آية كتب له قُنوت ليلة ، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين ، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار ومائتا أوقية : الأوقية خير مما بين السماء والأرض ، ومن قرأ ألفي آية كان من المخبتين)) ..