النص المفهرس

صفحات 1-20

جَارِعُ الْأَضُواْ
في
أَحَادِيْث الرَّسُول
تأليف
الإمام تَجَد الدّين أبي السَّعادَات المباركْ بن محمّد: ابن الأثير الجزَّري
٥٤٤ - ٫٦٠٦
رحم الله تعالى
جمع فيه المؤلف الأصول الشّة المعتمدة عند الفقها ءوالمحدثين: [الموطأ، البخاري، سلم، ابو داود، الترمذي، الثنائي
وهذّبها، وريبها، وزلل صعابها، وشرح غريها، ووضح معانيها. قال ياقوت : أقطع قطعًا أنه لم يصنف مثله قط
حتّى نصوصه، وفرّج أحاديثه، وصلى عليه
عبد القادر الأرناؤوط
الجزءُ العَشْر
نشر وتوزيع
مَكتَبة الحلوانى
حية ناظر الحلواني
مَطْبَعَةُ المِلاج
عَبْدُ الله الملاح
مَكتبَة دَارُ البي
بشير عيون

حقوق الطبع محفوظة للمُحقق والناشر
١٣٩٢ ٠ - ١٩٧٢ م

الكتاب الثالث
من حرف الفاء في الفتن والأهواء والاختلاف
ويشتمل على ستة فصول
الفصل الأول
في الوصية عند وقوع الفتن و حدوثها
٧٤٥٣ - (رت - أبو أمامة الشعباني) قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الْخُشَفيَّ
رضي الله عنه قال: قلت: ((يا أبا ثعلبةَ ، كيف تقول في هذه الآية: (عَلَيْكُم
أَنْفُسَكُم)؟ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً،
سألتُ عنها رسولَ اللّهِ مَّه، فقال: انْتَمِرُوا بالمعروفِ، وانْتَهُوا عن
اُنْكَرِ، حتى إذا رأيتم شُعَاً مُطَاعً، وهوىَ مُتَبَعاً ودُنيا مُؤْثَرَةُ، وإعجابَ
كلُ ذي رأي برأيه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامِّ، فإن من ورائِكم
أيامَ الصَّْرِ ، الصَّرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجمر، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجرِ خمسينَ رَجُلاً
يعملونَ مِثْلَ عَمِلكُم)) أخرجه الترمذي وأبو داود، وزاد أبو داود في
حديثه: ((قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال:
- ٣ -

بل أجرُ ◌َمينَ رجلاً منكم))(١).
[شرح الغريب]
(الشُّحُ) : البخل الشديد، وطاعَتُهُ : أن يتبع الإنسان هوى نفسه
لبخله ، وینقاد له .
(دنيا مؤثرة ) أي: محبوبة مشتهاة .
٧٤٥٤ - (ت - أبو هريرة رضي الله عنه) أن رسول الله عَ ل قال:
(إِّكَمِ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ فِيهِ عُثْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمْ يأتي زمانٌ مَنْ
عَمِلَ فيه بعُشْرٍ ما أُمر به تجا، وإنَّ مِنْ وراِكم أيامَ الصبرِ، الصَّرُ فيهنَّ
كالقبض على الْجْرِ ، وإنَّ العِبَادَةَ في الْخَرج كهجرة إليّ)).
أخرجه الترمذي، إلى قوله: ((نجا))(٢).
٧٤٥٥ - (ت - أنس بن مالك رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله
سَ اله: (( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر)).
(١) رواه الترمذي رقم ٣٠٦٠ في التفسير، باب ومن سورة المائدة، وأبو داود رقم ٤٣٤١ في
الملاحم، باب الأمر والنهى، ورواه أيضاً ابن ماجه رقم ٤٠١٤ في الفتن، باب قول الله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم)، وإسناده ضعيف ، ولكن له شواهد يرتقي بها ، وقال
الترمذي : هذا حديث حسن غريب، ورواه أيضاً ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي
في ((شعب الايمان)) وانظر («مجمع الزوائد)» ٢٨٢/٧.
(٢) رواه الترمذي رقم ٢٢٦٨ في الفتن ، باب رقم ٧٩ ، وفي سنده نعيم بن حماد وهو صدوق
يخطىء كثيراً، ولكن لفقراته شواهد يرتقي بها ، منها الذي قبله، والتي ستأتي ، ولآخره شاهد
عند مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه وسيأتي، وقال الترمذي : هذا حديث غريب
لانعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة وفي الباب عن أى ذر وأبي سعيد وانظر
(«مسند» أحمد ٠١٠٠/٥
- ٤ -

أخرجه الترمذي (١) .
٧٤٥٦ - (خ - وأقر بن محمد رحمه اللّه) عن أبيه عن ابن عُمَرَ - أو
ابن عمرو - قال: (( شَبَّكَ النيُ عَظِلّهِ أصابعه، وقال: كيف أنت يا عبد الله
ابن عمرو، إذا بقيتَ في حثالة قد مَرِجَتْ عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا
فصاروا هكذا، قال: فكيف [أصنع] يا رسول الله؟ قال: تأخذُ ماتعرِف،
وتَدَعُ ماتُنْكِرُ ، وتُقبل على خاصتك، و تَدُّعهم وعواًمهم )) وفي حديث
عاصم بن محمد بن زيد قال : سمعت هذا من أبي، فلم أحفظه ، فَقَوَّمَهُ لي
واقد عن أبيه ، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسولُ الله
مَّ ◌ُله: " يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت ... وذكر الحديث)).
أخرجه البخاري (٢) .
قال الحميدي : وليس هذا الحديث في أكثر النسخ، وإنما حكى أبو
(١) رقم ٢٢٦١ في الفتن، باب رقم ٧٣، وفي سنده معمر بن شاكر البصري، وهو ضعيف، وقال
الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه . أقول: ولكن له شواهد يرتقي بها .
(٢) رواه البخاري تعليقاً (٤٦٨/١ في المساجد، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره ، قال :
وقال عاصم بن علي: حدثنا عاصم بن محمد، سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه، فقدمه لي واقد عن
أبيه قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياعبد الله
ابن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس بهذا، قال الحافظ في ((الفتح)): وصله
إبراهيم الحربى في غريب الحديث له، أقول: واللفظ الذي أورده المصنف رواه أحمد في «المسند»
رقم ٦٥٠٨ ، وهو حديث صحيح .
- ٥ -

مسعود: أنه رآه في كتاب ابن رُمَيْح عن الفِرَبْرِي ، وحماد بن شاكر
عن البخاري .
وفي رواية أوردها رزين: أن رسولَ اللّه عَ ل قال: ((كيف بكم
وبزمان تُغَرْبَلُ الناس فيه غَرْبلة، ثم تبقى حُثَالَةٌ من الناس ◌َدْ مَرِ جَتْ
◌ُهُودهم وأماناُهُم ، واختلفوا هكذا ۔ وشبك بين أصابعه - قالوا : كيف بنا
يا رسول الله؟ قال: تأخذون ماتعرفون، وتذَرون ما تُنكرون، وتُقْبلون
على أمرِ خاصتكم، وتذرون أمر عاًمتكم))(١).
وفي أخرى ذكرها أيضاً قال: (( بينما تَحْنُ جُلُوسٌ عند رسول الله
سَاءٍ ، إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفّت
أماناتهم ، وكانوا هكذا - وشبَّك بين أصابعه - قال ابن عمرو: فقمت إليه،
فقلت : كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ قال: الزَمْ بيتك ، وامْلِكْ
عليك لسَانَكَ، وخذما تعرف، ودَعْ ماتنكر، وعليك بأمر خاصةٍ نَفْسِكَ
ودَعْ عَنْكَ أمر العامة))(٢).
[شرح الغريب
( حثالة ) الحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتّمر ، وكل ذي
(١) هذه الرواية هي عند ابن ماجه برقم ٣٩٥٧ في الفتن، باب التثبت في الفتنة، رواه أيضاً أحمد
في «المسند )» رقم ٧٠٤٩، وهو حديث صحيح .
(٢) هذه الرواية رواها أبو دواد برقم ٤٣٤٣ في الملاحم، باب الأمر والنهي، وأحمد، والحاكم
وصححها ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا .
- ٦ -

قشرٍ إذا نُقي ، وحثالة الدهن: تُفْله، وكأنه الرديء من كل شيءٍ.
( المرج): الاختلاط والاختلاف، مرجت عهودهم: إذا اختلفَتْ.
( غربلة ) الناس: إماتة الأخيار ، وبقاء الأشرار ، كما ينّ الغيربال
من حثالة مايغربله ورديئه .
٧٤٥٧ - (,- أبو ذر الغفاري رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله
مَّ اله: ((يا أبا ذرُ، قلت: لَبْيْكَ يا رسول الله وسعديك ... فذكر الحديث))
كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظه، وقال فيه («كيف أنت إذا أصاب الناس
موتٌ يكون البيت [ فيه] بالوَصيف؟ قلت: الله ورسوله أعلم - أو قال:
ماخارَ الله لي ورسوله - قال: عليك بالصبر - أو قال: تَصْرُ - ثم قال لي:
يا أبا ذرُ، قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار
الزيت قد غرِقَتْ بالدَّم؟ قلت: ماخار الله لي ورسوله، قال : عليك بمن
أنتَ منه، قلت: يا رسول الله: أفلا آخُذُ سيفي فأضَعُهُ على عاتقي؟ قال:
شاركتَ القوم إذاً ، قلت: فما تأمرني؟ قال: تَلْزَمُ بَيْتَكَ؟ قلت: فإِن دُخل
على بيتي؟ قال: إن خشيت أن يَيْهَرَكَ شعاعُ السيف، فألقِ ثوبك على
وجهك، يبوء بائمكَ وإئمه )) أخرجه أبو داود (١).
(١) رقم ٤٢٦١ في الفتن، باب في النهي عن السعي في الفتنة، ورواه أيضاً ابن ماجه رقم ٣٩٥٨
في الفتن ، باب التثبت في الفتنة ، وهو حديث حسن .
- ٧ -

[ شرح الغريب]
(البيت ) أراد بالبيت هاهنا : القبر .
( والوصيف) العبد ، والوصيفة: الأمة ، والمعنى أن الفتن تكثر ،
فتكثر القتلَى، حتى إنه ليشترى موضع قبر يُدفن فيه الميت بعبدٍ ، من ضيق
المكان عنهم ، مبالغة في كثرة وقوع الفتن ، أو أنه لاشتغال بعضهم ببعض
وبما حدّثَ من الفتن لا يوجد من يحفر قبر ميت ويدفنه ، إلا أن يُعطيَ
وصيفاً أو قيمته .
( يَبهرك) ضوء باهر: يغلب عينك ويغشى بصرها.
(يبوء ) باء بالإثم يبوء: إذا رجع به حاملاً له.
٧٤٥٨ - (د - أبو ذر الغفاري رضي اللّه عنه) قال: قال رسولُ الله
حَ لّم: «كيف أنتم وأعمةً من بعدي يستأثرون بهذا الفَيء؟ قلت: أما والذي
بعثك بالحق ، أضع سيفي على عاتقي ، ثم أضرب به حتى ألقاك، أو الْحَفَكَ
قال: أوَلا أدُلُك على خير من ذلك؟ تصبر حتى تلقاني)) أخرجه أبو داود (١).
[ شرح الغريب]
(الفيء): ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار وأملاكهم عن غير قتال
ولا حرب ، والاستئثار: الانفراد بالشيء ، والتخصص به.
٧٤٥٩ - (ت - عربة بقت أهبان بن صيفي الغفاري) قالت: ((جاء
(١) رقم ٤٧٥٩ في السنة، باب في قتل الخوارج، وفي سنده مجهول.
- ٨ -

علىَّ إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال له : إن خليلي وابنَ عمك عَبِد
إليَّ، إذا اختلف الناسُ : أن أَّخِذَ سَيْفاً من خَشَب، فقد اتخذتُهُ ، فإن شئت
خرجت به معك ، فتركه )) أخرجه الترمذي (١)
٧٤٦٠ - (د.ت - أبو موسى الاًتعري رضي الله عنه) أن رسولَ الله
صَلّمٍ قال في الفتنة (( كسُرُوا فيها قِيْكم، وقَطَّعُوا فيها أوتاركم، والزموا
فيها أجوافَ بيوتكم ، وكونوا كابن آدم، أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو
داود بزيادة في أوله، قال: قال رسولُ اللّه عَّ ◌ُله: « إن بينَ يدي الساعة
فِتْناً كَقِطَعِ الليل المظلم، يُصبح الرجل فيها مؤمناً، ويُسي كافراً، ويمسي مؤمناً
ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، والماشي فيها خير من الساعى ،
فَكَسِّرُوا قِسِيكم، وقطعوا أو ثاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن
دُخِلَ على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم)» وأخرجه أبو داود أيضاً إلى
قوله: ((خير من السَّاعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاسَ بُيُوتِكم)) (٢).
[ شرح الغريب]
(قطع الليل ) طائفة منه، وجمعها: قِطَع، أراد: فتنة مظلمة سوداء،
تعظيماً لشأنها .
(١) رقم ٢٢٠٤ في الفتن، باب رقم ٣٣، ورواه أيضاً أحمد في ((المسند)، ٦٩/٥ و٣٩٣/٦ من
حديث عديسة و ٢٢٥/٤ من حديث محمد بن مسلمة ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب
وهو كما قال، قال : وفي الباب عن محمد بن مسلمة .
(٢) رواه الترمذي رقم ٢٢٠٥ في الفتن، باب رقم ٣٣، وأبو داود رقم ٤٢٥٩ و٤٢٦٢ في الفتن،
باب في النهي عن السعي في الفتنة ، وهو حديث صحيح .
- ٩ -

(كابن آدم ) أراد بقوله: كابن آدم، وقوله: ( كخير ابني آدم) هو ابن
آدم لصلبه هابيل الذي قتله أخوه قابيل ، وما قال الله تعالى في أمرهما: (لئن
بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) المائدة: ٢٨ وقوله:
( إليْ أُرِيدُ أن تبوء بإثمي وإثمكَ فتكون من أصحاب النار) [المائدة: ٢٩]
( أحلاس بيوتكم ) فلان حلس بيته : إذا لزمه لا يفارقه ، مأخوذ من
الجلس، وهو الكساء الذي يكون على ظهر البعير .
٧٤٦١ - (خ م - ابو هريرة رضي الله عنه) قال : قال رسول الله
مَّالَّهِ: ((ستكون فتَنْ، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من
المائي، والماشي فيها خير من السَّاعي، مَنْ تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفَهُ، وَمَنْ
وَجَدَ مَلْجاً أو مَعاذاً فَلْيَعُذْ به)).
قال ابن شهاب : وحدثني أبو بكر بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن
ابن مطيع [بن الأسود] عن نوفل بن معاوية بمثل حديث أبي هريرة ، إلا أن
أبا بكر زاد (( من الصلاة صلاة من فاتته، فكأنما وُتِرَ أهله وماله).
وفي أخرى قال: ((تكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان
فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الساعي ، فمن وجد ملجاً أو معاذاً
فليستعذ ، أخرجه البخاري ومسلم ، وانفرد مسلم بالثالثة (١) .
(١) رواه البخاري ٢٥/١٣ في الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خبر من القائم، وفي الأنبياء،
باب علامات النبوة في الاسلام ، ومسلم ٢٨٨٦ في الفتن ، باب نزول الفتن كمواقع القطر.
- ١٠ -

[شرح الغريب]
(من تشرَّف لما تستشرفه) أي: من تطلّع إليها وتعرض لها أنته ،
ووقع فيها .
( الملجأ والمعاذ) أخوان ، وهما الشيء الذي يحتمى به ويركن إليه .
( وُتِرَ أهله وماله) وترته: إذا نقصتَه، وقيل: أصله: الجناية التي يجنيها
الرجل على غيره، من قتله قريبه وأخذه ماله، فشبه مايلحق هذا الذي تفوته
هذه الصلاة بمن قتل قريبه وأخذ ماله، هذا إذا رفعت أهله وماله ، ومن نصبهما
جعلها مفعولاً ثانياً لـ((وتر))، وأضمر فيها مفعولاً لم يسم فاعله ، عائداً إلى
الذي فاتته الصلاة، ومَنْ رفعهما لم يضمر، وأقام الأهل مقام الفاعل ، لأنهم
المصابون المأخوذون ، واختصار هذا القول: أنَّ مَن رَدْ النقص إلى الأهل
وإلى المال رفعهما ، وَمَنْ رده إلى الرجل نَصَبَهما .
٧٤٦٢ - (م . - أبو بكرة رضي الله عنه) قال عثمان الشحام:
انطلقت أنا وفَرْقَد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا
عليه ، فقلت : هل سمعت أباك يحدِّث في الفتن حديثاً ؟ فقال: نعم ، سمعت
أبا بكرة يحدّث قال: قال رسولُ الله عَّهِ: (( إنها ستكون فَتَنْ، ألا ثم
تكون فتنةٌ، القاعد خيرٌ من الماشي فيها، والماشي فيها خير من السَّاعي إليها ،
ألا فإذا نَزَلَتْ،أوْ وَقَعَتْ، فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له غتم
- ١١ -

فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرضُ فليلحق بأرضه ، قال : فقال رجل :
يا رسولَ الله، أرأيتَ من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ قال : يَعْمد
إلى سيفِهِ فَيَدُقُ على حَدِّه بحجر ثم لْيَنْجُ إن استطاع النجاءَ، اللهم هل بَلَّغْتُ؟
اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ قال: فقال رجل: يا رسولَ الله، أرأيتَ
إن أُكرِهتُ حتى يُنْطَلَق بي إلى أحد الصفّين، أو إحدى الفئتين، فضربني
رجل بسيفه، أو يجيءُ سَهْمٌ فيقتلني؟ قال: يبوء بإعمه وإمك، ويكون من
أصحاب النار )) أخرجه مسلم .
وأخرجه أبو داود قال ((إنها ستكون فتنة يكون المضطجع فيها خيراً
من الجالس، والجالس خيراً من القائم، والقائم خيراً من الماشي، والماشي خيراً من
الساعي ، قالوا : يا رسول الله، ماتأمرنا ؟ قال:من كانت له إبل فلیلحق بإبله،
ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ، قال :
فمن لم يكن له شيء من ذلك؟ قال : يَعْمِدُ إلى سيفه، فيضرب بحدّه على
خَرَّةٌ ، ثم لينجُ ما استطاع النجاءَ))(١).
[شرح الغريب]
( الحرة): الأرض ذات الحجارة السود ، والمراد به هاهنا : نفس
(١) رواه مسلم رقم ٢٨٨٧ في الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر، وأبو داود رقم ٤٢٥٦ في
الفتن ، باب النهي عن السعي في الفتنة .
- ١٢ -

الحَجَر ، أي: ضرب حد سيفه بحجر يَقُلُ غربه لئلا يقاتل .
٧٤٦٣ - (د- وابعة [بن معبد] الأسدي) أن ابن مسعود
رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله وَّ [يقول] : - فذكر بعض حديث
أبي بكرة - وقال: ((قَتْلاها كلُّهم في النار)) وقال فيه: قلت: ((متى ذاك
يا ابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج، حيث لا يأمن الرجل جليسه، قلت :
فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان ؟ قال : تَكُفُ لسانك ويدك، وتكون
حلْساً من أحلاس بيتك، قال: فلما قُتِلَ عثمان: طار قلي مطاره، فركبت
حتى أتيت دِمَشقَ ، فلقيت خُرَيم بن فاتك، فحدَّثتُهُ ، فحلف بالله الذي
لا إله إلا هو، لسمعتُهُ من رسول اللّه صَ لّهِ، كما حدثنيه ابن مسعود)).
أخرجه أبو داود (١).
[ شرح الغريب]
(الهرج): الاختلاف والفتن ، وقد جاء في بعض الحديث أنه القتل،
والقتل فإنما سببه الفتن والاختلاف .
( طار قلبي مطاره ) أي: مال إلى جهة يهواها وتعلق بها .
٧٤٦٤- (ن د - سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ) قال : - عند فتنة
عثمان بن عفان - أشهد أن رسول اللّه عَ ل قال: ((إنها ستكون فِتْنَةٌ،
(١) رقم ٤٢٥٨ في الفتن، باب في النهي عن السعي في الفتنة، وفي سنده القاسم بن غزوان، لم
يوثقه غير ابن حبان ، وباقي رجاله ثقات .
- ١٣ -

القاعد فيها خيرٌ من القائم ، والقائم خيرٌ من الماشي ، والماشي خير من الساعي،
قال: أَفرأَيتَ إن دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي، وَبَسَطِ يَدَهُ إليَّ ليقتلني، قال: كن
كابني آدم)» أخرجه الترمذي ، وأخرجه أبو داود بمثل حديث قبله ، وهو
حديث أبي بكرة ، وهذا لفظ أبي داود عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي:
أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ◌َّه ، في هذا الحديث ، قال : فقلت:
((يارسول الله، أرأيت إن دَخَلَ علىَّ بيتي، وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال:
فقال رسول اللّه سَ اله: كن كابني آدم، وتلا يزيد - يعني ابن خالد الرملي -
.. الآية)[ المائدة: ٢٨]))(١).
( لئن بسَطْتَ إليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلْنِي.
٧٤٦٥ _ (م - عامر بن سعد) قال: ((كان سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه في إبله ، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعدٌ، قال : أعوذ بالله من
شر هذا الراكب، فجاء فنزل ، فقال له: أَنزَلتَ في إبلك وغنمك وتركت
الناس يتنازعون الملكَ بينهم؟ فضرب سعد في صدره، وقال : اسكت ،
سمعتُ رسول الله ◌ٍَّ يقول: إن الله يحب العيْدَ التَّقِيَّ الغنيّ الخفيّ)).
أخرجه مسلم (٣).
(١) رواه الترمذي رقم ٢١٩٥ في الفتن، باب ماجاء أنه تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ،
وأبو داود ٤٢٥٧ في الفتن، باب في النهي عن السعي في الفتنة ، وهو حديث صحيح .
(٢) رقم ٢٩٦٥ في الزهد، باب الزهد والرقائق.
- ١٤ -

[شرح الغريب]
(الخفيَّ ) أراد بالخفي: المعتزل عن الناس الذي يخفى عليهم مكانه .
٧٤٦٦ - (خ ط وسى - أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ) أن
رسول اللّه عٍَّ قال: (( يُوشِكُ أن يكون خيرَ مال المسلم غَنَّمْ يَتْبَعُ بها
شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْرِ، يَفِرُ بدِينه من الفتن)) أخرجه البخاري
والموطأ وأبو داود والنسائي، وللبخاري قال عبد الرحمن بن أبي صعصعة : قال لي
أبو سعيد: ((إني أراك ◌ُحِبُ الغنم وتتخذها، فأصلِحْها وأصلح رُغَامَهَا،
فإني سمعت النبي ◌ِ ◌ِّ يقول: يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير
مال المسلم ، يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال ، ومواقع الفطر ، يَفِرُ بدينه
من الفتن))(١) .
[شرح الغريب]
(مواقع القَطْر) : المواضع التي ينزل بها المطر.
(١) رواه البخاري ٦٥/١ و٦٦ في الايمان، باب من الدين الفرار من الفتن، وفي بدء الخلق ، باب
قول الله تعالى: (وبث فيها من كل دابة ) ، وفي الأنبياء ، باب علامات النبوة في الاسلام ،
وفي الرقاق ، باب العزلة راحة من خلاط السوء ، وفي الفتن ، باب التعرب في الفتنة ، والموطأ
٩٧٠/٢ في الاستئذان، باب ماجاء في أمر الغنم، وأبو داود رقم ٤٢٦٧ في الفتن، باب
ما يرخص من البداوة في الفتنة ، والنسائي ١٢٣/٨ و١٢٤ في الايمان ، باب الفرار بالدين
من الفتن .
- ١٥ -

( رُعامها) الرعام : المخاط الذي يسيل من أنف الشاة من داء أصابها،
والشاة رَ عُوم .
٧٤٦٧ - (ت - أم مالك البهزية رضي الله عنها) قالت: «ذكر
رسول الله عٍَّ فِتْنَةَ، فَقَرَّبها، قالت: قلت: يارسول الله، مَنْ خَيْرُ
الناس فيها؟ قال: رجل في ماشية يُؤدِّي حقَّها ، وَيَعْبُدُ رَّبَهُ، وَرَجُلٌ آخِذْ
برأس فَرَسِه يُخيفُ العَدُوْ ويخَوِّفُونَهُ)) أخرجه الترمذي (١).
٧٤٦٨ - ( غ - محمد بن علي رحمه الله) أن حرملة - مولى أسامة -
أخبره قال: (( أرسلني أسامة إلى عليّ ليعطيني، وقال: إنه سيسألك الآن ،
فيقول: ماخَلَّفَ صاحبُك ؟ فقل له : يَقول لكَ: لو كنت في شِدْق الأسد
لأحببتُ أن أكونَ معك فيه، ولكن هذا أمرٌ لمأرَهُ ، قال حرملة: فسألني؟
فأخبرتُهُ ، فلم يعطني شيئاً، فذهبتُ إلى حسنٍ وُحُسْنٍ وابن جعفر، فأوْقَروا
لي رَاحِدَتي)) أخرجه البخاري (٢).
(١) رقم ٢١٧٨ في الفتن، باب ماجاء كيف يكون الرجل في الفتنة، وفي سنده جهالة، وقال
الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه . وقال أيضاً وفي الباب عن أم مبشر ، وأبي سعيد
الخدري ، وابن عباس أقول: وللفقرة الأولى منه شاهد عند البخاري من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه، وللفقرة الثانية منه شاهد عند الترمذي من حديث ابن عباس رضي
الله عنه ، فالحديث حسن بشواهده .
(٢) ٥٨/١٣ في الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن
يصلح به بين فئتين من المسلمين .
- ١٦ -

[ شرح الغريب]
( فأوقَروا لي راحلتي) الوقر: الحمل والثقل ، والراحلة : البعير القوي
على الأسفار والأعمال .
٧٤٦٩ - (غ م - أبو هريرة رضي الله عنه) أن رسول الله عَخا}
قال: (( يُهْلِكُ أُمّي هذا الْخِيْ مِنْ قُرَيْشٍ، قالوا : فما تأمرنا يارسول الله ؟
قال: لو أن الناسَ اعْتَزْلُوم؟)) أخرجه البخاري ومسلم(١).
٧٤٧٠ - (د- ثعلبة بن ضيعة) قال: دَخَلْنا على ◌ُحُذَيفَةَ رضي الله
عنه، فقال: ((إني لأعرفُ رجلاً لا تضره الفتنة، قلنا: من هو ؟ قال: صاحب
ذلك الفسطاط ، قال : فخرجنا، فإذا فُسطاط مضروب ، فدخلنا ، فإذا فيه
محمد بن مَسْلمة، فسألناه عن ذلك؟ فقال: ما أريد أن يَشْتَمِلَ عَليّ من أمصاركم
شيء ، حتى تنجليّ عما انجلت)).
وفي رواية عن حذيفة قال: (( ما أحدٌ من الناس تدركه الفتنة إلا أنا
أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله مَ له يقول:
لا تضركَ الفتنةُ)) أخرجه أبو داود (٢).
(١) رواه البخاري ٤٥٣/٦ في الأنبياء، باب علامات النبوة في الاسلام، وفي الفتن، باب قول
النبي صلى الله عليه وسلم : هلاك أمتي على أيدي أغامة سفهاء ، ومسلم رقم ٢٩١٧ في الفتن ، باب
لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء
(٢) رقم ٤٦٦٣ و٤٦٦٤ و ٤٦٦٥ في السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة ، وهو
حديث صحيح.
- ١٧ -
م ٢ - ج ١٠

٧٤٧١ - (م ت - معقل بن يسار رضي الله عنه) أن التي تظلم قال:
((العِبَادَةُ في الهرج كهجرةٍ إليَّ)) أخرجه مسلم والترمذي (١).
[شرح الغريب]
( تنجلي ) انجلت الفتنة: إذا سكنت وزالت.
٧٤٧٢ - (, - القرار بن الأُسود رضي الله عنه) قال: وأيمُ الله
لقد سمعتُ رسول الله بِّهِ يقول: ((إن السعيد كَمَنْ جُنِّبَ الفِتَن، قالها
ثلاثاً، ولَمَنِ ابْتُلِيَ فصبر، فواهاً)) أخرجه أبو داود (٢).
[شرح الغريب]
( فواهاً) واهاً كلمة يقولها المتأسف على الشيء والمتعجب منه .
٧٤٧٣ (غ م س - يزيد بن أبي عبيد رضي الله عنه) قال: ((لما
قُتِلَ عثمانُ خرج سَلّة بن الأكوع إلى الرَّبذة، وتزوج هناك امرأةً، وَوَلَدَت
له أولاداً، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليالٍ نزل المدينة ، فمات بها))
أخرجه البخاري، وأخرج هو ومسلم ((أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن
الأكوع، او تَدَدْتَ على عَقِبَيْكَ، تعزّبتَ؟ قال: لا، ولكن رسول الله
(١) رواه مسلم رقم ٢٩٤٨ في الفتن، باب فضل العبادة في الهرج، والترمذي رقم ٢٢٠٢ في
الفتن ، باب ماجاء في الهرج والعبادة فيه .
(٢) رقم ٤٢٦٣ في الفتن، باب في النهي عن السعي في الفتنة، وإسناده صحيح.
- ١٨ -

◌ُّم أذِنْ لي في البَدْو)) وأخرج النسائي إلى قوله: ((عقبيك)) قال: وذكر
كلمة معناها (( وَبَدَيْتَ)) وذكر باقيه(١).
[شرح الغريب]
( تعزَّبتَ ) تعزَّب: بَعُدّ، تقول: عزب الشيء يعزب، ويعزِبُ:
إذا بَعُدَ ، والمراد : بَعُدتَ عن الجماعات والجمعات بالتزامك سكنى البادية،
هكذا شرحه الحميدي في كتابه ، وقال الأزهري : تعرَّب الرجل - بالراء
المهملة - إذا عاد إلى الأعراب بعد الهجرة، وأقام بالبادية ، والذي جاء في
كتاب مسلم الذي قر أناه: تعرَّبت - بالراء المهملة -.
(وبديت ) البدوُ: الخروج إلى البادية ، وهي البريّة ، تقول: بدوت
أبدو ، وقد جاء في هذا الحديث (( بديت )) بالياء ، ولعله سهوً من الراوي،
أو الكاتب ، والأصل ما ذكرناه .
٧٤٧٤ - (د- الو هريرة (٣) رضي اللّه عنه) أن الني عَّالله قال: «ويلٌ
للعرب من شَرّ قد اقترب، أفلح من كف يده)) أخرجه أبو داود (٣).
(١) رواه البخاري ٣٤/١٣ و ٣٠ في الفتن، باب التعرب في الفتنة، ومسلم رقم ١٨٦٢ في الامارة
باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه ، والنسائي ١٠١/٧ في البيعة، باب المرتد أعرابياً
بعد الهجرة .
(٢) في الأصل والمطبوع: عبد الله بن عباس ، وهو خطأ .
(٣) رقم ٤٢٤٩ في الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، وإسناده صحيح، والفقرة الأولى منه في
«الصحيحين)» وغيرهما .
- ١٩ -

الفصل الثاني
فيما ورد ذكره من الفتن ، والأهواء الحادثة
في الزمان ، و فيه فرعان
الفرع الأول
في ذكر ماسمي من الفتن
٧٤٧٥ - (فخ م ت - حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما) قال: (( كنا
عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله عَلّم في الفتنة؟ فقلت: أنا
أحفظه كما قال، قال: هات، إنكَ لجريء، وكيف قال؟ قلت : سمعتُ
رسولَ اللّهِ صَلّه يقول: فِتْنَةُ الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره ،
يكفّرها الصيامُ والصلاة والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر ، قال : قلت :
مالكَ ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها باباً مُغْلَقاً، قال: فَيُكْسَرُ الباب
أو يفتح؟ قال: قلت: لا، بل يُكْسَرُ، قال: ذاك أخْرَى أن لا يُغْلَقَ
أبداً ، قال : فقلنا لحذيفة : هل كان عمر يعلم مَنِ البابُ؟ قال : نعم ، كما
يعلم أن دُون ◌َغَدِ الليلةَ ، إلي حدَّثته حديثاً ليس بالأغاليط ، قال: فَهِبْنا أن
- ٢٠ -