النص المفهرس

صفحات 521-540

والترمذي في رواية أخرى، قال: قال رسولُ الله ◌َّلهُّ: « لو يعلمُ
المؤمن ما عند الله من العُقُوبة ماطمع في الجنة أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند
الله من الرحمة ما قَنطَ من الجنة أحدٌ ، (١) .
٢٦٢٤ - (م - سلمان الفارسي رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله
صَ لِّ: ((إن الله مائةَ رحمةٍ يتراحمُ بها الخلق بينهم، وتسع (٢) وتسعون
ليوم القيامة » .
وفي رواية: ((إن الله خلق يومَ خلق السموات والأرض مائةً رحمة،
كلُ رحمة طِباقُ ما بين السماء والأرض ، فجعل منها في الأرض رحمةً ، فبها
تعطفُ الوالدة على ولدها ، والوَحْشُ والطير بعضُها على بعض ، فإِذا كان يوم
القيامة أكملها بهذه الرحمة)) . أخرجه مسلم (٣).
[شرح الغريب]:
(طِبَاقُ) الشيء: ما عَّهُ وغطّاهُ .
٢٦٢٥ - (خ م - عمر بن الخطاب رضي الله عنه) قال: «قُدمَ على
(١) رواه البخاري ٣٦٢/١٠ في الأدب، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء، وفي الرقاق ، باب
الرجاء مع الخوف ، ومسلم رقم ٢٧٥٢ في التوبة ، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ،
والترمذي رقم ٣٥٣٥ و ٣٥٣٦ في الدعوات، باب رقم ١٠٧ و ١٠٨.
(٢) في المطبوع: وتسعة .
(٣) رقم ٢٧٥٣ في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
- ٥٢١ -

رسولِ الله ◌ُِّلٍ بِسَيٍْ، فإذا امرأةٌ من السِّ تَسعى (١)، [قد تَحَلْبَ نَدِيُها]، إذا
وجدت صَبياً في السَّي أَخَذَتُه ، فأُلْزَقَتْه ببطنها فأرضعته، فقال رسولُ اللّه
◌َّ الِ: أَتَرَونَ هذه المرأةَ طارحَةَ ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، فقال رسولُ
اللّهِ يَّةٍ]، اللّه أَرَحمُ بعباده من هذه المرأة بولدها، أخرجه البخاري ومسلم.
زاد رزين في وسط الحديث بعد قوله: ((في النّارِ)): ((وهي قادرة
على أن لاتطرحه » (٢).
٢٦٢٦ - (خ دت س - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: ((قام
رسولُ اللّه ◌ٍَّ في الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ار حمني ومحمداً ،
ولا تَرْحَمْ معنا أحداً، فلما سلّم رسولُ اللهِ عَِّ قال: لقد تَحَجَرْتَ واسعاً -
يُريد: رحمةَ اللّه)). أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
وزاد الترمذي: (( فلم يَلْبَث أن بالَ في المسجد، فأسرع إليه الناسُ ،
فقال النبيْ بِّهِ: أَهْرِيقُوا عليه سجْلاً من ماء - أو دلْواً من ماء - ثم قال:
إِنما بُعِنْتُ مُيَسْرِينَ ولم تُبْعَثُوا مُعَسْرِين)) (٣).
(١) وفي نسخة عند البخاري: تسقي، وعند مسلم: تبتغي، والكل صواب.
(٢) رواه البخاري ٣٦٠/١٠ و٣٦١ في الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ومسلم رقم
٢٧٥٤ في الفضائل، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت، غضبه وزيادة («وهي قادرة على
أن لا تطرحه)» موجودة عند البخاري ومسلم أيضاً .
(٣) رواه البخاري ٣٦٧/١٠ في الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، والترمذي رقم ١٤٧ في
الطهارة، باب في البول يصيب الأرض، وأبو داود رقم ٣٨٠ في الطهارة ، باب الأرض
يصيبها البول، ورقم ٨٨٢ في الصلاة، باب الدعاء في الصلاة، والنسائي ١٤/٣ في السهو ،
باب الكلام في الصلاة .
- ٥٢٢ -

[ شرح الغريب]
( تَحَجَّرتَ ) لقد تحجَّرْتَ واسعاً، أي: ضَيَّقْتَ، من قوله: حَجَّرَ
فلان : إذا اتَّخَذ له على أرض حجارةٌ مُحدِقةً بها، والمعنى: أن رحمةَ الله
تعالى واسعةٌ لكل شيءٍ .
(سَجْلاً) السَّجلُ: الدَّلو [المملوءة] الكبير[٥].
الفصل الثالث
فيما جاء من رحمة الحيوانات
٢٦٢٧ - (فى م ط ( - أبو هريرة رضي الله عنه) أن رسولَ الله
صَ لّه قال: ((بينما رجلٌ يمشي بطريق اشْتَدَّ عليه العطشُ، فوجدبئراً ، فنزل
فيها فشرب، ثم خرج ، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ، يأكل الثَّرَى من العطش ، فقال
الرجلُ : لقد بلغ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذي كان بلغ مني، فنزل البئر ،
فلأَ خُفَّهُ ماءَ، ثم أمْسَكه بِفِيهِ حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكرَ اللهُ له ، فغفر
له ، قالوا: يا رسول اللّه، إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال : في كل كَبد
رَطَبَةٍ أجرٌ )).
وفي رواية: (( أن امرأةً بَغِيًّاً رأت كلباً في يومٍ حارٍ يُطيف بِثْرٍ، قد
أُذَلَعَ لسانه من العطش ، فتزعت له مُوقَها ، فَغْفِر لها » .
- ٥٢٣ -

وفي أخرى: « بينما كلبٌ يُطيف بركيَّة، قد كاد يقتله العطش، إِذْ رأته
بَغِيَّةٌ مِن بَغَايا بني إسرائيل، فنزعتْ مُوقَهَا، فاستقَتْ له به، فَسَقَتْهُ إِّيَّاهُ،
فغُفِرَ لها به ، هذه رواية البخاري ومسلم .
وللبخاري: ((أن رجلا وأى كلباً يأكل الثَّرَى من العطش، فأخذ
الرجلُ خُفَّهُ، فجعل يَغْرِفُ له به، حتى أَرْوَاهُ ، فشكرَ اللهُ له ، فأدخله الجنة»
وأخرج الموطأ وأبو داود الرواية الأولى(١).
[شرح الغريب]
(يَلَثُ) لهثَ الكلبُ وغيره: إذا أُخرج لسانه من شدة العطش
والحرُ ، وَلَجَ .
( الثَّرَى) : التراب النَّديّ ، والمراد به هاهنا: التراب مطلقاً.
(كَبد رَظبة) أراد بالكبد الرطبة : كل ذات روح ، لأن الكبد
لا تكون رطبة إلا وصاحبها حيّ .
(١) رواه البخاري ٣١/٥ في المزارعة، باب فضل سقي الماء، وفي الوضوء، باب الماء الذي
يغسل به شعر الانسان ، وفي المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها ، وفي الأدب ،
باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم رقم ٢٢٤٤ في السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها،
والموطأ ٩٢٩/٢ و ٩٣٠ في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، باب جامع ماجاء في الطعام
والشراب ، وأبو داود رقم ٢٥٥٠ في الجهاد ، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.
- ٥٢٤ -

(بَغِياً) البَغِيُّ: المرأة الزانية، بَغَتِ المرأةَ تَبْغِي بِغاء - بالكسر والمد
فهي بَغِيٌّ ، والجمعِ الْبَغَايا .
( أَذَلَعَ ) لسانه: إذا أخرجه من العطش، وكذلك دَلَعَهُ.
( مُوقَها) المُوقُ هاهنا: الخُفُ.
(بِرَكِيَّةٍ) الرَّكِيَّةُ: البِثْرُ، وجمعها: الركِيْ، ويجمع أيضاً
على الرَّ کایا ،
٢٦٢٨ - (فخ م - عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما) أن رسولَ الله
صَّم قال: «دخلت امرأةٌ النارَ في ◌ِرَّةٍ: ربطتها، فلم تُطْعِمها ولم تَدَّعها
تأكل من خَشاش الأرض ».
وفي رواية: (( عُذْبت امرأةٌ في هرَّة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت
النار ، لاهي أطعمتها وسقتها ، إذ هي حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من
خشاش الأرض)). أخرجه البخاري ومسلم (١).
[شرح الغريب]
(خَشَاشُ) الأرض: هو أمها ، وما فيها من الحشرات .
(١) رواه البخاري ٢٥٤/٦ في بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، وفي
الشرب، باب فضل سقي الماء ، وفي الأنبياء ، باب ماذكر عن بني إسرائيل، ومسلم رقم ٢٢٤٢
في البر ، باب تحريم تعذيب الهرة .
- ٥٢٥ -

٢٦٢٩ - (م - أبو هريرة رضي الله عنه) قال : قال رسولُ الله
صَلِّ: ((عُذْبَت امرأةٌ فِي مِرَّةٍ، ربطتها لم تُطعِمها ولم تَسقها، ولم تتركها
تأكل من خشاش الأرض ».
وفي رواية: (( حَشَرات الأرض)).
وفي أخرى: ((قال: دخلت امرأة النار من جَرَّاءِ مِرَةٍ - أو هِرٍـ
ربطتْها ، فلا هي أطعمتها ، ولا هي أرسلتها تُرَمْرِمُ من خشاش الأرض ،
حتى ماتت هَزْلاً ، . أخرجه مسلم(١).
[ شرح الغريب]
( من جَرَّاءِ هِرَّةٍ) الهِرُّة: السّوْر، يقال: فعلتُ ذلك من أجلِكَ،
ومن جرَّائك : بمعنَى .
( تُرَمْرِمُ) أي: تأكل، وكذلك تُرَّتِّمُ، والِرِمَّةُ (٢) من ذوات
الظّف : كالفم من الأسنان .
٢٦٣٠ - (د- عبد اللّه بن جعفر رضي الله عنه) قال: « أردفني
رسولُ الله ◌ِّهِ خَلفَهُ ذاتَ يومٍ، فَأَسَرَّ إليَّ حديثاً، لا أُحَدِّثُ به أحداً
(١) رقم ٢٦١٩ في البر والصلة، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها .
(٢) المرمة - بكسر الميم الأولى -: شفة البقرة، وكل ذات ظلف، لأنها بها تأكل. والمرمة
- بالفتح - لغة فيه .
- ٥٢٦ -

من الناس، وكان أحبَّ ما اسْتَتَرَ به رسولُ اللّه عَ اله لحاجته هدفاً أو حائِشَ
نَخْلٍ ، فدخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإِذا فيه ◌َجَلٌ، فلما رأى التيّ ◌َالّ
حَنَّ، وَذَرَ فَتْ عيناه، فأتاه رسولُ الله ◌ِلّه، فمسح ذَفْرَاهُ، فسكتَ،
فقال: مَنْ ربُّ هذا الجملِ ؟ لمن هذا الجملُ ؟ فجاء فَتَىّ من الأنصار ، فقال :
لي يا رسول الله ، فقال له: أفلا تَتَّقِي اللّهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ اللّه إياها،
فإِنه شكا إليّ: أَنْكَ تُجِيعُهُ وَ تُدْئِبُهُ، أخرجه أبو داود (١).
[شرح الغريب]
(هَدَفَأَ ) الهدَفُ: ما ارتفع من بناءٍ ونحوه، ومنه هَدَفُ الرَّامي.
(حَاِشُ) النَّخْلِ: فَخَلَاتٌ مُجْتَمعَة .
( حَاِطاً) الحاِطُ: البُسْتَان.
(خِفْرَاهُ) ذِفرَى البعير: هي الموضع الذي يَعْرَقُ من قَفَاه؛ ويُجعل فيه
القَطْرَ ان ، وهما ذَفْرَيان .
( ◌ُتُدْئِبُهُ) دَأْبَ فلانٌ في عمله: إذا جَدَّ وتعبَ ، يريد إنك تُتعبُهُ
بكثرة ما تستعمله .
(١) رقم ٢٥٤٩ في الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم، وإسناده صحيح ،
ورواه مسلم وابن ماجه ، وليس عندهما قصة الجمل .
*- ـ ٥٢٧ -

٢٦٣١ - (د - سهل بن الحنظلية رضي الله عنه) قال: ((مرّ رسولُ الله
عَلَه ببعير قد لحِقَ ظهرُهُ ببطنِه، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المُعْجَمَةِ:
فاركبوها صالحةً ، وكُلُوها صالحةً )). أخرجه أبو داود(١).
[ شرح الغريب]:
( المُعْجَمَةُ): العجماء الدَّابةُ، سُمْيَتْ بذلك: لأنها لا تنطق، ومنه
الأعجمي ، وهو الذي لا يُفْصِح.
٢٦٣٢ - (د - أبو هريرة رضي الله عنه) أن رسولَ الله عَّ الله قال:
(( إيّا كم أن تَتَّخِذُوا دواًبكم منابرَ، فإن الله إنما سَخْرَها لكمْ لُبْلِغَكم إلى بَدٍ لم
تكونوا بالغيه إلا بشِقُ الأنفُسِ، وجعل لكم الأرضَ ، فعليها فاقضُوا
حاجتكم،. أخرجه أبو داود (٢) .
[ شرح الغريب]:
( بِشِقُ الأنفُسِ): شِقُ الأَنْفُسِ جَهدُها وما تُعَانيه عند طلب الأمر
الشَّاقِّ ، والحالِ الصعبة من الشدة .
٢٦٣٣ - (د . عبد الرحمن بن عبد اللهبن مسعود رحمه الله) عن أبيه
(١) رقم ٢٥٤٨ في الجهاد، باب ما يكره من الخيل، وإسناده حسن.
(٢) رقم ٢٥٦٧ في الجهاد ، باب في الوقوف على الدابة، وإسناده حسن .
- ٥٢٨ -

قال: (( كنا مع رسولِ الله عَليه في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا ◌ُحُمَّرَةً
معها فَرخان ، فأخذنا فَرخَيها، فجاءت اُلْخَّرَةُ ، فجعلت تُعَرِّشُ، فلما جاء
رسولُ الله ◌َِّلّهِ قال: مَنْ فَجَعَ هذه بولَدها؟ رُدُوا ولدها (١) إِليها ، ورأى
قَرية نَمْلٍ قد أخر قناها، فقال: من أُحرق هذه؟ قلنا: نحن ، قال : إنه
لا ينبغي أن يُعَذِّبَ بعذاب النار إلا رَبُّ النار)). أخرجه أبو داود (٢).
[شرح الغريب]
(حُمَّرَةٌ) الْخَّرُ: ضربٌ من الطَّير من قَدُ العُصْفُور، وواحدُها:
حمّرَةٌ .
( يُعَرِّشُ) عَرَّشَ الطائرُ: إِذا رَ فَرَفَ ، وذلك أنْ يُرْخِيَ جناحيه
ويَدْنُّوَ من الأرضِ لِيَسْقُطَ، ولا يَسقُط، ومن رواه « يُفَرِّشُ)) - بالفاء -
فهو مأخوذ من فَرشِ الجناحِ و ◌َسْطِهِ .
(قُرَى ◌َلٍ ) : مساكنها .
٢٦٣٤ - (د- محمد بن اسحاق [بن يسار]) عن رجل من أهل الشام يقال
له: أبو مَنْظور، عن عمه عامر الرام ، أخي الخضر ، قال أبو داود : قال
النفيليُ - وهو الخضر -: ولكن كذا قال، قال: إنا لببلادنا إذ رُ فِعَت لنا
(١) في الأصل : بولدها .
(٢) رقم ٢٦٧٥ في الجهاد ، باب كراهية حرق العدو بالنار، ورقم ٥٢٦٨ في الأدب ، باب
في قتل الذر، ورواه أيضاً أحمد في المسند ٤٠٤/١ وهو حديث صحيح .
- ٥٢٩ -
م ٣٤ - ج ٤

راياتٌ وَألْوِيةً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسولِ الله ◌ٍِّ، فأتيتُه
وهو جالسٌ تحت شجرة ، وقد بسطَ له كِسَاءُ ، وهو جالسٌ عليه ، وقد
اجتمع إليه أصحابه، فجلستُ إليهم، قال: فذكر رسولُ اللّه ◌َّ اله الأسقامَ
والأمراضَ ، فقال: إنَّ المؤمن إذا أصابه السَّقَمُ، ثم أعفَاءُ اللّه عز وجل منه
كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظةً له فيما يستقبل ، وإن المنافق إذا
مرض ثم أُغْفي كان كالبعير عَقَله أهلُه ثم أرسلوه فلم يَدْرِ لم عقلوه؟ ولم
أرسلوه ؟ فقال رجلٌ ممن حوله: يا رسولَ الله ، وما الأسقامُ ؟ والله
ما مَرِ ضتُ قط قال: تم [عَنَّا]، فلستَ منا، قال: فبينما نحن عنده إذْ أقبل
رجلٌ وعليه كساء ، وفي يده شيء قد التفّ عليه ، فقال : يا رسول الله، إني
لما رأيتك أقبلتُ، فَررتُ بِغَيْضَةٍ شجرٍ ، فسمعتُ فيها أصواتَ فِراخ طائِرٍ،
فأخذتهنَّ ، فوضعتهنَّ في كِسائي، فجاءت أُمُّهُنَّ، فاستدارتْ على رأسي ،
فكشفتُ لها عنهنَّ، فوقعتْ عليهنَّ، فلفقْتُها معهن بكِسائي، فَهُنَّ أولاء
معي ، فقال: ضَعْهُنَّ، ففعلتُ، فأبت أَمْهنَّ إِلا لُؤُومَهُنَّ، فقال رسولُ اللّه
رَّهِ [لأصحابه]: أَتَعْجَبُونَ لرَّحْمِ أمْ الفراخ على فراخها ؟ قالوا: نعم،
قال : والذي بعثني بالحق ، لله أرحم بعباده من أُمُّ الفراخ بفراخها،
ارجع بهنَ حتى تَضَعَهنَّ من حيثُ أَخذَتَن، وأمّهن معهن ، فرجع بهن) .
أخرجه أبو داود (١) .
(١) رقم ٣٠٨٩ في الجنائز، باب الأمراض المكفرة للذنوب ، وفي سنده جهالة.
- ٥٣٠ -

[شرح الغريب]
( ألويةٌ) الألْوِيةُ: جمع لِوَاءٍ، وهي الراية الكبيرة دون الأعلام
والبُنُود .
(عافاهُ) الله، وأعفَاهُ، بمعنَى، والاسم: العافية.
( كَفَّارَةً ) الكفارة: فَعَالَةٌ من التكفير، وهي التَّغْطِيَةُ والسُّتْر ،
كأنها خصلة تَسْتُرُ الذَّنْبَ وتغطيه وتمحوه .
(عَقْلَهُ) عقلتُ البعيرَ: إِذا شَدَدْتَ يَدَهُ مَكفُوَفَةً بحبل لئلاَ يَندَّ.
٢٦٣٥- (خ م دس - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: سمعتُ
رسولَ الله عَّهُ يقول: ((قرَصت نملةٌ نبياً من الأنبياء، فأمرّ بقرية النمل
فَأُخْرِقَت، فأوحى الله [ إليه]: أنْ قرصَتْكَ ثملةُ أحرقتَ أُمَّةً من الأمم تُسْح؟،
وفي رواية قال: نزل نيّ من الأنبياء تحت شجرة ، فلدَغَته نملة فأمر
بجهازه فأخرج من تحتها ، ثم أمر بيتها فأحرق بالنار ، فأوحى الله عز وجل
إليه : فَلأَ نملةَ واحدة ؟)) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .
وزاد النسائي في إحدى رواياته: ((فإنهن يُسبُحن)) (١).
(١) رواه البخاري ١٠٨/٦ في الجهاد، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق، وفي بدء الخلق ،
باب قول الله تعالى: (وبث فيها من كل دابة )، ومسلم رقم ٢٢٤١ في السلام ، باب النهي
عن قتل النمل ، وأبو داود رقم ٥٢٦٥ في الأدب، باب في قتل الذر، والنسائي ٢١٠/٧
و ٢١١ في الصيد ، باب قتل النمل .
- ٥٣١ -

الكتاب الثاني
في الرُّفق
٢٦٣٦ - (م ( - عامّة رضي الله عنها) أن النبيَّ عَّهِ قال: ((إنَّ
الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَعِ من شيء إلا شانَهُ))، وفي
رواية: ((قال: ركبتْ عائشةُ بعيراً، وكانت فيه صُعوبة، فجعلت تُرَدِّدُهُ،
فقال لها رسول اللّه عَّهِ: عليكِ بالرُّفق» - ثم ذكر مثله ... وفي أخرى:
أن رسول اللّه وَِّ قال: ((إن الله رفيقٌ يُحِبُ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرّفْقِ
ما لا يُعْطِي على العُنْفِ، وما لا يُعطي على ما سواه)). أخرجه مسلم .
وفي رواية أبي داود عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: («سألتُ عائشة
عن البداواة؟ فقالت: كان رسول اللّه عَّاللّه يبدو إلى هذه التِّلاعِ، وإنه أراد
البَدَاوةَ مرةً ، فأرسلَ إليَّ ناقةً مُحَرَّمَةً من إبل الصدقة ، فقال لي : يا عائشة ،
ارُفُقي، فإن الرِّفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا تُزع من شيء
إلا شانه)) (١).
(١) رواه مسلم رقم ٢٥٩٣ في البر والصلة: باب فضل الرفق، وأبو داود رقم ٢٤٧٨ في الجهاد،
باب ماجاء في الهجرة ورقم ٤٨٠٨ في الأدب ، باب في الرفق .
- ٥٣٢ -

وفي رواية ذكرها رزين بعد قوله: (( ◌ُحرَّمَةً)) قال : وهي التي لم تُركب،
فَتَلَدَّنَتْ عَلَىَّ، فلعنتُها، فقال لي رسولُ الله ◌َّهِ: مَهلاً يا عائشة، إنَّ الله
يُحِبُّالرفق في الأمر كُلّهِ ، فعليكِ بالرفقُ ».
[شرح الغريب]
( شانَهُ) الشّينُ: ضدُّالزَّيْن ، وهو العَيْب
(العُنْفُ) [بالضم]: ضد الرَّفق واللّين.
( البَدَاوَةُ) : الخروج إلى البادية ، وفيها لغتان: فتح الباء وكسرها .
(التّلاَعُ) : جمع تَلْعَةٍ ، وهي مجرى أعلى الأرض إلى بطون الأودية
وقيل : هي ما ارتفع من الأرض ، وما اتْخَفَضَ منها ، فهو من الأضداد .
(مُخَرَّمَةٌ) عنده ناقة محرمةٌ: إذا لم تُرَضْ ولم تُذَلَّلُ ، ومنه قولهم:
أعرابي مُحَرَّم: إذا كان أوَّلَ ما يدُخُل المِصْرَ ، لم يُخالط الناس، ولم يجالسهم .
( فَلَدَّنَتْ ) تَلَدَّنَتِ الدّابة: إذا لم تَنْبِعِثْ في السّير.
٢٦٣٧ - (د- عبد اللّه بن مغفل رضي الله عنه) قال: قال لي
رسولُ اللّهَ عَّه: ((إن الله عز وجل رَفيق يحِبُ الرُّفق، ويُعْطي عليه
ما لا يُعطي على العُثْفِ». أخرجه أبو داود(١).
(١) رقم ٤٨٠٧ في الأدب، باب في الرفق، وهو حديث حسن، وهو بمعنى حديث مسلم الذي قبله.
- ٥٣٣ -

٢٦٣٨ - (م : - جرير بن عبد اللّه رضي الله عنه) قال: سمعتُ
رسولَ الله عَ لّ يقول: « مَن يُحرَمِ الرَّفْق ◌ُحرَم الخيرَ كلَّ. أخرجه مسلم
وأبو داود. ولم يذكر مسلم . كُلَّه)) (١).
٢٦٣٩ - (ن - أبو الدرداء رضي الله عنه) أن النبيّ مَ لي قال:
« مَنْ أُعْطِيَ حَظَهُ من الرُّفق فقد أُعْطِيَ حظّه من الخير، ومن حُرِمَ حَظْه من
من الرفق ، فقد حُرم حظّه من الخير)) أخرجه التر مذي(٣).
٢٦٤٠ - (د- أبو موسى الأشعري رضي الله عنه) قال: « كان
رسولُ الله ◌َّ ◌ِلّهِ إِذا بعثَ أحداً من أصحابه في بعض أمره ، قال: بَشِّروا
ولا تُتَفِّرُوا، ويَسِّروا ولا تُعَسُّروا)) أخرجه أبو داود (٣).
(١) رواه مسلم رقم ٢٥٩٢ في البر، باب فضل الرفق، وأبو داود رقم ٤٨٠٩ في الأدب،
باب في الرفق .
(٢) رقم ٢٠١٤ في البر، باب ماجاء في الرفق، ورواه أيضاً أحمد في المسند، والبغوي في شرح السنة،
وهو حديث حسن .
(٣) رقم ٤٨٣٥ في الأدب، باب في كراهية المراء، وإسناده صحيح ، ورواه أيضاً البخاري
ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .
- ٥٣٤ -

الكتاب الثالث
في الرّهن
٢٦٤١ - (خ دت - أبو هريرة رضي الله عنه) قال: (( كان
رسولُ اللهِ عَّلِ يقول: يُرْكَبُ الرَّهن بنفقته، ويُشْرَبُ لبنُ الدَّرُ إذا كان
مرهوناً ، وعلى الذي يشرب ويركب: النفقةُ». هذه رواية البخاري .
وفي رواية التر مذي قال: ((الظّهرُ يُرْكَبُ، إذا كان مرهوناً، ولبنُ
الدَّرِّ يُشْرَب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويَشرب نفقتُه).
وفي رواية أبي داود قال: ((لبنُ الدَّرُ يُحْلَبُ بنفقته، إذا كان مرهوناً،
والظّهرُ يركب بنفقته إِذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركَبُ ويَحلِبُ: النفقة، (١).
[شرح الغريب]
( الدَّرُّ ) في أصل الكلام: الْيَنُ، ويقال: دَرَّ ضَرعُ الناقة والشاة:
إذا امتلأ لبناً.
(١) رواه البخاري ١٠١/٥ و١٠٢ في الرهن، باب الرهن مر كوب ومحلوب، والترمذي رقم
١٢٥٤ في البيوع، باب في الانتفاع بالرهن، وأبو داود رقم ٣٥٢٦ في البيوع،
باب في الرهن .
- ٥٣٥ -

٢٦٤٢ - (أبو هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله سَ لّه:
(((الرَّهنُ لمن رَهَنه، له غُنْمُهُ وعليه غُرْمُه)) أخرجه ... (١).
[شرح الغريب]
( له غُنْمُهُ وعليه ◌ُرِمُه) معنى هذا الكلام : أن زيادة الرهن ونماءه
وفضل قيمته لرَّاهن، وعلى الْمُرْتَمِن ضمانُه إن هلك، فالغْمُ : الفائدة، والغُرْمُ:
إقامةُ العوض .
٢٦٤٣ - (ط - سعيد بن المسيب رحمه اللّه) أن رسول اللّه مع اليه
قال: ((لا يَغْلَق الرهنُ». أخرجه الموطأ (٢).
(١) كذا في الأصل بياض بعد قوله: أخرجه ، وفي المطبوع: أخرجه رزين، وقد أخرجه ابن
حبان في صحيحه والدار قطني والحاكم في المستدرك والبيهقي من طريق زياد بن سعد عن
الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً ، وأخرجه ابن ماجه من طريق إسحاق
ابن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، ورواه الأوزاعي والشافعي عن
سعيد بن المسيب مرسلًا ، وأخرجه الحاكم من طرق عن الزهري موصولة أيضاً ، ورواه أبو
داود في مرأسيله عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحح
أبو داود والبزار والدار قطني وابن القطان إرساله ، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله ،
وقال الحافظ في التلخيص : وله طرق في الدار قطني والبيهقي كلها ضعيفة . وقال أبو داود
في المراسيل : قوله: له غنمه وعليه غرمه: من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري ، وقال
ابن عبد البر : هذه اللفظة اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر
وغيرهما ، مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب ، ووقفها غيرهم ، وانظر
نصب الراية للحافظ الزيلعي ٣١٩/٤، ٣٢٠ وتلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ٤٠،٣٦/٣.
(٢) مرسلاً ٧٢٨/٢ في الأقضية، باب ما لا يجوز من غلق الرهن ، قال الزرقاني في شرح الموطأ :
قال ابن عبد البر: أرسله رواة الموطأ ، إلا معن بن عيسى فوصله عن أبي هريرة ، وقد تقدم
الكلام عليه في الحديث الذي قبله .
- ٥٣٦ -

قال مالك: تفسيره: أن يُرهن الرهن وفيه فَضْلٌ عما رُهِن به ، فيقول
المرتّهِن : إن لم تأتني بحقي إلى أجلٍ كذا فهو لي ، أو يقول له الراهن : هو لك
إن لم آتِكَ إِلى الأجل، قال مالك: وهو الذي نهى عنه رسولُ اللّهَ حِ لّهِ ،
فلا يَصْلُح ، فإن جاء صاحبُه بما فيه بعد الأجل فهو له .
[ شرح الغريب]
( لا يَغْلَقُ الرهنُ) قد جاء في متن الكتاب تفسير مالك رحمه اللّه لذلك،
وقال الأزهري: قال الشافعي رحمه الله: معناه: لا يستحقه المرتهن بأن يدعَ الراهن
قضاءَ حَقُه، قال الأزهري: وهو كما قال الشافعي رحمه الله في العربية، ومعناه:
لا يُسْتَغْلَقُ، ولا يُفَكُ، أي: لا يُطْلق من الارتهان بعد ذلك، يقال: غَلِقِ
البابُ وانغَلَقَ واسْتَغْلَقَ: إذا عسُر فتحه ، والغَلْقُ في الرهن : ضد الفَكُ ،
فإذا فكَّ الرَّاهنُ الرَّهِنَ فقد أَطَلَقَهُ من وَثَاقِهِ عندمُرتَهنه ، وليس للمرتهن أن
يَسْتَحِقَّ الرَّهِنَ لِتَغْرِيطِ الراهن في فَكْهُ، ولكنه يكون وثيقةً في يده إلى
أَن يَفُكَّ.
٢٦٤٤ - (فى م س - عائّة رضي الله عنها) قالت: «اشترى
رسولُ اللّه عَ لَّه من يهوديّ طعاماً بنسيئة، وأعطاه درعاً له رَهناً)).
وفي رواية: «اشترى طعاماً من يهوديّ إلى أجل، ورَهَنَه درعاً له من
- ٥٣٧ -

حديد)). أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١).
الكتاب الرابع
في الرياء
٢٦٤٥ - (مم ن س - شفي بن مانع الأُصبعي رحمه الله) ((أنه دخل
المدينةَ ، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من هذا ؟ فقالوا :
أبو هريرة ، فدنوتُ منه ، حتى قعدت بین یدیه ، وهو يُحدِّثُ الناسَ ، فلما
سكتَ وخلا ، قلتُ له: أسألك بحَقْ وَحَقٍّ ، لما حَدَّثْتَني حديثاً سمعته من
رسولِ الله ◌َّهِ عَقَلْتَمُو عَلِمْتَهُ، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأَحْدُثَنّكَ حديثاً حدَّ ثَنِيه
رسولُ اللّه ◌َله، عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثم نَشَغَ أبو هريرة نَشْغَةً، فمكثْنا قليلا،
(١) رواه البخاري ١٠٠/٥ في الرهن، باب من رهن درعه، وباب الرهن عند اليهود وغيرهم،
وفي البيوع ، باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة ، وباب شراء الامام الحوائج بنفسه ،
وباب شراء الطعام إلى أجل ، وفي السلم ، باب الكفيل في السلم، وباب الرهن في السلم ، وفي
الاستقراض ، باب من أشترى بالدين وليس عنده ثمنه ، وفي الجهاد ، باب ماقيل في درع النبي
صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب ، وفي المغازي ، باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ،
ومسلم رقم ١٦٠٣ في المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، والنسائي ٢٨٨/٧
و ٣٠٣ في البيوع، باب الرجل يشتري الطعام الى أجل ويسترهن البائع منه بالثمن رهناً،
وباب اختلاف المتبايعين في الثمن .
- ٥٣٨ -

ثم أفاق، فقال: لأُحَدَّثَنَك حديثاً حدّ ثنيه رسولُ الله ◌ٍِّ في هذا البيت،
ما معنا أَحدٌ غيري وغيرُه، ثم نَشَغَ أبو هريرة نَشْغَةً أخرى، ثم أفاق ومسح
[عن] وجهه، وقال: أَفعلُ، لأُحَدُ ثَنَّكَ حديثاً حدَّ ثنيه رسولُ الله ◌ِ له ،
أنا وهو في هذا البيت ، ما معنا أحدٌ غيري وغيره ، ثم نشغ أبو هريرة نشغة
شديدة ، ثم مال خارًّاً على وجهه، فأسنَدُتُه طويلا ، ثم أفاق : فقال:
حدَّثني رسولُ الله ◌َّهِ: أن الله إذا كان يوم القيامة ينزِل إلى العباد ليَقْضيَّ
بينهم ، وكلُ أُمِّ جَائِيَةٌ، فَأوَّلُ مَن يَدُو به رجلٌ تَمَعَ القرآن، ورجل قُتِلَ
في سبيل الله، ورجلٌ كثيرُ المال، فيقول الله للقارىء: ألم أُعَلَمْكَ ما أنزلتُ
على رسولي؟ قال: بلى ، يا رب ، قال: فماذا عملتَ فيما علمتَ ؟ قال: كنتُ
أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبتَ ، وتقول له الملائكة :
كذبتَ ، ويقول اللّه له: بل أَرَدْتَ أن يقال: فلان قارىء ، وقد قيل ذلك.
ويؤْنَى بصاحب المال، فيقول الله: ألم أُوَسْعْ عليك، حتى لم أَدَعَكّ تحتاجُ
إلى أحد ؟ قال: بلى، يا ربُ، قال: فماذا عَملْتَ فيما آتِيتُك؟ قال: كنتُ
أصِلُ الرّحِم، وأتصدّق، فيقول الله له: كذبتَ، وتقول له الملائكة : كذبتَ ،
ويقول اللّه: بل أردتَ أن يقال: فلان جوادٌ ، فقيل ذلك . ثم يُؤتى بالذي
قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله: فيإذا قُتلتَ ؟ فيقول: أمرتَ بالجهاد في
- ٥٣٩ -
i

سبيلك ، فقاتلتُ حتى قُتلتُ، فيقول الله له: كذبتَ ، وتقول له الملائكة:
كذبتَ ، ويقول الله: بل أردتَ أن يقال : فلان جَرِيءُ ، فقد قيل ذلك ،
ثم ضرب رسولُ الله ◌َ ◌ٍّ على رُكْبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة
أَوَّلُ خلق الله تُسَعْرُ بهم النار يوم القيامة)).
قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شُفَيّاً هو
الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا .
قال أبو عثمان: وحدَّثني العلاء بن أبي حكيم: (أنه كان سَيَّافاً لمعاوية،
فدخل عليه رجل ، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِل بهؤلاء
هكذا ، فكيف بمن بقي من الناس ؟ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظَنّنا أنه
هالك ، وقلنا : قدجاء هذا الرجل بشرٍّ، ثم أفاق معاويةُ ، ومسح عن وجهه،
وقال : صدق الله ورسوله ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِيتَتها نُوَفٌ إليهِمْ
أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وُمْ فِيها لاَ يُبَخَسَونَ، أُولَئِكَ الذّينَ لَيْسَ لَهُم في الآخِرَةِ إلاّ
النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [ هود: ١٤ و ١٥]
أخرجه الترمذي (١) .
وذكر رزين روايةً أتّمْ من هذه بتقديم وتأخير ، وزاد في آخرها:
ثم تَعَوَّذبالله من النار، وتلا ( أَمَا إلَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَنْ كان يَرُو لِقَاءَ
(١) وفي سنده عند الترمذي الوليد بن أبي الوليد المدني أبو عثمان ، وهو لين الحديث، ولكن
يشهد له من جهة المعنى حديث مسلم والنسائي .
- ٥٤٠ -