النص المفهرس

صفحات 401-420

مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ ثمَ أَثَاني، فسكيتُ على يَدَيْهِ، فَتَوَّضَّأ ، فقلتُ: يا أمير
المؤمنينَ، مَنِ المرأتانِ من أزواج النبيِّنَّهِ اللَّانِ قال الله عز وجل:
( إِن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)؟ فقال عمر: واعجباً لكَ يا ابن العباس!
قال الزهريُّ: كَرِهَ واللّهِ ماسألهَعَنْهُ ولم يَكْتُمْه، فقال: هُما عائشَةُ وحفْصَةُ ، ثم
أَخَذَ يسُوقُ الحديثَ - قال: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قوماً نَغْلِبُ النِّساءَ، فلمَّا قَدْنا
المدينَةَ ، وجدنا قوماً تَغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فَطَفِقَ نساؤنا يَتَعَلَّمْنَ منِ نِسائِهِمْ، قال:
وكان مَنْزِلِي فِي بِنِي أُمَيَّةَ بن زَيْدِ بالعَوَالِي، فَغَضَّبْتُ يوماً على امْرَأْتِي ، فإِذا هي
تُرَاجِعُي، فَأَنْكَرْتُ أنْ تُراجِعَنِي، فقالت: ما تُنْكِرُ أنْ أُراجعَك، فواللهِ ، إِن
أزواجَ النّيِّنَّهِ ليْرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إلى اللّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ ،
فدَخَلْتُ على حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ رسولَ اللهِ ◌ِِّ ؟ فقالت : نعم،
فقلتُ: أَتْجُرُهُ إِحْداكُنَّ الْيَوْمَ إلى اللّيْلِ؟ قالت: نعم، قُلْتُ : قَدْ خَابَ مَنْ
فَعَلَ ذلك مِنْكُنَّ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ إِحْداكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ الله عليها لِغَضَبٍ
رسولِ اللّه ◌َ الَه؟ فإذا هيَ هَلَكَتْ، لاتُراجعي رسولَ اللّه، ولا تَسْأليه شَيْئاً،
وسَليني ما بَدَالكِ، ولا يغُرَّنَكِ أَنْ كانت جارَتُكِ هِي أَوَسَمُ(١) وأحبُ إلى
رسول الله عٍَّ مِنكِ - يُرِيدُ عائشَةَ - وكان لي جارٌ من الأنصار، فكُنَّا
نَاوَبُ النزولَ إلى رسولِ اللهِّهِ، فينزلُ يوماً، وأَنْزِلُ يوماً، فيَأْ تِيِي بِخَبَرِ
(١) ((أن كانت)) بفتح الهمزة، والمراد بالجارة هنا: الفرة، و((أوسم)) أحسن وأجمل، والوسامة:
الجمال ..
٢٦-٢٢-ج
- ٤٠١ -

الوَحْيِ وغيره، وآتِيهِ بمثل ذلك، وكُنَّا نتحدَّثُ: أَنَّ غِسَانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ
لَتَغْزُونَا ، فَنزَلَ صاحبي، ثُمَّأَتَانِي عِشاءَ ، فضَرَبَ بابي ، ثم ناداني ، فخرجتُ
إليه ، فقال: حَدَثَ أَمْرٌ عظيمٌ ، فقلتُ : ماذا؟ جاءتْ غَسَّانُ؟ قال : لا، بلْ
أعظمُ من ذلك وأهْوَلُ ، طَلَّقَ رسولُ اللهِ عَالَمِ نساءَهُ، قلتُ: وقد خَابَتْ
حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، وقد كُنْتُ أَظُنُّ هذا يُوشِكُ أن يكونَ، حتى إذا صَلَّيْتُ
الصبحَ شَدَدْتُ عليَّ ثيابي، ثم نزلتُ ، فدخلتُ على حَفْصَةً وهي تبكي ،
فقلتُ: أَطَلَّكُنَّ رسولُ الله ◌ِّهِ؟ قالت: لا أدري، هو هذا مُعْتَزَلُ في
هذه المشرُّبة، فأتيتُ غلاماً له أسودَ، فقلت، اسْتأذِنْ لعمر، فدخلَ ثم
خرجَ إليَّ ، قال: قد ذكرتكَ له فصَمَتَ ، فانطلقتُ حتى إِذا أتيتُ المتبرّ ،
فإِذا عنده رهْطٌ جلوسٌ ، يبكي بعضُهم، فجلستُ قليلاً ، ثم غلبني ما أجدُ،
فأتيتُ الغلامَ ، فقلتُ: استأذنْ لعمرَ ، فدخلَ ، ثم خرجَ إلي ، فقال : قد
ذَكَرْتُكَ له فصَمَتَ ، فخرجتُ فجلستُ إلى المنبر، ثم غلبني ما أجدُ، فأتيتُ
الغلامَ ، فقلت: استأذنْ لعمر ، فدخلَ ثم خرجَ فقال: قد ذكرُتُكَ له ،
فَصَمَتَ، فَوَلَيْتُ مُذْبِراً، فإِذا الغلام يدعوني، فقال: ادْخُلْ فقد أذن لك،
فدخلتُ، فَسَلَّمْتُ على رسولِ اللّه ◌َاله، فإذا هو مُتْكىءُ على رِمَالِ
حَصِيرٍ ، قد أَثْرَ في جنبهٍ، فقلتُ: أطلَّقْتَ يا رسولَ اللهِ نِساءَكَ ؟ فرفع
رأسه إليّ، فقال: لا، فقلت: الله أكبر، لو رأيتَنا يا رسولَ الله، وكُنًا
معشر قريشِ نغلب النساء ، فلما قَدمنا المدينةَ وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم ،
فطفِقَ نساؤنا يتعلَّمْنَ من نسائهم ، فتغضَّبْتُ على امرأتي يوماً ، فإذا هي
- ٤٠٢ -

تراجعُني، فأنكرتُ أن تراجعَني، فقالت: ما تُنكَرُ أن أراجعَكَ؟ فوالله
إنْ أَزواجَ رسولِ اللّه لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهجُرُهُ إحداهنَّ اليومَ إلى الليلِ، فقلتُ:
قد خابَ منْ فَعلَ ذلك منهنَّ وخسِرَ ، أَفتْأُمَنُ إحداهنّ أنْ يغضب الله عليها
الغضبِ رسولِ اللّه، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّمَ رسولُ اللّهِ وَله. فقلت:
يا رسول الله، قد دَخلْتُ على حفصةَ فقلتُ: لا يُغُرَّنَّكِ أَنْ كانت جارتُك
هي أوسمُ وأحبُّ إِلى رسولِ اللهِ يَّهِ منك، فتبسَّم أخرى. فقلتُ: استأنس
يا رسولَ الله؟ قال: نعم، فجلستُ، فرفعتُ رأسي في البيت، فو الله ما رأيتُ
فيه شيئاً يَرُدُّ البصر، إلا أُهِبَةَ ثلاثةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللّه ادعُ التّهَ أن
يُوسّعَ على أُمَّتك، فقد وسّعَ على فارس والروم ، وهم لا يَعْبُدُون اللهَ.
فاستوى جالساً ، ثم قال: أفي شكٍ أَنت يا ابنَ الخطاب؟ أولئك قومٌ عُجّلت
لهم طيِّبَاتُهم في الحياة الدنيا ، فقلتُ: استغفرْ لي يارسولَ اللهِ . وكان أقسَم
أن لا يدخُلَ عليهنَّ شهراً من أجلِ ذلك الحديث، حين أفشَتْهُ حفصةُ إلى
عائشة ، من شدَّة موْجدَتهِ عليهن حتى عاتبه اللهُ تعالى. قال الزهري :
فأخبرني ◌ُروةُ عن عائشة قالت: لما مضت تسعٌ وعشرونَ ليلةً ، دخل عليّ
رسولُ اللّه عٍَّ، بدأفي، فقلتُ: يا رسول الله إنك أقسمت أنك لا تدخل علينا شهراً،
وإنك دخلت من تسعٍ وعشرينَ أَعُدْهُنَّ؛ فقال: إنَّالشهر تسع وعشرون -زاد
في رواية: وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلةً، ثم قال: ياعائشة
إنّيِ ذاكِرْ لكِ أمراً، فلا عليك أن لا تعجلٍ حتى تستأمري أبويكٍ ، ثم
قرأ : ( يا أيُّها النبيْ، قُل لأزواجِكَ: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدنيا وزينتها،
-٤٠٣-

فتعالَيْنِ أُمْتَّعْكُنَّ وأُسرُّ حْكُنَّ سَراحاً جميلاً. وإنْ كنتُنَّ تُرِدْنَ الله
ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فإنَّ اللّهَ أَعدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أجراً عظيماً )
قالت عائشة: قد عَلٍ واللّه أَنَّ أَبْويَّلم يكونا لِيأُمُراني بفِراقِهِ، فقلت: أَفي
هذا أَستأمرٌ أبويّ؛ فإني أُريدُ الله ورسوله والدار الآخرة .
وفي روايةٍ: أنَّ عائشةَ قالت: لا ◌ُخبِرْ نِساءَكَ أَني اخْتَرْتُكَ، فقال
لها التي عِلّهِ: ((إنَّ اللهَ أَو سلني مُبَلْغَاً، ولم يُرْسِلْني مُتَعَنْتاً)) هذه رواية
البخاري ومسلم والترمذي .
ولمسلم أيضاً نحو ذلك، وفيه: ((وذلك قبل أن يؤمَرْن بالحجابٍ)).
وفيه: دخولُ عمر على عائشة وحفصة، لوَمُهُ لهما ، وقوله لحفصةً :
(( والله لقد علمتُ أن رسول الله عٍَّ لا يُحِبُّكِ، ولولا أَنَا لِطَلَّقَك».
وفيه : قولُ عمر عند الاستئذان - في إحدى المرات - يا رباحُ ،
استأذِنْ لي ، فإني أَظُنُّ أَنَّ رسولَ الله عِلّهِ ظنَّ أني جئتُ من أجل حفصة،
والله لئن أمرني أن أضرِبَ عُنُقَها، لأضرِ بَنَّ ◌ُنْقَها ، قال: ورفعتُ صوتي،
وأنهُ أذِن له عند ذلك، وأَنْهُ استأذنَ رسولَ اللهِنَّهِ فِي أَن يخبر الناسَ أَنهُ
لم يُطَلَقْ نساءَهُ، فَأَذِنَ له ، وأنهُ قام على بابِ المسجد ، فنادى بأعلى صوته : لم
يُطَلّقْ رسولُ اللهِ عَِّ نساءَهُ، وأَنه قال له - وهو يرى الغضب في وجهِ-
يا رسولَ اللهِ ، ما يشُقُّ عليك من شأنِ النساءِ، فإنْ كنتَ طلَّقْتَهُنَّ، فإنَّ
الله معكَ ، وملائكته وجبريلُ وميكائيلُ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك،
- ٤٠٤ -

قال: وقَلَّا تَكلَّمْتُ - وأحمدُ اللهَ - بكلامٍ، إِلا رجوتُ أن يكونَ اللّهُ
يصدْقُ قولي الذي أقولُ، فنزلت هذه الآية ، آية التخيير: ( عسى ربُّهُ إن
طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْد له أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات
عابدات سائحات ثيّات وأبكاراً).
وفيه أنه قال: فلم أزلْ أُحدَثُهُ ، حتى تحسّر الغضبُ عن وجهه وحتى
كشَرَ فضحِكَ - وكان من أحسن الناس ثغْراً - قال: ونزلتُ أتشبّثُ
بالجِذْع وهو جذعٌ يَرْقِىَ عليه رسولُ اللّه عٍَّ وينْحدِرُ، ونزلَ رسولُالله
كأنما يمشي على الأرض، ما يمسْهُ بيده . فقلت : يا رسول الله، إنما كنت في
الغرفةِ تسعاً وعشرين ؟ فقال: إِنَّ الشهر يكون تسعاً وعشرين ، قال: ونزلت
هذه الآية: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو ردُّوه إلى
الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يسْتَنْبطونه منهم) [النساء: ٨٣]
قال: فكنتُ أنا الذي استنْبَطْتُ ذلك الأمر ، فأنزل الله عز وجلْ آية التخيير.
وفي رواية للبخاري ومسلم قال: مكَثْتُ سنةً أريدُ أن أَسأل عمر بن
الخطاب عن آيةٍ ، فما أستطيعُ أن أسأَلَه، هَيْبَةً له ، حتى خرجَ حاجاً، فخرجتُ
دعه، فلَمَّا رجعنا-وكنا ببعض الطريق -عَدَلَ إلى الأراك لحاجةلهفوقفتُلهحتى فرغَ،
ثم ◌ِرتُ معه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، مَنِ اللََّانِ تَظَاهَرَنا على النبي صَ لِّ من
أزواجه؟ فقال: تلكَ حَفْصَةُ وعائشةُ، فقلتُ: والله إنْ كُنْتْ لَأُرِيدُ أَنْ أَسأَلك
عن هذا مُنذُ سنةٍ ، فما أستطيعُ، هيبةً لك، قال : فلا تَفْعَلْ، ماظَئِنْتَ أَنْ
عندي من علم ، فَسلني ، فإن كان لي به علمٌ خَبَّرَّتَكَ به ، ثم قال عمر: واللّهِ ،
-٤٠٥-

إِنْ كُنا في الجاهلية مانعُدْ للنساء أمْراً ، حَتَّى أنزل الله فيهنَّ ماأَنْزَلَ ، وَقَمَ
لهنَّ ما قسم، قال : فبينا أنا في أمرٍ أَتْأمْرَهُ، إذْ قالت امرأتي: لو صنعت كذا
وكذا؛ فقلتُ لها : مالكِ ولما هاهنا! فيما تكلْفُكِ فِي أَمرٍ أُرِيدهُ ! فقالك
لي : عجباً لك يا ابن الخطاب !! ما تريدُ أن تُراجَعَ أنتَ، وإنَّ ابنتكَ
◌ُرَاجِعُ رسولَ الله ◌ٍِّ، حتى يظلَّ يومَهُ غضبان؟ فقام عمر، فأخذ رداءَهُ
مكانه ، حتى دخل على حفصةَ ، فقال لها: يا بُنيَّةُ ، إنك لتراجعين رسول الله
صَّالِهِ حتى يظلَّ يومه غضبان؟ فقالت حفصةُ: والله إنا لَتُراجعُهُ، فقلتُ:
تعلمين أني أُحذّرك عقوبةَ الله، وغضب رسوله؟ يا بُنيَّةُ ، لا يغُرنَّكِ هذه
التي أعجبَها حُسْنُها، وحُبّ رسول الله إياها - يريد عائشة - قال: ثم
خرجتُ، حتى دخلتُ على أم سلمةَ لقرابتي منها، فكلُّمتُها ، فقالت أُمُ سلمة:
عجباً لك يا ابنَ الخطَّبِ ! ! دخلْتَ في كلّ شيءٍ، حتى تبتغي أن تدْخُلَ بين
رسول الله ێ﴾ و بین أزواجه ؟ قال: فأخذتني واله أخذآڪسر تنيبه عن
بعْضِ ما كُنتُ أَجِدُ ، فخرجتُ من عندها . وكان لي صاحبٌ من الأنصارِ ،
إذا غِبتُ آناني بالخبر، وإذا غابَ كنتُ أنا آتيه بالخبر ، ونحن نتخوَّفُ مَلكا
من ملوك غسان ، ذُكرَ لنا: أنه يريدُ أن يسيرَ إلينا ، فقد امتلأت صدورنا
منه ، فإذا صاحبي الأنصاريُ يدْقُ البابَ . فقال: افتح، افتحْ، فقلتُ: جاء
الغسانيُّ؟ فقال: بل أشدُ من ذلك، اعتزلَ رسولُ اللهِعَّمِ أزواجَهُ، فقلت:
رغِمَ أَنفُ حفصةَ وعائشة ، فأخذتُ ثوبي فأخرجُ حتى جِئْتُ ، فإذا
- ٤٠٦ -

رسولُ الله ◌َ له في مشرُبة له، يَرقي عليها بعجلة، وغلامٌ لرسول الله عَ ليه
على رأس الدرجة ،فقلتُ: قلْ: هذا عمر بن الخطاب، فأذنَ لي ، قال عمر :
فَقصَصْتُ على رسول الله عَِّهذا الحديث، فلما بلَغْتُ حديثَ أمْ سلمَة،
تبسْم رسولُ اللّهِ عَّله، وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه
وسادةٌ من أدم ، حشْوُها ليفٌ ، وإن عند رجليه قرظاً مصْبُوراً ، وعند
رأسهِ أَهَبٌ مُعلَّقَةُ ، فرأيتُ أثَرَ الحصير في جنْبِهِ ، فبكيتُ. فقال:
ما يُبكيك ؟ فقلتُ: يا رسولَ الله، إِن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت
رسولُ الله؟! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة»؟
وأخرجه النسائي مجملاً ، وهذا لفظهُ : قال ابن عباسٍ : لم أزلْ حريصاً
أن أسألَ عُمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ◌َّهِ اللَّتين قال الله
عز وجل: ( إِنْ تَتُوبا إِلى الله، فقد صغَتْ قُلوبُكُمْ) [التحريم: ٤]
وساق الحديث.
هكذا قال النسائي، ولم يذكر لفظه، وقال: واعتزل رسول اللّه عنّاله
نساءَهُ - من أجلِ ذلك الحديث، حين أفشَتْهُ حفصةُ إلى عائشةَ - تسعاً وعشرين
ليلة، قالت عائشةُ: وكان قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهراً، من شدّةَ مَوْجْدَتِهِ
عليهن حينَ حدَّثْهُ اللّه عزَّ وجل حديثَهُنَّ، فلما مضت تسعٌ وعشرون ليلة
دخل على عائشة فبدأ بها؛ فقالت له عائشة : قد كنت آليتَ يا رسولَ الله،
أن لا تدخُلَ علينا شهراً، وإنا أصبحنا من تسعٍ وعشرين ليلةً ، نعدُها عدّاً؟
- ٤٠٧ -

فقال رسول اللّه عَّهُ: ((الشهر تسع وعشرون ليلةً))(١).
(١) البخاري ٥٠٣/٨ و٥٠٤ في تفسير سورة التحريم، باب (تبتغي مرضاة أزواجك) وفي المظالم،
باب الغرفة العلية والمشرفة، وفي النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زواجها، وباب حب الرجل
بعض نسائه أفضل من بعض ، وفي اللباس ، باب ما كان التي صلى الله عليه وسلم يتجوز من اللباس
والبط، وفي خبر الواحد ، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق ، وباب قول الله تعالى :
( لا تدخلوا بيوت الني إلا أن يؤذن لكم ) ومسلم رقم (١٤٧٩) في الطلاق، باب الابلاء واعتزال
النساء، والترمذي رقم (٣٣١٥) في التفسير، باب ومن سورة التحريم، والنسائي ١٣٧/٤ه ـ ١٣٨
في الصوم، باب كم الشهر. وفي الحديث من الفوائد: سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه
فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ ، وفيه توقير العالم ومها بته عن استفسار ما يخشى من
تغيره عند ذكره، وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل،
وفيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم ، لأن التي صلى الله عليه وسلم أخذ بيرة الأنصار في نسائهم
وترك سيرة قومه ، وفيه تأديب الرجل ابنته وقرابته بالقول لأجل إصلاحها لزوجها ، وفيه سياق القصة
على وجها وإن لم يسأل السائل عن ذلك ، إذا كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان ، لاسيما
إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك ، وفيه البحث في العلم في الطرق والخلوات وفي حال القعود
والمتبي ، وفيه ذكر العالم ما يقع من نفسه وأهله بما يترتب عليه فائدة دينية وإن كان في ذلك حكاية
ما يستهجن ، وجواز ذكر العمل الصالح لسياق الحديث على وجهه ، وبيان ذكر وقت التحمل،
وفيه الصبر على الزوجات والاغضاء عن خطابهن والصفح عما يقع منهن من ذلك في حق المرء دون
ما يكون من حق الله تعالى ، وفيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بواباً يمنع من يدخل اليه بغير
إذنه ، وفيه أن للامام أن يحتجب عن بطانته وخاصة عند الأمريطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه
ويخرج إلى الناس وهو منسط إليهم، فان الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول اليه بغير إذن ولوكان
الذي يريد أن يدخل جليل القدر ، عظيم المنزلة عنده ، وفيه أن المرء إذا رأى صاحبه مهموماً استحب
له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه، لقول عمر: لأقولن شيئاً يضحك التي صلى الله عليه وسلم ،
ويستحب أن يكون ذلك بعد استئذان الكبير في ذلك ، كما فعل عمر ، وفيه التجمل بالتوب والعمامة
عند لقاء الأكابر، وفيه التناوب في مجلس العالم إذا لم تتيسر المواظبة على حضورة لشاغل شرعي من
أمر ديني أو دنيوي ، وفيه أن الأخبار التي تشاع ولو كثر نافلوما إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسي
من مشاهدة أو سماع لا تستلزم الصدق ، فان جزم الانصاري في روايته بوقوع التطليق، وكذا جزم
الناس الذين رآهم عمر عند المنبر بذلك، محمول على أنهم شاع بينهم ذلك من شخص بناء على النوم الذي =
- ٤٠٨ -

[ شرح الغريب]
( الْعَوالِي ) جمع عالية، وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة.
(صَغَتْ) قُلُوبُكُما : مالت.
(جارتُك ) الجارة هاهنا: الضَّرَّةُ، أراد بها عائشة رضي الله عنها .
( أوْسَمُ منكِ) أكثر منك حسناً وجمالاً، والوسامة: الحسن والجمال.
(أوضأ منكِ ) أكثر منك وضاءةَ ، والوضاءةُ: الحسن والنظافة، ومنه
الوضوء .
( نتناوبُ) التّناوب: هو أن تفعل الشيء دفعةً، ويفعله الآخر دفعة
أُخرى ، مرةً بعد مرة.
( المشْرُبَةُ) بضم الراء وفتحها : الغرفة .
( رمالُ حصير ) يقال: رَمَّلْتُ الحصير: إِذا ضفَرَتَهُ ونسجتهُ، والمراد:
أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير .
( نقيرٌ) النَّقيرُ: جذعٌ يُنْقَرُ؛ ويُجْعَلُ فيه كَالَرَاقِي، يصعَدُ عليه
= توعمه من اعتزال الني صلى الله عليه وسلم نساءه فظن لكونه لم تجر عادته بذلك أنه طلقهن فأشاع أنه
طلقهن ، فشاع ذلك فتحدث الناس به ، وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني
المألوف منه ، لقول عمر : ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات، وفيه كرامة سخط النعمة واحتقار ما أنعم
الله به ولو كان قليلاً، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب الاستغفار من أهل الفضل، وإيثار القناعة،
وعدم الالتفات الى ما خص به الغير من أمور الدنيا الفانية .
- ٤٠٩ -

إِلى الغرف .
(أَهَبَةَ، وأُهُب ) الأُهبُ: جمع إِهابٍ، وكذلك الأهَبَةَ، والإهابُ:
الجلدُ، ويُجْمعُ أيضاً على أُهُبٍ بالضم .
(المَوْجِدَةُ) الغضب .
(تحسَّرَ ) الغضبُ، أي: انكشف وزال.
( كثَرَ) عن أسنانه، أي: كشفَ .
(أَنْأْمُرُهُ ) التأمّرُ: تدَبْرُ الشيءِ والتفكّر فيه ، ومشاورة النفس في
شأنه .
( قرظاً ) القرظ : ورق السلم ، يدبغ به الجلود .
( مصْبُوراً ) المصبور : المجموع، أي: جُعِل صُبْرةٌ كصبرة الطعام.
٨٥٧ - (س - أنس بن مالك رضي الله عنه) أنَّ رسولَ اللهِ س له
كانتْ له أُمَّةٌ يطُؤْها ، فلم تَزَلْ بِه عائشَةُ وحفصةُ ، حتى حرَّمَها على نفْسِهِ ، فَأَنْزَلَ
الله ( يا أيها النبيُّ، لم تُحَرِّمُ ما أحَلَّ الله لك ... ) الآية. أخرجه النسائي(١).
(١) ٧١/٧ في عشرة النساء، باب الغيرة، وإسناده قوي. وذكر ابن كثير في تفسيره ٤٠٤/٨: عن الهيثم
ابن كليب قال: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرفاني حدثنا مسلم بن ابراهيم حدثنا جرير بن حازم
عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تخبري أحداً ،
وإن أم إبراهيم علي حرام ، فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: ((فو الله لا أقربها)) قال:
فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله تعالى: ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وهذا إسناد
صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه
«المستخرج».
- ٤١٠ -

سورة ن
٨٥٨ - (خ - ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله تعالى: ( عُثُلّ بَعْدَ
ذلك زَنِيمٍ(١)) [ن: ١٣] قال رجلٌ من قريش: كانت له زَمَةٌ مثل زَنَمة
الشاة . أخرجه البخاري (٢).
[شرح الغريب]:
( عُتُلّ ) العتل : الفظُّ الغليظ ، وقيل : الجافي الشديد الخصومة.
(زنيم) الزئمة: الهناة المعلّقة عند حلق المغزى، وهما زمتان، والمراد
بالزنيم : الدعيّ في النسب الملحق في القوم وليس منهم ، تشبيهاً له بالزنمة .
(١) قال الحافظ في الفتح ٤٦٧/٨: ((العقل)» قال الفراء: الشديد الخصومة. وقيل: الجافي عن الموعظة.
وقال أبو عبيدة: الفظ: الشديد، وقال الحسن: الفاحش الآثم. وقال الخطابي: الغليظ العنيف ،
وقال الداودي: السمين العظيم العنق والبطن، وقال الهروي: الجموع: المنوع. و(« الرنيم)»: الملصق
في القوم ليس منهم . قال حسان :
كما فيط خلف الراكب القدح الفرد
وأنت زني نيط في آل هاشم
قال الحافظ في الفتح ٥٠٨/٨: اختلف في الذي نزات فيه، فقيل: هو الوليد بن المغيرة، ذكره
يحيى بن سلام في تفسيره، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، ذكره سنيد بن داود في تفسيره ، وقيل :
الأخضر بن شريق ، ذكره السهيلي عن القعنبي ، وزعم قوم: أنه أبو الأسود ، وليس به ، وأبعد
من قال: إنه عبد الرحمن بن الأسود، فإنه هو يصغر عن ذلك ، وقد أسلم، وذكر في الصحابة .
(٢) ٥٠٧/٨ في تفسير سورة ن والقلم، باب عتل بعد ذلك زنيم، وقال الحافظ: زاد أبو نعيم في
مستخرجه ((في آخره يعرف بها)» وفي رواية سعيد بن جبير عند الحاكم ٤٩٩/٢: يعرف بالتر كما
تعرف الشاة بزمتها، والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نعت فلم يعرف حتى قيل :
زنيم فعرف، وكانت له زيمة في عنقه يعرف بها .
- ٤١١ -

٨٥٩ - (فى - أبو سعيد الخدري رضي الله عنه) قال: سمعتُ
رسولَ الله عَّ ◌ُلهِ يقولُ: ((يكشفُ رُّبنا عن ساقِهِ (١)، فيسجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ
ومُؤْمِنَةٍ ، وَيَبْقَى من كان يسجُدُ في الدُّنيا رياءَ وسُمعَةً، فيذهبُ لِيسجدَ ،
فيعودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً واحداً)) .
أخرجه البخاري هكذا ، وهو طرف من حديث طويل ، قد أخرجه
هو ومسلم بطوله ، وهو مذكور في كتاب القيامة من حرف القاف(٢).
(١) قال الحافظ في الفتح ٠٠٨/٨: ((قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: يوم يكشف عن
ساق، قال: من شدة أمر، وعند الحاكم ٤٩٩/٢، ٥٠٠ وصححه ووافقه الذهبي من طريق
عكرمة عن ابن عباس قال : هو يوم كرب وشدة ، قال الخطابي : فيكون المعنى : يكثف عن
قدرته التي تنكشف عن الشدة والكرب. ووقع في هذا الموضع ((يكثف ربنا عن ساقه)) وهو من
رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم ، فأخرجها الاسماعيلي كذلك، ثم قال في قوله: ((عن ساق»
نكرة ، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: يكشف عن ساق، قال
الاسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ. والقرآن في الجملة لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارحلما في ذلك من
مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، ليس كمله شيء)). وقال النووي في شرح مسلم: وفر ابن عباس
وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث: الساق هنا: بالشدة. أي: يكثف عن شدة وأمر مهول)).
وقال العبني في شرح البخاري ٢٣٤/٩ في باب يوم يكشف عن ساق ، أي هذا باب في قوله تعالى:
( يوم يكشف عن ساق) قيل: تكثف القيامة عن ساقها، وقيل: عن أمر شديد فظيع، وهو
إقبال الآخرة وذهاب الدنيا ، وهذا من باب الاستعارة ، تقول العرب الرجل إذا وقع في أمر
عظيم يحتاج فيه إلى اجتهاد ومعاناة ومقاساة للشدة: شمر عن ساقه ، فاستمير الساق في موضع الشدة
وإن لم يكن كثف الساق حقيقة، كما يقال: أسفر وجه الصبح، واستقام له صدر الرأي.
والعرب تقول لسنة الحرب : كشفت عن ساقها .
(٢) ٠٠٨/٨ في تفسير سورة نون والقلم، باب يوم يكشف عن ساق، وفي تفسير سورة النساء، باب
إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وفي التوحيد باب وجوه يومئذ ناضرة ، ورواية مهم المطولة أخرجها
في صحيحه رقم (١٨٣) في الايمان، باب معرفة طريق الرؤية، وكذلك أحمد في المسند
١٦/٣و ١٧
- ٤١٢-

[ شرح الغريب]
( يكشف عن ساقه ) الساق في اللغة: الأمر الشديد، و((كشف
الساق )) مثلٌ في شدة الأمر. وأصله في الروع، كما يقال للأقطع الشحيح: يدَهُ
مغلولة، ولا يدَثمْ ولا غُلَّ ، وإنما هو مثل في البخل، وكذلك هذا: لا ساق
هناك ولا كشف .
( طبقاً ) الطبق: خَرَزُ الظهر، واحدتها: طبقة، يقال: صار فقارهم
فقارةً واحدة ، فلا يقدرون على السجود ، وقيل : الطبق : عظْمُ رقيق ،
يُفْصِلُ بين الفَقَارِيْنِ، أي: صار الظهر عَظْماً واحداً .
( رياءَ وَسُمْعَةً) فعلت الشيء رياءً وسمعةً: إذا فعلته لسيراك الناس
ويسمعوك .
سورة نوح
٨٦٠- (خ - ابن عباس رضي الله عنهما) قال: صارتِ الأوثان التي
كانت في قوم نوح في العرب بعْدُ، أمَّا (( وَدٌّ)) فكانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِالْجَنْدَلِ ،
وأماءُواعٌ ، فكانت لهذيلِ، وأما« يَغُوث) فكانتِ لُرادَ، ثم صارَتْ لبني عُطَيْفٍ
بالجرفِ عِند سَبأ)، وأمَّا (( يَعُوقُ)، فكانت ◌ِمْدان، وأَمَّاء نَسْرٌ، فَلِحِمْيَرَ، لآلِ ذي
الْكَلاَعَ، وكُها أسماء رجالٍ صالحِينَ من قَوْمِ نُوحٍ ، فلمّا هَلَكوا أَوْحَى
- ٤١٣ -

الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِم: أَنِ انْصِبُوا إلى مجالِسِهِمْ التي كانوا يجلسون فيها أَنصاباً ،
وسُوها بأسمائهم، ففعلُوا، فلم تُعبدْ، حتى إذا هلك أولئك، وتَنَسَّخَ(١) العلمُِّدَتْ.
أخرجه البخاري (٢).
[ شرح الغريب]:
( أنصاباً ) الأنصابُ: الأصنام، وقيل : أحجار كانوا ينصبونها ،
ويذبحون عليها لا لهتهم الذبائح.
سورة الجن
٨٦١- (مخ م ت - ابن عباس رضي الله عنهما) قال: ما قَرَأَ رسولُ الله
صَّ له على الجنّ ولا رآهم (٣)، انطَلَق رسولُ الله عَ الَّهِ في طائفة من أصحابهِ
عامِدينَ إلى سوقِ ◌ُكَاظَ ، وقد حِيلَ بَيْنَ الشياطينِ وبينَ خَبَرَ السماء ، وأرسِلَ
عليهُم الشُّهُبُ ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلى قَومِهِمْ، فقالوا: مالكم ؟ قيل : حِيل
بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: وماذَاكَ إلا من شيءٍ
حَدَثْ، فاضرِ بُوا مَشارقَ الأرْض ومغاربها، فَرَّ النفَرُ الذين أَخِذُوا نحوَ
(١) أي: على تلك الصور بخصوصها.
(٢) ٥١١/٨و٥١٢ ٥١٣ في تفسير سورة نوح، باب وداولا سواعا ولا يغوث ويعوق.
(٣) قال النووي: لكن ابن مسعود أثبت أن الني صلى الله عليه وسلم قرأ على الجن: فكان ذلك مقدماً
على نفي ابن عباس، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج في «صحيحه)) رقم (٤٠٠) في الصلاة ،
علب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن الني صلى الله عليه وسلم قال : أقاني داعي الجن
فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن. قال الحافظ : ويمكن الجمع بالتعدد.
قال العلماء : هما نضيتان ، وحديث ابن عباس في أول الأمر ، وأول النبوة ، ثم أتوا وسمعوا
( قل أوحي ) .
-٤١٤-

تِهَامَةَ بالنِي عَّهِ، وهو بنَخْلِ(١) عامدينَ إلى سوقٍ مُكَاظَ ، وهو يُصَلِّ بأصحابهِ
صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآنَ ، استمعوا له ، وقالوا : هذا الذي حال بيننا
وبين خبر السماء ، فرَجَعُوا إلى قومهم ، فقالوا: ( ياقومنا، إنا سمعنا قرآناً عجباً،
يهدي إلى الرُّشْد، فَآمَنَّا به ولنْ نَشْركَ بربنا أحداً) فأنزل الله عز وجل على
نبيه ◌ِّهِ (قُلْ: أُوحِيَ إليَّ: أنّه الْتَمعَ نَفَرُ من الجن) [الجن: ١].
زاد في رواية : وإنما أُوحِيَ إليه قولُ الجِنِّ (٢).
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي .
قال الترمذي: وبهذا الإسناد قال: قولُ الجنِّ لقومهم ( لما قام عبدُاللّه
يدُعُوهُ، كادُوا يكونون عليه لبَداً) الجن: ١٩] قال: لما رأوهُ يُصَلي،
وأصحابُهُ يُصلونَ بصلاتِهِ، ويسجُدُون سجودِهِ، قال: تعَجّْبُوا من
طواعيةِ أصحا به له ، قالوا لقومهم: لما قامَ عبدُ اللّهِ يدعوهُ كادوا يكونونَ
عليه لبداً (٣) .
(١) قال النووى: كذا وقع في مسلم (« بتخل)) بالخاء المعجمة. وصوابه (بنخلة)) بالهاء، وهو موضع
معروف هناك، كذا جاء صوابه في صحيح البخاري ، ويحتمل أنه يقال فيه : نخل ، ونخلة
وأما (( تهامة)) فيكسر التاء : وهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة.
(٢) قال الحافظ: هذه الزيادة من كلام ابن عباس، كأنه يقرر فيه ما ذهب إليه أولاً: أنه صلى الله عليه
وسلم لم يجتمع بهم ، وإنما أوحى الله إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: (وإذ صرفنا اليك نفراً
من الجزء يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا: أنصتوا ... ) الآية [الأحقاف: ٤٩] ولكن
لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا ، أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك .
(٣) البخاري ٥١٣/٨، ٥١٨ في تفسير سورة الجن وفي صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر=
- ٤١٥ -

[شرح الغريب]:
( عامدين ) عمدتُ إلى الشيء : فصدتَ نحوه.
(حِيلَ ) حلتُ بين الشَّيْتِيْنِ: فصلت بينهما، ومنعت أحدهما من
الآخر .
( لبدآً ) أي : مجتمعين بعضهم على بعض ، وهي جمع لبدة .
٨٦٢ - (ن - ابن عباس رضي الله عنه) قال: كان الجنّ يصعَدُونَ
إلى السماء يستمِعونَ الوحْيَ ، فإِذا سَمِعُوا الكلمةَ ، زَادُوا عليها تسْعاً، فأمّا
الكلمةُ فتكونُ حقًّا ، وأمَّا ما زادُوا فيكُونُ باطلاً ، فلما بُعِثَ رسولُ اللّه
صَلِّ مُنِعُوا مقَاعِدَهُم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها
قبل ذلك ، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمرٍ قد حدث في الأرض ، فبعث
جنوده، فوجدوا رسول اللّه مَّ اله قائماً يُصلى بين جبلين - أراه قال: بمكة
- فأخبروه، فقال : هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض )».
أخرجه الترمذي (١)
= ومسلم رقم (٤٤٩) في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والترمذي رقم (٣٣٢٠) في التفسير،
باب ومن سورة الجن .
(١) رقم (٣٣٢١) في التفسير، باب ومن سورة، الجن، وإسناده حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح .
- ٤١٦ -

سورة المزمل
٨٦٣ - (د - ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (قم الليل
إلاَّ قليلا، نِصْفَهُ ... ) الآية [المزمل: ٣] قال: نسختها الآية التي فيها
قوله تعالى: ( عَلِمْ أَنْ لنْ تحصُوه فتابَ عليكم، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) (١)
[ المزمل: ٢٠] قال: وناشِئَةُ الليل: أو له، يقول: هو أجدر أن تُخْصوا
ما فرض الله عليكم من قيام الليل ، وذلك: أن الإنسانَ إذا نام لم يدْرِ متى
يستيقظُ، وقوله: ( وأَقُوَمُ قِيْلاً) [المزَّمَّل: ٦] يقول: هو أجدرُ أن
تفقَّهَ في القرآن ، قوله : ( إنَّاك في النهار سبحاً طويلاً) [المزمل: ٧]
يقول : فراغاً طويلاً .
وفي رواية قال : لما نزل أول (المزَّمل ) كانوا يقومون نحواً من قيامهم
في شهر رمضان، حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخر ها سَنَةُ. أخرجه
أبو داود (٢) .
(١) وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد من السلف، ويؤيده حديث مسلم في «صحيحه» رقم
(٧٤٦) في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، وفيه أن حكيمبن أفلح قال لعائشة: أنبئيني عن
فيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ ( يا أيها المزمل?) قلت: بلى، قالت: فإن
اللهعز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة. فقام في الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً،
وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار
قيام الليل تطوعاً بعد فريضة .
(٢) رقم (١٣٠٤) و(١٣٠٥) في الصلاة، باب نسخ قيام الليل والتبير فيه، وسند الروايتين حسن.
وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٨٦/٦ وزاد نسبته لمحمد بن نصر « ابن مردويه والبيهقي في السنن.
- ٤١٧ -
٢-٢٧ ج -٢

سورة المدثر
٨٦٤ - (ن - أبو سعيد الخدري رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله
مَ ◌ّهِ: (( الصَعُودُ: عقبَةٌ فِي النَّار ، يتصعّدُ فيها الكافر سبعين خريفاً، ثم
يهوي فيها سبعين خريفاً، فهو كذلك أبداً)) أخرجه الترمذي (١).
[ شرح الغريب]:
(يهوي ) هوى : إذا نزل إلى أسفل.
٨٦٥ - (ن - جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما ) قال: قال ناسُ
من اليهود لأناسٍ من أصحاب النبي ◌ِّله: هل يعلمُ نبيكم عدد خزنةٍ جهنم؟
قالوا: لا ندري حتى نسألَه، فجاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌ِلّهِ فقال:
يا مُحَمَّدُ ، غُلِبَ أصحابُكَ اليومَ، قال: ((وبم غُلِبُوا؟» قال: سألهم يهودُ: هل
يعلم نبيكم عَدَدَ خزنة جهنم؟ قال: (( فما قالوا؟)) قال: قالوا: لا ندري حتى
(١) رقم (٣٣٢٣) في التفسير، باب ومن سورة المدثر، وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه مرفوعاً
من حديث ابن لهيعة، وقد روي شيء من هذا عن عطية عن أبي سعيد. نقول: وفي سنده أيضاً دراج عن
أبى الهيثم، وقد ذكرنا غير مرة انه ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان
رقم (٣٦١٠) والحاكم ٥٠٧/٢ ووافقه الذهي، وقد ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٨٢/٦
وزاد نسبته إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي. وقال السيوطي
أيضاً: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبى الدنيا وابن المنذر
والطبراني وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد قال: «إن صعوداً: صخرة في جهنم
إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت، واقتحامها: فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة،
وذكره الهيثمي في المجمع ١٣١/٧ وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عطية، وهو ضعيف.
- ٤١٨-

نسألَ نبينًا، قال: أَفغُلبَ قومٌ سُئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلمُ حتى
نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيَّهم، فقالوا: أَرِنا اللّه جهْرةً، عليَّ بأعداء اللّه،
إني سائلُهم عن تُربةِ الجنة ــ وهي الدَّرْمَكُ-؟ قال: فلما جاؤوا، قالوا :
يا أبا القاسم ، كم عددُ خزنةٍ جهنم؟ قال: هكذا وهكذا - في مرة عشرةٌ ،
وفي مرةٍ تسعةٌ - قالوا: نعم، قال لهم النبي ◌ِّهِ: مَا تُرْبَةُ الجنةِ ؟ قال:
فسكتوا هُنْيَهَةً (١)، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال النبي عَّهِ: الخبْزُ
من الدَّرْمكِ » أخرجه الترمذي (٢).
٨٦٦ - (ت - أنس بن مالك رضي الله عنه) أن رسول اللّهِ سيطراله
قال في هذه الآية: ( هو أهلُ الثَّقْوى وأهلُ المغفرة) [ المدثر: ٥٦ ] قال:
قال الله تبارك وتعالى: ((أنا أَهلُ أَنْ أُنَّقَى ، فمن اتَّقَاني فلم يجعلْ معي إلها ،
(١) قوله ((هنيهة)) تصغير هنة، ثم زيد فيها هاء ، وقال النووي في شرح الحديث من كتاب الصلاة:
(« هنية)) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هنة، أصلها : هنوة، فلما صغرت
صارت : هنيوة، فاجتمعت واو وباء، وسبقت إحداهما بالسكون، فوجب قلب الواو ياء ، فاجتمعت
باءان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارت: هنية، ومن همزها فقد أخطأ. ورواه بعضهم:
هنية ، وهو صحيح أيضاً .
(٢) رقم (٣٣٢٤) في التفسير، باب ومن سورة المدثر، وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا
الوجه من حديث مجالد. نقول: ومجالد ليس بالقوي وفد تغير في آخر عمره، لكن يشهد لبعضه
ما أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢٨٤،٢٨٣/٦ من رواية ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن
البزار ، أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب التي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم ،
فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء فأخبر صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ (عليها تسعة عشر).
- ٤١٩ -

فأنا أَهلُ أن أغفر له)) أخرجه الترمذي (١).
سورة القيامة
٨٦٧- (ج م ن س - ابن عباس رضي الله عنهما ) في قوله عز وجل:
صَلى الله
( لا تُحرِّك به لسانَك لتَعْجَلَ به) [القيامة: ١٦] قال: كان النبي ◌ِّ
يُعالِجُ(٢) من التنزيل شِدَّةٌ، وكان مما يُحرِّكُ به شفتيه - فقال ابن
(١) رقم (٣٣٢٥) في التفسير، باب ومن سورة المدثر، وأخرجه ابن ماجة رقم (٢٩٩: ) فى
الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، والدارمي في سننه ٣٠٢/٢و ٣٠٣ في الرقاق،
باب في تقوى الله، وأحمد في مسنده ٢/٣: ٠ ٢٤٣٥ كله من حديث سهيل بن عبد الله القطعي،
وقال الترمذي: حديث غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت.
وذكره ابن كثير في تفسيره ٥٥/٩ وزاد نسبتهلابن أبي حاتم عن أبيه عن هدية بن خالد عن سبيل
به ، وقال: وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به .
(٢) قال الحافظ في الفتح ٢٨/١: المعالجة: محاولة الشيء بمثقة، وقوله: ((ما يحرك به شفتيه)) أي: كان
العلاج ناشئاً من تحريك الشفتين، أي: مبدأ العلاج منه، أو ((ما)» موصولة، وأطلقت على من يعقل
مجازاً ، هكذا قرره الكرماني ، وفيه نظر، لأن الشدة حاصلة قبل التحريك، والصواب ما قاله
ثابت المرقطي : أن المراد : كان كثيراً ما يفعل ذلك ، قال : وورودهما في هذا كثير ، ومنه
حديث الرؤيا « كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا ... )) ومنه قول الشاعر :
على وجهه تلقي اللسان من الفم
وإنا لما نضرب الكبش ضربة
قلت : ويؤيد أن رواية المصنف في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة، ولفظها :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي، فكان ما يحرك به لانه وشفتيه،
فأتى بهذا اللفظ مجرداً عن تقدم العلاج الذي قدره الكرماني ، فظهر ما قال ثابت .
ووجه مافال غيره: أن ((من)) إذا وقع بعدها (( ما)» كانت بمعنى ربما، وهي تطلق على القليل
والكثير ، وفي كلام سيبويه مواضع من هذا، منها قوله: اعلم أنهم مما يحذفون كذا، والله أعلم.
ومنه حديث البراء : كنا إذا صلينا خلف الني صلى الله عليه وسلم مما نحب أن نكون عن يمينه ...
الحديث .
- ٤٢٠-