النص المفهرس

صفحات 21-40

ذلك ) قَتَلَ بعد قَبول الديَّةِ. أخرجه البخاري والنسائي(١).
٤٨٤ - (غ (س - عطاء رحمه الله) أنه سمع ابن عباس يقرأُ : (وعلى
الذين يُطَوَّقُونَهُ(٢) فِديةٌ طَعَامُ مِسكينٍ ) قال ابن عباس: ليستْ بمنسوخةٍ(٣)،
هي للشّيخ الكبير ، والمرأةِ الكبيرةِ ، لا يستطيعانِ أَن يصوما، فيُطعِماتِ
مكانَ كُلِّ يومٍ مِسكيناً . هذه رواية البخاري .
وفي رواية أبي داود قال : ( وعلى الذين يُطِيقُونَه فديةٌ طعام مسكينٍ)
فكان مَن شاءَ منهم أَن يَفتدِيَ بطعامٍ مسكين افتدى ، وتَّمَّ له صومُه ، فقال
(١) البخاري ١٣٣/٨ في تغير البقرة: باب يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص و١٨٣/١٢ في
الديات: باب من قتل له قتيل فهو بخير النظر ين، والنسائي ٣٦/٨، ٣٧ في القسامة: باب تأويل قوله
عز وجل: (فمن عفي له من أخيه شيء ... ) ورواه الطبري رقم (٢٥٩٣) وذكره السيوطي في الدر
المنشور ١٧٣/١ وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم .
(٢) بفتح الطاء وتخفيفها وتشديد الواو مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن مسعود أيضاً، قال الحافظ في «الفتح»
١٣٥/٨: وقد وقع عند النسائى من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار: يطوقوله : يكلفونه،
وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته، وقد رد الطبري في تفسيره ٤٣٨/٣ هذه القراءة بقوله:
وأما قراءة من قرأ ذلك ( وعلى الذين يطوقوته) فقراءة لصاحف أهل الإسلام خلاف ، وغير
جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم صلى الله عليه
وسلم نقلّاً ظاهراً قاطعاً للحذر، لأن ماجاءت به الحجة عن الدين هو الحق الذي لاشك فيه أنه من عند
الله، ولا يعترض على ماقد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأقوال الشاذة .
(٣) قال الحافظ: هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر. وفي حديث ابن عمر الذي في الصحيح
ما يدل على أنها منوخة ونص حديث ابن عمر أنه قرأ : - فدية طعام مساكين - قال: هي
منسوخة ورجحه ابن المنذر من جهة قوله (وأن تصوموا خير لكم ) قال: لأنها لو كانت في
الشيخ الكبير الذي لا يطبق الصيام لم يناسب أن يقال له: (وأن تصوموا خير لكم) مع أنه
لا يطبق الصيام .
- ٢١ -

الله تبارك وتعالى: (فمن تطَوَّعَ خيراً فهو خَيرٌ لهُ، وأن تصوموا خيرٌ لكم)
ثم قال: ( فَنْ شَهِدَ منكم الشَّهرَ فَلْيَصمهُ ، ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ
مِن أيام أُخَر).
وفي أخرى له: أُثبِتَتْ لِلْحُبلَى والمرضعِ، يَعني الِديَّةَ والإفطارَ .
وفي أخرى، له : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعامُ مسكينٍ ) قال :
كانت رُخصةً للشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة - وهما يُطِيقان الصِّيامَ - أن
يُفطِرَا، وَيُطعِمَا مكان كلِّ يومٍ مِسكيناً، والحبْلَى والمرضِع: إذا خَافَتَا
يُعني على أولادِهِما - أَفطرتَا وأَطعمتا .
وأخرجه النسائي قال : في قول الله عزَّ وجل ( وعلى الذين يطيقونَه
فديةٌ طعامُ مسكين) قال: يُطيقونَه: يُكلّفونه،فِديَةٌ طعامُ مسکین واحد،
فمن تطوَّع: فزاد على مسكينٍ آخرَ ، ليست بمنسوخة ، فهو خير له ، ( وأن
تصومواخير لكم) لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيقُ الصِّيامِ أَو مريضٍلا يُشْفَى"
[ شرح الغريب]:
(يُطَوَّقونَه) أَي: يُكَلَّفونه، كأنه يُجعلُ في أعناقهم مثل الطّوقِ.
(١) البخاري ١٣٥/٨ في التفسير، باب قوله تعالى ( أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر)
وأبو داود رقم (٢٣١٦) وإسناده حسن، في الصيام، باب نخ قوله تعالى؛ ( وعلى الذين
يطيقونه فدية) ورقم (٢٣١٧) في الصوم ، باب من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى، وإسناده
حسن، ورقم (٢٣١٨) وإسناده قوي، والنسائي ١٩٠/٤، ١٩١ وإسناده صحيح ، في الصيام
باب تأويل قول الله عز وجل ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ).
- ٢٢ -

٤٨٥ - (فخ م ت دس - سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ) قال:
لما نزلت هذه الآيةُ: (وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ.) كان من
أراد أن يُفطر ويفتَدِيَ ، حتَّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها .
وفي رواية: حتى نزلت هذه الآية: ( فمن شهد منكم الشهرَ فليصُمْهُ)
أخرجه الجماعة إلا الموطأ(١).
٤٨٦ - (خ - عبد اللّهبن عمر رضي الله عنهما) قرأ ( فدية طعامٍ
مَساكين ) قال: هي منسوخة، أخرجه البخاري(٣) .
٤٨٧ (خ س - عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه اللّه) عن أصحاب محمد
عَّ اللّهِ قالوا: نزل شهرُ رمضان، فشقَّ عليهم، فكان من أطعمَ كُلَّ يومٍ
مسكيناً ترَكُ الصَّومَ ، ممن يُطيقُه، ورُخص لهم في ذلك، فَنسختها (وأنْ
تصوموا خيرٌ لكم) فأمِروا بالصَّومِ أخرجه البخاري(٣).
(١) البخاري ٣٦/٨: في التفسير، باب فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومسلم رقم (١١٤٥) في الصيام،
باب بيان نسخ قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية) وأبو داود رقم (٢٣١٠) في الصيام ، باب
نسخ قوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه فدية) والترمذي رقم (٧٩٨) في الصوم ، باب وعلى الذين
يطيقونه، والنسائي ١٩٠/٤ في الصوم، باب تأويل قول الله عز وجل (وعلى الذين يطيقونه ).
(٢) ١٣٦/٨ في التفسير، باب (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وانظر التعليق على حديث ابن عباس رقم
(٤٨٢) .
(٣) ١٦٤/٤ في الصوم، باب (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) من حديث ابن نمير عن الأعمش عن
عمر وبن مرة عن ابن أبي ليلى. تعليقاً، قال الحافظ: وصله أبو نعيم في ((المستخرج)) والبيهقي من طريقه، ولفظ البيهقي
(( قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولاعهدلهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى=
- ٢٣ -

٤٨٨ - (ت (( - النعمان بن بشير رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله
مَِِّّ(«الدُّعاء: هو العبادة. وقرأً (ادْعُونِي أستجبْ لكُمْ، إِنَّ الذينَ
يستكْبِرُون عن عِبادتي سيدُخُلُون جهنم داخرين) [غافر: ٦٠] فقال
أصحابَهُ: أَقَرِيبٌ رُّبنا فَتُتاجيهِ ، أم بعيد فَتُناديهِ ؟ فنزلت (وإذا سألكَ
عبادي عني؟ فإنّ قريبٌ ، أُجيبُ دعوةَ الداع إذا دعَانٍ ) [البقرة: ١٧٦]
الآية » .
أخرجه الترمذي إلى قوله: ((داخرين))، وأبو داود إلى قوله :
((أستجب لكم)) والباقي: ذكره رزين، ولم أجده في الأصول(١) .
[شرح الغريب]
( داخِرِينَ ) الدَّاخرُ : الذليلُ.
٤٨٩ - (غ - البراء بن عازب رضي الله عنه) قال: ◌َما نزل صومُ
رمَضان، كانوا لا يقرَّبُونَ النساءَ رمضانَ كُلَّه، وكان رجالٌ يخونون
= نزل شهر رمضان، فاستكثروا ذلك وشق عليهم ، فكان من أطعم مسكيناً كل يوم ترك الصيام ممن
يطيقه، ورخص لهم في ذلك،°ثم نسخه (وأن تصوموا خير لكم) فأمروا بالصيام» وهذا الحديث
أخرجه أبو داود رقم (٥٠٦) فى الصلاة، باب كيف الأذان ، من طريق شعبة والمعودي عن
الأعمش مطولا في الأذان والقبلة والصيام ، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً ، وطريق ابن نمير
هذه أرجحها .
(١) الترمذي رقم (٢٩٧٣) في التفسير، باب ومن سورة البقرة، ورقم (٣٢٤٤) في تفسير سورة
المؤمن و (٣٣٦٩) في الدعوات، وأبو داود رقم (١٤٧٩) في الصلاة، باب الدعاء ، وأخرجه
ابن ماجة رقم (٣٨٢٨) في الدعاء، باب فضل الدعاء، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح
- ٢٤ -

أَنْفُسَهُم، فأنْزَلَ الله تعالى (علمَ اللهُ أنكم كنتم تحتانُون أنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكَم
وعفا عنكم) [البقرة: ١٨٧] الآية)) أخرجه البخاري(١).
[ شرح الغريب]
( يخونون) أنفسهم، أي: يظلمونها بارتكابٍ ماحُرِّم عليهم، ويختانُونَ:
يفتعلون منه .
٤٩٠ - (د. عبد اللهبن عباس رضي الله عنهما) قال: (يا أَيُهَا الذين
آمنوا كُتِبَ عليكُمُ الصِّيَامُ كما كتِبَ على الذينِ من قَبْلِكَمْ) [البقرة: ١٨٣]
قال: وكان الناسُ على عهدِ رسولِ اللهِ عَّهِ إِذا صلَّوا العَتَمَة حِرُمَ عليهم
الطعامُ والشرابُ والنساء، وصاموا إلى القابلَة، فاختَانَ (٢) رَجُلٌ نفسه فجامع
امرأتهُ وقد صلى العشاءَ ولم يُفطِرْ، فأراد الله أن يجعل ذلك يسراً لمن بقي
ورخصةً ومنفعةً ، فقال: (علمَ اللّه أنكمُ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُم - الآية)
[ البقرة: ١٨٧] فكان هذا يِمّ نفعَ اللهُ به الناسَ، ورَخّص لهم ويَسَّرَ ،
أخرجه أبو داود (٣).
[ شرح الغريب]:
( القابلة ) الليلة الآتية ، وكذلك السنة الآتية.
(١) ١٣٦/٨ في التفسير، باب قول الله تعالى ( أُحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ).
(٢) افتعل من الخيانة .
(٣) رقم (٢٣١٣) في الصيام، باب مبدأ فرض الصيام، وإسناده حسن، وانظر الطبري ٤٩٣/٣،
٥٠٣
- ٢٥ -

٤٩١ - (خ ت دس - البراء بن عازب رضي الله عنه) قال: كان
أصحاب محمد عٍَّ، إِذا كان الرجلُ صائماً، فحضرَ الإفطارُ، فنامَ قبل أن
يفطرَ، لم يأكلْ ليلتهُ ولا يومهُ، حتى يمسيَ، وإِن قيسَ بنَ صرْمَةَ الأنصاري
كانَ صائماً ، فلما حضر الإفطارُ، أَتى امرأتهُ، فقال: أَعنْدَك طعامٌ ؟ قالت:
لا ، ولكن أنطَلِقُ فأطلبُ لك، وكان يومَهُ يعملُ ، فغلبتهُ عينهُ، فجاءتِ
امرأَتُهُ، فلما رأْتَهُ، قالتْ: خَيْبَةٌ لَكَ، فلما انتصف النهارُ، غُشيَ عليه،
فَذُكرَ ذلك للنبي ◌ٍَِّّ، فنزلت هذه الآية (أُحلَّ لكم ليلهَ الصيامِ الرَفَثُ إلى
نسائكم) [البقرة: ١٨٧] ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت (وكُوا
واشربُوا حتى يتبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفَجْرِ)،
هذه رواية البخاري والترمذي .
وزاد أبو داود بعد قوله: ((عُشي عليه)) قال: فكان يعملُ يومَهُ في
أَرضهِ .
وعنده: أنَّ اسمَ الرُجْلِ ( صِرْمَةُ بنُ قَيْسٍ)) (١).
وفي رواية النسائي: أنْ أحدهم: كانَ إِذا نامَ قبلَ أنْ يتعَشَّى لم يحِلَّ
له أن يأكل شيئاً ولا يشربَ ليلتَهُ ويومه من الغدِ حتى تَغْرُبَ الشمسُ،
(١) رجح الحافظ بعد بيان الاختلاف في اسم هذا الأنصاري في الفتح ١١١/٤ والروايات في ذلك أنه
أبو قيس مرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي، وأنه على هذا جاء الاختلاف فيه ، فبعضهم
أخطأ اسمه وسماه بكنيته، وبعضهم نسبه لجده، وبعضهم قلب نسبه، وبعضهم صحفه ضمرة بن أنس،
وأن صوابه صرمة بن أبي أنس .
- ٢٦ -

حتى نزَلتْ هذه الآية (وكلوا واشرُ بُوا حتى يتبيَّنَ لكم الخيط الأبيضُ من
الخيط الأسود ) قال : ونزلت في قيس بن عمرو ، أتى أهلهُ وهو صائمٌ بعد
المغربِ ، فقال : هلْ من شيءٍ ؟ فقالتْ امرأتهُ : ماعندنا شيءٌ ، وذكر
الحديث(١) .
[شرح الغريب]:
(الرَّفَثُ) هاهنا: الجماع ، وقيل: هو كلمة جامعةٌ لكل ما يريده الرَّجل
من المرأة .
٤٩٢ - (خ م - سهل بن سعد رضي الله عنه) قال: أُنزلتْ (وكلُوا
واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل
( مِنَ الفَجْر) فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربطَ أَحدهمُ في رجْلَيْهِ الخيطَ
الأبيضَ ، والخيط الأسودَ ، ولا يزالُ يأكلُ حتى يتبينَ لهُ رِئِيُهما (٢)، فأنزل
(١) البخاري ٩١١/٤، ٩١٢ في الصوم، باب (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) والترمذي
رقم (٢٩٧٢) في التفسير، باب ومن سورة البقرة، وأبو داود رقم ٢٣١٤١) في الصيام ، باب
مبدأ فرض الصيام ، والنسائي ١٤٧/٤، ١٤٨ في الصيام ، باب تأويل قول الله عز وجل ( كاوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .
(٢) قال النووي: وهذه اللفظة ضبطت على ثلاثة أوجه، أحدها: رئيهما - براء مكسورة ثم حمزة
ساكنة ثم ياء - ومعناه: منظرهما، ومنه قوله تعالى (م أحسن أثاثا ورئياً) [مريم: ٧٤] والثاني
((زيها)) - بزاي مكسورة وباء مشددة بلا همز - ومعناه: لونها، والثالث («رئيها)) .. بفتح
الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء - قال القاضي عياض: هذا غلط هنا، لأن الرئي: هو التابع
من الجن، قال: فان صح رواية فعناه مرئيها، وراوية أبي ذر في البخاري (رؤيتها)).
- ٢٧ -

اللهُ تعالى بعدُ ( من الفجرِ) فَعَلِمُوا أَنْه إنّما يعني الليلَ والنَّهارَ ، أُخرجه
البخاري ومسلم (١).
٤٩٣ - (غ مت دس - عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه) قال:
لما نزلت: ( حَتَّى يتبيَّن لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ)، عَمدتُ إلى
عقلٍ أَسودَ ، وإِلى عقالِ أَبيِضَ ، فجعلتها تحت وسادتي، وجعلتُ أَنْظُرُ من
اللَّيْل، فلا يسْقِبِينُ لي، فغدوتُ على رسول الله عَِّ، فذكرتُ ذلك له .
فقال: ((إِنَّا ذلك سوادُ الليل وبياضُ النّهار)) . هذه رواية البخاري ومسلم
وأبيداود .
واختصر النسائي: أنَّ عديّ بن حاتم سأل رسول الله عَظِّمِ عن قوله
تعالى: ( حتى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) قال:
((هو سوادُ الليل وبياض النّهار)).
وفي رواية التر مذي مختصراً مثله .
وله في أُخرى بطوله، وفيه: فقال لي رسولُ الله عَِّ شيئاً - لم يحفظُه
سفيانُ - فقال: إِنَّما هو الليلُ والنَّار)).
وفي رواية للبخاري ، قال: أَخذ عديٌّ عقالاً أَبيضَ وعقالاً أسودَ ،
(١) البخاري ٤ /١١٤، ١١٥ في الصوم، باب قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط
الأبيض من الخيط الأسود ) وفي التفسير ، باب قول الله تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) وملم رقم (١٠٩١) في الصوم ، باب بيان أن الدخول في
الصوم يحصل بطلوع الفجر .
- ٢٨ -

حتى كان بعضُ الليلِ، نَظرَ ، فلم يَستَبينا، فلما أصبحَ قال لرسول اللّه عَ ل:
جعلتُ تحت وسادتي خيطاً أبيضَ، وخيطاً أَسودَ، قال: ((إِنَّ وِسادك
لعريضٌ(١)، أن كان الخيطُ الأبيضُ والخيطُ الأسودُ تحت وِسادكِ .
وفي أخرى له قال: قلتُ: يارسول اللّه، ما الخيطُ الأبيض من الخيط
الأسودِ: أَهُما الخيطان؟ قال: ((إنك لعريضُ القفا، أن أبصَرتَ الخيطَين)»،
ثم قال: ((لا ، بل هما سواد الليل وبياضُ النهار(٢))).
[ شرح الغريب]:
(عِقالٌ) العقال: الْحَبَيْلُ الذي تُشَدُّ به رُكَبَة البعير لئلا يهرب.
(وسادِي) الوسادُ والوسادة: المخَدَّةُ.
( لعريض) والمرادُ بقوله: إنك لعريضُ الوسادة: إِن نومك لعريضُ
(١) قال الخطابي في ((المعالم)» فيه قولان، أحدهما: يريد أن نومك لكثير، وكى بالوسادة عن النوم،
لأن النائم يتوسد ، أو أراد: إن ليلك الطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك
العقال، والقول الآخر : كتى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام،
والعرب تقول : فلان عريض القفا: إذا كان فيه غباء مع غفلة ، وقد روي في هذا الحديث من
طريق أخرى إنك لعريض القفا، وجزم الزمختري بالتأويل الثاني ، فقال : إنما عرض التي
صلى الله عليه وسلم قفا عدي لأنه غفل عن البيان ، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة .
(٢) البخاري ١١٣/٤ في الصوم، باب قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود ) وفي التفسير، باب قوله ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من
الخيط الأسود)، وأخرجه مسلم رقم (١٠٩٠) في الصوم، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل
بطلوع الفجر ، والترمذي رقم (٢٩٧٣) في التفسير ، باب ومن سورة البقرة ، وأبو داود رقم
(٢٣٤٩) في الصيام ، باب وقت السحور، والنسائي ١٤٨/٤ في الصيام، باب تأويل قول الله
عز وجل ( وكاوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ).
- ٢٩ -

فكتَى بالوسادة عن النوم ، لأن النَّائم يتوسد، كما يُكْنى بالثوب عن البدن،
لأن الإنسان يلبسه ، وقيل: كنى بالوسادِ عن موضع الوساد من رأسه وعنقه،
يَدلّ عليه قوله الآخر: إِنك لعريض القفا، وعرضُ القفا: كناية عن السّمَن
الذي يُذهبُ الفطْنَة، وقيل: أراد مَنْ أَكلَ مع الصبح في صومه: أصبحَ
عريض القفا، لأن الصَّوم لايضعِفُهُ ولا يؤثّر فيه .
٤٩٤ - (خ م - البراء بن عازب رضي الله عنهما) قال: نزلتْ هذه
الآية فينا ، كانت الأنصار إذا حجُّوا فجاؤوا، لم يَدْخُلوا من قِبَلِ أبوابٍ
البيوتِ ، فجاء رجلٌ من الأنصار ، فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنهُ عُيِّرَ بذلِك
فنزلت: ( وليسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ من ظهورِها، ولكنَّالبِرَّ من أنَّقَى،
وَأَثْتُوا الْبُيوتَ مِن أبوابها) [البقرة: ١٧٧].
وفي رواية قال: كانوا إِذا أحرموا في الجاهليةِ أَتَّوا البيتَ من ظَهْرِهِ ،
فأنزلَ الله: (وليس البرُّ بأَنْ تأتُوا البيوتَ من ظهورها، ولكن البِرَّ من
أَّقَى ، وأَثْتُوا البيوت من أبوابها). أخرجه البخاري ومسلم(١).
٤٩٥- (خ- حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما) قال: (وأنفقوا في سبيل
الله ولا تُلْقُوا بأيديكم إلى التهلكةِ) [البقرة: ١٩٥] قال : نزلت في النفقة.
(١) البخاري ٤٩٤/٣ في الحج، باب قول الله تعالى (وأتوا البيوت من أبوابها ) وفي التفسير ، باب
( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) ومسلم رقم (٣٠٢٦) فى التفسير .
- ٣٠ -

أخرجه البخاري (١) .
٤٩٦ - (ن د - أسلم أبو عمران رحمه الله) قال: كُثَّا بمدينة الرّوم،
غ
فأخرجوا إلينا صَفًّا عظيماً من الرومِ ، فَخَرجَ إليهم من المسلمينَ مِثْلُهم أو
أكثرُ ، وعلى أَهلِ مِصرَ : ◌ُقْبةُ بن عامرٍ ، وعلى الجماعةِ(٢) : فَضالة بن عُبيد،
فَحملَ رجل من المسلمين على صَفِّ الرُّوم ، حتّى دخلَ فيهم ، فصاحَ النَّاسُ،
وقالوا : سبحان الله ! يُلِقِي بِيَدَيهِ إلى التَّهْلُكَةِ؟! فقام أبو أَتُوب
الأنصاريّ ، فقال: يا أيها الناسُ إِنكم لتؤ وَّلون هذه الآية هذا التأويل،
وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: لما أعزَّ اللهُ الإسلام، وكثر
ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دونَ رسول الله وَالتيٍ : إِنَّ أموالنا
قد ضاعتْ، وإن الله قد أعزَّ الإسلامَ، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا،
فأصلحنا ما ضاعَ منها ، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيهٌ، يردُّ علينا ما قلنا:
( وأنْفِقوا في سَبِيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأيديكم إلى التَّهُكَةِ ) وكانت التهلكة :
الإقامةَ على الأموال وإصلاحها ، وتركنا الغزوَ، فما زال أبو أيوب شاخصاً
في سبيل الله ، حتى دفن بأرض الروم».
هذه رواية الترمذي .
(١) ١٣٨/٨ في التفسير، باب قوله (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قوله ((وفي
النفقة)» أي: في ترك النفقة في سبيل الله عز وجل، كما جاء مفسراً في حديث أبي أيوب الذي
سيذكره المصنف بعد هذا .
(٢) رواية الطيالسي وابن عبد الحكم والحاكم: وعلى الشام ، وهو الصواب إن شاء الله.
- ٣١ -

وفى رواية أبي داود قال: ((غزونا من المدينة ، نريدُ القسطنطينية
وعلى الجماعة عبدُ الرحمن بنُ خالدٍ بن الوليد (١)، والرومُ ملصقُو ظهورِهم
بحائطِ المدينة، فحملَ رجلٌ على العدوِّ ، فقال الناس ، مَهْ مَه، لا إله إلا الله،
مُلْقِي بيديه إلى النَّلُكَةِ! فقال أبو أيوب: إِنما أُنزِلِتْ هذه الآيةُ فينا معشر
الأنصارِ لما نصر الله نبيَّهُ، وأَظهر الإسلامَ، قُلْنا: هَلُمَّ تُقيم في أموالنا
و ◌ُصْحُها ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ (وأنفقوا في سبيلِ الله ولا تُلْقوا بأيْدِيكُمْ
إِلى التَّلْكَةِ) فالإِلقاء بالأيدي إلى الثَّهْلُكَةِ: أنْ نقيمَ في أموالنا ونصْلِحَها،
وندعَ الجهادَ، قال أبو عمران : فلم يزلُ أبو أيوب يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ حتى
دُفنَ بالقُسطنطينية» (٢).
(١) قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله: هذا يدل على أن هذه الغزوة كانت في سنة ٤٦ أو قبلها ، لأن
عبد الرحمن مات تلك السنة ، وهذه الغزوة غير الغزوة المشهورة التي مات فيها أبو أيوب الأنصاري
وقد غزاها يزيد بن معاوية بعد ذلك سنة ٤٩ ومعه جماعات من سادات الصحابة ، ثم غزاها يزيد
سنة ٥٢ وهي التي مات فيها أبو أيوب رضي الله عنه وأوصى إلى يزيد أن يحملوه إذا مات ويدخلوه
أرض العدو ويدفنوه تحت أقدامهم حيث يلقون العدو ، ففعل يزيد ما أوصى به أبو أيوب ، وقبره
هناك إلى الآن معروف، انظر طبقات ابن سعد ٤٩/٢/٣، ٥٠، تاريخ الطبري ١٣٠٠١٢٨/٦
وتاريخ ابن كثير ٣٠/٨، ٣١، ٣٢، ٠٨، ٠٩، وتاريخ الاسلام المذهي ٢٣١/٢، ٣٢٧،
٠٣٢٨
(٢) الترمذي رقم (٢٩٧٦) في التفسير، باب ومن سورة البقرة، وأبو داود رقم (٢٠١٢) في الجهاد
باب في قول الله عز وجل ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)» وإسناده صحيح، وقال الترمذي :
حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه ابن جرير رقم (٣١٧٩) و (٣١٨٠)، وأبو داود
الطيالسي في مسنده ١٣،١٢/٢، وابن عبد الحكم في فتوح مصر: ٢٧٠٠٢٦٩ والحاكم ٢٧٥/٢
وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذحي .
- ٣٢ -

[شرح الغريب]:
( شاخِصاً) شخص الرجل من بلدٍ إِلى بلدٍ: إِذا انْتَقلَ إِليه ،
والمراد به : لم يزل مُسَافراً .
٤٩٧ - (فخ م من دس - عبد اللّه بن معفل رضي الله عنهما) قال :
((قعدتُ إِلى كعب بنِ عُجْرَةَ في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفةِ -
فسألتُهُ عن فذيةٍ من صيامٍ؟ فقال: حُلْتُ إِلَى النبي ◌ِّهِ والقَمْلُ يتناثرُ على
وجهي ، فقال: ما كَنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدِ بَلَغَ بِك هذا؟ أَمَا تَجِدُ شاءً؟ قلتُ:
لا، قال: صُمْ ثلاثة أيامٍ، واحلِقْ رأْسكَ ، فنزلت فيَّ خاصّةً، وهي لكم
عامة )) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي .
وللبخاري ومسلم رواياتٌ أخر تردُ في كتاب الحجِّ من حرف الحاء.
وأخرجه الموطأ وأبو داود والنسائي بمعناه ، وترِدُ ألفاظُ رواياتهم
هناك(١).
(١) البخاري ١٣٨/٤ في الحج، باب قوله تعالى (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية) وباب
قول الله تعالى (أو صدقة) وبأب الاطعام في الفدية نصف صاع، وباب النسك شاة ، وفي المغازي ،
غزوة الحديبية ، وفي التفسير، باب فمن كان منكم مريضاً، وفي المرضى، باب قول المريض: إني وجع
أو وارأساء أو اشتد بي الوجع ، وفي الطب ، باب الحلق من الأذى ، وفي الايمان والنذور ، باب
كفارات الايمان، ومسلم رقم (١٢٠١) في الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم، والموطأ ٤٧١/١
في الحج ، باب فدية من حلق قبل أن ينحر، وأبوداود رقم (١٨٠٦) و(١٨٥٧) و(١٨٥٨) و
(١٨٥٩) و (١٨٦٠) و (١٨٦١) في الحج، باب الفدية، والترمذي رقم (٢٩٧٧) في التفسير
باب من سورة البقرة، والنسائي ١٩٤/٥، ١٩٥ في الحج، باب في المحرم يؤذيه القمل في رأسه،
وأخرجه ابن ماجة رقم (٣٠٧٩) في الحج ، باب فدية المحصر .
- ٣٣ -
٢ - ٣

[ شرح الغريب]:
(الجهدُ) بالفتح : المشقة ، وبالضم : الطاقة .
(الصَّاعِ): مكيال يسعُ أَربعةَ أَمداد، والمُدُّ بالحجاز: رطلٌ وثلثٌ
وبالعراق : رطلان .
٤٩٨ - (خ ,- عبد اللّهبن عباس رضي الله عنهما) قال: كانت
عُكَظُ وَجَنَّةُ ، وذو المجاز (١): أَسْواقاً في الجاهِليَّةِ، فلمَّا كان الإسلام، فكأنهم
نَموا أنْ يَتَّجِرُوا في المواسم ، فنزلت: ( ليسَ عليكم جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغوا
فَضْلاً من رَّبِّكمْ في مواسم الحج) قَرأَها ابن عباس هكذا(٢). [ البقرة:
١٩٨]. وفي رواية: (أَنْ تبتَغُوا في مواسمِ الحجّ فضلاً من رِبُّكُم ).
أخرجه البخاري .
وفي رواية أبي داود، أنه قرأ: (ليس عليكم جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغوا
فَضْلاً من ربكم ) قال: كانوا لا يَتَّجِرُون ◌ِى، فأُمِروا بالتّجارَةِ إِذا أَفاُضُوا
من عرفات .
وفي أُخرى له قال: إنَّ الناسَ في أَوَّلِ الحِجْ كانوا يتبايعونَ بِنَّى
وعَرَفَةَ وسُوقِ ذي الْمُجَازِ وهي مواسِمُ الحِجِّ، فخافوا البيْعَ وهم حُرُمٌ، فَأَنزل
(١) (( عكاظ)) بضم المهملة وخفة الكاف وبالمعجمة ((ومجنة)) بفتح الميم والجيم وشدة النون، و((ذو المجاز))
ضد الحقيقة : أسواق كانت للعرب ، وسمي موسم الحج موسماً ، لأنه معلم تجتمع الناس إليه .
(٢) قال الحافظ: وقراءة ابن عباس ((في مواسم الحج)» معدودة من الشاذ الذي صح إسناده وهو حجة
وليس بقران .
- ٣٤ -

الله عز وجلَّ: ( لاجناحَ عليكم أُن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم
الحج) قال عطاء بن أبي رباح: فحدثني عبيد بن ◌ُمَرِ ، أَنه كان يَقْرَؤُها في
المصحف(١).
[شرح الغريب]:
(فَتَأْموا) فعلوا ما يخرجهم من الإثم، أو لأنهم اعتدوا فعل
ذلك إئماً .
(أَفاضُوا) الإفاضةُ: الزحف والدفع بكثرة، ولا تكون إلا عن
تفرُّق وكثرة .
(المواسم) جمع موسم ، وهو الزمان الذي يتكرَّر في كُلّ سنةٍ،
الاجتماعٍ أو بيعٍ أو عيدٍ أو نحو ذلك، ومنه: موسم الحج.
٤٩٩- (غ ( - عبد اللّهبن عباس رضي الله عنهما) قال: كان أَهْلُ
الْيَمَنِ يَحْجُونَ ، فلا يَتَزَوَّدُون ، ويقولونَ : نحن المتوكِّلُونَ ، فإِذا قَدِمُوا
مَكَّةَ سأَلُوا الناسَ ، فأنزل الله عز وجل: (وتزوَّدُوا فإِن خير الزّادِ التقوَى)
[ البقرة: ١٩٧ ]. أخرجه البخاري وأبو داود (٢).
(١) البخاري ٤٧٣/٣، ٤٧٤ في الحج، باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية ، وفي البيوع
باب ماجاء في قول الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله)، وباب
الاسواق التي كانت في الجاهلية وفي التفسير ، باب ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ،
وأبو داود رقم (١٧٣٢) في الحج، باب التجارة في الحج، ورقم (١٧٣٤) باب الكري .
(٢) البخاري ٣٠٣/٣، ٣٠٤ في الحج، باب قول الله تعالى ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))
وأبو داود رقم (١٧٣٠) في الحج ، باب التزود في الحج .
- ٣٥ -

٥٠٠ - (خ - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) قال: كان يَطُوفُ
الرجلُ بالبيْتِ ما كانَ حلالاً ، حتى يُهِلَّ بالحجَّ، فإذا ركبَ إِلى عَرفةَ، فمن
تَسَّرَ له ◌َدْيُهُ من الإبل، أو البقر، أو الغنم، ما تيسَّرَ له من ذلكَ (١)، أَيّ
ذلك شاءَ ، غَيْرَ أَنْ لم يَيَسَّرْ له ، فعليه ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ في الحجِّ، وذلك قَبْلَ يَوْم
عَرَفَةَ ، فإِن كانَ آخر يومٍ من الأيام الثَّلاثةِ يومَ عَرَفَةَ ، فلا جُنَاحَ عليه ، ثم
لَيَنْطِقِ حتى يَقِفَ بعرفاتٍ من صلاة العصرِ، إلى أنْ يكونَ الظَّلامُ، ثم
لَيَدْفَعُوا من عرفاتٍ ، فَإِذَا أَفَاضُوا منها، حتى يَبْلُغُوا جْعاً ، الّذِي يُتَبَرَّرُ فِيهِ،
ثُم لَيَذْكُرُوا اللهَ كثيراً، ويُكثِرُوا من التَّكبير والتهليل، قبلَ أَنْ يُصبِحوا
( ثُمَّ أَفِيضُوا ) فإِنَّ النَّاسَ كانوا يُفْضُونَ، وقال الله عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ أَفِيضُوا
من حيث أَفاض النَّاسُ وَاسْتَغْفِروا الله، إنَّ الله غفُورٌ رحيم) [البقرة: ١٩٩]
حَتّى يَرْمُوا الْجَمْرَةَ. أخرجه البخاري(٢).
[ شرح الغريب]:
(هَدْيُهُ) الهديُ: السَّمْتُ والطريقةُ والسيرةُ.
٥٠١ (د - أبو أمامة التيمي رحمه الله) قال: كنتُ رجُلاً أكْري
في هذا الوجه ، وكان الناسُ يقولون لي: إِنه ليس لك حجٌّ ، فلقيتُ ابن
(١) قوله: ماتيسر له، جزاء للشرط، أي فقديته ما تيسر، أو عليه ما تيسر، أو بدل من الهدي، والجزاء
بأسره محذوف ، أي : ففديته ذلك ، أو ليفد بذلك .
(٢) ١٣٩/٨، ١٤٠ في التفسير، باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس.
- ٣٦ -

عمر ، فقلتُ: ياأبا عبد الرحمن ، إني رجل أكري في هذا الوجه ، وإنناساً
يقولون : إنه ليس لك حجٌ، فقال ابنُ عمر: أليس تُحرِمُ وتُلِّي، وتطوفُ
بالبيت ، وتفيض من عرفاتٍ ، وترمي الجمارَ ؟ قلتُ: بلى ، قال : فإنَّ لك
حجاً، جاء رجل إلى النبي ◌َ ◌ِّ فسأله عنْ مِثْلِ ما سألتني، فسكتَ رسولُ الله
فلم يُحِبْهُ حتى نزلتْ الآيَةُ: ( ليس عليكم جناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فضلاً من ربكم)
فأرسلَ إليه رسولُ اللّه ◌َ له، وقرأها عليه، وقال: لك حجٌّ)) أخرجه
أبو داود (١).
٥٠٢- (سعيد بن المسيب رحمه الله) قال: «أَقْبِلَ صهيبٌ مهاجراً
من مكةَ ، فأتبعه رجالٌ من قريشٍ ، فنزل عن راحلته، وانْتَئلَ ما في كِانَتِهِ ،
وقال: واللهِ لا تَصِلُونَ إِيَّ أَوْ أَربيَ بكلِّ سهمٍ معي، ثم أَضرِبُ بسيفي
ما يقِيٍ في يديّ، وإن شئتمْ دَالْتُكم على مالٍ دفنتْهُمُمكَةَ، وخلّيْ سيلي، ففعلوا، فلما
قدِمَ المدينة على رسول اللّهِ عَّ له نزلت: (ومن الناس من يشري نفسه
ابتغاء مرضاة الله ... ) الآية، فقال رسولُ اللّهِ عَّ: رَبِحَ البَيْعُ أَبا يحي،
وتلا عليه الاية)) البقرة: ٢٠٧ ذكره رزين ولم أجده في الأصول (٢).
[شرح الغريب]:
( راحلته ) الراحلة : البعير القوي على الأسفار والأحمال ، وسواء فيه
(١) رقم (١٧٣٣) في الحج، باب الكري، وإسناده قوي، وأخرجه أحمد في المسند رقم (٦٤٣٥)
والطبري رقم (٣٧٨٩).
(٢) ذكره البغوي وابن كثير في تفسير الآية بلا سند.
- ٣٧ -

الذّكرُ والأنثى .
(وانتثلَ ) الانتثال : استخراج مافيها من النُّشاب .
(كنانتهُ) الكنانة : الجُعبة .
٥٠٣ (وس - ابن عباس رضي الله عنهما) قال: ((لما نزل قوله
تعالى: ( ولا تقربوا مالَ اليقيم إِلا بالتي هي أحسنُ) [الأسراء: ٣٤]
وقولهُ : ( إِنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إِنما يأكلون في بطونهم ناراً
وسيِصْلَوْن سعيراً) [النساء: ١٠] انطلقَ من كان عندهُ يتيم ، فعزلَ طعامَهُ
من طعامهِ ، وشرابَهُ من شرابه ، فإذا فضَل من طعام اليتيم وشرابهِ شيءٍ،
حُبسَ له، حتى يأكلهُ أُو يَفسُدَ ، فاشتدَّ ذلك عليهم ، فذكروا ذلك
الرسولِ اللّهِ وَ له، فأنزل الله تعالى: (ويسألونَكَ عن اليتامى؟ قل: إِصلاح
لهم خيرٌ، وإِن ◌ُخالِطُوهم فإخوانُكم) [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم
بطعامهم، وشرابَهُم بشرَابهم ، أخرجه أبو داود والنسائي (١).
٥٠٤ (خ - نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما) قال: ((كان ابنُ عُمر
إِذا قرأ القرآنَ لم يتكلم حتى يفرغَ منهُ، فأخذتُ عليه يوماً (٢)، فقرأ سورة
(١) أبو داود رقم (٢٨٧١)، في الوصايا، باب مخالطة اليتيم في الطعام ، وأخرجه ابن جرير رقم
(٤١٨٣) والنسائي ٢٥٦/٦، ٢٥٧ في الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه، ورجاله
ثقات إلا أن عطاء بن السائب قد اختلط بأخرة، والراوي عنه - وهو جرير - قد سمع منه بعد
الاختلاط .
(٢) أي : أمسكت عليه، واستمعت لقراءته .
- ٣٨ -

البقرة ، حتى انتهى إلى مكانٍ، فقال: أَتدري فِيمَ أُنزِلِتْ؟ قلت: لا ، قال:
نزلت في كذا وكذا، ثم مضى)) أخرجه البخاريّ(١).
٥٠٥ - (غي - نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما) أنَّ ابن عمر قال:
(فَائْتُوا حر ثَكُمْ أَى شِئْتُمْ) قال: يَأْتِيَها في ... قال الحميدي: يعني في الفرج(٣).
أخرجه البخاري(٣).
(١/ ٨/ ١٤٠ في التفسير، باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، قال الحافظ: وقد أخرج هذه
الرواية اسحاق بن راهويه في مسنده وفي تفسيره بالاسناد المذكور يعني إسناد البخاري .
وقال بدل قوله: حتى انتهى إلى مكان، حتى انتهى إلى قوله ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)
فقال: أتدرون في أنزلت هذه الآية ! قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارمن ، وهكذا
أورده ابن جرير رقم (٤٣٢٦) من طريق اسماعيل بن علية عن ابن عون مثله ، ومن طريق
اسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي عن ابن عون نحوه . وانظر التعليق على الحديث الآتي .
(٢) قال الحافظ في الفتح ١٤١/٨: وهو من عنده بحسب مافهمه، ثم وقفت على سلفه فيه وهو البرفاني
فرأيت في نسخة الصغاني : زاد البرقاني: يعني الفرج ، وليس مطابقاً لما في نفس الرواية عن ابن عمر ..
وقد قال أبو بكر بن العربي في ((سراج المريدين)): أورد البخاري هذا الحديث في التغير فقال:
بأيتها في .. وترك بياضاً، والمسألة مشهورة صنف فيها محمد بن سحنون جزءاً، وصنف فيها محمد بن
شعبان كتاباً ، وبين أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها .
(٣) ١٤٠/٨، ١٤١ في التفسير، باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أُفى شئتم، قال الحافظ: وقد
أخرجه ابن جرير في التفسير رقم (٤٣٣١) عن أبي قلابة الرقاشي عبد الرحمن بن عبدالوارث حدثني
أبي .. فذكره بلفظ (( يأيتها في الدبر)) وهو يؤيد قول ابن العربي، ويرد قول الحميدي ،
نقول: وقد أفكر على ابن عمر رضي الله عنه ذلك، وبين أنه أخطأ في تأويل الآية ابن عباس رضي الله
عنه فقدروى أبو داود رقم (٢١٦٤) بندحن من طريق محمد بن اسحاق عن أبان بن صالح عن
مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - أوم إنما كان هذا الحي
من الانصار .. الحديث، وسيذكره المصنف رحمه الله بنصه قريباً ، والأحاديث الصحيحة الثابتة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحرم وطه المرأة في دبرها ترد هذا التأويل وتخطىء قائله،
وسيذكر المصنف بعضها .
=
- ٣٩ -

وفي رواية ذكرها رزين ، ولم أجدها، قال: (فَائْتُوا حرَتَكُمْ أَنَّى
شِئْتُمْ)، يأتِيْهَا في الفرجِ، إِنْ شاءَ مُجَبِيَةً(١)، أَو مُقْبِلَةَ، أَو مدْرَةً، غيرَ أَنَّ
ذلك في صِمَامٍ واحدٍ(٣).
[شرح الغريب]:
(حرْتَكُمْ) الحرث: كَنى به عن المرأة وإِيانها .
(أَنَّى شِئْتَمْ) بمعنى: متى شئتم، وقد يكون ((أَّى)) بمعنى: أَينَ في
غير هذا الموضع .
( مُجَبِّيَة ) التَّجْبيَةُ: أنْ ينكبَّ الإنسانُ على وجهه ، باركاً على
رُكْبَتَيْهِ.
= وقد اتفق العلماء على أنه يجوز للرجل إتيان الزوجة فى قبلها من جانب دبرها ، وعلى أي صفة كانت ،
وعليه دل قوله تعالى ( نساؤكم حرث لكم فائتوا حر ثكم أنى شئتم ) أي من لكم بمنزلة الأرض تزرع ،
ومحل الحرث: هو القبل. وفي الكشاف ((حرثكم)) مواضع حرث لكم، شبههن بالمحارث : !! يلقى
في أرحامهن من النطف التي منها النسل كالبذور، وقوله ( فائتوا حرفكم ) معناه: فائتوهن كماتتون
أراضيكم التي تريدون أن تحر ثوها، من أي جهة شئتم، لا يحظر عليكم جهة دون جهة، وهو من
الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة .
وقال الطبي : وذلك أنه أبيح لهم أن يأتوها من أي جهة شاؤوا ، كالأراضي المملوكة، وكنى بالجرث
ليشير إلى أن لا يتجاوز البتة موضع البذر، ويتجانف عن موضع الشهوة، فإن الدبر موضع الفوث
لا محل الحرث ، ولكن الأنجاس بموجب غلبة الأجناس يميلون إنبه ، ويقبلون عليه.
(١) أصل التجبية: أن يقوم الإنسان على هيئة الركوع، وقيل: هي الانكباب على الوجه كهيئة
الجود .
(٢) أخرجها مسلم في صحيحه رقم (١٤٣٥) (١٩) بمعناها من حديث جابر في النكاح، باب جواز جماع
امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر .
- ٤٠ -