النص المفهرس

صفحات 281-300

عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح: ((نعمت البدعة هذه ، لم)
كانت من أفعال الخير ، وداخلةَ في حيّز المدح ، سمّاها بدعةً ومَدحها ، وهي
- وإن كان النبيُّ عَ لَّه قد صلَّاها - إلا أنه تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع
الناس عليها ، فمحافظة عمر عليها، وجمعُه الناس لها ، وندبهم إِليها ، بدعةٌ ،
لكنها بدعةٌ محمودةٌ ممدوحةٌ .
٦٨ ( رت - المقدام بن معمر يكرب رضي الله عنه) قال: قال رسول الله
عَلَهِ: ((أَلا هلْ عَسَى رجلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عنّي، هو مُتَّكىُ على أَرِيكَتِهِ،
فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللْناهُ، وما وَجِدْنا
فيه حراماً حرَّمِنَاهُ ، وإن ما حرَّم رسولُ الله كما حَرَّمَ اللّهُ)) هذه رواية
الترمذي. ورواية أبي داود: قال: قال رسولُاللّه عٍَّ: (( أَلا إِني أوتيتُ هذا
الكتابَ ، ومثلَهُ معهُ، أَلا يُوشِكُ رُجُلٌ شَبْعان على أَرِيكَتِهِ ، يقولُ: عليكم
بِذَا الْقُرْآنِ، فما وَجِدُثُم فيه من حَلالٍ فَأَحِلُوهُ ، وما وجدُتم فيه من حرام
فَحَرَّمُوهُ، أَلَا لا يَحِلُّ لَكُمْ الحمارُ الأَهلِ، ولا كلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّاعِ، ولا
"لَقْطَةُ مُعاهدٍ، إلّ أَنْ يَستَغْنِيَ عنها صَاحِبُها ، ومن نَزَلَ بِقَومٍ ، فعليهم أن
يُقْرُؤُهُ، فإِن لم يُقْرُوهُ؛ فله أَن يُعْقِبَهُمْ بِمثل قِرَاهُ(١) ..
(١) أبو داود رقم (٤٦٠٤) في السنة: باب لزوم السنة، وسنده صحيح، والترمذي رقم (٢٦٦٦)
في العلم: باب رقم ٦٠ وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه أحمد في المسند ١٣٠/٤-١٣٢، وابن
ماجة رقم ١٢ في المقدمة : باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
- ٢٨١ -

[ شرح الغريب]:
(أريكته) الأريكة: السرير في الحَجَلَة، ولا يسمى منفرداً أريكة،
وقيل : هو كل ما أتكىءَ عليه .
( يوشك ) أَوَشكَ: إِذا أسرَعِ وَقَرُبَ، يوشكُ إِشاكاً .
( الْقَطَةُ) ما وجدْتَه مرميًّا في الأرض، لا تعرف له صاحباً .
( معاهد) المعاهد: الذي بينك وبينه عهدٌ وَمُوادعةٌ. والمراد به:
من كان بينه وبين المسلمين معاقدة وموادعة ، ومهادنة ، فلا يجوز أن تُتَملّكَ
لقطته ، لأنه معصوم المال ، يجري حكمه مجرى حكم الذمي .
( يقروه ) القرى: ما يُعدُّ للضيف النازل من النزل.
( يعقّبهم) ويُعقِبهم - مشدداً و مخففاً - بمعنى أنه يأخذ منهم، ويغنم
من أموالهم ، بقدر قِراه ، ومثله قوله تعالى: ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى
الكفار فعاقبتم) [الممتحنة: ١١] وعقبتم، أي: فكانت الغلبة لكم، فغنمتم منهم.
(أُوتيتُ) قال الخطابي في شرح هذا الحديث: قوله عِاللهِ ( أُوتِيتُ
هذا الكتاب ومثلَه)، يحتمل وجهين من التأويل .
أحدهما : أَن معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلوّ ، مثلَ
ما أُعطِيَ من الظاهر المتلو .
والثاني : أنه أوتي الكتاب وحياً ، وأوتي من البيان مثلَه ، أي : أُذن
له أن يبين ما في الكتاب ، فيعمّ ويخصّ، ويزيد عليه، ويشرع ما ليس في
الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلومن القرآن.
-٢٨٢-

وقوله : يوشك رجل شبعان على أريكته ، يقول : عليكم بهذا القرآن ،
فإنه عَطٍّ يحذَّر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنَّها هو ما ليس في القرآن.
وإنما أراد بالأريكة : صفَّةَ أصحاب الترُقُه والدَّعة الذين لزموا البيوت ، ولم
يطلبوا العلم من مظانه.
وقوله: (( إلا أن يستغنى عنها صاحبها، معناه: أن يتركها صاحبها لمن
يأخذها ، استغناءَ عنها. كقوله تعالى: (فكفَروا وتولَّوْا واستغنى الله)
[ التغابن: ٦] معناه: تركهم الله استغناء عنهم، وقوله: ((فله أن يعقبهم بمثل
قِراه ، هذا في الحال المضطر الذي لا يجد طعاماً ، ويخاف التلف على نفسه ،
فله أن يأخذ من مالهم بقدر قِراه ، عوض ما حَرَّمُوه من قراه .
٦٩ - (رت - أبو رافع رضي الله عنه) أنّ رسول الله عَ لّه قال:
« لا أَعْرِفَنَّ الرَّجلَ منكم يأتيه الأَمْرُ من أَمري: إمَّا أَمَرْتُ به، أَو نهيتُ
عنه ، وهو متكىء على أريكته ، فيقول ، ماَ ندري ما هذا ؟ عندنا كتابُ
الله، وليس هذا فيه . وما لرسول الله أن يقول ما يُخالفُ القرآن ، وبالقرآن
هَدَاه اللّهُ ». أخرجه الترمذي وأبو داود .
ولفظُهما أُخصر من هذا، وُهُوَ: أَنَّ رسولَ اللهِ عَظِّمُ قال: ((لا أُلْفِيَنَّ
أَحدَكُ متَّكئاً على أَرِيكَته، يأتيه أمري: مّ أمرْتُ به، أو نَهِيتُ عنه ،
فيقولُ: لا أُدْرِي ، ما وجدنا في كتاب اللّه أَتَبَعْنَاهُ ..
- ٢٨٣ -

واللفظ الأول تما وجدته في كتاب رزين (١) :
[ شرح الغريب]
(لاَأْلِفِيَنَّ) أَلْفَيتُ الشّيء أُلْفِيه: إذا وجد ◌َه وصادفته .
٧٠ - (فى م - أبو موسى الأشعري رضي الله عنه) قال: قال رسول
اللّه عٍَّ: (( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ (٢) أَصاب
(١) أبو داود رقم (٥ ٤٦) في السنة: باب لزوم السنة، والترمذي رقم (٢٦٦٦) في العلم: باب رقم
١٠، وإسناده صحيح. وقال الترمذي: حسن، وأخرجه أحمد ٨/٦، وابن ماجة في المقدمة
رقم ١٣ ٠
(٢) قال النووي في شرح مسلم، أما الغيث: فهو المطر، وأما العشب والكلأ والحشيش، فكلها أسماء
للنبات ، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والخلا - مقصوراً - مختصان بالرطب، و((الكلا))
بالهمز يقع على اليابس والرطب .
وقال الخطابي وابن عباس ((الخلا) يقع على اليابس ، وهذا شاذ ضعيف.
((والأجادب)» بالجيم والدال المهملة ، وهي التي لاتنبت كلاً .
وقال الخطابي: هي الأرض تمسك الماء ، فلا يسرع فيها التصوب.
قال ابن بطال وصاحب ((المطالع) وآخرون: هو جمع جدب، على غير قياس، كما قالوا: في حسن :
جمه محاسن، والقياس، أن محاسن جمع محسن، وكذا قالوا: (مشابه، في جمع شبه، وقياسه:
أن يكون جمع مشبه .
قال الخطابي ، وقال بعضهم: أحادب - بالحاء المهملة والدال - قال: وليس بشيء، وقال بعضهم:
أجارد - بالجيم والراء والدال - قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية.
قال الأصحي : الأجارد من الأرض ، مالا ينبت الكلأ، معناه: أنها جرداء يابسة، لا يسترها
النبات .
وقال بعضهم: إِنما هي ((إخاذات)) بالخاء والذال المعجمتين وبالألف، وهو جمع إخاذة ، وهي
الفدير الذي يحمل الماء .
وقدذكرصاحب ((المطالع)) هذه الأوجه التيذكرها الخطابي، فجعلها روايات منقولة، وقال القاضي عياض=
-٢٨٤ -

أرضاً، فكانت منها طائفَةُ طِيّبَةٌ، قَبِلَت الماءَ فَأَنْبَتَت الكَلاَّ والعُشْبَ الكثير
وكان منها أَجادبُ أَمْسَكَت الماءَ ، فنفع اللّهُ بها النّاسَ، فشربوا منها ،
وسَقَوْاُ ورَعَوْاً ، وأَصَبَ طائفَةٌ منها أُخْرى، إِنَّا هِي فِيعَانٌ لاتُمسِكُ ماءَ،
ولا تُنْبِتُ كَلَأَّ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين الله عزَّ وجلَّ، وَنَفَعَهُ ما بعثني
الله به ، فعلمٍ وعَلَم ، ومَثَلُ من لم يَرْفع بذلك رَأْساً ، ولم يقبل هدى الله الذي
أُرْسِلتُ به ». أخرجه البخاري ومسلم (١).
٧١ - (غ م - وعنه رضي الله عنه) أنّ رسولَ الله عَ لّه قال:" إِن
مَثَلِيٍ ومَثَلُ ما بعثني الله به ، كمثل رجلٍ أَتَى قَوْمَهُ فقال: إِنِّي رأيتُ الجيش
بِعَيْنَيَّ، وا إِني (٢) أَنا النَّذِيرُ العُريان، فالنَّجاءَ ، النَّجاءَ، فَأَطَاعهُ طائِفَةٌ من
= في الشرح: لم نرو هذه الحروف في مسلم، ولا في غيره، إلا بالدال المهملة، من الجدب ، الذي
هو ضد الخصب ، وعليه شرح الشارحون .
(١) البخاري ١٨٥/١ في العلم، باب فضل من علم وعلم. وملم رقم (٢٢٨٢) في الفضائل ، باب بيان
مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم وقد جاءفي «الفتح» ١٦١/١، قال القرطي
وغيره : ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ، لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في
حال حاجتهم إليه ، وكذا حال الناس قبل مبعته، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت ، فكذا علوم
الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين ، بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم،
فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فتفعت غيرها ، ومنهم الجامع للعلم المستغرق
لزمانه ، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيا جمع لكنه أداء لغيره ، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر
فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله («نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمها))، ومنهم
من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي
لا تقبل الماء أو تفده على غيرها، وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكها
في الانتفاع بها ، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها ، والله أعلم.
(٢) زيادة من البخاري ومسلم.
- ٢٨٥ -

قَوْمِهِ ، فَأَرْلَجَوا ، فانطلقوا على مَهْلِهِمْ فَنَجَوا ، وكذَّبت طائفةٌ منهم، فأصبحوا
مكانَهم ، فحبّحهم الجيش فأهلكهم ، واجْتَاحُهُم ، فذلك مثل من أطاعني ،
وأَنْبَعَ مَا جِئْتُ به ، ومَثَلُ مَن عصاني، وكذَّبَ ما جئتُ به من الحقِّ ..
أخرجه البخاري ومسلم (١).
[ شرح الغريب]:
( الكلأ) : العشب ، وسواء يابسُهُ ورَ طْبُه.
(أجادب) قال أبو عبد الله الحميدي - صاحب كتاب« الجمع بين
الصحيحين، في شرح غريب كتابه - الذي رأيناه من الروايات في هذا الحديث:
أجادِبُ ، بدال قبل باء، قال: وحكاه الهروي في الجمع بين الغريبين :
أجارد ، براء قبل دال ، يقال : مواضع منجردةٌ من النبات ، ويقال : مكان
أَجْرَدُ ، وأرضٌ جرداء: إذا لم تُنْبِت ، والحديث يدل على أن المراد به:
الأرض الصلبة ، التي تُمسِك الماء .
قلت : وقال الجوهري في كتاب ((الصحاح، ، يقال : فضاء أجرد،
لا نبات به ، والجمع أجارد، إلا أن لفظة الحديث في الروايات « أجادبُ،
ولعلى لها معنى لم يعرف ، والله بلطفه يهدي إليه .
قلت: وذكر الهروي رحمه الله أيضاً في كتابه ، في موضع آخر
(١) البخاري ٩٨/١٤ في الرفاق: باب الانتهاء عن المعاصي، ومسلم رقم (٢٢٨٣) في الفضائل: باب
شفقته على الله عليه وسلم على أمته .
- ٢٨٦ -

(( وكانت فيها إخاذات أمسكت الماء)) وقال: الإخاذات : الغُدْران التي
تأخذ ماء السماء ، فتحبسه على الشاربين ، واحدتها : إخاذة ، وهذا مناسبٌ
للفظ الحديث ، فإنه قال: (( وكان منها أجادبُ أمسكت الماء ، فنفع الله به.
ے
الناس ، وشربوا منه )) والله أعلم .
قال الخطابي: وأما (( أجادب)) فهو غلط وتصحيف ، قال: وقد روي
أحادب بالحاء المهملة والباء.
(النَّجَاءَ ) أي: اطلبوا الخلاص ، وأنجوا أنفسكم وخلصوها.
( فاجتاحهم ) استأصلهم ، وهو من الجائحة التي تهلك الأشياء.
( القيعان ) جمع قاع، وهو المستوي من الأرض.
( النذير العريان ) الذي لا ثوب عليه، وخص العريان ، لأنه أَبَيَنُ في
العين ، وأصل هذا: أن الرجل منهم كان إذا أنذر قومَه ، وجاء من بلد بعيد
انسلخ من ثيابه ، ليكون أبينَ للعين .
(أدْجُوا) إذا خُفَّف - من أدلجُ يُدْلج - كان بمعنى: سار الليل كله،
وإذا ثقل ـ من ادّلج يدَّلج ـ كان إذا سار آخر الليل.
٧٢ - (خ م ت - أبو هريرة رضي الله عنه) أنّه سَمِعَ رسولَ اللهِ مَلّه
يقول: ((إِنما مَثَلٍ ومَثَل النّاسِ، كمثل رجلٍ استوقَدَ ناراً، فلمّا أَضاءَتْ
ما حَوْلَهُ ، جعَلَ الفَراشُ وهذي الدوابُ ، الّتي تقع في النّار ، تَقَع فيها،
- ٢٨٧-

فَبَعَلَ يَنْزِعُنَّ(١) وَيَغْلِفَهُ، فَيَتَقَخَّمْنَ(٢) فيها، فأَنا آخِذُ بِحُجَزِكُ(٣) عن النّارِ،
وأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ(٤) فيها » . هذه رواية البخاري .
ولمسلم نحوُها ، وقال في آخرها . فَذلك مثلي ومثلكُم، أَنا آخذٌ
بِحُجَز كم عن النار، هُمَّ عن النَّارِ، هُمَّ عن النَّار، فَتَغْلِبُونِي (٥) ونَقَحَّمُونَ(٦) فيها ».
وأخرجه الترمذي بنحوه (٧) .
٧٣ (- م - جابر رضي الله عنه) قال: قال رسول الله عَله: ((مثلي
(١) وفي رواية يزعهن ، أي : يدفعهن.
(٢) في المطبوع: يقتحمن .
(٣) الحجز: جمع حجزة، وهي معقد الإزار، وحجزة السراويل (معروفة.
(٤) في المطبوع : تقتحمون .
(٥) في مسلم: فتغلبوني تقحمون فيها ..
(٦) «التقحم)) الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم («أنا آخذ بحجزكم )) فروي بوجهين: أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء
وتنوين الذال ، والثاني : فعل مضارع بضم الذال بلا تنوين ، والأول : أشهر ، وهما صحيحان .
وأما « تغلتون» فروي بوجهين ، أحدهما : فتح التاء انثناة والفاء واللام المشددة، والثاني: ضم
التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة - تفلتون - وكلاهما صحيح، يقال: أفلت مني وتفلت: إذا
نازعك الغلبة والهرب ، ثم غلب وهرب ، ومقصود الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم ، أرسله الله
ليمنع بقدر طاقته تساقط الجاهلين والمخالفين بشر كهم وبمعاصيهم وشهواتهم في غضب الله وعذابه في
الدنيا ، وفي نار الآخرة، وهم حريصون بعمى بصائرهم وجاهليتهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم
وقبضه على مواضع المنع منهم، فهم يتساقطون في الفاد تساقط الفراش في النار، لهوام وضعف
تمييزهم ، فكلاهما حريص على هلاك نفسه ، ساع في ذلك .
(٧) البخاري ١٠٠/١٤ في الرفاق: باب الانتهاء عن المعاصي، و٢٧٤/٧ في حديث الأنبياء: باب قوله
تعالى: (ووهبنالداود سليمان)، وأخرجه مسلم رقم (٢٢٨٤) في الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه
وسلم على أمته، والترمذي رقم (٢٨٧٧) في الامثال: باب رقم ٧ .
- ٢٨٨ -

ومثلكم كمثل رجل أَوْقَدَ ناراً، فَجَعَلَ الْجْتَادِبُ والفَرَاشُ يَقَعْنَ فيها ،
وُهُوَ يَذْبُهُنَّ عنها، وأنا آخِذُ بُحُجَزٍكم عن النار، وأَنْتَمَ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي)).
أخرجه مسلم(١) .
[ مشرع الغريب]:
(الجنادب ) جمعُ جُندُب، وهو طائر كالجراد، يَصرُّفي الحرِّ.
( تَفلَّتون) التفلَّت والانفلات : التخلص من اليد.
٧٤ - (غ - ابن مسعود رضي الله عنه) قال: إِنَّ أحسنَ الحديث
كِتَابُ اللهِ، وأَحسنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مَّدٍ عٍِّ، وشَرُّ الأُمورِ مُحْدَثاتها ، وإِنَّ
مأتُوعدونَ لآتٍ ، وما أَنْتُم بمعجزين. أخرجه البخاري(٢).
[ شرح الغريب: ]
(الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: الطريقة والسِّيرةُ.
٧٥ - (خ م , - عائشة رضي الله عنها) قالتْ: قال رسولُ الله عَّ اله
((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرنا هذا ما لَيْسَ مِنْهُ فهو رَدٌ)).
وفي رواية «منْ عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا، فَهو رَدٌ)). أخرجه
(١) رقم (٢٢٨٥) في الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته.
(٢) ٩/١٧ في الاعتصام: باب الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و١٢٥/١٣ في الأدب:
باب الهدي الصالح .
- ٣٨٩ -
٦-١٩

البخاري ومسلم وأبو داود(١) .
[ شرح الغريب]:
( فهو رَدّ) أمرٌ ردُّ: إذا كان مخالفاً لما عليه السُّنة.
٧٦ - (د - أبو ذر رضي الله عنه) قال: قال رسول الله عَ﴾ ((مَنْ
فارقَ الجماعَةَ شِبراً(٢)، فقَدْ خَلَعَ ر بْقَةَ الإسلام من عُنُقه. أخرجه أبوداود. (٣)
[شرح الغريب]:
(رِبقة الإسلام) أراد بربقة الإسلام : عقد الإسلام ، وأصله :
أَن الرّبق: حَبْل فيه ◌ِعِدَّ ◌ُعُرى، ◌ُشَدُّ بها الغنم، الواحدة من العُرَى: رِبِقَةٌ.
٧٧ - (غى - علي رضي الله عنه) قال: أَقْضُوا كما كُنْتُ تَقْضونَ،
(١) البخاري تعليقاً بصيغة الجزم ٢٩٨/٤ في البيوع: باب النجش ووصله في الصلح ٢٢١/٥: باب
إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ، ومسلم رقم (١٧١٨) في الأقضية : باب تفض الأحكام
الباطلة، وأبو داود في السنة: باب لزوم السنة ٥٠٦/٢، وأخرجه ابن ماجة في المقدمة: باب تنظيم
حديث رسول الله صلى الله عليه وسام رقم ١٤.
(٢) في سنن أبي داود : قيد شبر .
(٣) في السنة: باب في قتل الخوارج رقم (٤٧٥٨)، وأخرجه أحمد ١٨٠/٥، وفي سنده عندهما خالد بن
وهبان ، وهو مجهول ، لكن يشهد له حديث الحارث الأشعري الطويل ، فيصح به ، وفيه
(« فإنه من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه إلا أن يراجع»،
أخرجه الإمام أحمد ٣٤٤/٥، والترمذي رقم ( ٢٨٦٧) في الامثال: الباب الثالث ،
وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ٢٢/١؛ على شرطها، ووافقه الذهي، وصححه
ابن خزيمة وابن حبان .
- ٢٩٠ -

فإِنِّي أَكْرَهُ الْخِلافَ(١)، حتَّى يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَأَموت كما ماتَ أَصْحابي.
فكان ابنُ سيرين يرى عامَّةَ ما يَرَؤُونَ عن عليّ كذباً. أخرجه البخاريّ(٢).
٧٨ - (فى ت - أنس بن مالك رضي الله عنه) قال الزهريّ: دخلتُ
على أَنسٍ وهو يبكي ، فقلت: مايبكيكَ؟ قال: لا أعرف شيئاً مَّا
أَدْركْتُ ، إِلا هذه الصلاةَ ، وهذه الصلاةُ قد صُنْيُعَتْ.
وفي أُخرى : قال أَنسُ: لا أَعْرِف شيئاً مما كان على عهد رسول الله
نَّهِ. قِيلَ: الصلاة(٣)؟ قال: أَليس صَنَعُم ما صنَعتم فيها؟ أخرجه البخاريّ
وأخرجَ الثانية الترمذيّ(٤).
وهذه أحاديث وجدتها في كتاب رزين ، ولم أجدها في الأصول .
٧٩ - (أبو هريرة رضي الله عنه) دَخلَ السُّوقَ فقالَ : أَراكم هاهنا
وميراثُ محمد عَ طَّهُ يُقسمُ في المسجد؟! فذهبوا وانصرفوا، فقالوا: ما رأينا
(١) في البخاري: الاختلاف؛ أي: الذي يؤدي إلى النزاع.
(٢) ٧٥/٨ في المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(٣) قال الحافظ: أي: قيل له: الصلاة هي شيء مما كان على عهده صلى الله عليه وسلم وهي باقية
فكيف يصح هذا السلب العام ؟ فأجاب بأنهم غيروها أيضاً بأن أخرجوها عن الوقت ، وهذا الذي
قال لأنس ذلك يقال له: أبورافع ، بينه أحمد بن حنبل في روايته لهذا الحديث عن روح عن عثمان بن
سعد عن أنس ... فذكر نحوه، قال أبو رافع: يا أباحمزة، ولا الصلاة !فقال له أنس: قد علمتم ماصنع
الحجاج في الصلاة .
(٤) البخاري ١٥٢/٢ في مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها، والترمذي رقم (٢٤٤٩)
في صفة القيامة والرقائق والورع . باب بئس العبد عبدسها ولها ونسي المقابر والبلى . قال الترمذي:
حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أبي عمر الجوني ، وقد روي من غير وجه عن أنس.
- ٢٩١ -

شيئاً يُقْسَمُ، رأينا قوماً يقرؤون القرآن، قال: فذلكم ميراثُ نبيكم(١).
٨٠ - ( ابن مسعود رضي الله عنه) قال: مَن كانَ مُسْتَّا ، فَلْيَسْتَنَّ بمن
قد ماتَ ، فإنَّ الحيَّ لأُتَوَ منُ عليهِ الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمد عَظِلِّ ، كانوا
أفضلَ هذه الأمة: أبرَّها قلوباً ، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً ، اختارهم الله
لصحبة نبيِه ، ولإقامةٍ دينهٍ ، فاعرِفِوا لهم فضلَهم ، واتبعُوهم على أثرهم ،
وتمسّكوا بما استَطَعُثُم من أخلاقِهم وسيَرِهِمْ فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم (٢).
[ شرح الغريب ]:
( مُسْتَنَّا) المستَنَّ : الذي يعمل بالسُّنة، سنَّ واستنَّ .
٨١ - (ابن عباس رضي الله عنهما) مَن تَعَلّمَ كتابَ اللهُ ثُمَّ أَتَبَعَ مافيه
هداهُ اللهُ من الضَّلاَلَةِ في الدنيا ، ووقاه يوم القيامة سوءَ الحساب .
وفي رواية قال : من اقتدى بكتاب الله ، لا يَضِلُّ في الدنيا ولا يَشقى
في الآخرةِ ، ثم تلا هذه الآية (فمن أَتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشقى).
[ طه : ١٢٣ ].
٨
٨٢- (عمر بن عبد العزيز رحمه الله) يَنْمِيهِ إلى عمر بن الخطاب أنهُ قال:
تركثم على الواضحة ، ليلها كنهارها ، وكونوا على دين الأعراب وغلمان
(١) أورده الحافظ الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ١٢٤،١٢٣/١. باب فضل العالم والمتعلم، من رواية
الطبراني في «الأوسط)) وقال: إسناده حسن .
(٢) أخرجه أبو عمر بن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله» ٩٧/٢ والهروي ورقة ٨٦ وفيه من
طريق قتادة عنه ؛ فهو منقطع .
- ٢٩٢-

الكُتَّاب (١).
[ شرح الغريب] :
(يَنْمِيه) غَيْتُ الشيء أنميه إليه: إذا أَسْنَدْتَه إليه ورفعته .
( الواضحة) البينة ، وهي صفة لمحذوف ، تقديره : على الملة الواضحة
الظاهرة .
( دين الأعراب) أراد بقوله: « دين الأعراب والغلمان والصبيان))
الوقوف عند قبول ظاهر الشريعة ، واتباعها من غير تفتيش عن الشبه ، وتنقير
عن أقوال أهل الزيغ والأهواء ، ومثله قوله : ( عليكم بدين العجائز)).
٨٣- ( على بن أبي طالب رضي الله عنه ) تُرِكّم على الجادّةِ: منهجٍ عليه
أُمّ الكتابِ .
الباب الثاني
في الاقتصاد والاقتصار في الأعمال
٨٤ - (غ مر سى - أنس بن مالك رضي الله عنه) جاء ثلاثة رهط
(١) أخرج أحمد ١٢٦/٤ وابن ماجة في المقدمة رقم ٤٣ باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين من
حديث العرباض بن سارية مرفوعاً ((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي
إلا هالك)» وفي سنده عبد الرحمن بن عمرو السلمي لم يوثقه غير ابن حبان ؛ وذكره المنذري في
الترغيب والترهيب)» ٤٦/١ عن ابن أبي عاصم في كتاب السنة وقال: إسناده حسن.
- ٢٩٣ -

إلىُ بيوتٍ أزواج النبيّ نَّهِ، يسألون عن عبادة النبي ◌ٍَّ، فلما أُخبِرِوا
كأنهم تَقَالُوها، قالوا: فأينَ نَحنُ مِن رسول الله عَنِّ، وقد غفِرَ له ما تقدَّم
من ذنبه وما تأخّر؟ قال أحدُهم: أَمَّا أَنَا فَأُصَّ اللَّيلَ أَبداً، وقالَ الآخرُ، وأَنا
أَصُومُ الدَّهرَ ولا أُفْطِرُ ، وقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولا أَتَزَوَّجُ أَبداً،
فجاءَ رسولُ اللهِ عٍَّ إليهم، فقال: ((أنتم الذين قُلْم كذا وكذا ؟ أَمَا والله،
إني لأَخْشاكُم لله، وأتقاكم له ، ولكني أَصُومُ وأَنْطِرُ ، وَأُصَّ وَأَرْقُدُ،
وأَتَزَوَّجُ النَّسَاءَ ، فَنْ رِغِبَ عَنْ سُنَّي فليس مَّي .. أخرجه البخاريّ ومسلم.
وأخرجه النسائي، وهذا لفظه: أَنَّ نَفراً من أصحاب رسول الله بِّ لِ قال
بعضُهم: لا أَتَزَوَّجُ [ النساء](١)، وقال بعضهم: لا آكُلُ اللحم، وقال
بعضهم : لا أنام على فراش ، وقال بعضهم: أصومُ ولا أُفْطِرُ، فبلغ ذلك
رسولَ الله عَاللّهِ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « ما بالُ أقوامٍ يقولون
كذا وكذا؟ لكني أُصٍَّ وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النساءَ، فَمنْ
رَغِبَ عن سُنَّي فليس مِي(٢))) .
(١) زيادة من النسائى.
(٢) البخاري ٤/١١ في النكاح، باب الترغيب في النكاح. ومسلم رقم (١٤٠١) فيه . باب
استحباب النكاح، والنسائي ٦٠/٦ في النكاح أيضاً باب النهي عن التبتل قال الحافظ في «الفتح»: وفي
الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه ، وفيه تتبع أحوال الاكابر للتأسي بأفعالهم، وانه إذا
تعذرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء ، وأن من عزم على عمل بر واحتاج إلى
إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك منوعاً ، وفيه تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل
العلم وبيان الأحكام للمكلفين وإزالة الشبهة عن المجتهدين، وان المباحات قد تنقلب بالقصد إلى
الكراهة والاستحباب .
- ٢٩٤ -

[شرح الغريب]
( تقالوه ) التَّقال: تفاعل من القلّة ، كأنهم استقلوا ذلك لأنفسهم من
الفعل ، فأرادوا أن يُكثِروا منه.
( رغب عن الشيء ) الرَّغبةُ في الشيء: إِيثاره ، والميل إليه ، والرغبة
عنه : تركُه ، والصدوف عنه .
٨٥ - (خ م - عائشة رضي الله عنها) قالت: صَنَعَ رسولُ الله عَلَه
شيئاً فَرَخَّصَ فيه، فَتَزَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذلك رُسُولَ اللهٍِّ، فَخَطَبَ ،
فَحَمِدَ الله [وَأَثْنَى عَيْهِ(١]، ثمَّ قال: مابالُ أَقْوَامٍ يَتَزَّهونَ عن الشيءِأَصْنَعُهُ،
فَوَالله إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِلهِ، وأَشَدُّهُمْ لِهُ خَشْيَةً)) أخرجه البخاريّ ومسلم(٣).
[ شرح الغريب]:
( فَتَنَزَّ ) التنزه: التباعد عن الشيء ، أي : أنهم تركوه ولم يعملوا به ،
ولا اقتدَوا برسول الله عَّ ◌ُلّهِ فيه .
٨٦ - (د- عائشة رضي الله عنها) قالت: بَعَثَ رسولُ الله عَ لَه إِلى
(١) زيادة ليست في البخاري ومسلم .
(٢) البخاري ١٢٦،١٢٥/١٣ في الأدب: باب من لم يواجه الناس بالعتاب، وفي الاعتصام: باب
ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، وأخرجه مسلم رقم (٢٣٠٦) في الفضائل :
باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته، قال الحافظ في «الفتح)): ٠١٢٨/١٣
وفي الحديث الحث على الاقتداء بالني صلى الله عليه وسلم ، وذم التعمق والتنزه عن المباح، وحسن
العشرة عند الموعظة والاذكار والتلطف في ذلك .
- ٢٩٥ -

مُثْنَ بْنِ مَظْعُونِ: ((أَرْغَبَةً عَن ◌ُسنَّي؟)) فقال: لا، والله يارسول الله، ولكن
◌ُنَّكَ أَطْلُبُ، قال: ((فإِي أَنَامُ، وأُصَلّ، وَأَصومُ، وأَقْطِرُ، وأَنْكِحُ النّساءِ،
فَأَتْقِ اللهَ يأعْثمانُ ، فإِنَّ ◌ِأَهْلِكَ عليك حقًّا ، وإنَّلَنَفْسِكَ عليك حقّاً، فَصُمْ
وَأَفْطِرْ، وَصَلُّ ونَمْ، أخرجه أبو داود(١).
وَوَجَدْتُ في كتاب رزين زيادةً لم أجدها في الأصول، وهي :
قالت عائشة: وكان حَلَفَ أَنْ يَقُومَ الليلَ كلَّهُ ، ويصومَ النهار ، ولا
ينكحَ النساءَ، فسألَ عن يمينه، فتَزَلَ (لا يُؤَاخِذُ كُمْ اللهُبِلَّغْوِ فِي أْمَانِكُمْ)(٢).
[ البقرة : ٢٢٥ ]
وفي رواية أنه هو الذي سألَ رسولَ الله عَّ اللّهِ عما نواه، قبل أن
يَعزِمَ، وهو أصحُ.
ووجدتُ له فيه عن عائشة قالت: كانَ رسولُ الله ◌ٍَّ إذا أَمرُ هم
(١) رقم (١٣٦٩) في أبواب قيام الليل، باب ما يؤمر به من القصد بالصلاة ورجاله ثقات إلا أن فيه
عنمنة ابن إسحاق لكن يشهد له أحاديث صحاح .
(٢) للعلماء في المراد باللغو ماهنا خمسة أقوال ،
أحدها : أن يحلف على الشيء يظن أنه كما حلف، ثم يتبين له أنه بخلافه، وإلى هذا المعنى ذهب أبو هريرة
وابن عباس والحسن وعطاء والشعي وابن جبيرومجاهد وقتادة والسدي عن أشياخه ، ومالك ومقاتل.
والثاني أنه قول الرجل: لا والله، وبلى والله من غير قصد لعقد اليمين، وهو قول عائشة وطاوس وعروة
والتخي والشافعي .
والثالث: أنه يمين الرجل وهو غضبان، رواه طاوس عن ابن عباس.
والرابع : أنه حلف الرجل على معصية فليحنث وليكفر ولا إثم عليه قاله سعيد بن جبير .
والخامس: أن يحلف الرجل على شيء ثم ينساه، قاله النخعي. انظر زاد المسير ٢٥٤/١، ٢٥٥ لابن
الجوزي بتحقيقي مع الاستاذ شعيب الأرنؤوط .
- ٢٩٦ -

أمرهم من العمل بما يُطِيقُون، قالوا: لَسنا كهيئتِكَ، إِنَّ الله عزَّ وجلَّ قد
غفر لك ما تَقدَّمَ من ذنبك وما تأخر، فيغضَبُ، حتى يُعْرَفَ الْغَضَبُ في
وجهه، ثم يقول: (( إنَّ أَتقاكُم وأَعلمكم بالله أَنَا(١)).
٨٧ - (فى م (س - عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما) قال:
أُخْبِرَ رسولُ الله ◌ِّهِ: أَنِّي أَقُولُ: والله لَأَصُومَنَّ النهارَ، ولَأَقُومَنَّ اللَيلَ
ما عِشْتُ ، فقالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((أَنتَ الَّذي تَقولُ ذلكَ ؟ » فقلت له :
قد قلتُه، بأبي أنتَ وأُمِّي يارسولَ الله ، قال: ((فإِنكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلِكُ، فَهُمْ
(١) الحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» ٦٧/١ في الايمان: باب قول التي صلى الله عليه وسلم: « أنا أعلكم
بالله)). وهو من غرائب الصحيح لا يعرف إلا من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .
قال الحافظ في ((الفتح)» وفي هذا الحديث فوائد.
الأولى: ان الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراقب السنية من رفع الدرجات ومحو الخطيئات ، لأنه
صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم استدلالهم، ولا تعليلهم من هذه الجهة، يل من الجهة الأخرى .
الثانية : أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها ، كان ذلك أدعى له إلى المواظبة عليها استبقاء
للنعمة ، واستزادة لها بالشكر عليها .
الثالثة: الوقوف عند ما حدد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع
أولى من الأشق المخالف له .
الرابعة : أن الأولى من العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى الترك.
الخامسة : التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير .
السادسة : مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي ، والافكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا
قصر في الفهم تحريضاً له على التيقظ .
السابعة : جواز تحدث المرء بما فيه من الفضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة والتعاظم .
الثامنة : بيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة الكمال الإنساني، لأنه منحصر في الحكمتين
العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله: ((أعلمكم)) وإلى الثانية بقوله: («أتقاكم)).
- ٢٩٧ -

وَأَفْطِرْ، ونَمْ، وَثُمْ، وَهُمْ من الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بعشْرِ أَمثالها،
وذلك مِثْلُ صيام الدَّهر » ، قُلتُ: إِنِّي أَطِيقُ أَفْضَل من ذلك، قال: (( فصُم يوماً
وأَفْطِرْ يُومَيْنِ » ، قلت: فإِنِّي أُطيقُ أَفضلَ من ذلك، قال: «فصُم يوماً وأَفْطِرْ
يوماً ، فذلك صيام دَاوُدَ عليه السلام ، وهو أَعدَلُ الصيام » - وفي رواية:
أَفْضَلُ الصِّيام - قلتُ: فإِنِي أُطِيقُ أَفضَلَ من ذلك، فقال رسول الله بِّهِ:
(« لا أَفْضَلَ من ذلك».
زادَ في روايةٍ ، قال عبد الله بن عمرو، لأَنْ أَكونَ قبلتُ الثَّلاثَةَ الأيامَ
الَّيِ قالَ رسولُ الله ◌ٍِّ ، أَحبُّ إليَّ من أهلي ومالي ..
وفي رواية أخرى. قال: قال لي رسول الله عَّةٍ: ((أَلْ أُخْبَرْ أنك
تصومُ النهار، وتقومُ الليل؟. قال: قلت: بلى يارسول الله، قال: (( فلا
تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، ونَ وُثُم، فإِنَّ لجسدك عليك حقّاً، وإنَّ لِعِينِكَ عليك
حقّاً ، وإنَّ لزوَجِك عليك حقّاً، وإِنَّ لزوْرِك (١) عليك حقّاً ، وإنَّ بَحَسْئِك
أَن تَصُومَ من كل شهر ثلاثةَ أيام، فإِنَّ لكَ بُكُلُ حسَنةِ عَشْرَ أَمثالها، فإِذاً ذلك(٢)
صيامُ الدَّهرِ» . فَشَدَّدْتُ فَشُدُدَ عَلَيَّ، قلتُ: يارسولَ اللهِ: إِّي أَجِدُ قُوَّةً،
قال: (( صُمْ صيامَ فِيّ الله داود عليه السلام، لا تزد عليه)). قلت: وما كان
(١) الزور: الزائرون ، يقال: رجل زائر، وقوم زور، وزوارمثل مسافر وسفر وسفار، ونسوة زور
أيضاً ، وزور - مثل نوم ونوح - زائرات صحاح .
(٢) («فإذا ذلك)) روي ((إذا)) بالتنوين، وبلفظ «إذا » التي المفاجأة.
- ٢٩٨ -

صيامُ داود؟ قال: ((نصف الدَّهرِ))، فكان عبد الله يقول بَعدَ ما كَبِرَ:
يا ليتني قَبِلتُ رُخصَةَ النّيّ مَله.
وفي أخرى قال :· أَلم ◌ُخبَرَأَ نَكَ تَصوم الدَّهر، وتَقْرَأُ القرآنَ كلَّليلة؟))
فقلتُ: بلى، ياَنَبِيَّ الله، ولم أُرِدْ بذلك إلّ الخيرَ، وفيه قال: ((فصمْ صوم
داودَ، فإنهُ كان أَعبد النَّاس)) - وفيه قال -: ((واقرأ القرآن في كل شهرٍ»،
قال: قلتُ: يانبيَّ الله، إني أُطيقُ أَفضلَ من ذلك، قال: «فاقرأُهُ في كلِّ
عشرين)) ، قال : فقلتُ: يانبيَّ الله ، إني أطيقُ أَفضلَ من ذلك، قال: «فاقرأُهُ
في عشرٍ))، قلت: يانبيَّ الله، إني أطيقُ أَفضل من ذلك، قال: «فاقرأهُ في
◌َبعٍ ، لا تزِدِ على ذلكَ)). قال: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّد عَلَيَّ، وقال لي النبي ◌ِّه :
(إِنك لا تدري لَعلَّكَ يَطولُ بكَ عُمرٌ))، قال: فصرتُ إِلى الذي قال لي
رسول الله نَّهِ، فلما كبِرْتُ وَدِدْتُ أَني كنتُ قَبِلْتُ رُخصَة فِيَّ الله ◌َله.
زاد مسلم «فإنَّ لِوَلْدِكَ عليك حقًّا)).
وفي أخرى: قال النبيُّ بِّهِ: " إِنكَ لَتَصومُ النَّهَارَ، وتقومُ الليل؟))
قلت: نعم ، قال: ((إذا فعلتَ ذلك ◌َجَمَتْ لَهُ الْعَيْن، ونَفَهَت له النّفْسُ،
لا صامَ من صامَ الأَبَد، صومُ ثلاثةِ أَيامٍ صومُ الدَّهر كلّهِ». قلت: فإني
أطيق أكثر من ذلك ، قال: «فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ويُفْطُرُ يوماً،
ولا يَفِرُّ إِذا لاَ قى (١))).
(١) أي: إذا لاقى العدو، أي : لا يهرب من قتال الكفار .
-٢٩٩-

وزاد في رواية: ((من لي (١) بهذه يانيَّ الله؟)).
وفي رواية نحوه ، وفيه (( وُصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر
تسعة )) - وفيه - فقال النبيُّ ◌ٍَّ: ((لا صامَ من صامَ الأَبَدَ، ثلاثاً.
هذه روايات البخاري ومسلم . ووافقهما أبو داود على الرواية الأولى.
والنسائيّ على الأولى والثانية. وألفاظُهُم جميعُهم متقاربة باتفاق المعنى.
وأخرج البخاري والنسائيّ عنه .
قال البخاري : قال عبد الله بن عَمْرو: أنكَحَني أبي امرأة ذاتَ حسبٍ،
وكان يتعاهدُ كَنَتَهُ، فيسألها عن بَعْلها، فتقول له: نِعْمَ الرّجلُ من رجلٍ
لم يطَأُ لنا فراشاً، ولم يُفَتِّ لنا كَنَفاً مُذْ أَ تَيْنَاهُ ، فَلَمّا طالَ ذلك عليه ، ذكر
ذلك للنبيّ عَّه، فقال: ((أَلْقِي به)). فلقيتُهُ بَعدُ ، فقال « كيف تصوم؟))
قلت: كلَّ يومٍ. قال: ((وكيفَ تَخْمُ؟» قلت: كلَّ ليلة، فقال: (( صُم كلّ
شهرٍ ثلاثةَ أَيَّامٍ ، واقرأ القرآن في كل شهرٍ ). قال: قلت: فإني أطيق أَكثَرَ
من ذلك ، قال: ((صُم ثلاثةَ أَيَّامٍ في الجمعةِ)). قال: قلت: أطيق أكثر من
ذلك، قال: ((أفطر يومين وصم يوماً)). قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك ،
قال: (صم أفضلَ الصوم ، صوم داود: صيامَ يوم، وإفطارَ يومٍ. واقرأْ في
كل ◌َبْعٍ ليالِ مرَّةً))، قال: فَلَيْتَني قَبِلتُ رُخصَةَ رسول الله بِلّه، وذلك
(١) أي: من يكفل لي بهذه الحملة التي لداود عليه السلام، لا سيما عدم الفرار والصبر والثبات عند
لقاء العدو .
- ٣٠٠ -