النص المفهرس

صفحات 181-200

منهم: الشافعيّ، ومحمد بن ابراهيم بن دينار)، وأبو هاشم المغيرة بن عبدالرحمن
المخزوميّ ، وأَبو عبد الله عبدُ العزيز بن أبي حازم ، وعثمان بن عيسى بن كنانة
- هؤلاء نُظَراؤه من أَصحابه - وَمَعْنُ بن عيسى القَزَّاز، وأَبو مروان عبدالملك
ابن عبد العزيز المَاجِشُون، ويحيى بن يحيى الأندلسي - ومن طريقه رَوَينا
(الموطأ) -وعبد الله بن مَسلمة الْقَعْنَيّ، وعبد الله بن وَهَب، وأَصْبَغْ بن الفَرَج،
وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده .
وهؤلاء مشايخ البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، وأحمد بن
حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم من أئمة الحديث .
قال مالك [ رحمة الله عليه ]: قلَّ مَنْ كَتَبْتُ عنهُ العلم ، مَامَاتَ حتى
يجيشي ويَسْتَفتِيني .
١
وقال بكْرُ بن عبد الله الصَّنْعَاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثناعن
ربيعة بن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم : ما تصنعون
بربيعة ، وهو نائم في ذلك الطاق ؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟
قال : نعم. قلنا : الذي يحدث عنك مالك بن أنس ؟ قال: نعم ، قلنا : كيف
حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟! قال: أما علمتم أن مثقالاً من دَوْلَة
خيرُ من حمل علم ؟.
وكان مالك مبالغاً في تعظيم العلم والدّين، حتى كان إِذا أَراد أَن يُحَدِّثَ
توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته ، واستعمل الطيب، وتمكَّنَ من
- ١٨١ -

الجلوس على وَقَارٍ وَهَيْبَةٍ ، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أُحبُ أَنْ أُعِظْمَ
حديث رسولِ اللّه مَله.
ومرَّ يوماً على أبي حازم وهو جالسٌ ، فجازه ، فقيل له ، فقال : إني لم
أَجد موضعاً أَجلسُ فيه، فكرهتُ أَن آخذَ حديث رسول اللّه عَّهِ وأَنا قائم.
قال يحيى بن سعيد القطان : ما في القومِ أَصحُ حديثاً من مالك.
وقال الشافعي [ رحمه الله]: إذا ذُكر العلماء، فمالكُ النَّجم، وما أَحدُ
أَمَنَّ علىّ مِنْ مالك [ رحمة الله عليه ].
ورُويَ أَن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكرَه ، ثم دَسَّ
عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس ((ليس على مستكرَهِ طلاق )» فضر به
بالسياط ، ولم يترك رواية الحديث .
ورُويَ أَن الرشيد سألَ مالكاً فقال: هل لك دار ؟ فقال: لا ، فأعطاه
ثلاثة آلاف دينار ، وقال: اشتر بها داراً . فأخذها ولم ينفقها. فلما أراد الرشيد
الشخوص، قال لمالك : ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على
(الموطأ)، كما حمل عثمان الناس على القرآن. فقال: أُمَّا حمل الناس على ((الموطأ))
فليس إلى ذلك سبيل ، لأن أصحاب رسول اللّه عَّ لم تفرَّقوا بعده في الأمصار
فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول اللّه عتخلفية: ((اختلاف
أُمَّتي رحمة)(١) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول اللّه عت طي: ((المدينة
(١) قال السبكي كما نقلهعنه المناوي في «فيض القدير)» وليس هذا الحديث بمعروف عند المحدثين، ولم =
- ١٨٢ -

خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، وقال: «المدينة تنفي خبثها » وهاذي دنانیر کم کما
هي ، إن شئتم فخذوها ، وإن شتتم فدَعوها .
يعني أنك إنما تُكلِّي مُفارقة المدينة لما اصطَنَعْتَه، إليَّ فلا أُوثِرِ الدنيا
= أقله على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع. وأسنده في «المدخل» وكذا الديلي في («مسندالفردوس»
كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ «اختلاف أصحابي رحمة)»، قال الحافظ العراقي :
عنده، ضعيف. وقال ولده أبو زرعة: رواه أيضاً آهم بن إياس في كتاب العلم والحلم بلفظ
((اختلاف أصحابي لأمتي رحمة))، وهو مرسل ضعيف. وفى ((طبقات ابن سعد)) عن القاسم بن محمد
نحوه. وأخرج البيهقي في ((المدخل)) عن القاسم بن محمد أو عمر بن عبد العزيز: لا يرفي أن أصحاب
محمد لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوالم تكن رخصة .
وقال شيخ الاسلام موفق الدين بن قدامة المقدسى في «لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد)»:
وأما النسبة إلى إِمام في فروع الدين، كالطوائف الأربعة فليس بمذموم ، فان الاختلاف في الفروع
رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة ،
واتفاقهم حجة قاطعة .
نقول : ولا شك أن اختلاف الأئمة المجتهدين في فهم نصوص الكتاب والسنة وما تدل عليه ظاهرة
طبيعية في شريعة الاسلام ، لأن أكثر نصوصه ظنية الدلالة ، وهذا الاختلاف مما أراده الله تعالى
ورضيه ، فهو رحمة وتوسعة ومجال للتنافس والإبداع، ولقد كان من أثره هذا التراث الضخم الذي
تحفل به المكاتب الاسلامية من المؤلفات المتنوعة، وقد كان اختلافهم في القرآن في بعض ما استنبط منه من
أحكام نتيجة الخلاف في فرمه الخفاء في دلالته بسبب من الأسباب، كالاشتراك في لفظه، أو التخصيص
في عامه ، أو التفييد في مطلقه، أو ورود نخ عليه، أو غير ذلك من الأسباب المبينة في مظانها
واختلافهم في السنة لا يقتصر على اختلافهم فيا تدل عليه الأحاديث وما يراد منها كما هو الحال في آي
القرآن ، بل يتجاوز ذلك ، فيختلفون في الحكم على الحديث صحة وضعفً ، فيرى بعضهم صحيحاً
ما يراه الآخر ضعيفاً. إلى غير ذلك من أسباب الاختلاف الكثيرة التي بينها العلماء في مؤلفاتهم .
وأما الاستشهاد ببعض الآيات التي تذم الخلاف وتنهى عنه وتحذر منه على حرمة الخلاف في فهم
النصوص ، فهو استشهاد في غير محله .
- ١٨٣ -

على مدينة رسول اللّه عَ اللّه.
وقال الشافعي [ رحمه الله]: رأيت على باب مالك كُراعاً من أفراس
خراسانَ ، وبغالِ مصرَ ، ما رأَيتُ أحسنَ منه، فقلت له: ما أحسنَه ، فقال :
هو هدية مني إليك ياأبا عبد اللّه، فقلت: دَعْ لنفسك منها دابة تركبها ، فقال:
أَنا أَستحي من الله تعالى أن أَطأ تُربة فيها رسول اللّه عََّله بحافِرِ دابة.
وكم مثل هذه المناقب لهذا الطّود الأشمّ ، والبحر الزَّاخر .
- ١٨٤ -

[الإمام] البخاري
هو أبو عبد اللّه: محمّد بن إسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة الجغْفي البخاريّ.
وإنما قيل له: الجغْفي، لأن المغيرة - أباجَدَّهِ - كان مجوسِيًّا، أسلم على يد
يَمَان البخاريّ، وهو الْجِعْفيّ وَالي ◌ُخَارَى، فَنُسب إليه حيث أسلم على يدهِ.
وُجُعْفِيَ: أبو قبيلة من اليمن ، وهو ◌ُعْفِيّ بن سَعْد العشيرة بنُ مَذْحج.
والنسبةُ إِليه كذلك.
وُلِدَ يَومَ الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شؤَّال سنة أربع وتسعين ومائة،
وتُوقّي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ، وعمرُهُ اثنتان وستون سنةً ،
إِلا ثلاثة عشر يوماً، [ وَلَمْ يُعْقِبْ ذَكَراً].
تے
والبخاريُ - الإِمام في علم الحديث - رَحَلَ في طلب العلم إلى جميع مُحَدِّقي
الأمصار ، وكَتَبَ بخراسان والجبال ، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ
الحديث عن المشايخ الحفّظ .
منهم : مكيّ بن إبراهيم الْبَلْخِيّ، وعبدان بن عثمان المروزيّ، وعبيد الله
ابن موسى العَبْسِيّ ، وأبو عاصم الشَّيْباني ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، ومحمد
ابن يوسف الفريابي ، وأبو نُعيم الفضْلُ بن ◌ُكَيْنِ ، وعلىُ بنُ المديني، وأحمد بن
حنبل ، ويحيى بن معين، وإسماعيلُ بن أبي أُويس المدني، وغيرُ هؤلاء من الأئمة.
وأخذ عنه الحديث خلقٌ کثیر فی کلِّ بلدة حدَّثَ بها .
-١٨٥-

قال الفَرَبَريُّ: سَمِعَ كتابَ البخاري تسعون الف رجل ، فما بقي أحدٌ يَرْوِي
عنه غيري ، وكذلك لا يُرْوَى اليومَ ـ ((صحيح البخاري)) -عن أحد سواه .
وردّ على المشايخ وله إِحدى عشْرةَ سنةً ، وطَلَبَ العِلْمَ وله عَشْر سنين.
قال البخاريّ: خَرَّجتُ كتَابَ الصحيح من زهاءِ ستمائة ألف حديث ،
وما وضعتُ فيه حديثاً إلا صلَّيتُ ركعتين.
وقَدِمَ البخاريّ بغدادَ ، فسمعَ به أصحابُ الحديثِ، فَاجْتَمَعُوا وَعَمَدوا
إلى مائة حديث ، فقلَبوا مُتُونَها وأسانيدها ، وجعلوا مَتْن هذا الإِسنادِ لإِسناد
آخر، وإسنادَ هذا المتن لمتن آخر ، ودَفَعوها إلى عشرة أَنفُسِ ، لكلِّ رجل عشرة
أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أَن يُلقوها على البخاريّ، فحضر المجلس
جماعةٌ من أصحاب الحديث ، فلمّا اطمأَنَّ المجلسُ بأَهلِهِ ، انتُدِبَ إليه رجل من
العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه ، فسأله عن
آخر ، فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، والبخاريّ يقول: لاأعرفه. فأَما
العلماء فعرفوا بإنكاره أَنه عارفٌ، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتُدِبَ
رجلٌ آخر من العشرة فكان حالُهُ معه كذلك ، ثم انتُدِبَ آخَر بعد آخر ، إلى
تمام العشرة ، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه .
فَأَمَّا فرغوا التفتَ إلى الأول منهم ، فقال: أما حديثك الأوَّل ، فهو كذا ،
والثاني كذا ، على النَّسَق، إلى آخر العشرة، فرَدَّ كلَّ مَتْنٍ إلى إِسنادِهِ ، وكل إسنادٍ
إِلى متنِهِ ، ثم فَعَلَ بالباقينَ مثلَ ذلك، فأَقرَّله الناسُ بالْحِفْظِ، وأَذعنواله بالفضل.
- ١٨٦ -

[الإمام] مسلم
هو أبو الحسين : مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيريُّ النيسابوريّ ، أَحَدُ
الأمة الحفّاظ .
وْلِدَ سنةَ سِتَ ومائتين ، وتُوفي عَشَيَّة يوم الأحد لستّ بقين من رجب
سنة إحدى وستين ومائتين .
رَحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر .
وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوريّ ، وقُتَيْبة بن سعيد ،
وإسحاق بن رَاهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعُبيد الله القَواريريّ،
وشُريح بن يونس ، وعبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنَبِيِّ، وحَرمَلَةَ بن يحيى، وخَلَفٍ
ابن هشام ، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه .
وَقَدِمَ بغدادَ غيرَ مَرَّةٍ وحدَّثَ بها .
روى عنه خَلْقٌ کثیر .
منهم: إِبراهيمُ بن محمد بن سفيان - ومن طريقه رَوَينا ((صحيحهُ))-وكان
آخر قُدومِه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين .
قال أحمدُ بن سلمة: رأيتُ أَبا زُرعة وأبا حاتم يقَدَّمانُ مُسْلِمَ بنَ الحجاج
في معرفة الصحيح على أهل عصرهما .
وقال الحسنُ بنُ محمد الماسِرْجِسيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلماً يقول:
- ١٨٧ -

صنَّفْتُ ((المسْنَدَ الصحيحَ)) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .
وقال محمدُ بن إسحاق بنُ مَندة، سمعت أبا عليّ بن عليّ النيسابوريّ يقول:
ما تحت أديم السماء أَصْحُّ من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث .
وقال أبو عَمْرو محمد بن حمدان الحيري٣(١): سألت أبا العباس بن عُقْدةَ
عن محمد بن إسماعيل البخاري ، ومسلم بن الحجاج النيسابوري : أيهما أعلى.
فقال: كان البخاريُّ عالماً ، وكان مسلم عالماً ، فكررْتُ عليه مراراً وهو
يجيبني بمثل هذا الجواب . ثم قال: يا أبا عمرو، قد يقع للبخاريِّ الغلطُ في أهل
الشام ، وذلك أنه أخذ كُتُبَهُمْ ، فنظر فيها ، فربما ذكر اواحدَ منهم بكنيته،
ويذكُرُه في موضع آخر باسمه ، ويتوهم أنها اثنان ، فأما مسلم ، فقَّما يقع له
الغلطُ ، لأنه كتبَ المقاطيع والمراسيل .
وقال محمدُ بن يعقوب الأخرَم - وذكر كلاماً معناه -: قلما يفوت البخاريّ
ومسلماً مما يثبت في الحديث حديثٌ.
قال الخطيبُ أبو بكر البغداديُ : إنما قفا مسلم طريق البخاري ، ونظر
في علمه و حذا حذوه .
ولما وَرَدَالبخاريُ نيسابورَ في آخر مرَّة ، لازمه مسلم ، وأدام الاختلافاليه.
وقال الدارقطني: لولا البخاريّ لما ذهب مسلمٌ ولا جاء.
(١) الخيري : - بكسر الحاء، وسكون الياء، تحتها نقطتان، وبالراء - منسوب إلى الحيرة، وهي البلد
المعروف قديماً، مجاور الكوفة ، والخيرة : * بنيابور ، وإليها ينسب محمد بن أحمد بن حدان .
- ١٨٨ -

[الإمام) أبو داود
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد بن عمرو بن عمران
الأزدي السجستاني ، أَحدُ من رَحَلَ وطوَّف ، وجمع وصنف، وكتبَ عن
العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين .
ولِدَ سنة اثنتين ومائتين ، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال
سنة خمس وسبعين ومائتين .
وقدم بغدادَ مراراً ، ثم خرج منها آخر مرَّاته سنة إحدى وسبعين .
وأخذ الحديثَ عن مسلم بن إبراهيم ، وسليمان بن حربٍ ، وعثمان بن أبي شيبة
وأبي الوليد الطيالسيِّ، وعبد الله بن مَسْلَمَة القعني، ومُسَدَّدٍ بنُ مُسَرْهُدٍ ، ويحي
ابن معين ، وأحمد بن حنبل ، وقُتَدْبَةَ بن سعيد، وأَحمد بن يونس ، وغير
هؤلاء من أئمة الحديث ، ممن لا يحصى كثرة .
وأخذ الحديث عنه: ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن محمد
الخلال ، وأبو على محمد بن عمرو اللؤلؤيّ ، ومن طريقه نروي كتابه.
وكان أبو داود سكن البصرة .
وقدم بغداد ، وروى كتابه المصنّف في ((السنن )) بها ، ونقلها أهلها عنه،
وصنفه قديماً، وعرضهُ على أحمد بن حنبل ، فاستجابه واستحسنهُ .
- ١٨٩ -

قال أبو بكر بن دَاسَة: قال أبو داود: كتبت عن رسول اللّه عَّاله
خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ما ضمَّنته هذا الكتاب - يعني كتاب
(السنن)) - جمعتُ فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث. ذكرتُ الصحيحَ،
وما يُشْبِهُهُ وَيُقارُبُه. ويكفى الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديثَ.
أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)).
والثاني: قوله سِّهِ: ((مِنْ حُسْنِ إِسِلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مالا يَعْنِيهِ)»
والثالث: قوله سِِّ: ((لا يكُونُ الْمُؤْمِنُ مؤمناً حتَّى يَرْضَى لأخيه
ما يرضاه لنفسه)).
والرابع: قوله تَّهِ: ((إِنَّ الحلَالَ بَيِّن، وإن الحرام بَيِّنٌّ، وبينهما أُمورٌ
مشتبهات ... )) الحديث .
وقال أبو بكر الخلاَّلُ : أبو داود ، سليمان بن الأشعث: الإمام المقدَّم
في زمانه، رجل لم يَسْبِقْهُ إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد
في زمانه ، رجل ورِع مقدّم .
وكان إبراهيم الأصفهاني ، وأبو بكر بن صَدَقةً، يرفعان من قدره ،
ويَذْ كُرَانه بما لا يذكران أحداً في زمانه بمثله .
وقال أحمد بن حنبل بن ياسين الهَرَويُّ : كان سليمانُ بن الأشعث ،
أبو داود، أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله عَقِّهِ: عِلْمِهِ وعِلَلِهِ
وسنَده ، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف، والصَّلاح والوَرَعِ ، من
- ١٩٠ -

فُرْسانِ الحديث .
وقال محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمُّ واسع
وكُمُّ ضيِّق ، فقيل له : يرحمك الله! ما هذا؟ قال: الواسع للكتب ، والآخر
لا تحتاج اليه .
وقال أبو سليمان الخطابيّ: كتاب ((السنن )) لأبي داود ، كتاب شريف
لم يصنّف في علم الدين كتاب مثله ، وقد رزقَ القبولَ من كافة الناس ، على
اختلاف مذاهبهم ، فصار حَكَماً بين فرق العلماء ، وطبقات الفقهاء ، فلكل
فيه ورد ، ومنه شرب ، وعليه مُعَوَّل أَهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير
من مدن أقطار الأرض . فأما أهل خراسان ، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد
ابن إسماعيل البخاري ، وكتاب مسلم بن الحجاج النيسابوري .
وقال : قال أبو داود : ماذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على
تركه .
وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود: ((الجوامع)) و((المسانيد))،
ونحوهما ، فتجمع تلك الكتب - إلى ما فيها من ((السنن)) و((الأحكام)) - :
أخباراً وقصصاً، ومواعظ وأدباً. فأما ((السنن)) المحضة ، فلم يقصد أحد منهم
إفرادها واستخلاصها من أثناء تلك الأحاديث، ولا اتفق له مااتفق لأبي داود،
ولذلك حلَّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر مَحَلَّ العَجَب،
فضُربت إليه أكباد الإبل، ورامت إليه الرحل .
- ١٩١ -

قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب : ألين لأبي داود
الحديث ، كما ألين لداود عليه السلام الحديد .
وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلاً لم يكن عنده
من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله عز وجل ، ثم هذا الكتاب ، لم يحتج
معهما إلى شيء من العلم بّةً(١).
(١) يقال: لا أفعله بتة، ولا أفعله البتة: لكل أمر لا رجعة فيه، ونصبه على المصدر. صحاح.
- ١٩٢ -

[الإمام] المرمزي
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك الشامي الترمذي
ولد [ سنة تسع ومائتين ].
وتوفي بـ(( تزمذ)) ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين
ومائتين ، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام ، وله في الفقه يد صالحة .
أَخَذَ الحديث عن جماعة من أَعمة الحديث ، ولقى الصدر الأول من المشايخ.
مثل قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى ، ومحمود بن غيلان ، وسعيدبن
عبد الرحمن ، ومحمد بن بشار ، وعلي بن مُحُجر ، وأحمد بن منيع ، ومحمد بن
المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وغير هؤلاء، وأخذ
عن خلق كثير لا يُحصَون كثرةً .
وأخذ عنه خلق كثير ، منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزيُّ ،
ومن طريقه روينا كتابه ((الجامع)).
وله تصانيف كثيرة في علم الحديث ، وهذا كتابه((الصحيح ) أحسن الكتب
وأكثرها فائدة ، وأحسنها ترتيباً ، وأقلها تكراراً ، وفيه ماليس في غيره : من
ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن
والغريب، وفيه جرح وتعديل. وفي آخره كتاب (( العلل))، قد جمع فيه
- ١٩٣-
٢-١٣

فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها .
قال الترمذي [رحمه الله تعالى]: صنفتُ هذا الكتاب، فعرضته على علماء الحجاز
فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به ، وعرضته على علماء خراسان
فرضوا به ، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته في يتكلم .
وقال الترمذي: كان جدي مَرْوَزياً انتقل من مَرْو ، أيام الليث بن سَيَّار.
- ١٩٤ -

[الإمام] النسائي
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي .
ولد [ سنة خمس وعشرين وماتتين ] .
ومات بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة، وهو مدفون بها .
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : سمعت أبا على الحافظ غير مرة
يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم ، فيبدأ بأبي عبد الرحمن.
وهو أَحد الأئمة الحفاظ العلماء ، لقي المشايخ الكبار .
وأَخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد ، وإسحاق بن إبراهيم ، وحميد بن
مَسْعدة، وعلي بن خَشْرم ، ومحمد بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين ، وهَنَّاد
ابن السّري، ومحمد بن بشار ، ومحمود بن غَيلان ، وأبي داود سلمان بن الأشعث
السجستاني، وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ .
وأَخَذَ عنه الحديث خلق كثير ، منهم : أبو بشر الدولابي - وكان من
أَفرانه - وأبو القاسم الطبَرَانيّ، وأبو جعفر الطحاوي ، ومحمدُ بن هارونَ بن
شُعَيْب، وأبو الميمونِ بن راشدٍ ، وابراهيمُ بنُ محمد بن صالح بن سنان، وأَبو
بكر أحمدُ بنُ إسحاق السُّيّ الحافظ، ومن طريقه رَوَينا كتابه ((السنن)).
وله كتب كثيرة في الحديث والعلل ، وغير ذلك .
- ١٩٥-

قال مأمونُ المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة
الفداء ، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام ، واجتمع من الحفاظ عبدُ الله بنُ
أحمد بن حنبل ، ومحمد بن ابراهيم مُرَّبَعٌ، وأبو الآذان، وكِيْلَجَةَ(١) وغيرهم.
فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي ،
و کتبوا كلهم بانتخابه .
وقال الحاكم النَّيْسابوري : أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث
فأكثر من أن يذكر . ومن نظر في كتابه « السنن » له تغير في حسن كلامه .
وقال : سمعتُ عليَّ بنَ عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مُقَدَّم
على كل مَنْ يُذكر بهذا العلم في زمانه .
وكان شافعيَّ المذهب، له مناسكُ ، أَلّفها على مذهب الشافعي. وكان وَرِعاً
متحَرِّياً ، ألا تراه يقول في كتابه ((الحارث بن مسكين قراءةً عليه، وأنا أسَعُ
((
ولا يقول فيه: ((حدثنا)» ولا، أخبرنا، كما يقول عن باقي مشايخه.
وذلك : أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر ، وكان بينه وبين أبي عبد
الرحمن خشونة ، لم يمكنه حضور مجلسه ، فكان يستتر في موضع ، ويسمع
حيث لايراه، فلذلك تورَّع وتحرّى ، فلم يقل: (حدثنا، وأخبرنا)).
وقيل: إن الحارث كان خائضاً في أمور تتعلق بالسلطان، فقدم أبو عبدالرحمن
فدخل إليه في زي أنكره ، قالوا : كان عليه قباء طويلٌ ، وقلنسوة
(١) هو محمد بن صالح بن عبد الرحمن البغدادي. أبو بكر الانماطي، الملقب كيلجة (وفي الأصل
والمطبوع كيلحة بالحاء وهو تصحيف) قال الحافظ في «التقريب»: ثقة حافظ، توفي سنة ٢٧١ هـ.
- ١٩٦ -

طويلة ، فأنكر زيّه ، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان ، فمنعه
من الدخول إليه ، فكان يجيء فيقعد خلف الباب ، ويسمع ما يقرؤه الناس عليه
من خارج، فمن أجل ذلك لم يَقُلْ فيما يرويه عنه: ((حدثنا، وأخبرنا))
وسألَ بعضُ الأمراء، أبا عبد الرحن عن كتابه («السنن)): أكُلُّهُ صحيح؟
فقال : لا ، قال : فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً ، فصنع المجْتبى ، فهو
((المجتبى من السنن)) تركَ كلَّ حديث أورده في ((السُّنن))، مما تُكُلّمَ في
إسناده بالتعليل .
والله أعلم بالصواب .
٦
- ١٩٧ -

الباب الخامس
في ذكر أسانيد الكتب الأصول المودعة في كتابنا هذا
أما ((صحيح البخاري))، فأخبرنا بجميعه الشيخ الإمام العالم الأجلُّ
جمال الدين زين الإسلام أبو عبد الله محمدبن محمدبن سرايابن علي بن نصر بن أحمد
ابن على ، أدام الله توفيقه بقراءتي عليه وهو يسمعُ ، فأقرَّ به ، بمدينة الموصل
في مدة آخرها شهورُ سنة ثمان وثمانين وخمسائة .
قال : أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ، بقية المشايخ، أبو الوقت عبدُالأوَّل
ابنُ عيسى بن شعيب بن إسحاق بن إبراهيم الصوفيُّ الهروي السِّجزيُّ ، قراءةً عليه
وأنا أسمع بمدينة السلام ، في المدرسة النّظامية في شهور سنة ثلاث وخمسين
و خمسمائة .
قال: أخبرنا الإِمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن
داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداوديّ ، قراءةً عليه ، وأَنا أَسمع
في سنة خمس وستين وأربعمائة .
قال: أخبرنا الإِمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حُمويةَ بن أحمد بن يوسف
السَّرَخسي خطيب سَرَّخْس، قراءةً عليه ، وأَنا أَسمع في صفر سنة إحدى
وعمانين وثلاثمائة .
- ١٩٨ -

قال أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمدُ بن يوسف بن مطرِ الفَرَّبْرِيُّ، قراءة
عليه وأنا سمع ، في سنة ست عشرة وثلاثمائة .
قال : أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة
البخاري الجعفِيّ، قراءة عليه بكتابه ((الصحيح الجامع) جميعهِ.
وأما «صحيح مسلم»: فأخبرنا الشيخُ الإِمام الثقة أبو ياسر عبد الوهاب بن
هبة الله بن عبد الوهاب بن أبي حِبَّة البغدادي رحمه الله بقراء تي عليه وهو يسمع،
فأَقرَّ به بمدينة الموصل ، في شهور سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة .
قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ العالم أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن
عمر السمرقنديُ رحمه الله، قراءةً عليه وأنا أسمع ، بمدينة السلام ، في سنة
ست وعشرين وخمسمائة .
قال: أخبرنا الشيخ الجليل الحافظ أبو الفتح نصر بن الحسن بن أبي القاسم
الشَّاشي المعروف بالَّنْكُتي(١) ، قراءة عليه وأنا أسمع في شعبان من سنة خمس
وسبعين وأربعمائة .
قال : أخبرنا الإِمام أبو الحسن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن
أحمد الفارسي .
قال : أخبرنا الإِمام أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرُوية الجلودي ، قراءة
(١) التنكتي: بفتح التاء فوقها نقطتان وسكون النون وضم الكاف وبتاء أخرى. منسوب إلى تنكت
مدينة من مدن الشاش من وراء سيحون وجيحون .
-١٩٩-

عليه [ وأنا أسمع ] في شهور سنة ست وخمسين وثلاثمائة .
قال : سمعت الإِمام أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه ، فيشهور
سنة ثمانٍ وثلاثمائة. يقول : سمعتُ الإِمامَ مسلم بن الحجاج القُّشَيْرِيّ
النيسابوري يقول :
بسم الله الرحمن الرحيم، وشَرعَ في ذِكْر خطبة كتابه ((الصحيح)»، وسَاقَ
الكتاب ... إلى آخره .
وأخبرني بـ ((صحيح مسلم، أيضاً: الشيخ الإمام الصدر الكبير العالم الحافظ،
الزاهد العابد ضياء الدين ، شيخ الإِمام والمشايخ أبو أحمد عبد الوهاب بن
عليّ بن علي الأمين ، إجازة في سنة خمس وثمانين وخمسمائة بظاهرِ المَوْصِلِ .
قال : أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد
الصَّاعِدِيُّ الفَراوِيءُ(١) إجازة في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة .
قال : أخبرنا عبدالغافر الفارسي عن الجلودي عن |أبي | إسحاق بن إبراهيم
ابن محمد بن سفيان عن مسلم بن الحجاج .
فهذا الطريق أَعلى من الطريق الأول برجل ، إلا أنه إجازة ، وذلك سماعٌ.
وأما كتاب، الموطأ))، فأخبرنا بجميعه الشيخ الإمام، العالم الأجل صائِنُ
الدين جمال الإسلام أبو الحَرَم مَكِّيُّ بن ريَّن بن شبَّة، المقرىء الماكسيني،
أدام الله توفيقه ، بقراءتي عليه فأقرَّ به في مدة آخرها شهور سنة ثمان وثمانين
وخمسمائة ، بمدينة الموصل .
(١) الفراوي، بفتح الفاء وتخفيف الراء ، منسوب إلى فراوة : اسم موضع من بلد نيسابور .
- ٢٠٠-