النص المفهرس
صفحات 121-140
والتواتر يفيد العلم، وذلك ظاهر ، لاخلاف فيه،إلا في قول ضعيف قليل وله أربعة شروط : الشرط الأول: أَن يُخْرِ عن علم لا عن ظنِ ، فإن أهل بلدٍ عظيمٍ لو أخبروا عن طائرٍ أنهم ظنُّوا أنه حمام ، أو عن شخص أنهم ظنّوا أنه زيد، لم يَحْصُلْ لنا العلم بكونه حماماً او زيداً . الشرط الثاني: أن يكون علمهم ضرورياً مستنداً إلى محسوس ، إِذْ لَوْ أخبرونا عن حدوث العالم ، أَو عن صدقِ الأنبياء ، لم يَخصل لنا العلم . الشرط الثالث: أَن يستويَ طرفاه وواسطته في هذه الصّفات وفي كمال العدد، فإذا نقل الخَلَف عن السَّلَف، وتَوَالَتِ الأَخْصَارُ، ولم تكن الشروط قائمة في كل عَصْرٍ ، لم يحصل العلم بصدقهم ، لأن خبر أهل كلِّ عصرٍ مستقل بنفسه ، فلا بد فيه من الشروط ، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود - مع كثرتهم - في نقلهم عن موسى عليه السلام تكذيب كل ناسخ لشريعته ، ولا بصدق الشيعة بنقل النّصِّ على إِمامة عليّ كرّم الله وجهه، والبَكْرَّيّة على إِمامة أبي بكر رضي الله عنه، ولأن هذا وضعَه الآحاد أولاً، وأَنْشَوْهُ، ثم كَثْرِ النَّاقِلونَ في عصره وبعده في الأعصار ، فلذلك لم يحصل التَّصديق، بخلاف وجود موسی عليه السلام وتحدِّيه بالنّبوَّة ، ووجود أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، وانتصابهما للإمامة، فإن ذلك لَمّا تَساوى فيه الأطرافُ والوساطةُ ، حصل لنا العلم الضروريّ الذي لا نقدرُ على تشكيك أَ نفُسنا فيه، ونقدر على التشكيك فيما نقلوهُ عنموسى - :١٢١ - وأبي بكر وعلي . والشرط الرابع : العدد، وعدد المخبرين ينقسم إلى ناقص ، فلا يفيد العلم ، وإلى كامل ، فيُفيد العلم ، وإلى زائد يحصل العلم ببعضه، وتقع الزيادة فضلة . والكامل وهو أقلُّ عدد يورث العلم، ليس معلوماً لنا ، لكنَّا بحصول العلم الضروريّ نتبيَّنُ كمال العدد ، لا أَنَا بكمال العدد نستدلَّ على حصول العلم . ثم العدد الذي يفيد العلم یفیده في كل واقعة وكل شخص ،بحيث إنّه متى وجد العدد أفاد العلم لكل من سمعه في كل(١) واقعة وذلك إِذا تجرَّد الخبر عن القرائن. فأما إذا اقترن الخبر بقرائن ، فقد اختلف فيه (٣)، فقال قوم: لا أثر لها . وقال آخرون: لها أثر ، فإن خمسة أو ستةً لو أخبرونا عن موت شخص لم يحصل العلم بصدقهم ، لكن اذا انضم إليه خروج والد الميت حاسر الرأس حافياً، مزّق الثياب ، مضطرب الحال ، يلطم وجهه ورأسه ، وهو رجل كبير ، ذو منصب ومروءة ، لا يخالف عادته الا عن ضرورة، فيجوز أن يكون هذاقرينة تضم الى قول أولئك، فيقوم في التأثير مقام بقيَّة العدد. فدل ذلك على أن العدد يجوز أن يختلف بالوقائع وبالأشخاص ، فربً شَخْص انغرس في نفْسِهِ أَخلاقٌ نميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأشياء ، فيقوم ذلك مقام القرائن ، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين ، أمّا متى انتفت القرائن ، فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم لله تعالى ، غير معلوم (١) في المطبوع لم ترد كلمة «كل)) (٢) في المطبوع ((فقد اختلف كل فيه)) - ١٢٢ - لنا ، ولا سبيل لنا إلى معرفته ، لأنّا لا ندري متى حصل لنا العلم بوجود مكة ، وبوجود الشافعي مثلاً عند تواتر الخبر الينا ، وانه كان بعد خبر المائة والمائتين، ويعسر علينا تجربة ذلك . وإن تكلفتها ، فسبيل التكليف أَن نراقب أَنفُسَنَا اذا قتل رجل في السوق مثلاً ،وانصرف جماعة من موضع القتل ، ودخلوا علينا يخبرون عن قتله ، فإن قول الاول يحرك الظن ، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد تأكده إلى أن يصير ضرورياً لا يمكننا() أن نشكك فيه أنفسنا، فلو تصور الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة ، وحفظ حساب المخبرين وعددهم ، لأمكن الوقوف ، ولكن درك تلك اللحظة أيضاً عسير، فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايداً خفيّ التدريج، نحو تزايد ضوء الصبح إلى أن يبلغ حد الكمال، فلذلك بقي هذا في غطاء من الإشكال، وتعذر على القوة البشرية إدراكه. فأما ماذهب إليه قوم من تخصيص عدد التواتر بالأربعين ، أخذاً بعدد الجمعة ، وبالسَّبعين ، أخذاً من قوله تعالى : (واختار موسى قومَه سبعين رجلاً لميقاتنا) [الأعراف: ١٥٥] وبثلاثمائة وبضعة عَشَرَ، أخذاً بعَدَدِ أهلِ بَدْرٍ، فكلُّ ذلك تحَكَّمَاتٌ فاسدَةٌ ، لَأُتْنَاسِبُ الغَرَضَ ، ولا تَدُلُّ عليهِ . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأربعة ناقصة عن العدد الكامل ، لأنها بَيْنَةٌ شرعيَّةٌ تحصل بها غلبة الظنّ ، ولا يُطْلَبُ الظن فيا يعلم ضرورةً ، قال: والخمسة لاَ تَوَقُفَ فيها . (١) في المطبوع ولا يمكننا . - ١٢٣ - فإذاً لا سبيل لنا إلى حصْر العددِ، لكنَّا بالعِلمِ الضَّرُورِيِّ نَسْتَدِلُ على أنَّ العدَدَ الذي هو كامل عند الله تعالى قَد تَوافَقُوا على الإخبار . وقد شرط قوم لعدد التواتر شروطاً فاسدة . منها : أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد. ومنها: أن تختلف أنسَابهم فلا يكونوا بني أبٍ واحدٍ، وتختلف أو طانهم فلا يكونوا من محلّةٍ وَاحِدَةٍ، وتختلف أديانُهم، فلا يكونوا من مذهبٍ واحدٍ. ومنها: أن يكونوا أولياء المؤمنين . ومنها : أن يكونوا غير محمولين بالسيف على الإخبار . ومنها أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين ، وهذا شَرَطَّهُ الرافضَةُ. القسم الثاني : في أخبار الآحاد وهي مالا ينتهي إلى حدٌّ خبرِ التواتر المفيد للعلم ، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلاً ، فهو خبر واحدٍ . قال إمام الحرمَيْن: ولا يُرَاد بخبر الواحد الخبر الذي ينقُلُه الواحد، ولكن. كل خبر عن جائز ممكن ، لا سبيل إلى القَطع بصِدْقِهِ، ولا إلى القَطْعِ بكذِ بِهِ، لا اضطراراً ولا استدلالاً، فهو خَبَرُ الواحدوخبرُ الآحاد ، سواءٌ نَقْلَهُ وَاحِدٌ أَوْ ◌َجْعٌ مُنْتَصِرون. قال: وقد يُخِرُ الواحد، فَيُعْلَمُ صِدْقُهُ قَطْعاً، كالنبي ◌ِّهِ فيما يُخِرُ به عن الغائبات ، ولا يُعَدُّ من أخبار الآحاد. - ١٢٤ - وخبر الواحد لا يفيد العلم (١)، ولكنَّا مُتَعَبَّدُون بهِ. وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يورثُ العلم، فلعلهم أرَادوا أنه يُفيدُ العلم بوُجُوبِ العمل، أو سَّوا الظَّنَّعلماً. ولهذا قال بعضهم: يورث العلم الظاهر، والعلمُ لَيْسَ له ظاهرٌ وباطنٌ ، وانما هو الظَّن. وقد أنكر قوم جوازَ التعبد بخبر الواحدِ عَقْلاً، فَضْلاً عن وقوعه سمعاً، و ليس بشيء . وذهب قومُ إلى أن العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد، وليس بشيء، فإن الصحيح من المذهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة والتابعين والفقهاءِ والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبّد بخبر الواحد عقلاً. ولا يجب (١) سواء أ كان مما اتفق الشيخان على روايته في ((صحيحيها)) أم رواه احدهما، أم رواء غيرهما على شرطهما، وسواء أ كان فى طريقه إمام أم لم يكن ، وهو مذهب المحققين وأكثر العلماء ، واستدلوا على هذا بجواز الخطأ والنسيان على الثقة عقلًا ، ومع هذا الجواز العقلي لا يمكن ادعاء القطع ، فانه لا يمكن ادعاؤه إلا إذا انتفى ما يعارضه ويأتي عليه. قال الإمام النووي رحمه الله في « شرح مسلم» ٢٠/١: فانهم - أي: المحققين - قالوا: إن أحاديث ((الصحيحين)) التي ليست متواترة إنما تفيد الظن ، لانها آحاد ، والاحاد إنما تفيد الظن كما تقرر ، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الامة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيها، وهذا متفق عليه ، فان أخبار الآحادفي غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن، وكذا ((الصحيحان))، وإنما يفترق («الصحيحان)) وغيرهما من الكتب في كون ما فيها صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقاً ، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر فيه، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيها إجماعهم على أنه كلام التي صلى الله عليه وسلم. نقول : ومن مارس صناعة الحديث وفحص متونها وأسانيدها وتقبعها تقبماً دقيقاً لا يسعه إلا أن يسلم بما تقله الإمام النووي رحمه الله عن المحققين وارتضاه . - ١٢٥ - التعبد به عقْلاً ، وأن التَّعَبْدَ واقع سمعاً ، بدليلٍ قَبُول الصحابة لخبر الواحد ، وعملهم به في وقائع شَّى لا تنْحَصِر، وإنفاذ رسول الله عَ لَّهِ رُسْلَهُ وَقُضَاتَهُ وَأُمَرَاءَهُ وَسُعَاتَهُ إلى الأطراف، وهم آحاد، وبإجماع الأمَّةِ على أنَّ العامِّيَّ مأمُورٌ باتباع المفْتِي وتَصْديقِهِ، مع أنه ربما يُخْبِرُ عن ظنه ، فالذي يخبر عن السَّماع الذي لاشك فيه أولى بالتصديق . الفصل الثاني من الباب الثالث في الجرح والتعديل ، وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول : في بيانهما وذكر أحكامهما الجرح: وصف متى التحق بالراوي والشاهد سقط الاعتبار بقوله ، وبَطَلَ العمل به . والتَّعْديل: وصف مَتَى الْتَحَقَ بهما اخْتُبِرَ قولهما وأُخِذَ به . ثم التزكية والجرحُ: هل يُشترطُ فيها عدد المزكّي والجارح، أم لا؟ فيه خلاف . قال قوم: لا يُشترط العدد في الرواية ، ويشترط في الشهادة. [ وقال آخرون: يشترط فيها ] (١). وقال آخرون: لا يُشترط فيها، والأول أصَحُ (٢)، لأن الرواية نفسها تثبت (١) ما بين معتفين لم يرد في الاصل، وأثبتناه عن المطبوع. (٢) ورجحه الآمدي ((في الاحكام في أصول الأحكام)) ١٢١/٢ ونقله عن الاكثرين، ونقله = - ١٢٦ - بالواحد ، فكان جرحها وتزكيتها أولى . أما سبب الجرح ، فيجب ذكره دون سبب التَّعديل ، إذْ قدْ يجِرَحُ بما لا يراد جارحاً ، لاختلاف المذاهب فيه (١). وأما العدالة : فَلَيْسَ لها سبب واحد ، فتفتقر إلى ذكره . وقال قومٌ: مطلق الجرح يُبْطِل الثّقة، ومطلق التعديل لا تحصل به الثِّقة، لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر ، فلا بد من ذكر سببه . وقال آخرون: لا يجب ذكر سببهما جميعاً، لأنه إن لم يكن بصيراً بهذا الأمر، فلا يصلح للتزكية والجرح، وإن كان بصيراً ، فأي معنى للسؤال؟ = ابو عمرو بن الحاجب في ((المختصر)) ٦٤/٢ ايضاً عن الاكثرين، وقال ابن الصلاح في ((المقدمة)» ص ١١٩: والصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره أنه يثبت فى الرواية بواحد، لان العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادة . (١) قال ابو عمرو بن الصلاح في ((المقدمة)) ص ١١٧: وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً مبين السبب، لان الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الامر ، فلا بد من بيان سببه لينظر فيما هو جرح أم لا. وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله ، وذكر الخطيب الحافظ انه مذهب الائمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم وغيرهما، لذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كمكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما وكاسماعيل بن ابي اويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم، واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم ، وهكذا فعل ابو داود السجستاني، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، ومذاهب النقاد للرجال غامضة ومختلفة . وقال العلامة عبد العزيز بن احمد بن محمد البخاري المتوفى سنة ٧٣٠ هـ في كثف الاسرار شرح أصول البزدوي ٦٨/٣: أما الطعن من المة الحديث فلا يقبل مجملًا- اي: مبها - بأن يقول: هذا الحديث غير ثابت، او منكر، أو فلان متروك الحديث، او ذاهب الحديث، او مجروح: او ليس بعدل من غير أن يذكر سبب الطعن، وهو مذهب عامة الفقهاء والمحدثين . - ١٢٧ - والصحيح : أن هذا يختلف باختلاف أحوال المزكي ، فمن حصلت الثقة بَصِيرَتِهِ وضبطه يُكْتَفَى بإطلاقه، ومن ◌ُرِفَتْ عدالته في نفسه ولم تعرف بصيرته بشرط العدالة ، فقَدْ يُرَاجَعُ ويَسْتَفْسَرُ . أما إذا تعارض الجرح والتعديل، فإنه يُقدم الجرح(١)، فإنه اطلاع على زيادة وصف ما اطلع عليها المعَدِّل ولا نَفَاهَا ، فإن نفاها، بطلت عدالة (١) جاء في «طبقات الشافعية» للعلامة التاج السبكي في ترجمة أحمد بن صالح المصري ١٨٨/١ مانصه: الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم «الجرح مقدم على التعديل)» على اطلاقها ، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مأدحوه ، وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهي أو غيره، لم يلتفت الى جرحه. وفيه أيضاً ١٩٠/١ : قد عرفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره فى حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه ، وفر كوه على جارحيه إذا كانت هناك منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك ، وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة ، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح ونحوه ، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ مامن إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه مالكون تقول: وقد غفل عن هذا الأصل العظيم - أو تغافل - الشيخ ناصر الألباني في كتابه «الأحاديث الضعيفة)) ٧٦/٥، ٧٨، فنبز الإمام أبا حنيفة المتفق على جلالته بسوء الحفظ، تقليداً لمقالة من طعن فيه بسبب العداوة المذهبية ، ولم يذكر إلى جانب ذلك أقوال فركيه ومعدليه - وهم بحمد الله تعالى أئمة أثبات ثقات - وهو مناف للروح العلمية النزيهة، وما نقله عن عُداة هذا الإمام وخصومه لا يلتفت إليه عند المحققين من العلماء ذوي النصفة، كما تجد ذلك مفصلًا في «الرفع والتكميل» و ((التعليق المجد)) للامام اللكنوي، و((تأنيب الخطيب)) و((مقدمة نصب الراية)) للسلامة الكوثري ، وغيرها . وكفى بالعداوة المذهبية مسوغاً لرد كل ماقيل في حق هذا الإمام العظيم من أقاويل مزيفة ظالمة . وما مثل من يتكلم في مثل هذا الإمام إلا كما قال أعشى قيس: فلم يضِرْها وأوهى قَرْنَهُ الوَعِلِ كنا طحٍ صخرةً يوماً لِيَفْلِقها - ١٢٨ - المزَّكْيِ، إذالنَّفْي لا يُعْلَم الآ إذا نفى جرحَه بقَتْلِ إنسان مثلاً، فقال المعَدِّل: راً يتُه حیاً بعده ، وحينئذ يتعارضان . وقال قوم: إن عدَدَ المعدّل إذا زاد، قُدِّم على الجارح، وهو ضعيف، لأن سبب تقدّم الجرح، إنما هو اطلاع الجارح على مزيد وصف، فلا ينتنفي بكثرة العدد. والتزكية: تكون بالقول(١) أو بالرواية عنه، أو بالعمل بخبره، أو بالحكم بشهادته . وأَعلى هذه الأسباب: صريح القول. وتمامه أن يقول: هو عدل رِضَىّ، لأني عرفت منه كيت وكيت، فإن لم يذكر السَّب ، وكان بصيراً بشروط العدالة، کفی . وأَما الرواية عن المزكي ، فقد اختلف في كونها تعديلاً ، والصحيح: أن من عرف من عادته، أو من صريح قوله أنّه لا يَسْتجيز الرواية إلا عن عدل ، كانت الرواية تعديلاً، وإلا فلا (٢)، إذ من عادة أكثرهم الرِّواية عن كل من سمعوه ولو (١) وتكون باستفاضة عدالته، واشتهاره بالتوثيق والاحتجاج به بين أهل العلم، وشيوع الثناء عليه كالأمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي ويحيى بن معين وابن المديني ومن جرى بجراهم في نباعة الذكر واستقامة الأمر، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهدوالخبر إِنما يحتاجان إلى التزكية اذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى، وكان أمر هما مشكلًا ملتبساً ومجوزاً فيهما العدالة وغيرها، والدليل على ذلك أن العلم بظهور سرهما، واشتهار عدالتها أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة . (٢) الصحيح في هذا ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم، من أن رواية الثقة عن شخص لم يعرف حاله لا يكون توثيقاً له ، ولو كان الراوي معروفاً بأنه لا يروي الا عن ثقة، كمالك وشعبة ويحيى القطان، لجواز رواية العدل عن غير العدل ، فلم تتضمن روايته عنه تعديله ، وكذلك == - ١٢٩ - م-٩ كُلِّفُوا الثناءَ عليهم سكَتُوا . وأما العمل بالخبر ، فإن أمكن حمله على الاحتياط، أو على العمل بدليل آخر ، وَوَافَقَ الخبر ، فليس بتعديل ، وإن عرف يقيناً أنه عمل بالخبر ، فهو تعديل ، إِذْ لو عمل بخبر غير العدل لفَسَقَ ، وبطلت عدالَته(١). وأما الحكم بالشهادة ، فذلك أقوى من تزكيته بالقول ، وأما تركه العمل. بشهادته وبخبره، فليس جرحاً ، إذ قد يتوقّف في شهادة العدل وروايته لأسباب سوى الجرح . الفرع الثاني : في جواز الجرح ووقوعه (٢). قد عاب بعض من لا يفهمُ على أهل الحديث الكلام في الرجال ، لأنهم = لا يجزىء التعديل على الابهام من غير تسمية المعدل ، فإذا قال : حدثني الثقة، أو نحو ذلك مقتصراً عليه، لم يكتف به على الصحيح حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح فادح ، بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع تردداً في القلب، قال السخاوي : من كان لايروي الاعن ثقة الافي النادر: الامام احمد ، وبقي بن مخلد، وحریز بن عثمان، وسلمان بن حرب وشعبة والشعبي وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ويحيى بن سعيد القطان . (١) الذي جزم به ابن الصلاح والنووي وغيرهما أن العمل بالحديث لا يدل على صحته ولا على ثقة راويه، كما أن ترك العمل به لا يدل على ضعفه والقدح فيه . (٢) قال الامام الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي بكر رضي الله عنه من كتابه «تذكرة الحفاظ »٤/١: حق على المحدث أن يتورع فيا يؤديه ، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على ايضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الاخبار ويجرحهم جهيذاً الا بادمان الطلب، والفحص عن هذا الثأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والانصاف والتردد الى العلماء والاتقان وإلا تفعل ولو سودت وجهك بالمداد فدع عنك الكتابة لست منها فان آ نست من نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً، والا فلا تتمن، وان غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب ، وان عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله ، فأرحنا منك. - ١٣٠ - لم يقفوا على الغرض من ذلك، ولا أدركوا المقْصِد فيه، وإنما حمل أصحابَ الحديث على الكلام في الرجال ، وتعديل من عدْلوا ، وجرْحٍ من جرحوا ، الاحتياطُ في أمور الدين ، وحراسةُ قانونه، وتمييز مواقع الغلط والخطأ في هذا الأصل الأعظم الذي عليه مبنى الإسلام وأساس الشريعة، ولا يُظَنُّ بهم أنهم أرادوا الطعن في الناس والغيبة والوقيعةَ فيهم ، ولكنهم يَّنوا ضعف من ضعفوه ، لكي يُعرَف فَتُجْتَنَبَ الروايةُ عنه والأخذ بحديثه، توَرُّعاً وحِسْبة وتثبتاً في أمر الدين ، فإِن الشهادة في الدين أَحق وأَوْلى أَن يَتَبَّتَ فيها من الشهادة في الحقوق والأموال ، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلامَ في ذلك وتبيين أحوال الناس ، وهو من الأمور المُتَعَيِّنَةِ العائدة بالنفع العظيم في أصول الدين . قال ابن سيرين : كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتن سألوا عن الإسناد ، ليأخذُوا حديث أهل السُّنَّة، وَيَدَّعُوا حديث أهل البِدَع ، فإِن القوم كانوا أصحابَ حفظ وإِتقان، ورُبَّ رجل وإن كان صالحاً، لا يقيمُ الشهادة ولا يَخْفَظُها . وكل من كان مُتَّهماً بالكذب في الحديث ، أو كان مغفّلاً يُخْطِىء كثيراً، فالذي اختاره أهل العلم من الأئمة: أَن لا(١) يشتغل بالرواية عنه. وقد تكلم جماعة من أهل الحديث في جماعة من أكابر العلماء ، وضعفوهم (١) سقطت كلمة ((لا)) من المطبوع - ١٣١ - من قبل حفظهم ، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم ، وإن كانواقد وَهِمُوا في بعض ما روَوْا ، ألا ترى أن الحسن البصري وطاوساً قد تكلما في معبد الجُهَيّ(١) . وتكلم سعيد بن جبير في طَلْق بن حبيب(٢). وتكلم ابراهيم النخعي وعامر الشَّعبي في الحارث الأعور (٣). وكذلك أيوب السختياني ، وعبدالله بن عون، وسليمان التيمي ، وشعبة ابن الحجاج ، وسفيان الثوري ، ومالك بن أنس، والأوزاعي ، وعبد الرحمن ابن مَهْدي ، ويحيى بن سعيد القطان ، ووكيع بن الجراح ، وعبد الله بن المبارك، وغيرُ هؤلاء من أئمة الحديث والفقه قد تكلموا في الرجال وضعفوهم. (١) ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، ووثقه ابن معين وابو حاتم والذهبي وغيرهم. وقال ابو موسى اسحاق الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين والصدق والأمانة، لم يتوهم عليهم الكذب وان بلوا بسوء رأيهم، فمنهم قتادة ومعبد الجهني وهو رأسهم ، وقال الدارقطني: حديثه صالح، ومذهبه رديء، وكلام الحسن وطاوس فيه في الحذر من مذهبه فلا يكون تضعيفاً له . (٢) هو طلق بن حبيب العنزي البصري من صلحاء التابعين وعبادهم وثقه ابن سعد وأبو حاتم وابو زرعة وابن حبان والعجلي وغيرهم، وكلام ابن جبير فيه لكونه رمي بالارجاء. اخرج حديثه مسلم والبخاري في ((الأدب المفرد)) وأصحاب («السنن)). (٣) هو الحارث بن عبد الله الاعور الهمداني بسكون الم الحوتي - بطن من حمدان - الكوفي صاحب الامام علي رضي الله عنه . كان من أوعية العلم فقيهاً فرضياً ويفضل علياً على ابي بكر،وقد وثقه ابن معين والنسائي واحمد بن صالح وابن أبي داود وغيرهم، وتكلم فيه الثوري وابن المديني وابو زرعة وابن عدي والدارقطني وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم ، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال)) ٤٣٧/١: والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الابواب، فهذا الشعي يكذبه، ثم يروي عنه، والظاهر انه كان يكذب في لهجته وحكاياته ، واما في الحديث النبوي، فلا ، والنسائي مع تعنته في الرجال قد احتج به وقوى أمره . - ١٣٢ - وعلى ذلك جاء الناسُ بعدهم ، مازالوا يتكلمون في الرجال ليعرفوا . كيف والمسلمون مجمعون على أنه لا يجوز الاحتجاج في أحكام الشريعة إلا بحديث الصَّدُوق العاقل الحافظ؟! فيكفى هذا مبيعاً لجرح من ليس هذا صفته ، وتبيين حاله ، ليُعْلَم عمن تؤخذ الأدلة ، وُتُتَلَقَى الرواية. الفرع الثالث : في بيان طبقات المجروحين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، جميعهم عدول بتعديل الله تعالى ورسوله عِّه، لا يحتاجون إلى بحث عن عدالتهم. وعلى هذا القول مُعْظَمُ المسلمين من الأئمة والعلماء من السلف والخلف . وذهب جمهور المعتزلة إلى أن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ، وجميع أهل العراق والشام فُسَّاقٌ بقتالهم الإمامَ الحق ، يعنون علياً كرم اللهوجهه . وقال قوم من سلف القدرية: يجبُرُدشهادة عليّ، والزبير، وطلحة، مجتمعين ومتفرقين ، لأن فيهم فاسقاً لا بعينه . وقال قوم : تقبل شهادة كل واحد منهم إذا انفرد ، لأنه لم يتعين فسقه، أما إِذا كان مع مخالفه، رُدَّت شهادته، إِذْ يُعْلَم أَن أَحدهما فاسق. وشك بعضهم في فسق عثمان رضي الله عنه وقَتلَتِهِ . وكل هذا ◌ُجرأة على السلف تخالف السّنّة ، فإِن ماجرى بينهم كان مبنياً على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب(١) والمصيب واحد مثاب، والمخطىء معذور ، لاترد شهادته . (١) في المطبوع: مصيباً ، وهو خطأ. - ١٣٣ - وقال قومٌ: ليس ذلك أمراً مجتهداً فيه، فإِن قَتَلَة عثمان والخوارج مخطئون قطعاً ، لكن جهلوا خطأهم ، فكانوا متأَوْلين، والفاسق المتأَوِّل لاتردُ روايته، وهذا أقربُ من المصير إلى سقوط تعديل القرآن للصحابة . [ تعريف الصحابة ] ثم الصحبة من حيث الوضعُ تنطبق على من صحب النبي صَّةٍ ولو ساعة ، لكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته ، ولاحدَّ لتلك الكثرة بتقدير ، بل بتقريب . وقيل: هو من اجتمع فيه أَمران. أحدهما: هذا. والآخر: أن تكون صحبته طالت معه على سبيل الأخذ عنه، والاتباع له، لأن من أطال مجالسة العالم لا على سبيل الاستفادة والاتباع له ،لا يدخل في زمرة أصحابه(١). ولمعرفة الصحابي طريقان . (١) قال الحافظ ابن حجر في («الاصابة)) ٥٠٤/١ في تعريف الصحابي: أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ، ومات على الاسلام . فيدخل فيمن لفيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا مه او لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى، ثم بين انه يدخل في قوله «مؤمناً به» كل مكلف من الجن والانس ، وأنه يخرج من التعريف من لقيه كافراً وإن أسلم بعد ذلك، وكذلك من لقيه مؤمناً بغيره ، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وكذلك من لقيه مؤمناً ثم ارتد ومات على الردة والعياذ بالله، ويدخل في التعريف من لقيه مؤمناً ثم ارتد ، ثم عاد إلى الاسلام ومات مسلماً كالأشعث بن قيس ، فانه ارتد ثم عاد الى الاسلام ومات مهماً ، وقد اتفق أهل الحديث على عده من الصحابة . ثم قال وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما . - ١٣٤ - أحدهما: يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر: أنه صاحبَ النبي صَّه. صَلى الله والآخر : يوجب الظَّنَّ، وهو إخبار الثقة والنقل الصحيح . هذا حكم عدالة الصحابة رضي الله عنهم باختلاف الناس فيهم . وأما من جاء بعدهم، فالكلام فيهم يطول، ولا يخلوقوم من عدالة أو فسق، والعدالة قليلة ، وأسباب الفسق كثيرة، فكل من عَرِيَ عن شرط من شروط الرواية أو الشهادة التي تقدم ذِكْرها ، فهو مجروح لا يقبل قوله. [ طبقات المجروحين] وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عَشْرَ طبقاتٍ، ۵ ذكرها الحاكم رحمه الله تعالى . الطبقة الأولى وهي أعظم أنواع الجَرْحِ، وأَخْبَثُ طبقاتِ المجروحين: الكَذِبُ على رسول اللّهَ عَِّ. وقد قال ◌ِّهِ مِن كَذَبَ عليَّ مُتعمّداً فَلْيَتَبَوَّأُ مِفْعَدَهُ من النار)). وهي كبيرة من الكبائر، وقد ارتكبها جماعةٌ كثيرةٌ ، اختَلَفَتْ أَغْرَاضُهُم ومقاصِدهم في ارتكابها . فِمَّن ارتكبها ، قومٌ من الزنادقةِ ، مثل المغيرة بن سعيدالكوفي(١)، ومحمد ابن سعيد الشامي المطلوب في الزندقة (٢)، وغيرهما، وضَعُوا الأحاديثوحَدَّثوا (١) كذبه غير واحد من الأئمة كما تجد ذلك في ترجمته في («الميزان)) ١٦٢،١٦٠/٤ قتله خالد بن عبدالله القسري في حدود العشرين ومائة لادعائه النبوة . (٢) كذبه أحمد وابن حبان والجوزجاني والحاكم، وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة ، إبراهيم بن أبى يحي بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد بالشام = - ١٣٥ - بها ليُوقِعوا بذلك الشَّكَّ فِي قُلوبِ الناس. فما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله ◌ٍَّ: «أنا خاتم النبيِّينَ، ولا نيَّ بعدي)): ((إِلا أن يشاء الله (١))) فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزّنْدَقَةِ. ومنهم قومٌ وضعوا الحديث لهوىّ يدعون الناس إليه ، فمنهم من تاب وأَقْرَّ على نَفْسِهِ . قال شيخ من شيوخ الخوارج ، بعد أن تابَ: إِن هذه الأحاديثدين، فانظروا ممن تأخذون دينكم ، فإِنَّا كنَّا إِذا هَوينا أمراً صَيَرْناهُ حديثاً . وقال أبو العيناء : وضعْتُ أَنا والجاحظُ حديثَ فَدَكٍ ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد ، فقبلوه الا ابن شيْبَة العَلويِّ، فإِنه قال: لا يُشْبِهُ آخرُ هذا الحديثِ أَوَّلَه، وأَبى أَن يقبله . وقال سليمانُ بن حَرْبٍ: دخلتُ على شيخٍ وهو يبكي، فقلتُ له: ما يبكيك؟ قال: وضعْتُ أَربعمائة حديث ، وأَدخلتُها في بار نامج الناس ، فلا أدري كيف أَصْنَعُ؟ ومنهم جماعةٌ وضعوا الحديثَ حِسْبَةَ، كما زعموا يدعون الناس الى فضائل = وذكر خالد بن يزيد الأزرق عنه أنه كان يقول: إذا كان الكلام حسناً لم أبال أن أجعل له اسناداً. وقال العقيلي : يغيرون اسمه إِذا حدثوا عنه . (١) وممن نص على كون الاستثناء موضوعاً الشوكاني في ((الفوائد)) المجموعة)) ص ٣٢٠ وقال: رواه الجوزقاني ولكنه لم ينص على اسم واضعه إنما قال : وضعه أحد الزنادقة . - ١٣٦ - الأعمال، مثلُ أَبي ◌ِصْمة نُوح بن أبي مريم المرْوَزِي(١)، ومحمد بن عكاشة الكَرْمَاني ، وأحمد بنُ عبد الله الجوّ يباري وغيرهم. قيل لأبي عصْمة: مِنْ أينَ لكَ عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سُورةً سُورةً ، وليس عند أصحابٍ عكرمة هذا ؟ فقال: إني رأيت النَّاس قد أَعْرَضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازي محمد بن إسحاق ، فوضعتُ هذا الحديثِ حِسْبَةً . ومنهم جماعةٌ وضعوا الحديثَ تَقَرُّباً الى الملوك، مثل غياث بن ابراهيم(١)، دَخْلَ على المهديّ بن منصور، وكان يُعْجِبُهُ الحمامُ الطيّارةُ الواردَةُ من الاماكن البعيدة، فَرَوَى حديثاً عن النبي ◌ِِّ أنه قال: ((لا سبق الا في خُفٍ، أَو حافرٍ، أَو نصْلٍ، أَو جناحٍ(٣)) قال: فأَمرَ لهُ بعشرةِ آلاف درهم ، فلما قام (١) قال الذهبي في ترجمته من («الميزان)) ٢٧٩/٤: عالم أهل مرو وهو نوح الجامع، لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة ، والتفسير عن الكلي ومقاتل، والمغازي عن ابن اسحاق .. ولي قضاء مرو في خلافة المنصور وامتدت حياته . روى عن الزهري وابن المنكدر، وعنه نعيم بن حماد وسويد بن نصر، وحبان بن موسى المراوزة وآخرون. قال أحمد : لم يكن بذاك في الحديث ، وكان شديداً على الجهمية ، وقال مسلم وغيره : متروك الحديث ، وقال الحاكم : وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن عدي: عامة ما أوردت له لا يتابع عليه وهو مع ضعفه يكتب حديثه. قال اللكنوي في («الفوائد البهية)) ص ٢٢١: هو وان كان اماماً جليلاً الا انه مقدوح فيه عند المحدثين حتى رماه بعضهم بالوضع. (٢) قال أحمد : ترك الناس حديثه، وروى عباس عن يحي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني : سمعت غير واحد يقول : يضع الحديث ، وقال البخاري : تركوه . (٣) أخرجه دون الزيادة أحمد وأصحاب («السنن)) واسناده صحيح، وصححه الحاكم، والسبق بفتح السين= - ١٣٧ - وخرجَ، قال المهديُّ: أَشهدُ أَنَّ قفاكَ قَفَا كذَّاب على رسول الله ◌ٍِّ ، ما قال رسول الله بَرِيمٍ: ((جناحٍ)) ولكن هذا أَرادَ أَن يتقرَّبَ الينا، يأُغُلامُ اذَبَح الحمامَ . قال: فذبحَ حماماً بمالٍ كثير . فقيل: يا أمير المؤمنين ، وما ذنب الحمام؟ قال: من أجلهن كُذِبَ على رسول الله وَالٍّ. وقيل لمأمون بن أحمد المروزي(١): أَلا ترى إلى الشافعي رحمه الله وإلى من تبع له بخُراسان؟ فقال: حدثنا أحمد بن عبيد الله ، حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه («يكون في أمتي رجل يقال له : محمد بن إدريس أَضرُّ على أُمَّتي من إبليس ، ويكون في أمتي رجل يقال له : أَبو حنيفة، هو سراج أمتي)). ومنهم : قومٌ من السُّؤَّالِ والمكدين يقِفُونَ في الاسواقِ والمساجد ، فيضَعونَ على رسول الله ◌ِ ◌ّ أحاديث بأسانيدَ صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد . قال جعفر بن محمد الطيالسي : صلى أحمدبن حنبل ويحيى بن معين فيمسجد = وسكون الباء مصدر: سبقت أسبق، وبفتح الباء : ما يجعل من المال رهناً على المسابقة ، ونص الخطابي على أن الرواية الصحيحة بفتح الباء، والنصل حديدة السهم، والخف للابل، والخافر للخيل. (١) ذكره الذهي في «الميزان» ٤٢٩/٣، فقال: مأمون بن أحمد السلمي الهروي عن هشام بن عمار وعنه الجويباري أتى بطامات وفضائح، قال ابن حبان : دجال، ويقال له : مأمون بن عبد الله. ومأمون أبو عبدالله، وقال: سألته متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين قلت: فان هشامً، الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين ، فقال : هذا هشام بن عمار آخر ، ثم ذكر ماوضه عن الثقات ... - ١٣٨ - الرَّصافَةِ ، فقام من بين أيديهما قاصٌّ ، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بنُ معين قالا: حدثنا عبدالرزّاق، قال: حدثنا معمَرٌ عن قتادة عن أنسٍ ، قال: قال رسول الله عَّله((من قال: لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب ، وريشه مَرْجَانٌ )) وأخذ في قصة من نحو عشرين ورقة ، فجعل أحمد ينظر إِلى يحيى بن معين، ويحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدَّثْتَه بهذا؟ فقال : والله ماسمعتُ به إلا هذه الساعة، قال: فسكتا جميعاً حتى فرغ من قصَصِهِ ، وأخذ قطعة، ثم قعد ينتظر بقيَتها، فقال يحيى بيده: أنْ تعالَ، فجاء متوهماً لنوال يجيزه، فقال له يحيى: مَنْ حدَّثْكَ بهذا الحديث؟ فقال : أحمد ابن حنبل ، ويحيى بن معين . فقال : أنا ابن معين ، وهذا أحمد بن حنبل ، ماسمعنا بهذا قط في حديث رسول الله عَّةٍ، فإن كان لا بدَّ من الكَذِبِ ، فعلى غيرنا ، فقال له : أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم !قال: لم أزل أسمع أن يحيى ابن معين أحمقُ ، وما علمته إلا هذه الساعة ، فقال له يحيى : وكيف علمتَ أَني أحمق ؟ قال : كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيرُكُما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا ، قال : فوضع أَحمد كُمَّه على وجهه ، وقال : دَعْهُ يقومُ ، فقام كالمستهزىء بهما . فهؤلاء الطوائف كَذَبَةٌ على رسول الله بِّهِ ، ومن يجري مجراهم . الطبقة الثانية من المجروحين قومٌ عَمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله صَ لّهِ بأسانيد معروفة - ١٣٩ - ووضعوا لها غير تلك الأسانيد، فركبوها عليها ليَسْتَغْربوها بتلك الأسانيد. منهم: إِبراهيم بن اليسع من أهل مكة يحدث عن جعفر بن محمد الصادق، وهشام بن عروة ، فركّبَ حديثَ هذا على حديثٍ هذا ، وحديث هذا على حدیث هذا . ومنهم : ◌َّادُ بن عمرو ، وبهاول بن عبيد . الطبقة الثالثة قوم من أهل العلم حملهم الشّرَهُ على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا ، مثل إبراهيم بن هدية ، كان يروي عن الأوزاعيّ ولم يدركه . الطبقة الرابعة قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم ، فرفعوها إِلى رسول الله عَ اقِ، كأبي حذافة أحمد بن اسماعيل السهميّ، روى عن مالك عن تافع عن ابن عمر عن رسول اللّه عَّ له قال: ، الشفق هو الحمرة)) والحديث في ((الموطأ)» عن نافع عن ابن عمر من قوله (١). (١، الذي وجدناه في ((الموطأ)) ١٣/١ من رواية يحيى بن يحي: وقال مالك: الشفق: الحمرة التي في المغرب، فاذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء ، وخرجت من وقت المغرب)» ولم نجد فيه غير ذلك لا مرفوعاً ولا موقوفاً، فلينظر من غير رواية يحي بن يجى الليثي. وقد رواه الدارقطني في ((سنته)) ص ١٠٠ من حديث عتيق بن يعقوب حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الشفق الخمرة)) وأخرجه أيضاً من حديث أبي هريرة موقوفاً عليه، وصحح البيهقي وقفه، وذكره الزيلعي في «نصب الراية»٢٣٣/١ من رواية الحافظ = - ١٤٠ -