النص المفهرس

صفحات 101-120

قال الإِمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله : كل من ضعف قوماً من
الرواة ، فإِنما ضعفهم من قِبَل الإِسناد، فَزَاد فيه أو نقص أو غَيَّره،
أو جاء بما يتغير فيه المعنى ، فأما من أقام الإسناد وحفظ وغير
اللفظ ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى .
قال: وقال واثلة بن الأسقع رحمه الله: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم.
وقال ابن سيرين : كنت أسمع الحديث من عشرة ، اللفظ مختلف
والمعنى واحد .
وقال: كان ابراهيم النخعي والحسن والشّغني رحمهم الله يأتون
بالحديث على المعاني
وقال الحسن : إِذا أصبت المعنى أجزأَك .
وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا قلتُ لكم: إني أحَدْئكم كما
سمعتُ فلا تُصدِّقوني، إنما هو المعنى.
وقال وكيع : إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هَلَكَ الناسُ .
وقال : كان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة رحمهم
الله يُعيدون الحديث على حُرُوفِهِ .
وقال مجاهد : انقُصْ من الحديث إن شئت ، ولا تَزِذْ فيه .
وقال : وكان مالك بن أنس رحمه الله يُشدْد في حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا .
- ١٠١ -

وعلى ذلك جماعةٌ من أئمة الحديث ، لا يَرَوْن إبدال اللفظ ولا تغييره ،
حتى إنهم يسمعونه مَلْحُوناً ويعلمون ذلك، ولا يغيِرونه ، وذلك هو
الأحوطُ في الدين ، والأفقى والأولى .
ولكن أكثر العلماء على خلافه ، والقول بالجوازِ وهو الصحيح ،
فإن الحديث كَذَا وَصَلَ إليهم ، مختلِفَ الألفاظ، مُتَّفِقَ المعنى، ونَعْلم
قطعاً في أحاديث كثيرةٍ ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت واحد،
ونقلها الصحابة بألفاظهم المختلفة .
وسنورد فيما بعد من هذه المقدمة فصلاً ذكره الإمام أبو عبد الله
الحميدي رحمه الله في آخر كتابه ما يَدْلُّ على ذلك وعلى سببِهِ، والْعُذْرِ
فيه ، إن شاء الله تعالى .
النوع الثالث : في رواية بعض الحديث .
رواية بعض الحديث ممتنعة عند أكثر من مَنَعَ نَقْلَ الحديث بالمعنى.
ومَن جوَّر نقْلَ الحديث بالمعنى جوَّزَ ذلك، إن كان قد روَاهُ مرَّة
بتمامه، ولم يتعَلَّق المذكور بالمتروك تعلقاً يغيِّر معناه، فأمّا إذا تعلَّق به ،
كشرطِ العبادة أو ركنيها، أو ما به التمام، فنقل البعض تحريفٌ وتلِْيسُ،
أما إذا روى الحديث مَرَّةً تامًّا، ومرَّة ناقصاً نَقْصاً لا يُغيِّرُ مَعْنىَ، فهو
جائزٌ، ولكن بشرط أن لا يَتَطَرَّقَ إليه سوء الظَّنِّ بالتهمة .
وما العَجّبُ إلاّ يَّنْ مَنْعَ مِنْ ذلك، وقد رأى كُتَبَ الأئمة ومصنفاتهم
- ١٠٢ -

وأحاديثَهم ، وهي مشحونة بأبعاض الأحاديث ، يذكرون كلّ بعض
منها في بابٍ يُخُصْه، يَسْتَدَلُون به على ذلك الباب ، كيف والمقْصِدُ الأعظم
من ذكر الحديث إنما هو الاستدلال به على الحكم الشرعي ؟
فإذا ذكر من الحديث ماهو دليل على ذلك الحكم المستخرج منه ،
فقد حصل الغرض، لكن يبقى الأدب بالمحافظة على ألفاظ الرسول صلوات
الله عليه ، وإيرادها كما ذكرها وتلَفْظ بها .
والأوْلَويَّة درجة وراءَ الجواز، وما قصدَ مَن منع الاستعمال إلا
الأخْوَط والأتْقَى والتّحَرُّز عن التسامح والتساهل في لفظ الحديث .
النوع الرابع انفراد الثقة بالزيادة .
إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النّقلة، فإِنه تُقْبَلُ منه
زيادته عند الأكثر ، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ ، أو من حيث
المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفّاظ، قُبِلَ. فكذلك الزيادة(١).
(١) الذي انتهى إليه ابن الصلاحو النووي، ورجحه الحافظان: ابن حجر والسيوطي أن الزيادة
على ثلاثة أنواع ، النوع الأول أن لاتكون منافية لما ليست هي فيه ، وحينئذ فهي مقبولة
بالاتفاق ، لانها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ، ولا يرويه عن شيخه غيره ، والنوع
الثاني : أن تكون الزيادة مخالفة لما ليست هي فيه ، لكن مخالفتها بتقييد المطلق ونحوه ، وهذا
النوع يترجح قبوله، والنوع الثالث أن تكون الزيادة منافية لما ليست هي فيه ، وهذا النوع
مردود غير مقبول. قال الحافظ ابن حجر في ((نزهة النظر)) ص ١٩: وزيادة راوي الصحيح
والحسن مقبولة مالم تقع منافية لرواية من هو أوثق منه ممن لم يذكر تلك الزيادة ، لان الزيادة
إما أن تكون لاتنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها ، فهذه تقبل مطلقاً ، لانها في حكم
الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره ، وإما أن تكون منافية بحيث=
- ١٠٣ -

فإن قيل : يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع .
قلنا : تصديق الجميع أولى ، إذا كان ممكناً ، وهو قاطعٌ بالسماع ،
والآخرون ما قطعوا بالنفي، فلعل الرسول نَّهِ ذَكَرَه في ◌َجْلسَيْنِ،
فحيث ذَكرَ الزيادة لم يُخْضُرْ إلا ذلك الواحد، أو كرَّرَه في مجلس ،
وذكر الزيادة في إحدى الكرَّتين، ولم يحضر إلا ذلك الواحد .
ويحتمل أن يكون راوي الناقص حَضَرَ في أثناء المجلس ، ولم يسمع
التمام ، أو أنهم اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة ، إلا ذلك الواحد ،
= يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى ، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها ، فيقبل
الراجح ويرد المرجوح . واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل
ولايتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً ، ثم يفسرون
الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ، والعجب ممن غفل عن ذلك مع اعترافه باشتراط انتفاء
الشذوذ في حد الصحيح وكذا الحسن ، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن
مهدي ، ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري
وأبي زرعة ، وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها،
ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة، وأعجب من ذلك اطلاق كثير من الشافعية
القول بقبول زيادة الثقة مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك .
ولابن حبان صاحب الصحيح في زيادة الثقة ر أي له أهميته، ذكره في مقدمة («صحيحه» ١٢٠/١ وهاكه
بنصه: وأما زيادة الالفاظ في الروايات ، فانا لا نقبل شيئاً منها الا عمن كان الغالب عليه الفقه ،
حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه حتى لايشك فيه أنه أزاله عن سننه، أو غيره عن معناه أم
لا ، لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون ، والفقهاء الغالب
عليهم حفظ المتون وإحكامها ، وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين ، فاذا رفع
محدث خبراً وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلا من كتابه ، لأنه لا يعلم المسند من المرسل
ولا الموقوف من المنقطع ، وإنما همته إحكام المتن فقط ، وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث
حافظ متقن أتى بزيادة لفظ في الخبر ، لأن الغالب عليه إحكام الاسناد ، وحفظ الأسامي ،
والاغضاء عن المتون وما فيها من الالفاظ إلا من كتابه . هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات
في الالفاظ . فتأمل كلام هذا الامام ، فانه نفيس جداً .
- ١٠٤ -

أو طرأ في أثناء الحديث سبَبٌّ شاغل مُدْهِش، فَعَفْلَ به البعض عن الإِصغاء،
فيختصُ بحفظ الزيادة المُقْبِلُ على الإصغاء ، أو يَعْرِض لبعض السَّامعين
خاطر شاغل عن الزيادة ، أو يعرضُ له ما يُوجِب قيامَه قبل التمام .
فإِذا احتمل هذا كله أو بعضه ، فلا يُكَذَّب العدل مهما أمكن .
كيف والظاهر من حال المسلم أنّه لا يُقْدِمِ على أن يرويَ عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم مالم يقله، لاسيَّما وقَدْ سمعَه يقول، أو بلَغَه أَنّه
قال: (( من كَذَب عليَّ مَتَعَمِّدا فَلْيَقَبَوَّأُ مَفْعَدَه من النار، (١).
النوع الخامس: في الاضافة الى الحديث ماليس منه .
قد يظن قومٌ أنَّ هذا النَّوْعَ هو الذي قَبْلَه ، وليس كذلك، فإن
الأول : هو أَن ينفرد الرّاوي بزيادة في الحديث يرفعها إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ويجعلها من قوله .
وهذا النوع : هو أن يذكُرَ الراوي في الحديث زيادة ، ويضيف
إليه شيئاً من قوله ، إلا أنه لا يبيّن تلك الزيادة أنها من قول النبي صلى الله
عليه وسلم ، أو من قوله نفسه ، فَتَبْقَى مجهولة .
وأهل الحديث يُسَمُون هذا النوع ((الْمُنْرَج)) يعنون أنه أدْرَجَ
الراوي كلامه مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُيِّرْ بِيْنَهما، فَيُظَنُّ
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مروي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح
والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر .
- ١٠٥ -

أن جميعه لفظ النبي عَ لّه.
ومثاله : حديث ابن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ
بيده، فعَلَمَه التشهُّدَ، قال: ((قل: التحيات لله ... )) فذكر التشهد
إلى آخره، ثم قال: ((فإذا قلت هذا فقد قَضَيْتَ صلاَتَكَ ، إن شئْتَ أن
تقوم فقم، وإن شئت أن تَقْعُدَ فاقعُدْ)) (١).
فقوله ((إِذا قلت هذا .. )) إلى آخره)) مذْرَج في الحديث من كلام
ابن مسعود، لأن التمييز قدجاء بينهما في رواية أخرى(٢)، وذلك أنه
ذكر الحديث إلى آخر التشهد، ثم قال الراوي: «قال عبد الله بن مسعود:
إذا فَرَغْتَ من هذا فقدْ قَضَيت صلاتك، فميز هذا الراوي بين الكلامَيْن
بزيادته التي ذكرها . والزيادة من الثقة مقبولة، على ما سبق في النوع الرابع.
(٣)
الفرع الرابع
في المسند والاسناد
(١) أخرجه أحمد في «المسند» ٤٢٢/١ وأبو داود الطيالسي ١٠٢/١ والدارمي ٣٠٩/١ وأبو داود
٣٥٠/١ والطحاوي ص ١٦٢ وإسناده صحيح وأئمة الحديث كابن حبان والدار قطني والبيهقي
والخطيب والزيلعي والكمال متفقون على كون هذه الزيادة مدرجة، وذكر النووي في «الخلاصة»
و«شرح مسلم» أنهم اتفقوا على أنها مدرجة. لكن العلامة العيني في «البناية» كلام رد فيه قول من
يقول: إن هذه الريادة مدرجة، وانتهى إلى أن ابن مسعود سمع ذلك من النبي صلى الله
عليه وسلم، فرواه مرة وأفتى به أخرى ، ونقل كلامه بطوله أبو الحسنات اللكنوي في كتابه
(«ظفر الاماني » ص ١٢٧، ١٢٨، ثم علق عليه بقوله: الجمع بين روايات الوقف وبين
روايات الرفع بهذا الطريق حسن جداً .
(٢) أخرجها الدار قطني ص ١٣٥، والبيهقي ١٧٤/٢ من رواية شبابة بن سوار عن زهير بن
معاوية ، وسندها صحيح .
(٣) في المطبوع («الفرع السادس)).
- ١٠٦ -

المسند: هو أن يرويَ الحديث واحد عن واحد، رآه وسمع منه أو
عليه قراءةً أو إجازة ، أو مناولة ، روايةً متّصلة إلى من رأى النبي
صلى الله عليه وسلم وسمع منه .
وللإِسناد أوضاع واصطلاح وشرائط .
فمن شروطه : أن لا يكون في الإسناد : أُخْبِرْت عن فلان ، ولا
خُدِّثْت، ولا بَلَغَنِي، ولا رفَعَه فلان، ولا أظنه مرفرعاً، إنما
يرويه المحدّث عن شيخ يُظْهرُ سماعه منه والسن يحتمله ، وكذلك سماع
شيخه عن شيخه ، إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور، إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
وعلى الراوي أن يتعرف حال شيخه ، وهل يحتمل سماعه من شيوخه
الذين يُحَدِّث عنهم ؟ ثم يتأمل أصوله، أَعَتِيقَةُ هي ، أم جديدة ؟ وعليها
طبقة سماعه أم لا ؟ فكلُّ ذلك احتياط في أخذ الحديث عنه .
ومن المسندات : أن يقول الصحابيُّ المعروف بالصُّحْبة: ((أُمرنا بكذا
وثُهينا عن كذا ، وكنا نُؤمر بكذا، ونُنهى عن كذا ، وكنا نفعل ،
وكنّا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، وكنّا لانرى بأساً
بكذا ، وكان يُقال كذا ، ومن السنة كذا ، فإذا صدر هذا عن
صحابيّ مشهور بالصحبة ، فهو حديث مسند ، وكلّه مُخرَّجْ في المسانيد .
ومن المسندات: المعَنْعَنُ، وهو أن يقول: أحد الرُّواة: ((حدَّثَنا
- ١٠٧ -

فلان عن فلان عن فلان، ولا يذكرون طرق سماعهم: ((حدَّثَنا)) و((أخبر ناء
و((سمعنا)) ، فإن هذا إذا كان رواته موثوقاً بهم مشهورين بالصدق ،
لا ينسب إليهم التدليس، وليس من مذهبهم : فسواء ذكروا طريقَ
السماع أو لم يذكروه، فإن حديثهم مقبول معمولُ به ، فإن كان رواته أو
أحدهم متهماً ، أو مِنْ مذهبه التدليس ، فيحتاج أن يذكر طريق سماعه
حتى يكون حديثه مسنداً (١) .
ومن المسندات : نوع يسمى الْمُسَلْسَلَ ، وهو اصطلاحٌ بين المحدِّثين ،
مثل أن يكون جميع رواة الحديث قد اشتركوا عند سماع ذلك
الحديث في قولٍ ، أو فعلٍ ، أو حالةٍ من النبي صلى الله عليه وسلم إلى
آخرِ رُواتِهِ .
مثل: تَشْبِيكِ الأصابعِ، أو الأخدِ باللحية، أو المصَافَحة ،
وتحرٍ ذلك من الأسباب ، فيقول : حدثني فلان ، ويده على لحيته ، قال
(٢) الصحيح الذي رجحه الحذاق من أئمة الحديث أن مارواه المدلس بلفظ محتمل - لم يصرح فيه
بالسماع - لا يقبل، بل يكون منقطعاً، وما صرح فيه بالسماع يقبل، وهذا كله إذا كان الراوي
ثقة في روايته، فقد قال ابن حبان في «صحيحه» ١٢٢/١: وأما المدلسون الذين م ثقات وعدول،
فانا لا نحتج بأخبارهم إلا مابينوا السماع فيا رووا مثل الثوري والاعمش وأبي اسحاق وأضرابهم
من الائمة المتقين وأهل الورع والدين ، لأنامتى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه وإن كان ثقة،
لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها ، لانه لا يدرى لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف
يمي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه مادلس قط إلا عن ثقة، فاذا
كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده
فانه كان يدلس ، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه
إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه .
- ١٠٨ -

حدثني فلان ، ويده على لحيته ، قال : حدثني فلان ، ويده على لحيته ،
و كذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك : حدثني فلان ، وهو
أوَّل حديث سمعتهُ منه ، قال: حدثني فلان ، وهو أول حديث سمعته
منه ، قال : حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه ، ونحو ذلك .
واعلم أن الإِسنَادَ في الحديث هو الأصل ، وعليه الاعتماد ، وبه
تعرف صحة الحديث وسَقَمُه .
قال سفيان الثَّوري: «الإسناد سلاح المؤمن ، فإذا لم يكن معه
سلاح فبأي شيء يقاتل ؟)).
وقال شُعْبة: ((كلُ علم ليس فيه: أخبَرَنا، وحدَّثنا، فَهو خَلّ وبقل(١)،
وقال يزيد بن زُرَيع(٣), لكل دِينِ فُرْسَانٌ، وفُرْسَان هذا الدين
أصحاب الإسناد )) .
وقال أحمد بن حنبل ((إذا رَوَينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في
الحلال والحرام والسُّن والأحكام - تَشَدَّدنا في الأسانيد، وإِذا رَوَينا
عنه في فضائل الأعمال ومالا يضع (٣ حكماً ولا يَرفعه، تساهَلْنَا في
الأسانيد(٤) وَلَوْلا الأسانيد لقَال مَن شَاء ما شَاءً)).
(١) في المطبوع ((ثقل))
(٢) في المطبوع («ذريع)» بالذال، وهو تصحيف.
(٣) في المطبوع: يضيع.
(٤) لفظ أحمد في رواية الميموني عنه كما نقله السخاوي في ((فتح المغيث)) ص ١٢٠: الاحاديث=
- ١٠٩ -

ثم من الإِسناد عال ونازل ، وطلب العالي سنة ، فعلى طالب علم
الحديث : أن يرغب في طلبه .
وعلوُّ الإِسناد على مراتب .
منها : ما هو بقلة العدد . ومنها ما هو بثقة الرواة .
ومنها : ما هو بفقه الرواة . ومنها : ما هو باشتهار الرواة .
ومنها : ما يجمع هذه الأوصافَ ، وهو أكملها ، أو بعضها .
= الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم ، وقال في رواية عباس الدوري
عنه: ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الاحاديث - يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال
والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أصابع يديه الأربع ، وأما النص الذي ساقه المصنف عنه ،
فهو نص كلام عبد الرحمن بن مهدي أخرجه عنه البيهقي في («المدخل» وقد بين غير واحد من
أهل العلم أن مقالة الامام أحمد وغيره إنما يريدون بها - والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الاخذ
بالحديث الحسن الذي لم يبلغ درجة الصحة ، فان الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن
لم يكن في عهدهم مستقر أًواضحاًبل كان أكثر المتقدمين لا يصفون الحديث إلا بالصحة والضعف
فقط . نقول : وأعدل الآراء في الاخذبالحديث الضعيف في فضائل الأعمال تقييد ذلك بشروط.
الاول متفق عليه وهو أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من أنفرد من الكذابين والمتهمين
بالكذب ، ومن فحش غلطه ، والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام ، فيخرج ما يخترع
بحيث لا يكون له أصل اصلا، والثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى
النبي صلى الله عليه وسلم مالم يقله، والشرطان الاخيران عن ابن عبد السلام وصاحبه ابن دقيق
العيد كما نقله الحافظ السخاوي في خاتمة كتابه («القول البديع )» عن شيخه الحافظ ابن حجر
رحمها الله . ومن العلماء من لم يبح العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، أي سواء اكان موضوعه
العقائد والأحكام إم كان موضوعه المواعظ وفضائل الأعمال، وهو مذهب البخاري ومسلم ، وأبي
بكر بن العربي كبير المالكية في عصره ، وأبي شامة المقدسي كبير الشافعية في زمنه وغيرهم ، قال
العلامة الكوثري رحمه الله في «المقالات)» ص ٤٥، ٤٦: ولهم بيان قوي في المسألة لا يهمل،
فأما ما يعطي ظاهر كلام الإمام النووي في العمل بالضعيف في فضائل الأعمال مالم يكن موضوعاً ،
فقد أثار جدلاً عنيفاً اجاد تحقيقه الامام اللكنوي في «ظفر الاماني» ص : ١٠٠، ١٠٨.
- ١١٠ -

فأما قلّة العدد، فأقل ما يُروى من الصحيح في زماننا هذا: ((ثلاثيات
البخاري ، من طريق أبي الوَقْتِ عبد الأوَّل السِّجزي(١)، فإن أصحاب
أبي الوقت بينهم وبين النبي عَّاله ثمانية أنفس في ((ثلاثيات البخاري)).
أحدهم: أبو الوقت ، ثم الداودي ، ثم السرخي ، ثم الفويري ، ثم
البخاري ، فهؤلاء خمسة ، والذين روى عنهم البخلوي ثلاثياته ثلاثة .
وقد تقع أحاديثُ مِنَ الأحاديث الصحاح الْمَخَرَّجَةِ في « الصحيحين»
أو في أحدهما من غير طريق البخاري ومسلم التي يُروى بها كتلبها ، إلا
أنَّ شرْطَ الصحة موجود فيها . مثل ما حدثنا به الشيخ أبو ياسر عبد الوهاب
ابن هبة الله بن أبي حيَّة البغدادي ، قراءة عليه ، قال : حدثنا الرئيس أبو
القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصَين، قال: حدثنا أبو
طالب محمد بن محمد بن غَيْلان البزَّاز، قال : حدثنا أبو بكر محمدبن عبد الله
بن إبراهيم الشافعي ، قال: حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق
ابن إسماعيل بن حمّاد بن زيدٍ ومحمد بن سليمان الواسطي ، قال إسماعيل :
حدثنا ، وقال محمد : سألت محمد بن عبد الله الأنصاري قال : حدثنا
حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان لي أح يقال له :
أبو عُمير، وكان له عصفور يلعب به، فمات العصفور، وكان النبي صَ لّه
(١) بكسر السين وسكون الجيم وبالزاي: منسوب إلى سجز. وهو اسم تسجستان. فاله
الحازمي ، وقال ابن ماكولا: هو منسوب إلى سجستان على غير قياس ، والأول أشبه.
- ١١١ -

يَدخل بيتنا، ويقول: ((أَبَا غُميْرِ، ما فعل الثُّغير؟)).
وفي حديث القاضي إسماعيل قال : كان ابنّ لأُمِّ سليمْ يقال له : أبو
عمير، كان النبي نَّهِ يمازحه، إذا دخل على أم سليم، فدخل يوما ،
فوجده حزيناً ، فقال: ما لأبي مُمير حزيناً ؟ قالوا : يارسول الله ،
مات ◌ُغَيْرِهُ الذي كان يلعب به، فجعل يقول: ((أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟"
فهذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما (١)، ومن
يرويه بهذا الطريق الذي ذكرناه عن ابن خُصْن يكون بينه وبين النبي
مَاليه وسلم سبعة رجال، فهو أعلى من ((ثلاثيات البخاري)) المروية
من طريق أبي الوقت برجل ، وشرط الصحة موجود فيه ، وقد جاء في
هذه الأحاديث ((الغيلانيَّات ، غير هذا الحديث بهذا العدد .
وأما ثقة الرواة ، فهو أن يكونوا معروفين بالصدق ، مشهورين
بالأمانة وصحة النقل والرواية ، لا يتطرق إليهم تهمة ، ولا جرح ولا
ريبة، كمشايخ البخاري ومسلم اللّذَين خرّجا أحاديثهم في كتابيهما (٢)،
(١) هو في البخاري ٤٣٦/١٠ في كتاب الادب باب الانبساط إلى الناس و ٤٠١ فيه أيضاً باب
الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل ، وفي مسلم ١٦٩٣،١٦٩٢/٣ في الادب باب استحباب
تحنيك المولود عند ولادته .. ، وفي هذا الحديث عدة فوائد جمعها أبو العباس أحمد بن أحمد الطبري
المعروف بابن القاص المتوفى سنة ٣٣٥ هـ الفقيه الشافعي صاحب التصانيف في جزء مفرد،
وقد لخصها الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٨٤٤٤٨١/١٠ وزاد عليها فارجع إليه أن شئت.
(٢) الحكم لشخص بمجرد رواية البخاري ومسلم أو أحدهما عنه في الصحيح بأنه من شرط الصحيح
ولا يتطرق إليه ريبة، غفلة وخطأ لانهاقد خرجا لخلق ممن تكلم فيهم كجعفر بن سليمان الضبعي
والحارث بن عبد الايادي، وأيمن بن نابل الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويدبن سعيد الحدثاني =
- ١١٢ -

فهذا وأشباهه ، وإِن بَعْدَ طريقه وكثر رجاله ، فهو عالٍ، وإن كان غيرُه
أَقلَّ رجالاً منه وليست له هذه الحال .
وأَما فقه الرواة ، فأن يكون رواته أو بعضهم فقيهاً ، كسعيد بن
المسيب، ومحمد بن شهاب الزهريّ، وسفيان الثوريّ ، ومالك بن أنس، ومن
يجري مجراهم من أئمة الفِقْه .
فإذا كان الحديث مروياً من طريق هؤلاء، كان عالياً وإن كثرت
رجاله .
قال علي بن خشرَم: قال لنا وكيع: أيُّ الإِسنادْن أحبُّ إِليكم: الأعْمَشُ
٥
= ويونس بن أبي إسحاق السبيعى وغيرهم، ولكنها رحمهما الله - كما قال الزيلعي في ((نصب الراية))
٣٤١/١، ٣٤٢ -: إذا أخرجا من تكلم فيه، فانها ينتقيان من حديثه ما توبع عليه، وظهرت
شواهده، وعلم أن له أصلًا، ولا يروبان ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أويس
حديث .. ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... )) لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات كمالك
وشعبة وابن عيينة ، فصار حديثه متابعة . وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على («الصحيحين»،
فتاهلوافي استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه ((المستدرك)» فانه يقول:
هذا حديث على شرط الشيخين أو أحدهما وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجاً به في
الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان ذلك الحديث على شرطه لما بيناه ... وربما جاء إلى حديث فيه
رجل قد أخرج له صاحب الصحيح عن شيخ معين بضبطه حديثه وخصوصيته به ، ولم يخرجا حديثه عن
غيره لضعفه فيه ، أو لعدم ضبط حديثه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه ، أو لغير ذلك ، فيخرجه
هو عن غير ذلك الشيخ، ثم يقول: هذا على شرط الشيخين أو البخاري أو مسلم، وهذا أيضاً تساهل
لان صاحي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون على شرطها، وهذا كما أخرج
البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال ، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن
المثنى ، فان خالداً غير معروف بالرواية عن ابن المثنى ، فاذا قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد عن
ابن المثنى: هذا على شرط البخاري ومسلم كان متساهلاً ، فتأمل ذلك ، واشدد عليه بكلتا يديك ، فانه
غاية في النفاسة والتحقيق من هذا الإمام الجليل رحمه الله .
- ١١٣ -
م-٨

عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن
عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل ، فقال: ياسبحان الله !
الأَعمش شيخٌ ، وأَبووائل شيخٌ، وسفيان فقيهٌ ، ومنصورٌ فقيه، وإبراهيم فقيه،
وعَلقمه فقيه، وحديثٌ يتداوله الفقهاء ، خير من حديث يتداوله الشيوخ.
فهذا من طريق الفقهاء رُباعيٌّ إلى ابن مسعود، وثنائي من طريق المشايخ،
ومع ذلك قُدِّمَ الرُّاعيُّ لأجل فِقْه رجاله .
وأما اشتهار الرواة، فأن يكونوا معروفين بالرواية عمن رَوَواعنه: كعلقمة،
وأَبي وائل عن ابن مسعود ، والقاسم بن محمد وعروة عن عائشة ، وإِبراهيم عن
علقمة ، وهشام عن عروة ، ونحو ذلك، فإن هؤلاء مشهورون بمن رَوَوْا عنه ،
وذلك يَجْعَلُ إِسْنَادُهُمْ عالياً وإِن كَثُرَتْ رجاله.
فإِذاً أَعلى هذه الرتب مختلف فيه، وكلٌّ يذهب إلى مايميل إليه نظره، لكن
الأولى أن يكون أعلاها: ما اجتمع فيه هذه الأوصاف، ثم ما كان في طريقه
الفقهاء ، ثم الثقات ، ثم المشهورون ، ثم العدد إِذا عَرِيَ من هذه الأوصاف.
ومن تحقق ماذكرناه فيعلو الإِسناد ، فقدعرف النازل منه، لأنهضده،
لكن من طُرُق النازل ما يكون قد أُخِذَ عن شيخ قد تقدَّمَ موتُهُ، واشتهر
فضلهُ ، فإِنه أقل نزولاً مما (١) أُخِذَ عن شيخ تأخر موته، وعرف بالصدق .
(١) في المطبوع: ((وممن»
- ١١٤ -

ومنها : أن ينظر طالب الحديث إلى إسناد شيخه الذي يكتب عنه ، فما
قرب من سنهطلب أًعلى منه.
ومنها: أن يكون له شيخان ، أحدهما سمع حديثاً من شيخه عن أَمدٍ
مُعَيَّن، والآخر سمعه عن أَمد أَبعدمنه ، فروايتُه عن أَبعدِ الأَمَدَيْنِ أَعلى،
وعن أَقْرِهِا أَنزل .
الفرع الخامس
في المرسل
المرسل من الحديث : هو أن يرويَ الرجل حديثاً عمن لم يعاصره، وله بين
المحدثين أنواع واصطلاح في تسمية أنواعه .
فمنه : المرسل المطلق، وهو أن يقولَ التابعي (١) : قال رسول الله
صَلى الله
ـي
فلا يكون الحديث مرسلاً مطلقاً ، ما لم يرسله التابعي خاصة عن رسول الله
◌َّ، ومنه قسم يسمى المنْقَطِع، وهو غير الأول.
قال الحاكم: وقلما تجد من يفرق بينهما، وهو على نوعين :
أحدهما : أن يكون في الإِسناد رواية راوٍ لم يسمع من الذي روى عنه
الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإِرسال.
والآخر: أن يذكر أحد رواته في الحديثعن رجل ولا يسميه جَهْلاً به،
(١) يشمل التابعي الكبير والصغير والحديث القولي والفعلي، وهذا التعريف ذكره ابن الصلاح وغيره ممن
لخص كلامه، وهو المعروف عند الفقهاء والأصوليين، وهو المشهور بين أئمة الحديث كما نقله الحاكم
وابن عبد البر في مقدمة « التمهيد)).
- ١١٥ -

فإن لم يكن للجهل به ، وإنما ترك اسمه وهو يعرفه ، فليس بمنقطع ، لكونه
معروف الاسم .
ومنه قسم يسمى المعضَل: وهو أن يكون من المرسل إلى رسول الله
عَ لّ أكثرُ من رجل، ومثاله: أن يرويَ عمرو بن شعيب أنَّ رسول الله عَل اله
فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا . ثم لا يسْنده ، ولا يرسله في حالةٍ ما ،
ولا أحد من الرواة ، وعمرو بن شعيب أقل ما بينه وبين رسول الله عَ ليه اثنان،
فإن كان الحديث قد أسنده وقتاً ما ، أو أرسله ، فليس بمعْضَل.
ومن أنواع المعْضَل: أن يُعضله الراوي من أتباع التابعين ، فلا يرويه عن
أحد، ويجعله كلاماً موقوفاً، فلا يذكره عن رسول الله عَ ليه معضلاً(١) ثم
يوجد ذلك الكلام عن رسول الله متصلاً من طريق آخر .
وأكثر ماتروى المراسيل من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب ،
ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح ، ومن أهل مصر عن سعيد بن
أبي هلال ، ومن أَهل الشام عن مكحول ، ومن أهل البصرة عن الحسن
البصري ، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي .
وأصحها مراسيل ابن المسيِّب ، فإنه أَدرك جماعةً من أكابر الصحابة ،
وأَخذ عنهم،وأدرك من لم يُدركه غيرُهُ من التابعين. وقد تأمل الأئمة مراسيله،
فوجدوها جميعها بأسانيد صحيحة .
(١) في المطبوع: ((منفصلاً)) وهو تحريف.
- ١١٦ -

والناسُ في قبول المرَاسيل مختلفون .
فذهب أبو حنيفة ، ومالك بن أنس ، وابراهيم النخعي ، وحماد بن أبي
سلمان، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن، ومن بعدهم من أئمة الكوفة إلى أَن
المراسيل مقبولة، محتج بها عندهم (١)، حتى إن منهم من قال: إنها أَصح من المَّصل
المسند، فإن التابعي إذا أسند الحديث أَحال الرواية على من رَوَاه عنه، وإذا
قال : قال رسول الله ◌ٍّ ، فإنه لا يقولُه إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته .
وأَما أَهل الحديث قَاطِبَةً، أَو معظمهم ، فإن المراسيل عندهم واهِية غيرُ
(١) وإليه جنح جمع من المحدثين، وهو رواية عن أحمد إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وحكاه النووي
في ((شرح المهذب)» عن كثير من الفقهاء، بل أكثرهم، ونسبه الغزالي إلى الجمهور ، وادعى ابن جرير
الطبري وابن الحاجب إجماع التابعين على قبوله، وتوزعا في دعوى الاجماع بما نقل من عدم الاحتجاج
به عن بعض التابعين كسعيد بن المسيب وابن سيرين والزهري ، فلو قيل : باتفاق جمهور التابعين لكان
أقرب إلى الصواب. وذكر الإمام أبو داود صاحب ((السنن)) في رسالته إلى أهل مكة المتداولة بين أهل
العلم بالحديث : وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك بن
أنس والاوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه عليه أحمد وغيره .
نقول: وقد اشترط القائلون بالمرسل أن يكون المرسل ثقة، وأن يكون متحرياً لا يرسل إلا عن الثقات، فان
لم يكن في نفسه ثقة أولم يكن متاطاً في روايته. فمرسله غير مقبول. فان قيل: ما الحامل أن كان لا يرسل
إلا عن ثقة على الارسال؟ فالجواب - وهو للحافظ ابن حجر - أن له أسباباً منها أن يكون
سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده، فيرسل اعتماداً على صحته عن شيوخه، كما صح عن ابراهيم
النخعى أنه قال : ما حدثتكم عن ابن مسعود، فقد حمته عن غير واحد، وما حدثتكم به وسميت ،
فهو عمن سميت، ومنها أن يكون نسي من حدثه وعرف انتن ، فذكره مرسلًا، لان أصل طريقته
أن لا يحمل إلا عن ثقة ، ومنها أن لا يقصد التحديث بل يذكره على وجه المذاكرة، أو على جمة
الفتوى، فيذكر المتن ، لانه المقصود في تلك الحالة دون السند، لاسيما إذا كان السامع عارفاً بمن
روى فتركه لشهرته وغير ذلك من الاسباب .
- ١١٧ -

محتج بها ، وإليه ذهب الشافعي(١)، وأحمد بن حنبل، وهو قولُ ابن المُسَيِّب،
والزهري ، والأوزاعي ، ومَنْ بعدهم من فقهاء الحجاز .
ومن هؤلاء الذين قالوا بردِّ المراسيل : مَنْ قَبِلَ مرسَل الصحابي ، لأنه
يحدث عن الصحابي ، و کلّهم عُدُول .
ومنهم من أَضاف إليه مراسيل التابعين ، لأنهم يروون عن الصحابة .
ومنهم من خَصَّص كبار التابعين ، كابن المسيب، ويحكى أنه قول الشافعي،
وأنه قبل مراسيل ابن المسيب وحدَه. واحتُجَ له بأنه وَجَدَها مُسندة(٢).
والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي والصحابي إِذا عُرف بصريح
(١) صرح الإمام الشافعي رحمه الله في ((الرسالة)) ص ١٩٣، ١٩٧ أنه يقبل المرسل بشروط :
أحدها : أن يكون المرسل ممن يروي عن الثقات أبداً ولا يخلط روايته .
ثانيها : أن يكون بحيث إذا شارك أهل الحفظ في أحاديثهم وافقهم ولم يخالفهم إلا بنقص لفظ لا يختل
به المعنى .
ثالثها : أن يكون من كبار التابعين الذين التقوا بعدد كبير من الصحابة كسعيد بن المسيب ، وهذا
الشرط وإن كان منصوصاً في كلام الشافي في (( الرسالة ) ص : ٤٦١، فقد خالفه عامة أصحابه،
فأطلقوا القول بقبول مراسيل التابعين إذا وجدت فيها الشروط الباقية .
رابعها : أن يعتضد ذلك الحديث المرسل بمسند يجيء من وجه آخر صحيح أو حسن أو ضعيف ،
أو بمرسل آخر لكن بشرط أن يكون ذلك المرسل يخرجه من ليس يروي عن شيوخ راوي
المرسل الأول ليغلب على الظن عدم اتحادهما ، وكذا إذا اعتضد بقول بعض الصحابة ، أو فتوى
عوام أهل العلم .
(٢) ذكر العلامة الكوثري رحمه الله في تعليقاته على ذيول ((تذكرة الحفاظ)) ص: ٣٢٩ أن الشافعى
رحمه الله رد مراسيل ابن المسيب في زكاة الفطر بمدين من حنطة، وفي التولية في الطعام قبل استيفائه،
وفي دية المعاهد ، وفى قتل من ضرب آباء .
- ١١٨ -

خبره أو بعادته أنه لايروي إلا عن صحابي ، قُبل مرسله ، وإن لم يعرف ذلك،
فلا یقبل ، لأنهم قد یروون عن غير الصحابي من الأعرابي الذي لاصحبة له .
الفرع السادسى
في الموقوف
وهو على أنواع:
أحدها . الموقوف عن الصحابي ، وقلَّما يخفى على أهل العلم .
وذلك: أَن يرويَ الحديث مسنداً إلى الصحابي ، فإذا بلغ إلى الصحابي قال:
إِنه كان يقول كذا وكذا ، أو كان يفعل كذاوكذا، أو كان يأمر بكذا وكذا،
ونحو ذلك .
الثاني: الموقوف على أحد الرواة قبل الصحابي .
مثل أَن يقول أحد رواة الحديث: قال ابن مسعود ، ولم يكن قد أدركه
ولا رآه ، فهذا موقوف عند ذلك الراوي ، وإِن كان اللفظ لابن مسعود.
وهذا أَحد أَنواع المرسل ، وهو أَحد قسمي المنقطع .
الثالث: أن يكون موقوفاً على أحد رواته ، وهو مسند في الأصل ، إِلا
أَن أَحد رواته قَصَّر به فلم يرفعه ، وهو أحد نوعي المعضل .
الرابع : مايوهم لفظه أنه مسند، وليس بمسند، كما روى المغيرة بن شعبةقال:
- ١١٩ -

كان أصحاب رسول الله سَّةٍ يَقْرَعونَ بلبه بالأَظَافير (١) ، فهذا يوهم لذكر
رسول الله ساتٍ فيه أنه مسند، وليس كذلك، إنما هو موقوف على صحابي
حكى عن أقرانه من الصحابة فعلاً ، ولم يُسْنِده واحد منهم(٣).
الفرع السابع
في ذكر التواتر والآحاد
وصول الحديث إلينا لا يخلو من أحد طريقين ، إما بطريق التواتر، وإما
بطريق الآحاد، ولكل واحد منها شَرح وبيان وأَحكام يُحتاج إلى ذكرها
لِثلَّا تخلو هذه المقدمة منها .
والكلام في ذِكْر هما ينقسم إلى قسمين:
القسم الاول : في ذكر التواتر، وهو حكم يتعلق بالأخبار
وحدّ الخبر: ما دخله الصدق أو الكذب، أَو تَطَرَّق إِليه التَّصديق أو
التكذيب ، وذلك أَوْلى من قولهم: مادَخَلَه الصدق أو الكذب ، فإن كلام الله
تعالى لا يدخله الكذب ، والإخبار عن المحالات لا يدخله الصدق .
(١) أخرجه البخاري في («الأدب المفرد)) ٥١٥/٢ من حديث أنس بن مالك أن أبواب التي صلى
الله عليه وسلم كانت تقرع بالاظافير. وفي سنده أبو بكر بن عبد الله الاصفهاني وهو مجهول، ومحمد
ابن مالك بن المنتصر ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الذهبي: لا يعرف وأخرجه الحاكم في
((معرفة علوم الحديث)) ص ١٩ من حديث المغيرة باللفظ الذي ساقه المصنف، واسناده ضعيف.
(٢) هذا معنى كلام الحاكم في «معرفة علوم الحديث)) ص ١٩، وذكر الخطيب البغدادي في ((الجامع بين آداب
الراوي والسامع)) مثل ذلك، ورده ابن الصلاح فى ((المقدمة)» ١٢، بقوله : بل هو مرفوع ،
وهو بأن يكون مرفوعاً أحرى ، لكونه أحرى باطلاعه صلى الله عليه وسلم، والحاكم معترف
بکون ذلك من قبيل المرفوع ، لانه قد عد قوله « کنا نفعل » مرفوعاً ، فهذا أحرى منه .
- ١٢٠ -