النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
= الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((مسند أحمد» ٣١٩:٧. ع - .
ولا أخرج مسلم في «صحيحه)) عن البخاري شيئاً مع أنه لازمه ونَسَجَ على منواله،
ولا عن أحمد إلَّ قدر ثلاثين حديثاً، ولا أخرج أحمدُ في ((مسنده)) عن مالك عن نافع
بطريق الشافعي، وهو أصح الطرق أو من أصحها، إلاَّ أربعةً أحاديث، وما رواه عن
الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً مع أنه جالس الشافعي وسمع «موطأ
مالك)) منه وعُدّ من رواة القديم.
والظاهرُ من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أنّ أحاديثَ هؤلاء في
مأمن من الضياع، لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً، وجلُّ عناية أصحاب
الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثُهم لولا عنايتهم بها، لأنه لا يَسْتَغني مَنْ
بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء، ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن
أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة، كقول الثوري في
أبي حنيفة، وقولِ ابن معين في الشافعي، وقولِ الكرابيسي في أحمد، وقولِ الذهلي في
البخاري ونحوِها، فقد حَمَّلَهم شططاً.
وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكاد ينفرد
الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً، كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان
الحنفي عن مسلم سماعاً، بالنظر إلى طرق سماع الكتابين من عصور دون طرق
الإِجازات، فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإِجازة كما لا يخفى على من عُنِي بهذا
الشأن.
وما قاله العلامة ابنُ خَلْدُون في مقدمة («تاريخه)» من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط
الصحة لم يصح عنده إلاَّ سبعة عشر حديثاً، فهَفْوةٌ مكشوفة لا يجوز لأحد أن يغتر بها،
لأن رواياته على تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسبُ، بل أحاديثُه في
سبعة عشر سفراً يسمى كل منها بـ ((مسند أبي حنيفة))، خَرَّجها جماعة من الحفاظ وأهل
العلم بالحديث، بأسانيدهم إليه، ما بين مُقِلِّ منهم ومُكْثِرٍ حسبما بلغهم من أحاديثه، =

١٦٢
وأخبرنا أبو العلاء أحمد بن الحسن بن أحمد الحافظ قراءةً عليه(١)، أنبأنا
المعمريُّ محمد بن الحسين (٢)، أنبأنا أحمد بن علي الحافظ، أخبرني
محمد بن أحمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله، سمعت خلف بن
= وقلما يُوجَد بين تلك الأسفار سفر أصغر من ((سنن الشافعي)) رواية الطحاوي، ولا من
(مسند الشافعي) رواية أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدارُ أحاديث الشافعي.
وقد خَذَم أهل العلم تلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً وتخريجاً وقراءةً وسماعاً وروايةً،
فهذا الشيخُ محدِّث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي صاحب
الكتب الممتعة في السير وغيرها، يروي تلك المسانيدَ السبعةَ عشرَ عن شيوخ له ما بين قراءة
وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلى مُخرِّجيها في كتابه ((عقد الجمان))، وكذا يرويها
بطرقٍ محدِّثُ البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في ((الفهرست الأوسط)) عن
شيوخ له سماعاً وقراءة ومشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلى مخرجيها، وهما كانا زيني
القطرين في القرن العاشر، وكذلك حملة الرواية إلى قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة.
ولإشباع ذلك كلِّه مقام آخر، وإنما ذكرنا هذا عرضاً إزالةً لما عسى أن يعلق بأذهان
بعضهم من كلام ابن خلدون، وما تلك المسانيد والكتب من متناول أهل العلم ببعيد،
وإن كنا في عصر تقاصَرَتْ الهممُ فيه عن التوسع في علم الرواية، وكتابُ «عقود الجواهر
المنيفة)) للحافظ المرتضى الزبيدي شذرةٌ من أحاديث الإِمام، وللحافظ محمد عابد
السندي كتاب «المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة)» في أربع مجلدات أكثرَ فيه جدّاً
من ذكر المتابعات والشواهد، ورفعِ المرسل ووصلٍ المنقطع، وبيانٍ مخرجي الأحاديث،
والكلام في مسائل الخلاف.
ومن ظَنَّ أن ثقاتِ الرواة هم رواةٌ الستة فقط فقد ظنَّ باطلاً، وقد جرّد الحافظ
العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقاتِ من غير رجال الستة في مؤلَّف حافل يبلغ أربعَ
مجلدات، وهو ممن أقر له الحافظ ابن حجر وغيرُه بالحفظ والإتقان، والله أعلم. ز.
(١) في طبعة القدسي: (الحسن بن أحمد بن الحسن الحافظ)، وهو خطأ.
(٢) في طبعة القدسي: (المعمر بن محمد بن الحسين)، وهو خطأ.

١٦٣
محمد، يقول سمعت إبراهيم بن مَعْقِل يقول سمعت أبا عبد الله البخاري
يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتاباً
مختصراً لسنن النبي صلى الله عليه وسلم! فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في
جمع هذا الكتاب.
فقد ظهر بهذا أن قصد البخاري كان وَضْعَ مختصر في الحديث، وأنه
لم يَقْصِد الاستيعابَ لا في الرجال، ولا في الحديث، وأنَّ شرطه أن يُخرج
ما صح عنده، لأنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلَّ صحيحاً، ولم يتعرض
لأمرٍ آخر.
وما سَلِم سندُه من جهات الانقطاع(١) والتدليس وغير ذلك من أسباب
(١) قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها
العلماءُ فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي
فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمدُ بنُ حنبل وغيرُه، قال أبو داود: فإذا لم يكن مسندٌ ضِدَّ
المرسل ولم يوجد مسند فالمراسيل يُحتَج بها وليس هو مثل المتصل في القوة. اهـ.
وقد ذكر ابنُ جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل
بدعة حدثت بعد المئتين. اهـ.
قال ابنُ عبد البر: كلُّ من عُرِف أنه لا يأخذ إلَّ عن ثقة فتدليسُه وترسيلُه مقبول،
فمراسيلُ سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح، ثم ذكر
كلامَ النخعي الذي خَرَّجَه الترمذي من أنه إذا قال: قال عبد الله، وأرسل، فسمعه من
جماعة بطرقٍ إليه، وإذا أسند فبسنده فقط، وقال: إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن
مرسل الإِمام مالك أولى من مسنده، لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل النخعي
أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلاَّ أن إبراهيم ليس بمعيار على غيرِه. انتهى من
التمهيد. قال العجلي: مرسلُ الشعبي صحيح لا يكاد يُرسِلُ إلَّ صحيحاً. اهـ.
واحتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، وكذا الشافعي وأحمد =

١٦٤
الضعف، لا يخلو إما أن يُسَمَّى صحيحاً أو لا يطلق عليه اسم الصحة، فإن
كان يسمى صحيحاً فهو شرطُه على ما صَرَّح به ولا عبرةَ بالعدد، وإن لم
يُطلق عليه اسمُ الصحة فلا تأثير للعدد لأن ضمَّ الواهي إلى الواهي لا يُؤَثَّر في
اعتبار الصحة، ولم يذهب إلى هذا أحد من أهل العلم قاطبة .
وأما شرطُ مسلم فقد صرح به في خطبة كتابه(١).
= وأصحابُهما إذ اعتَضَد بمسند آخر أو مرسل آخر بمعناه عن آخر، فيدل على تعدد
المخرج، أو وافقه قولُ بعض الصحابة، أو إذا قال به أكثرُ أهل العلم، فإذا وجد أحدُ هذه
الأربعة دل على صحة المرسل. ذكره ابن رجب، ثم قال:
واعلم أنه لا تَنَافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما
يريدون صحة الحديث المعيَّن إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على طريقهم
(ومصطلحهم)، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمّا
الفقهاءُ فمرادُهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عَضَدَ ذلك المرسلَ
قرائنُ تدل على أن له أصلاً قوِي الظنُّ بصحة ما دل عليه، فاحتُجَّ به مع ما احتَفَّ من
القرائن، وهذا هو التحقيقُ في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما
مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحةً المرسل حينئذ، وقد سَبَق قولُ أحمد في
مرسلات ابن المسيب أنها صحاح، ومثلُه في كلام ابن المديني وغيرِه. اهـ.
ورَدُّ مرسلِ التابعي قولُ بعض الظاهرية، ومن رد المرسلَ فقد رد شطر السنة، ولا
يضر الانقطاع في المرسل المقبول، وتفصيلُ المذاهب وأدلتِها في المرسل في «جامعٍ
أحكام المراسيل)» للحافظ العلائي وغيره. ز.
(١) حيث قسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول: ما رواه الحفاظُ المتقنون، والثاني:
ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان، والثالث: ما رواه الضعفاء
المتروكون، وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني، وأما الثالث فلا يُعَرِّج عليه.
فاختَلَف العلماءُ في مراده بهذا التقسيم، فذهب الحاكمُ والبيهقي إلى أن المنية
اخترمت مسلماً رحمه الله قبل إخراج القسم الثاني، وارتأى القاضي عياض أنه استوفى في =

١٦٥
= كتابه ما وَعَد، واستحسنه النووي، وعلى هذا يَهُوْن أمرُ ما يُورَدُ عليه، لجريانه على ما
وعد من إخراج حديث الطبقتين المتفاوتتين في الصحة، إلاَّ أنه تكون الصحةُ عنده بحيث
تشمل الحسنَ كما هي كذلك عند ابن خزيمة وابن حبان وغيرِهما، ولا نَصَّ منه على
ذلك.
قال ابنُ سيد الناس: أبو داود اجتنب الضعيف الواهي وأتى بالقسمين الأولِ
والثاني، فَأَشْبَهَ مسلماً، يعني أن في مسلم الصحيح والحسنَ.
قال العراقي: إن مسلماً التزم الصحةَ في كتابه فليس لنا أن نحكُمَ على حديث
خَرَّجَه فيه بأنه حسن عنده لقصور الحسن عن الصحيح، وأبو داود قال: وما سكتُّ عنه
فهو صالح، والصالحُ قد يكون صحيحاً وقد يكون حسناً عند من يرى الحسن رتبةً دون
الصحيح، ولم يُنقَل لنا عن أبي داود هل يقول بذلك أو يرى ما ليس بضعيف صحيحاً،
فكان الاحتياطُ أن لا يرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أن رأيه هو الثاني. اهـ.
واستقر مصطلح المتأخرين على أن ما يشمل من صفات القبول أعلاها فهو
الصحيح لذاته، وما خف فيه الضبطُ فإن جُبِرَ بمساوٍ أو أقوى فصحيحٌ لغيره، وإن لم
يُجبر فحسن لذاته، وإن قامت قرينة ترجح جانب القبول فيما يتوقف فيه فحسن لغيره.
وليس المستورُ في كلام مسلم هو المستورُ عند المتأخرين لأنه عندهم المجهولُ
الحالِ، بأن لا يُؤَثَّقَ، وإن روى عنه اثنان وزالَ بهما جهالةُ العين.
وشروط الصحة: الاتصالُ والعدالةُ والضبطُ مع السلامة من الشذوذ والعلة. قال
ابن دقيق العيد: والأخيران زادهما أصحابُ الحديث، وفي هذين الشرطين نظر على
مقتضى نظر الفقهاء، فإنّ كثيراً من العلل التي يُعلِّلُ بها المحدثون لا تجري على أصول
الفقهاء. اهـ. نقله العراقي عن «اقتراحه)) ص ١٥٣ - ١٥٥. ز.
وكلامُ القاضي عياض رحمه الله تعالى الذي أشار إليه شيخُنا، هو كما يلي: ((وليس
الأمرُ على ما قاله الحاكمُ لمن حَقَّق نظرَه، ولم يتقيّد بالتقليد، فإنك إذا نظرتَ تقسيمَ
مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال، فذكر أن القسم الأول
حديثُ الحفاظ، وأنه إذا انقضى هذا أَتْبَعَهُ بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإِتقان، مع =

١٦٦
= كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماءُ
أو اتفق الأكثرُ منهم على تهمته، وبَقِيَ من اتهمه بعضُهم وصحَّحَه بعضُهم، فلم يذكره
هنا.
ووجدتُه ذَكَر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين، وأتى بأسانيد الثانية منهما
على طريق الإِتباع للأولى والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئاً، وذَكَر
أقواماً تكلّم قوم فيهم وزكّاهم آخرون، وخَرَّج حديثَهم ممن ضُعَّف أو النّهِم ببدعة،
وكذلك فعل البخاري، فعندي أنه أتى بطبقاتِه الثلاث في كتابه على ما ذَكَر ورتّب في كتابه
وبيّته في تقسيمه، وطَرَح الرابعة كما نص عليه ... )). انتهى من ((مقدّمة شرح مسلم))
للنووي ص ٢٣.
ومرادُ عياضٍ بالرابعة هنا هي التي جَعَلها مسلمٌ الثالثةَ في تقسيمه.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى بعد أن نقل كلام القاضي عياض في ترجمة
الإمام مسلم من (سير أعلام النبلاء)» ١٢: ٥٧٥ - ٥٧٦، ما نصه: ((قلت: بل خرّج
حديثَ الطبقة الأولى، وحديثَ الثانية إلَّ النَّزْرَ القليل مما يَستنكره لأهل الطبقة الثانية، ثم
خرّج لأهل الطبقة الثالثة أحاديثَ ليست بالكثيرة في الشواهد والاعتبارات والمتابعات،
وقلّ أن خرّج لهم في الأصول شيئاً.
ولو استُوعِبَتْ أحاديثُ أهل هذه الطبقة في ((الصحيح)»، لجاء الكتاب في حجم ما
هو مرةً أخرى، ولنزل كتابُه بذلك الاستيعاب عن رتبة الصحة، وهم كعطاء بن السائب،
وليث، ويزيد بن أبي زياد، وأبان بن صعصعة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو
ابن علقمة، وطائفةٍ أمثالِهم، فلم يُخَرِّج لهم إلاَّ الحديثَ بعد الحديث إذا كان له أصل.
وإنما يَسوقُ أحاديث هؤلاء، ويُكثر منها أحمدُ في «مسنده»، وأبو داود، والنسائي
وغيرُهم، فإذا انحطّوا إلى إخراج أحاديث الضعفاء الذين هم أهلُ الطبقة الرابعة، اختاروا
منها، ولم يستوعبوها على حسب آرائهم واجتهاداتهم في ذلك.
وأما أهل الطبقة الخامسة، كمن أُجمِع على اطّراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه،
أو لكونه متّهماً، فيندُرُ أن يخرج لهم أحمدُ والنسائي، ويُورِدُ لهم أبو عيسى فيُبَيِّنْه بحسب =

١٦٧
وأما أبو داود ومن بعده فهم متقاربون في شروطهم، فلنقتصر على
حكاية قولٍ واحد منهم، والباقون مثلُه: أخبرنا أبو العلاء محمد بن جعفر بن
عقيل المصري، عن كتاب أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا
أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، سمعت أبا الحُسين محمد بن أحمد
الغساني، يقول سمعتُ أبا بكر محمد بن عبد العزيز الهاشمي، يقول سمعت
أبا داود في رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرِها جواباً لهم:
= اجتهاده، لكنّه قليل، ويُورِدُ لهم ابنُ ماجه أحاديث قليلة ولا يُبيّن، والله أعلم، وقلّ ما
يُورِدُ منها أبو داود، فإن أورد بيّنه في غالب الأوقات.
وأما أهل الطبقة السادسة كغلاة الرافضة والجهمية الدّعاة، وكالكذّابين والوضاعين،
وكالمتروكين المهتوكين، كعُمر بن الصُّبْح، ومحمد المصلوب، ونوح بن أبي مريم،
وأحمد الجُوَيباري، وأبي حذيفة البخاري، فما لهم في الكتب حرفٌ، ما عدا عُمر فإن
ابن ماجة خرّج له حديثاً واحداً فلم يُصب، وكذا خرّج ابنُ ماجه للواقدي حديثاً واحداً،
فدلّس اسمه وأبهمه)). انتهى.
وهذا كلام حسن جميلٌ استوعب شروطَ الأئمة الخمسة والإِمام أحمد، وإن كان
مختصراً ومجملاً من بعض الجهات، والطبقةُ الأولى والثانية في كلامه كلاهما من الطبقة
الأولى في تقسيم الإِمام مسلم، وأما الثالثةُ هنا فهي الثانية في تقسيمه، والطبقاتُ الباقية
مندرجةٌ في الطبقة الثالثة من تقسيمه.
وعَدُّ الذهبي الواقديَّ ونوحَ بنَ أبي مريم من أهل الطبقة السادسة فيه نظر، أما
الواقدي فقد سبق الحديث عنه في ص ١٢٤ - ١٢٥، وأما نوح بنُ أبي مريم فانظر
الكلامَ الواسعَ حول جروحه في آخر ((ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني)»، من الطبعة
التي قمتُ بخدمتها وطبعت في بيروت سنة ١٤١٦ .
وظهر من كلام الذهبي أيضاً هنا فسادُ ما يُومىُ إليه كلامُ الحافظ ابن سيد الناس
من أن ((صحيح مسلم)) و ((سنن أبي داود)) في طبقةٍ واحدة، وقد ردّ عليه الحافظ ابنُ
حجر أيضاً في ((النكت)) ٤٣٣:١ - ٤٣٥، فانظره إذا شئت.

١٦٨
سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في ((كتاب السنن)) أهي أصحُّ ما
عرفتُ في هذا الباب؟ فاعلموا أنه كذلك كلُّه إلاَّ أن يكون قد روي من وجهين
صحيحين وأحدهما أقدم إسناداً والآخر صاحبه أقومُ في الحفظ، فربما كتبتُ
ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلاَّ
حديثاً واحداً أو حديثين وإن كان في الباب أحاديثُ صحاحٌ فإنه يكثر، وإنما
أردت قربَ منفعته، وليس في ((كتاب السنن)» الذي صنفتُه عن رجل متروك
الحديث شيء(١).
(١) قال الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) ٦١١:٢ - ٦١٣: اعلم أن
الترمذي خَرَّج في كتابه الحديثَ الصحيحَ والحديثَ الحسنَ، وهو ما نزل عن درجة
الصحيح وكان فيه بعضُ ضعفٍ، والحديثَ الغريبَ، والغرائبُ التي خَرَّجَها فيها بعضُ
المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يُبَيِّنُ ذلك غالباً ولا يسكتُ عنه، ولا أعلم
أنه خَرَّجَ عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثاً بإسنادٍ مُنفَرِدٍ، إلاّ أنه قد يُخَرِّجُ حديثاً
مروياً من طرقٍ أو مختلفاً في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خَرَّجَ
حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبي، نعم قد يُخَرِّج عن سيِّىء
الحفظ وعمن غَلَبَ على حديثه الوَهَمُ ويُبيِّن ذلك غالباً ولا يسكتُ عنه.
وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثيرٍ من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم
كإسحاق بن أبي فروة وغيرِه، وقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ليس في كتاب
السنن الذي صنفتُه عن متروك الحديث شيءٌ، وإذا كان فيه حديثٌ منكر بَيِّنْتُ أنه منكر،
ومرادُه أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له أو المتروكٍ مُتَّفَقٍ على تركه،
فإنه قد خَرَّجَ لمن قد قيل فيه: إنه متروك ولمن قد قيل فيه: إنه متهم بالكذب.
وقد كان أحمدُ بنُ صالح المصري وغيرُه لا يتركون إلَّ حديثَ من أُجْمِعَ على ترك
حديثه، وحُكِيَ مثلُه عن النسائي.
والترمذيُّ يُخرجُ حديثَ الثقة الضابط ومن يهم قليلاً، ومن يهم كثيراً، ومن يغلب
علیه الوهَمُ يُخرج حديثه قليلاً ويُبيِّنُ ذلك ولا یسکتُ عنه، وقد خَرَّج حدیث کثیرِ بنِ =

١٦٩
فإِن ذُكِرَ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنةٌ ليس فيما خرَّجتُهُ
فاعلم أنه حديثٌ واهٍ، إلاّ أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أُخَرِّجْ
الطرقَ لأنه يَكْثُر على المتعلِّم، ولا أعلمُ أحداً جَمَعَ على الاستقصاء غيري.
وذكر باقي الرسالة.
وقد روينا عن أبي بكر بن داسَة أنه قال سمعت أبا داود يقول: كتبت
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألفِ حديث، انتخَبتُ منها ما
ضَمَّنْتُ هذا الكتابَ، جمعتُ فيه أربعةَ آلاف حديث وثمان مئة حديثٍ،
ذكرتُ الصحيحَ وما يُشْبِهُه وما يُقَارُبه. وذكَرَ تمامَ الكلام.
وهذا القدرُ كافٍ في الإِيماء إلى مرامِهم في تأسيس قواعدهم لمن رُزِقَ
النظرَ السليمَ وأَعِين ببعض الذكاء والفطنة (١).
= عبد الله المزني، ولم يُجْمَع على ترك حديثه، بل قد قَوَّاه قومٌ وقَدَّم بعضُهم حديثه على
مرسل ابن المسيب. وحكى الترمذي في ((العلل)) عن البخاري أنه قال في حديثه في تكبير
صلاة العيدين: هو أصحُ حديثٍ في هذا الباب. قال: وأنا أذهب إليه.
وأبو داود قريبٌ من الترمذي في هذا بل أشْبَهُ انتقاداً للرجال منه.
وأما النسائي فشرطُهُ أشدُّ من ذلك، ولا يكاد يُخرِجُ لمن يغلب عليه الوَهَمُ، ولا
لمن فَخُشَ خطؤه وكَثُر.
وأما مسلم فلا يُخرج إلّ حديثَ الثقة الضابط ومن في حفظه بعضُ شيءٍ وتُكِلِّم فيه
بحفظه، لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يُخرج عنه إلَّ ما لا يقال إنه مما وهم فيه.
وأما البخاريُّ فشرطُه أشدُّ من ذلك، وهو أن لا يخرج إلاَّ الثقة الضابط ولمن نَّدَرَ
وَهَمُه، وإن كان قد اعتُرِضَ علیه في بعض من خرَّجَ عنه. انتھی بحروفه. ز.
(١) وأما فرقُ ما بين الخمسة من القصد: فَغَرَضُ البخاري تخريجُ الأحاديث
الصحيحة المتصلة، واستنباطُ الفقهِ والسيرةِ والتفسيرِ، فذَكَر عَرَضاً الموقوفَ والمعلّق
وفتاوى الصحابة والتابعين وآراء الرجال، فتقطعتْ عليه متونُ الأحاديث وطرقُها في =

١٧٠
٠
= أبواب كتابه .
وقَصَد مسلمٌّ تجريدَ الصحاح بدون تعرُّضٍ للاستنباط، فَجَمَعَ طُرَقَ كلِّ حديثٍ في
موضع واحد، ليتضح اختلافُ المتون وتَشَغُّبُ الأسانيد على أجود ترتيبٍ، ولم تَتْقَطَّعْ
عليه الأحاديث .
وهمةُ أبي داود جمعُ الأحاديث التي استدل بها فقهاءُ الأمصار وينوا عليها
الأحكامَ، فصنّف ((سننه)) وجَمَعَ فيها الصحيحَ والحسنَ واللينَ والصالحَ للعمل، وهو
يقول: ما ذكرتُ في كتابي حديثاً أَجْمَع الناسُ على تركه. اهـ. وما كان منها ضعيفاً
صَرَّح بضعفه، وما كان فيه علة بينها، وتَرْجَم على كلِّ حديث بما قد استَنبَط منه عالمٌ
وذهب إليه ذاهبٌ، وما سكت عنه فهو صالحٌ عنده. وأحوجُ ما يكون الفقيهُ إلى كتابه.
ومَلْمَحُ الترمذي الجمعُ بين الطريقتين فكأنه استحسن طريقةً الشيخين حيث بيِّنا وما
أَبْهما، وطريقةَ أبي داود حيث جَمَعَ كلَّ ما ذهب إليه ذاهبٌ، فجمع كلتا الطريقتين وزاد
عليهما بيانَ مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، واختصر طرقَ الحديث فذكر
واحداً وأومأ إلى ما عداه، وبيّن أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو منكر، وبيَّن
وجهَ الضعف أو أنه مستفيضٌ أو غريبٌ. قال الترمذي: ما أخرجتُ في كتابي هذا إلاَّ
حديثاً عَمِل به بعضُ الفقهاء، سوى حديثٍ ((فإن شرب في الرابعة فاقتلوه) وحديثِ ((جَمَع
بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر)). اهـ.
ومعلومٌ أنّ أخذ الفقيه بحديثٍ تصحيحٌ له، ومن الغريب أن ابن حزم أخذ بهما بعد
دهور، وتبجح على جماهير الفقهاء الذين تركوهما مدى القرون، وتحامل عليهم، على
أنه يُجَهِّلُ الترمذي وابن ماجه ولم يَظْفَر بسننهما على ما يقال، ويقول في حديث فيه
الترمذي: ومن أبو عيسى؟.
والنسائي على تأخره زمناً ذَكَره بعضُهم بعد الصحيحين في المرتبة، لأنه أشدُّ انتقاداً
للرجال من الشيخين وأقلّ حديثاً منتقداً بالنظر إلى من بعد الشيخين، ويُحْسِنُ بيانَ العلل.
وكان البخاريُّ نظر في الرأي، وتفقه على فقهاء بخارى من أهل الرأي، وحفظ =

١٧١
فإن قيل: وإن كان الأمرُ على ما مَهَّدتَ، وأن الشيخين لم يلتزما
استيعابَ جميع ما صح، بل لم يُودِعًا كتابيهما إلاَّ ما صح(١) فما بالُهما خَرَّجا
حديث جماعةٍ تُكُلُّمَ فيهم، نحوُ فليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن
عبد الله بن دينار، وإسماعيل بن أبي أويس، عند البخاري، ومحمد بن
= تصانيف عبد الله بن المبارك صاحبٍ أبي حنيفة، قبلَ خروجه من بخارى لطلب
الحديث، ولقى في رحلته فقهاءَ الفِرَق حتى اجتهد لنفسه بنفسه، ولما عاد حَسَدَه علماءُ
بلده شأن كلِّ من يرتحل للعلم ويَعودُ إلى أهله بالجَمِّ منه، حتى أمسكوا له فتوى كان
أخطأ فيها، فأخرجوه من بخارى بسببها، فانقلب عليهم وجَرَى بينه وبينهم ما جرى، كما
سبق له مثلُه مع المحدثين في نيسابور فأخذ يُبْدِي بعضَ تشدد نحوَهم في كتبه مما هو من
قبيل نفثة مصدور، لا تقوم بها الحجة، ويُرجَى عفوُها له ولهم سامحهم الله.
وأبو داود تَفَقَّه على فقهاء العراق وعَظُمَ مقدارُه في الفقه، وهما - أعني البخاري
وأبا داود - أفقهُ الجماعة رحمهم الله، وأغدق عليهم سجالَ الرحمة، ولهم على الأمة
أعظمُ مِنَّةٍ بما خدموا السنةً. ز.
(١) أي عندهما، وإن انتَقَد بعضُ الحفاظ جملةَ أحاديث، مما خَرَّجا، وعِدَّةُ ذلك
سوى المعلّق والموقوف مائتان وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين حديثاً،
واختَصَّ البخاريُّ بثمان وسبعين، ومسلم بمئةٍ، ووجهُ الانتقاد من جهة اختلاف الرواة في
رجال الإِسناد زيادةً ونقصاً أو تغييراً لبعض الرجال، أو تفرُّدِ بعضِهم بزيادةٍ في المتن عمن
هو أكثرُ أو أضبطُ، أو تفرُّدِ من ضُعَّفَ مطلقاً، أو وَهَمِ بعضِ رجاله، وألَّفَ في تمحيص
ذلك الزينُ العراقي، وبَسَط ابنُ حجر في مقدمة ((الفتح)) وجه الجواب عنها.
ولا يخفى أن هذا سوى ما أخرجاه وترجح عند المجتهد خلافُه، وذلك لا ينافي
الصحةَ عند المحدثين، لأن الترجيح راجع إلى فهم المتن وإلى عملٍ لا يَعُدُّها المحدِّثُ
قادحةً، وفي ((الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح)) لسبط ابن الجوزي جملةُ أحاديث
مما لم يأخذ بها الشافعيةُ من أحاديث ((الصحيحين) لِمَا تَرَجَّحَ عندهم مما يُخالِفُها، وكذا
في بقية المذاهب، وتلك مُعْتَركُ أنظارِ المجتهدین. ز.

١٧٢
إسحاق بن يسار وذويه عند مسلم؟
قلت: أما إيداعُ البخاري ومسلم كتابيهما حديثَ نفرٍ نُسِبُوا إلى نوع من
الضعف، فظاهرٌ، غيرَ أنه لم يَبْلُغ ضَعْفُهم حَدّاً يُرَدُّ به حديثُهم، مع أنَّا لا نقر
بأن البخاري كان يَرَى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف
ولو كان ضَعْفُ هؤلاء قد ثبت عنده لَمَا خَرَّجَ حديثَهم(١).
(١) وفيمن تُكِلِّم فيه من رجالهما كثرةٌ، انفرد البخاري بثمانين رجلاً، ومسلم بمئة
وستين رجلاً، واشتركا في أناس، ووجهُ التكلُّم فيهم إما البدعةُ أو الجَهَالةُ أو الغَلَطُ
أو المخالفةُ أو التدليسُ والإِرسالُ، وأجابوا عنها بأن هؤلاء في الشواهدِ والمتابعاتِ دون
الأصول، أو الروايةُ عنهم قبل أن يطرأ عليهم سَبَبُ الضعف كالاختلاط، أو لعلو سندهم
مع صحة المتن بطريقٍ لا كلام فيه، أو أن الضعف لم يثبت عندهما، وفي مقدمة «فتح
الباري) ص ٣٨٤ - ٤٦٤ بسط تراجم هؤلاء مع دفع ما رُموا به من أسباب الضعف قدرٌ
المستطاع .
وليس يَخِفِضُ من شأنهما الرفيع وجودُ بعض أخذٍ وردٍّ في كتابيهما، لأنهما غيرُ
معصومين، وقد مات البخاري ولم يَفرُّغ من تبييض كتابه تبييضاً نهائياً. قال الحافظ
أبو الوليد الباجي في كتابه ((أسماء رجال البخاري)): حدثنا الحافظ أبو ذر الهروي، حدثنا
الحافظ أبو إسحاق المستملي، اسْتَنْسَخْتُ كتابَ البخاري من أصله الذي عند الفربري،
فرأيت أشياءً لم تتم، وأشياءَ مبيضة، منها تراجمُ لم يُثِت بعدها شيئاً، وأحاديثَ لم
يُترجِم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض .
قال الباجي: ومما يدل على صحة ذلك أن رواية المستملي والسرخسي
والكُشْمِيْهَنِي وأبي زيد المروزي، مختلفةٌ بالتقديم والتأخير، مع أنهم استنسخوها من
أصلٍ واحد، وإنما ذلك بحسب ما قد رأى كلُّ واحد منهم فيما كان في طُرَّةٍ أو رقعةٍ
مضافةٍ أنه من موضعٍ فأضافها إليه، ويُبَيِّنُ ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثرَ من ذلك
مُتَّصِلتينٍ ليس بينها أحاديث، قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح)» ص ٨: وهذه قاعدة
حسنة، يُفْزَعُ إليها حيث يتعسر الجمعُ بين الترجمة والحديث وهي مواضعُ قليلة. اهـ.
=

١٧٣
ثم ينبغي أن يُعلَمَ أن جهاتِ الضَّعْف متباينةٌ متعددة، وأهلُ العلم
مختلفون في أسبابه، أما الفقهاء فأسبابُ الضعف عندهم محصورة،
وجُلُّها منوطٌ بمراعاة ظاهرٍ الشرع، وعند أئمة النقل أسبابٌ أخر مرعية
عندهم وهي عند الفقهاء غير معتبرة (١).
وترى الشراحَ يلجأون إليها أيضاً إذا استعصى عليهم وجهُ الدفع عن وَهَمٍ أو غَلَطِ
في الكتاب، ويزيدُ عددُ أحاديث البخاري في رواية الفربري على عدده في رواية
إبراهيم بن معقل النسفي بمئتين، ويزيد عددُ النسفي على عدد حماد بن شاكر النَّسَفِي:
وهو الصواب، بمئة كما ذكره العراقي، واختلفوا هل هذا روايةٌ أم فوتٌ . - والذي جزم
به الحافظ في «النكت)» ٢٩٤:١ - ٢٩٦ أن هذا فوتٌ، وقولُ شيخنا (وهو الصواب) بعد
ذكر (حماد بن شاكر النسفي) يُشيرُ به إلى أن الصواب في نسبة حماد هو (النسفي) كما
ذكره غيرُ واحد، دون (النسوي) كما وقع في ((فتح الباري)) ٥:١، و ((إرشاد الساري)»
٣٩:١) _.
ومما يجب التنبُّهُ إليه أنه ساقَ كثيرٌ من المسندين في أثباتهم روايةَ (صحيح
البخاري)» بطريق الحنفية إلى الحافظ المستغفري عن حماد بن شاكر هذا، لكن
المستغفري لم يُدركه لأن وفاة ابن شاكر سنة ٣١١، كما قال ابنُ نقطة في ((التقييد»، قبل
أن يُولَّدَ جعفرُ بنُ محمد المستغفري بمدة كبيرة، بل يرويه عن أبيه عن أحمد بن رميح
النسوي عنه. ز .
(١) ومن هنا قال ابن الهمام بعد أن ذكر ما نقلناه عنه في الترجيح في ص ١١٦ :
(ثم حكمُهما أو حكمُ أحدهما بأن الراوي المُعيَّنَ مُجتَمِعُ تلك الشروط مما لا يُقْطَعُ فيه
بمطابقة الواقع، فيجوزُ كونُ الواقع خلافه، وقد أخرج مسلمٌ عن كثير ممن لم يَسْلَمْ من
غوائل الجرح، وكذا في ((البخاري)» جماعةٌ تُكُلِّمَ فيهم، فدار الأمرُ في الرُّواة على اجتهاد
العلماء فيهم، وكذا في الشروط حتى إن من اعتبر شرطاً وألغاه آخرُ يكون ما رواه الآخر
مما ليس فيه هذا الشرطُ عنده مكافئاً لمُعَارَضَة المشتمل على ذلك الشرطِ، وكذا فيمن
ضَغَّفَ راوياً ووثَّقَه الآخر، نعم تسكُنُّ نفسُ غير المجتهد ومن لم يَخْتَبِر أمرَ الراوي بنفسه =
=

١٧٤
٠
= إلى ما اجتمع عليه الأكثرُ، أما المجتهدُ في اعتبار الشرط وعدمه والذي خَبَر الراويَ فلا
يَرِجِعُ إلَّ إلى رأي نفسه، فما صَحَّ من الحديث في غير الكتابين يُعارِضُ ما فيهما». اهـ.
وقال ابن أمير الحاج في ((شرح التحرير)) ٣٠:٣ ما معناه: ثم مما ينبغي التنبُّهُ له أن
أُصحيتهما على ما سواهما تنزلاً إنما تكون بالنظر إلى من بعدهما لا المجتهدين المتقدِّمين
عليهما، فإن هذا مع ظُهُورِهِ قد يَخْفَى على بعضهم أو يُغَالَطُ به، والله سبحانه أعلم. اهـ.
يُريدُ أن الشيخين وأصحابَ ((السنن)» جماعةٌ متعاصرون من الحفاظ، أتوا بعد
تدوين الفقه الإِسلامي، واعتنوا بقسم من الحديث، وكان الأئمةُ المجتهدون قبلهم أوفَرَ
مادةً وأكثرَ حديثاً، بين أيديهم المرفوعُ والموقوفُ والمرسلُ وفتاوى الصحابة والتابعين،
ونظرُ المجتهد ليس بقاصر على قسم من الحديث، ودونك الجوامعَ والمصنفاتِ، في كلِّ
باب منها تُذْكَرُ هذه الأنواع التي لا يستغني عنها المجتهدُ.
وأصحابُ الجوامع والمصنفات قبل الستة من الحفاظ : أصحابُ هؤلاء المجتهدين
وأصحابُ أصحابِهِم، والنظرُ في أسانيدها كان أمراً هيناً عندهم لعلو طبقتهم، لا سيما
واستدلالُ المجتهد بحديثٍ تصحيحٌ له، والاحتياجُ إلى الستة والاحتجاجُ بها إنما هو
بالنظر إلى من تأخر عنهم فقط، والله أعلم.
ومما يُلْفَتُ إليه النظرُ هنا أن بعض الحفاظ المتأخرين يتساهلون في عزو ما يروونه
إلى الأصول الستة وغيرِها على اختلافٍ عظيم في اللفظ والمعنى. قال العراقي في (شرح
ألفيته)): إن البيهقي في ((السنن)) و ((المعرفة))، والبغوي في ((شرح السنة»، وغيرَهما
يروون الحديثَ بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع اختلاف الألفاظ
والمعاني، فهم إنما يريدون أصلَ الحديث لا عزوَ ألفاظه . اهـ.
ومن هذا القبيل قولُ النووي في حديث ((الأئمة من قريش)) أخرجه الشيخان، مع أن
لفظ الصحيح ((لا يزال هذا الأمر في قريشٍ ما بقي منهم اثنان))، وبين اللفظين والمعنيين
تفاوتٌ عظيمٌ کما تری. ز.
قال عبد الفتاح: وإتماماً لما قرره الإِمام ابنُ الهمام في كلامِهِ المذكورِ الذي سبق
أولُه في ص ١١٦، من أن التقسيم السبعي الذي ذكره ابنُ الصلاح للحديث الصحيح =

١٧٥
= لا يبتني على أساسٍ صحيح: أنقلُ هنا كلامَ العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني،
في نقد هذا التقسيم من كتابه ((توضيح الأفكار)»، وهو وإن كان فيه بعضُ طُول لكنه
لا يخلو عن الفائدة، قال رحمه الله تعالى في مبحث أصح كتب الحديث من «توضيح
الأفكار)» ١: ٤٠ - ٤٥ «قالوا: كتابُ البخاري أصحُ من كتاب مسلم، وذلك لأن الصفاتِ
التي تدورُ عليها الصحةُ في كتاب البخاري أتمُّ منها في كتاب مسلم، وشرطُه فيها أقوى
وأشدُّ.
أما رجحانُه من حيث الاتصال، فلاشتراطِهِ أن يكون الراوي قد ثبت له لقاءُ من
روى عنه ولو مرةً، واكتفى مسلمٌ بمطلق المعاصرة .
وأما رجحانُه من حيث العدالةُ والضبطُ، فلأن الرجال الذين تُكلِّم فيهم من رجال
مسلم أكثر عدداً من الرجال الذين تُكلِّم فيهم من رجال البخاري ...
وأما رجحانُه من حيث عدمُ الشذوذِ والإِعلالِ، فلأن ما انتُقِد على البخاري من
الأحاديث أقلُّ عدداً مما انتُقِد على مسلم ...
مع أنه قد اتفق العلماء أن البخاري كان أجَلَّ من مسلم في العلوم، وأعرفَ بصناعة
الحديث منه، وأن مسلماً تلميذُه وخرِّيجُه، ولم يستفد إلاَّ منه ...
ومن مُرجِّحات البخاري أن مسلماً صَرَّح في أول («صحيحه)» أن المعنعن له حكمُ
الاتصال إذا تعاصر المعنعِنُ والمعنعَنُ عنه، وإن لم يثبت - أي لم يُعلَم - اجتماعُهما،
والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يَئْبُت اجتماعُهما ولو مرةً واحدةً، وقد أظهر
البخاريُّ هذا المذهبَ في ((التاريخ)»، وجرى عليه في ((الصحيح)).
- الراجحُ أن البخاري لا يَشتَرطُ اللقاءَ في الحديث المعنعن في أصلِ الصحة،
وإنما التزمَه في ((صحيحه)»، انظر بيانَه في آخر ((الموقظة)) للحافظ الذهبي في التتمة
الثالثة في بيان مذهب الإمام مسلم في الحديث المعنعن بشرطه ص ١٣٦ - ١٣٧. ع - .
لأنا وإن سَلَّمْنا ما ذكره مسلمٌ من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري
أوضحُ في الاتصال، فبهذا تعلمُ أن شرط كتابِه أقوى اتصالاً، وأشدُّ تحرياً. أفاد هذا
الحافظ ابنُ حجر .

١٧٦
==
وأقول: لا يخفى أن هذه الوجوهَ أو أكثرَهَا، لا تدل على المدَّعَى، وهو أصحيةٌ
البخاري، بل غايتُها تدل على صحته.
ثم إنه لا يخفى أيضاً أن الشيخين اتفقا في أكثر الرواة، وتفرَّدَ البخاري بإخراج
أحاديثِ جماعةٍ، وانفرد مسلمٌ بجماعة، فهذه ثلاثةُ أقسام:
الأول: ما اتفقا على إخراج حديثه، فهما في هذا القسم سواء، لا فضل لأحدهما
على الآخر، لاتحاد رجال سند كلِّ واحد منهما فيما رواه، والقولُ بأن هؤلاء أرجحُ إذا
رَوَى عنهم البخاري لا إذا روى عنهم مسلم: عينُ التحكّم. وهذا بناء على أن المراد بما
اتفقا عليه الاتفاق على رجال الإِسناد جميعاً.
لا يقال: لا تحكُّمَ، لأنَّ شَرْطَ البخاري اللقاءُ دون مسلم، لأنا نقول: الفَرْضُ أنهم
على شرط البخاري، من حصول اللقاء، لأنه رواه عنهم، ولا يَرْوِي إلَّ عمن وافق
شرطَه، ومعلومٌ أنهم قد صاروا على شرط مسلم بالأولى، لأنه إذا ثبت اللقاءُ فقد ثبتت
المعاصرةُ.
إذا عرفتَ هذا، فلا وجه للحكم بأصحية رواية البخاري فيما اتفق هو ومسلمٌ على
إخراجِه ورجالِهِ، وإلاّ جاء التحكّمُ المحضُ، وهذا القسم هو أكثر أقسامه قطعاً، وحينئذ
فلا يصح الحكم على كتاب البخاري بالأصحية، بالنسبة إلى هذه الأحاديث، وكيف يتم
القول بأن كتاب البخاري أصح على هذا؟
والقسم الثاني: ما انفرد البخاري بإخراج أحاديثهم، فهذا القسمُ ينبغي أن يقال: إنه
أصحُّ مما انفرد به مسلم، لأنه حصل فيه شرائطُ البخاري منفردةً. وقد تقرر ببعض ما ذُكِرَ
من المُرَجِّحات أنها أقوى من شرائط مسلم في الصحة، وحينئذ فيتعين أن يقال: ما في
كتاب البخاري من الأحاديث التي انفرد بإخراجها أصُ من التي انفرد مسلم بإخراجها،
وهذا القسم قليلٌ كما عَرَفْتَ، ولا بد من تقييد ذلك بغير من تُكلِّم فيهم.
وهذا التقسيمُ هو التحقيق وإن غفل عنه الأئمة السابقون، فإن من المعلوم يقيناً أن
الصحة والأصحية ليستا بالنظر إلى ذات الشيخين، بل بالنظر إلى رجال كتابيهما.
ثم لا يخفى أيضاً أن كون من تُكلِّم فيهم من رجال البخاري أقلُّ ممن تُكلُّم فيهم =

١٧٧
= من رجال مسلم، لا يقتضي أصحيةً أحاديث البخاري مطلقاً، غايةُ ما يقتضيه: أن
الصحيح فيه أكثر، وليس محلَّ النزاع.
على أنَّ في شرطِهِ اللقاءَ ولو مرة واحدةً بحثاً، وهو أنه قد يُكثر الشخصُ الحديثَ
عمن لاقاه، بحيث يعلم يقيناً أنه لا يتسع لأخذه عنه تلك الأحاديث، في الموقف الذي
انحصر فيه اللقاءُ، فلا بد من تقييد ذلك بزيادةٍ: أن يتسع زمانُ اللقاء لكل ما عنه رَوّی.
ثم رأيتُ بعد أيام: مسلماً قد ألزم البخاريَّ حيث شَرَط - أي البخاريُّ - اللقاءَ،
بهذا الإِلزام في مقدمة ((صحيحه))، ورأيتُ الحافظ ابن حجر قد التزم هذا، وقال: يكفي
اللقاءُ ولو مرة واحدةً ولو كان بعضُ ما يرويه عمن لاقاه لا يُتحقَّق سماعُه منه. انتهى.
ولم يقيد كلامَ البخاري بما قيدناه من قولنا: إن اتسع، إلى آخره.
وإذا عرفتَ هذا فقد عادَ إلى مجرَّد المعاصرة، على أن المعاصَرَةَ لا تكفي مطلقاً،
بأن يكون أحدُهما في بغداد والآخرُ في اليمن، بل لا بد من تقارب المحلات، ليمكن
اتصالُ الرواة، وإلاّ كان من باب الإِجازة والمُگاتبة، ولعلهم لا يكتفون به هنا.
إذا عرفتَ هذا عرفت أن الخلاف بين الشيخين في رواية العنعنة لا غير، وهو الذي
أفاده الحافظُ في قوله: ومن مرجِّحاتِ البخاري أن مسلماً صرَّح ... إلى آخره، فشَرْطُ
البخاريّ فيها اللقاءُ، ومسلمِ المُعاصَرَةُ، وحينئذ فلا يُرَجَّح ((البخاري)) برمته، على
(مسلم)) برمته بهذا الشرط، بل يقال: عنعنةُ البخاري أصحُّ وأرجحُ من عنعنة مسلم،
فالعجبُ كيف يَعُدُّه الحافظ ابنُ حجر من وجوه ترجيح البخاري مطلقاً؟! ثم قد ظَهَر
المرادُ بالمعاصرة: أنها التي يمكن معها السماع، ولا يكفي مطلقُها.
فإن قلتَ: إنما جَعَله الحافظ ابنُ حجر ترجيحاً للبخاري مطلقاً، لكونِ كلِّ ما فيه
من الأحاديث قد تمَّ فيها شرطيةُ اللقاء معنعَناً وغيرَه.
قلتُ: أما غير المعنعن - وهو ما كان بنحو حدثنا - فهو ومسلم سواء فيه، فإنه
لا يكون إلاَّ بالمشافهة، إنما الخلافُ في رواية العنعنة، وهي روايةٌ متصلٌ عند مسلم.
ثم جَعْلُ الحافظِ ابن حجر: كونَ شيوخ البخاري هم الذين تُكُلِّمَ فيهم: وجهاً
مُرَجِّحاً، فيه تأمل، لأنه قد يقال: هم بابُ علمِهِ، وعنهم أخذ، ومنهم استمد رواياتِه، =

١٧٨
٠
= وقد علل الحافظ ذلك بما سمعتَہ ــ وذکرہ الأميرُ هناك ـ فانظُرْ فیه.
ثم لا يَعزُب عنك أن قولهم (أصح الحديث ما اتفق عليه الشيخان): لا يُوافِقُ قولَهم
هنا إن أصح الكتابين كتابُ البخاري، لأنهم قد جعلوا ما اتفقا عليه أصحَّ أقسام الحديث،
وقد عرفت أن الذي اتفقا عليه هو أكثرُ أقسام الكتابين، ولم يتفقا عليه إلاَّ بعد حصول
شرائط الرواية عندهما في روايته، فهما مِثلان كما أسلفناه.
فلا يتمُّ القولُ بأن كتاب البخاري أصحُّ إلَّ باعتبار ما انفرد به، وهو القليلُ الحَقِيرُ،
ولا يَحسُنُ إطلاق صفة الجزء على الكل في مقام التقعيد والتمهيد، على أن استثناءَهم
التعاليقَ والتراجمَ فقط من الحكم بالأصحية: قاضٍ بأن الحكمَ بها حكمٌ على كلِّ حديثٍ!
لا أنه كما تأوَّلناه من وصف الكلِّ بصفة الجزء، وقد ألحقوا بذلك ما تُكلُّم فيه.
ثم قال العلامة الأمير ٨٦:١ - ٨٩، في مبحث (بيان مراتب الصحيح): ((اعلم أن
مراتبَ الصحيح متفاوتةٌ - وإنْ جَمَعَها الاتصافُ بالصحة - بحسب تَمَكُّنِ الحديث من
شروط الصحةِ، وعدمٍ تمكِّنِه. وقد ذكر أهلُ علوم الحديث: أن الصحيح ينقسم باعتبار ما
ذُكِر سبعة أقسام:
القسمُ الأول أعلاها، وهو ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، وهو الذي يُعبِّرُ
عنه أهلُ الحديث، الناقلون من كتابي الشيخين، بقولهم: متفقٌ عليه، يُطلِقُون ذلك،
ويعنون به: اتفاقَ البخاري ومسلم .
واعلم أنك قد عرفت مما أسلفناه في وجوه ترجيح البخاري - ووقعَتْ في المطبوع
محرفة إلى: وجوبٍ ترجيح البخاري - : أنَّ شرطه أخصٌّ من شرط مسلم، لأنه يشترط
اللقاءَ، ومسلمٌ يكتفي بشَرْطِ المعاصرة، مع إمكان اللقاء، وكلُّ من ثبت له اللقاءُ ثبتت له
المعاصرة، وليس كلُّ من ثبتت له المعاصرةُ يَتْبُتُّ له اللقاءُ، فرَجَحَ البخاري بخصوصية
شرطه، إن كان ذلك من المرجحات، ووجودُ الأعم في ضمن الأخص ضروري، فكل
راو للبخاري قد حصل فيه شرط مسلم، ضرورةً وجود الأعم في الأخص، ولیس کُّ راو
لمسلم يَحصُل فيه شرطُ البخاريِّ الأخصُّ، وقد عرَّفناك أن هذا الشرط، إنما هو فيما
يُروَى بالعنعنة، لا في غيره.

١٧٩
=
فعلى هذا: يَحسُنُ أن يقال: إنه تُقدَّمُ رواية البخاري على مسلم فيما يرويانه بالعنعنة لا
مُطلقاً، فقد أسلفنا لك في وجوه الترجيح التي ذكرها ابنُ حجر مرجِّحاتٍ للبخاري مطلقاً: ما
لا يتم به مدعاهم، فتذكَّر، هذا باعتبار أصل شرطهما، لا باعتبار ما اتفقا عليه.
فانضمامُ مسلم في روايته إلى البخاري لم يأت بزيادةٍ تُقَوِّي روايةً البخاري، وإنما
القوةُ حصلت من حيث إنه صار للحديث راويان: البخاري ومسلم، إذ قد اشتركا في
رواية الحديث من أول رجاله إلى آخرهم، ومن حيث إنه وُجد في الرواية الشرط
الأقصى، إذ الفَرْض - ووقع في المطبوع محرفاً: الغَرَضُ ! - فيمن اتفقا عليه: أنهم رواةٌ
البخاري الذين فيهم الشرطُ الأخص .
واعلم أن المصنف - أي ابن الوزير صاحب ((تنقيح الأنظار)) الذي شرحه
الأمير - : تَبِعَ زينَ الدين الحافظ العراقي، وهو تبع ابنَ الصلاح: في جعل أعلى أقسام
الصحيح ما اتفقا عليه .
واعتُرِضَ بأن الأولى أن يكون القسمُ الأول هو: ما بَلَغَ مَبْلَغَ التواتر، أو قارَبَهُ في
الشهرة والاستفاضة، وأجاب الحافظ ابنُ حجر بأنا لا نعرف حديثاً وصف بكونه متواتراً
ليس أصلُهُ في الصحيحين أو أحدهما.
قلتُ - الأمير - : ولا يخفى ما في جواب الحافظ ابن حجر، فإنه لو سُلُّم أن كل
متواتر في الصحيحين، فلا خفاء في أنه أرفَعُ رُتَب الصحة، وحينئذ فالمتعيِّنُ أن يقال:
أعلى المراتب في الصحة ما تواتر في الصحيحين من أحاديثهما. ولك أن تقول: الكلامُ
إنما هُوَ فِي الصَّحِيح من الحديث الأحادي، فإن التدوين له، وكذا في شرائطه، وأما
المتواتر فلا مدخل للبحث عنه هنا .
ثم قال الحافظ ابن حجر: والحقُّ أن يقال: إن القسم الأول - وهو ما اتفقا عليه -
يَتَفرَّعُ فروعاً:
أحدُها: ما وُصِفَ بكونه متواتراً.
ويليه: ما كان مشهوراً كثيرَ الطرق.
ويليهما: ما وافقهما عليه الأئمةُ الذين التزموا الصحةَ، على تخريجه، الَّذِين =

١٨٠
= أخرجوا السُّنَنَ، والَّذِين انتَقَوْا المسند.
ويليه: ما وافقهما عليه بعضُ من ذكر.
ويليه: ما انفردا بتخريجه.
فهذه أنوائٌ للقسم الأول - وهو ما اتفقا عليه - إذ يصدُقُ على كل منها أنهما اتفقا
على تخريجه .
ثم قال الحافظ ابن حجر : فائدتان:
إحداهما: أن اتفاقَهما على التخريج عن راوٍ من الرواة، يزيدُهُ قوةً، فحينئذ ما يأتي
من رواية ذلك الراوي الذي اتفقا على التخريج عنه: أقوى مما يأتي من رواية من انفرد
أحدُهما أي بالرواية عنه.
والثانية: أن الإِسنادَ الذي اتفقا على تخريجه، يكون متنُهُ أقوى من الإِسناد الذي
انفرد به أحدُهما.
ومن هنا يتبين أن فائدةَ المتَّفَق - عليه - إنما تظهر فيما إذا أخرجا الحديثَ من
حديث صحابي واحد.
ثم قال الحافظ ابنُ حجر: نعم قد يكون في ذلك الحديث أيضاً قوةٌ من جهة
أخرى، وهو أن المتن الذي تعددت طرقُه أقوى من المتن الذي ليس له إلَّ طريقٌ واحدة.
والذي يظهر من هذا أنه لا يُحكم لأحد الجانبين بحكم كلي، بل قد يكون ما اتفقا
عليه من حديث صحابي واحد - إذا لم يكن فرداً غريباً - أقوى مما أخرجه أحدُهما من
حديث صحابي وغيرِ الصحابي الذي أخرجه الآخر. وقد يكون العكس، إذا كان ما اتفقا
عليه من صحابي واحد فرداً غريباً، فيكون ذلك أقوى. انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
والقسم الثاني من الأقسام السبعة: ما أخرجه البخاري منفرداً به.
والقسم الثالث منها: ما أخرجه مسلم منفرداً به. فيُقَدَّمُ ما انفرد به البخاري على ما
انفرد به مسلم.
قال الحافظ ابنُ حجر: هذه الأقسامُ للصحيح التي ذكرها المصنف - يريد ابنّ
الصلاح - ماشيةٌ على قواعد الأئمة ومحققي النقاد، إلَّ أنها قد لا تَطَّرِدُ، لأن الحديث =