النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ = ((وكلٌّ من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا ((المدخل)) مدخول، ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد ابن الأثير في مقدّمة ((جامع الأصول)) تلقّوا كلامَه بالقبول، لقلّة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن، واسترواحِهم إلى تقليد المتقدّم دون البحث والنظر، لأعرضتُ عن تعقُّب كلامه في هذا، فإن حكايته خاصة تُغنِي اللبيبَ الحاذقَ عن التعقب . فأقول: أما القسمُ الأولُ الذي ادعى أنه شرط الشيخين فمنقوض بأنهما لم يشترطا ذلك ولا يقتضيه تَصرُّ فُهما، وهو ظاهر بِيِّن لمن نظر في كتابيهما. وأما زعمُه بأنه ليس في ((الصحيحين)) شيء من رواية صحابي ليس له إلَّ راو واحد، فمردودٌ بأن البخاري أخرج حديثٌ مِرْدَاس الأسلمي رضي الله عنه، وليس له راوٍ إلَّ قيسُ بن أبي حازم في أمثلةٍ كثيرةٍ مذكورة في أثناء الكتاب. وأما قوله: بأنه ليس في ((الصحيحين)) من رواية تابعي ليس له إلاّ راو واحد فمردودٌ أيضاً، فقد أخرج البخاري حديث الزهري عن عمر بن محمد بن جبير بن مُطُعِمٍ، ولم يرو عنه غير الزهري في أمثلة قليلة لذلك . - وحديث عمر هذا رواه البخاري في كتاب الجهاد في باب الشجاعة في الحرب والجُبُّن ٣٥:٦ -. وأما قوله: إن الغرائب الأفراد ليس في «الصحيحين» منها شيء، فليس كذلك بل فيهما قدرُ مئتي حديث، قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء مفرد. وأما قوله: إنه ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه، عن جدّه، مع تفرد الابن بذلك عن أبيه فمُنْتَقِضٌ برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن جدّه، وبرواية عبد الله والحسن ابني محمد بن عليّ عن أبيهما عن عليّ، وغير ذلك. وفي ذلك ما تفرد به بعضُهم وهو في ((الصحيحين)) أو أحدهما ... )). انتهى. ثم ذكر الحافظُ نَقْضَ كلام الحاكم في الأقسام الخمسة المختلف فيها، فانظر بقيةً كلامه في ((النكت))، وانظر أيضاً ما نقله السيوطي في ((تدريب الراوي)) ١٤٠:١ - ١٤٢، عن الحافظ ابن حجر في نقض هذا التقسيم العشري، فهناك بعض زياداتٍ ليست في ((النكت)). = ١٢٢ ولم يصب في قسم من هذه الأقسام، وسنبين أوهامَهُ فيما بعد، وربما لو رُوْجِع وطُولِبَ بالدليل، وكُلِّفَ البحثَ والسَّبْرَ عن مخارج الأحاديث المخرجة في الكتابين، بالاستقراء وتتبع الطرق وجَمْع التراجم والمشايخ وتأليف الأبواب، لاستَوعَر السبيلَ، ولم يتضح له فيه دليل، إلّ في قدر من ذلك قليل، وآفةُ العلوم التقليد. ومنشأُ ذلك إما إيثارُ الدَّعَةِ وتركُ الدأَب، وإما حسنُ الظن بالمتقدم، ولعمري إن هذا القسم الثاني لحسّن، غير أن الاسترواح إلى هذا غيرُ مستحسن، لأنه يُقْضِي إلى سدٍّ باب الاجتهاد، والبحث عن مخارج الحديث وأحوال الرجال. وهذا الحاكمُ أبو أحمد الحافظ النيسابوري، وهو أحدُ أركان الحديث، وممن خرَّج التخاريجَ الكثيرةَ، وكتابُه المؤلّف في ((الأسماء والكنى)) يشهَدُ له بتبحره في علم الصنعة، وقد ذكَرَ في بعض تراجمه حارثةَ بنَ مالك الأنصاري في الصحابة، مقلِّداً لآخر تَقَدَّمَه . ثم جاء بعده جماعةٌ من المؤلفين في الحديث والتواريخ والمعارف، ممن كان يُنْسَب إلى التحقيق والتدقيق، نحوُ أبي عمر بن عبد البر القرطبي، والأمير أبي نصر بن ماكولا في كتابه «الإِكمال)»، وغيرِهما قلَّدوا المتقدم، وقال الحافظ في ((مقدّمة فتح الباري)) ص ٩: ((والشرطُ الذي ذكره الحاكمُ - من أن اختيار البخاري ومسلم أن يكون للصحابي راويان فصاعداً، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان إلى آخر كلامه - وإن كان منتقَضاً في حق بعض الصحابة الذين أَخرَج لَهم - أي البخاري -، فإنه مُعتبَرٌ في حق من بعدهم، فليس في صحيح البخاري حديثٌ أصلٌ من رواية من ليس له إلَّ راو واحد قط ـــ أي من غير الصحابة - )). انتهى. ١٢٣ وركبوا في ذلك المَجَرَّةَ(١) وأثبتوه في كتبهم على ما رَسَمَه المُتقدِّمُ. (١) يعني حاولوا المُحال، كمن يريد رُكوب المَجرَّة، وهي منطقة في السماء قوامها نجوم كثيرة لا يميزها البصر، فيراها کبقعة بيضاء. ز. كذا قال شيخنا، والصواب أن قوله (ركبوا في ذلك المَجَرَّة) أي سلكوا ... ، وليس معناه تعسَّفوا كما يبدو من عبارة شيخنا رحمه الله تعالى، و (المجرّة) كما جاء في ((القاموس)) وشرحه ((تاج العروس)) في (جر) ٩٤:٣: «المجرّة: باب السماء، وهي البياض المعترض في السماء، وفي بعض التفاسير أنها الطريق المحسوسة في السماء التي يسير منها الكواكب)). وفي ((المعجم الوسيط»: المَجَرَّة: مجموعة كبيرة من النجوم تركزت حتى تراءت من الأرض كوشاح أبيض يعترض في السماء)). والمقصود بالمجرّة هنا: الجَادَّةُ المسلوكةُ المتبعةُ، أي هم في متابعتهم لعدّ (حارثة بن مالك الأنصاري) صحابياً سلكوا الجَادَّةَ المعروفة، وساروا على طريقة من سبقهم، فوقعوا في الغَلَط الفاحش. وهذا التعبيرُ موجود في كلام المتقدّمين، فقد جاء في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص ١١٨ في النوع ٢٧ معرفة علل الحديث، ما يلي: « ... قال أبو عبد الله: لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المَجَرَّةِ فيه)) . يريد طريق الجادّة فيه، ولغرابة هذه الكلمة: (المَجَرَّة) غُيِّرت إلى لفظ (الجادة) تفسيراً وتوضيحاً، في ((توجيه النظر)) للعلامة الجزائري ٢: ٦١١، و«تدريب الراوي)) ص ١٦٩ بحث المعلل، وانظر أيضاً ((الباعث الحثيث)) للعلامة أحمد شاكر ص ٧٦، فقد عَبَّر عنها في كلامه بلفظ (الجادّة) مع إبقائِه لفظ (المَجرَّة) في عبارة الحاكم. وجاء في ((تاريخ بغداد)» ٢٢٥:٣، في ترجمة (محمد بن محمد المقرىء المعروف بالطِّرَازي) قولُ الخطيب البغدادي فيه: «رأيتُ له أحاديثَ سَلَك فيها السُّهُولَةَ - أي الطريقة السَّهْلةَ المألوفَةَ -، واتََّع في روايتها المَجَرَّةَ، وكان يُحدِّث كثيراً من حفظه، وقد رأيتُ له أشياءَ مُستَنكَرَةٌ تدلُّ على وَهْي حالِه وذَهَاب حديثِه)). = ١٢٤ ولو عَدَل واحد من هؤلاء الأستاذِين إلى كتب السِّيَر وتواريخ المحدثين، لبَرِحَ الخفاء، وانكشف الغطاء، وبانَ أن حارثة بن مالك الأنصاري لم يكن من الصحابة، ولا من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من الموجودين في زمنه، أو بعده، وإنما هو في نسب الأنصار، وهو عبدُ حارثة بن مالك بن عَضْب بن جُشَم، جاهلي قدیم. من ولده: بنو زُرَيق بن عامر بن زُرَيق بن عبد حارثة بن مالك، بَطْنٌ، وبنو بَيَاضة بن عامر بن زُرَيق، بَطْزٌ، إليهما ينسب الزُّرَقيون، والبَيَاضيون، فِي الأَنصَارِ جماعة منهم صَحِبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولهم رواية، وشهدوا معه بدراً، وفيهم من بينه وبين عبدٍ حارثةَ الذي سَمَّوْه حارثة، وجعَلُوا له صحبةً: تسعةُ آبَاءٍ وَأَقَلُّ من ذلك. والعجبُ من الحاكم ومن أبي عُمَر أنهما أحالا بذلك على الواقدي، وإنما قال الواقدي(١) في تسمية البدريين: ومن بني زُرَيق بن عامر بن عبد فقوله (المَجَرَّة) هنا أيضاً بمعنى: الجادّةِ المسلوكةِ المتبعة، ووقع في المطبوع = من ((تاريخ بغداد)» (المحرة) بالحاء المهملة، وعَلَّق عليه المصحح بقوله: ((كذا في الأصل، ولعلها المحزة أي المؤثرة)». انتهى. وهو تَرَجُّ مردود، إذ الصواب (المَجَرَّة) بالجيم كما سَبق. (١) في ((أنسابه))، وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني، القاضي نزيلُ بغداد. قال ابن حجر: متروك مع سعة علمه، مات سنة سبع ومئتين. أهـ. وذكر الحافظ ابنُ سيد الناس في ((عيون الأثر)) ١٧:١ - ٢٠ توثيقَه عن جماعة، وكذا البدرُ العيني في ((شرح البخاري)»، ويُثني عليه الحافظ أبو بكر بنُ العربي في ((أحكامه))، وله في الإِيثار حكاية اتصل بالمأمون بسببها، - أنظر ذلك في ترجمته في = ١٢٥ حارثة. وغيرُه يقول: زُرَيق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عَضْب بن جُشَم، ثم من بني مَخْلَد بن عامر بن قيس بن محصن، وسَمَّى جماعة . فلعل الحاكم ظن أن الواقدي انتهى بنسب زريق إلى عبد، ثم ابتدأ، قال: حارثةُ مرفوعاً، وأن حارثة هو المراد بالصحبة، وإنما هو عبدُ حارثة مضافاً، وهو اسم لشخص واحد كما بيناه، وإنَّ أبا عُمَرَ بن عبد البر والأميرَ قلَّدا أبا أحمد، وقد أشبعتُ الكلامَ في هذا الاسم في ((تهذيب الإِكمال وأوهام الأمير))(١) . = «معجم الأدباء)» ١٨: ٢٨٠ -. لعل الرواة كانوا ينقمون عليه صِلتَه بالمأمون مع تشدده على الرواة. ز. وتبع ابنَ سيد الناس في ذلك تلميذُه الإِمام تقي الدين بن دقيق العيد وغيرُه، وقال ابنُ الهمام: الواقدي عندنا حسن الحديث، انظر ((قواعد في علوم الحديث)) للتهانوي ص ٣٤٩ _ ٣٥٠ وما علقتُه عليها، وعلى ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) لعلي القاري ص ٢٢٧ . (١) ومما يُشْبِه هذا الغلطَ في القراءة والمتابعةَ فيه ما وقع للحافظ السخاوي رحمه الله تعالى من وَهَم عند كلامه على حديث: ((أُمرتُ أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر))، في ((المقاصد الحسنة)) ص ٩١، وتبعه عليه من جاء بعده، كعلي القاري في ((الموضوعات الكبرى)) والعجلوني في ((كشف الخفاء ١٩٢:١ - ١٩٣، فقد جاء فيها جميعاً: ((أن النووي وقع له في ((شرح صحيح مسلم)) عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ((إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)) ما نصه: معناه أني أمرت بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم)). انتهى. وقد وقع لقائل هذا على النوري تَسَرٌُّ في فهم عبارة النووي، فكان منه الخطأ والغَلَطُ، وإليك نصَّ عبارةِ النووي من ((شرح صحيح مسلم)) في كتاب الزكاة في باب = ١٢٦ وقد أحسن أحمد بن حنبل رحمه الله في ترك التقليد والحث على البحث، حيث ذاكَرَ عليَّ بن المَدِيني في أصحاب الزهري، وكان أحمدُ يُقدِّمُ مالكاً(١)، وابنُ المديني يُقَدِّمُ سفيان: = إعطاء المؤلّفة قلوبهم ١٦٣:٧، قال النووي رحمه الله تعالى: ((قوله صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم، معناه أني أمرت بالحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر، كما قال صلى الله عليه وسلم: فإذا قالوا ذلك، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّ بحقّها، وحسابُهم على الله. وفي الحديث: ((هلّ شققت عن قلبه)). انتهى كلامُ النووي. وليس فيه نسبة جملة (أمرت أن أحكم بالظاهر ... ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما فيه تفسير حديثه بها، غير منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما وقع هذا الوهَمُ لقائله من تسرّع نظرِهِ في عبارة النووي، وجعلِهِ جملة (كما قال صلى الله عليه وسلم) مرتبطة بما قبلها، في حين أنها مرتبطة بما بعدها. ومثال آخر من هذا النوع من وقوع الخطأ في القراءة ما وقع لشيخنا راغب الطباخ رحمه الله تعالى في ((مقدّمة ابن الصلاح)» ص ٢١٢ في النوع الثامن والعشرين، معرفة آداب طالب الحديث، حيث قال ابن الصلاح: ( ... وأبو عبد الله الحسين بن محمد المعروفُ بعبيد العجلُ) فضبطه شيخنا بوضع ضمة فوق اللام في (العجل)، في حين أنه يجب ضبطه بكسرة تحت اللام لأنه صفة لـ (عُبيد)، ولكن الشيخ قرأه وضبطه بالرفع وَهَماً منه أنه صفة أو بدل من (أبو عبد الله)، وتابعه على ذلك الغلط الأخ الدكتور نور الدين عتر في ((مقدّمة ابن الصلاح)) أيضاً في طبعاته كلّها. مع أنهما نقلا في (النوع الثاني والخمسون معرفة ألقاب المحدّثين) في الحاشية، عن ابن الصلاح أن (العجل) صفة لـ (عُبيد) !. (١) في الضبط ومعرفة الرجال، حتى قال كثير من المحدثين: إن مالكاً إذا رَوَى عن مجهول تزول عنه الجهالة ويُعَدُّ ثقة، وفي ((زوائد)) ابن هانىء: ما رَوَى مالك عن أحد إلاَّ وهو ثقة، كل من رَوَى مالك عنه فهو ثقة، وقال الميموني سمعت أحمد غير = ١٢٧ أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الفرج الوكيل، أنبأنا عبد القادر بن محمد، أنبأنا عمر بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمد بن هارون، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، قال سمعتُ أبي يقول: كنتُ أنا وعلي بن المديني، فذاكَرْنا أثبَتَ من رَوَى عن الزهري، فقال علي: سفيانُ بن عيينة . = مرة يقول: كان مالك من أثبت الناس، ولا تُبَالِ أن تسأل عن رجل روى عنه مالك ولا سيما مَدَني. قال القاضي إسماعيل من كبار المالكية: إنما يُعتبَرُ بمالك في أهل بلده، وأما الغرباء فليس يُحتَجُّ به فيهم، كما بسطه ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)). ولا كلام أن مالكاً من أثبت الناس برجال المدينة، وأعرفِهم بهم، حتى كان يقول: ما من أهل المدينة أحدٌ إلَّ أَعرِفُه. وها هنا نبذة لا بأس في إيرادها، وهي ما يرويه الخطيبُ البغدادي في ((تاريخه)) بسنده إلى مُجاشع، أنه قال: كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحبُ أبي حنيفة وهو حَدَث، فقال: ما تقول في جُنُبٍ لا يجد الماءَ إلَّ في المسجد؟ فقال مالك: لا يَدخُلِ الجنبُ المسجدَ: قال: فكيف يصنعُ وقد حَضَرتْ الصلاة وهو يَرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر ((لا يدخل الجنب المسجد»، فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقولُ أنت في هذا؟ قال: يتيمَّمُ ويَدخل فيأخذ الماءَ من المسجد فيخرج فيغتسل. قال: من أين أنت؟ قال من أهل هذه - وأشار إلى الأرض - فقال: ما من أهل المدينة أحد إلاَّ أعرفه، فقال: ما أكثرَ من لا تعرف، ثم نَهَضَ، قَالُوا لمالك: هذا محمد بن الحسن صاحبُ أبي حنيفة، فقال: محمدُ بن الحسن كيف يكذب؟ وقد ذَكَر أنه من أهل المدينة! قالوا: إنما قال: من أهل هذه وأشار إلى الأرض، قال: هذا أشَدُ عليَّ من ذاك. اهـ. ولا شك أن هذا قبل أن تلقَّى الإِمامُ محمدٌ («الموطأ)» عن الإمام مالك. ز. ١٢٨ فقلتُ له أنا: مالكُ بن أنس. وابنُ عيينة يخطىء في نحو عشرين حديثاً عن الزهري، في حديثٍ كذا، وحديثٍ كذا، فذكرتُ منها ثمانية عشر حديثاً، وقلتُ هاتِ ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة(١). قال: فنظرتُ فيما أخطأ فيه سفيان بن عيينة، فإذا هو أكثرُ من عشرين حديثاً. ألا ترى أن ابن المديني - ومحلُّه من هذا الشأن ما قد عُرِف - لمَّا لم يُمعِن النظر في البحث عن حديث إمام دار الهجرة، حكَمَ بغير ما تقتضيه النَّصَفة حتى ذكَّره أحمد، وكان السبَبُ فيه أن ابن المديني فاته مالك، ومُتِّعَ بسفيان، وكان ربما يعتقد في حديث مالك عن الزهري أنه عَرْض، وحديثٍ سفيان تحديثٌ حذَّثه به الزهري، وإن كان الأمرُ على خلاف ذلك، وأحمَدُ لم يكتفِ بذلك حتى سَبَر حديثَهما، ثم حَكَم لأحدهما على الآخر. (١) فيَظهَرُ أن المصنِّفَ لم يطَّلع على الجزء الذي ألفه الدار قطني فيما خُولِفَ فيه مالك، من الأحاديث في ((الموطأ)) وغيرِهِ، وفيه أكثَرُ من عشرين حديثاً، وهو من محفوظات الظاهریة بدمشق. ز. ولكن البحث هنا عن أحاديثه عن الزهري، فلا يتم النقض على الحازمي إلاّ إذا كان كل ما في الجزء المذكور من أحاديث مالك عن الزهري. ١٢٩ باب في إيطال قول من زعم أن من شرط البخاري إخراجَ الحديث عن عدلينِ وهَلُمَّ جراً إلى أن يتصل الخبرُ بالنبي صلى الله عليه وسلم قد تقدم منا القولُ(١) بأن هذا حُكمُ من لم يُمعن الغوص في خبايا ((الصحيح))، ولو استقرأ الكتابَ حقَّ استقرائه، لوجَدَ جملةً من الكتاب ناقضةٌ علیه دعواه . وأما قولُ الحاكم في القسم الأول: إنَّ اختيار البخاري ومسلم إخراجُ الحديث عن عدلين عن عدلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا غيرُ صحيح طرداً وعكساً(٢)، بل لو عَكَس القضية وحَكَم كان أسلم له، وقد (١) في ص ١١٤، ١٢٢. (٢) وإن تبعه على ذلك البيهقي فقال في كتاب الزكاة من ((سننه)) عند ذكر حديث بهز عن أبيه عن جده ((ومن كتمها فإنا آخذوها وشطرَ ماله)»، الحديث، ما نصه: فأما البخاري ومسلم فإنهما لم يُخرِجاه جرياً على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلَّ راو واحد لم يُخرجا حديثَه في الصحيحين. اهـ. ووافقه أيضاً الحافظ أبو بكر بن العربي في دعوى تحقق هذا الشرط في البخاري وسعى في دفع ما لا مدفع له مما أورد عليه، بل أولُ حديث في البخاري أعني حديث = ١٣٠ ٠ = ((إنما الأعمال بالنيات)) وآخرُ حديث فيه أعني حديث ((كلمتان خفيفتان)) فردان غريبان باعتبار المَخْرَج، كما نَصَّ على ذلك الحافظ البرهانُ البقاعي وغيرُه، بل في الصحيحين ما ينوف على مئتي حديث من الغرائب مما انفرد به الراوي في طبقة من الطبقات حتى ألَّف الحافظ الضياء المقدسي في ذلك مُؤلَّفاً سماه ((غرائب الصحيحين))، وذكر فيه ما يزيد على مئتي حديث من الغرائب والأفراد المخرجة في الصحيحين. ومعرفة هذا مما يفيد عند التعارض والترجيح لا سيما فيمن يقال فيه إن انفراده يقبل أو لا يقبل على اختلاف آراء أهل العلم في الأحاديث الأفراد، وابنُ الأثير جارى الحاكمَ في تلك الأقسام كلُّها في ((جامع الأصول» - ١: ١٦٠ - ١٦٣ - والظاهرُ أنه لم يطلع على كتاب الحازمي فتابع الحاكمَ فيما لا يُتَابَعُ فيه. ومن الناس من حاول أن يدافع عن الحاكم بأن مرادَه أن يكون لكل راو راويان ليخرج عن الجهالة لا أن يكون لكل حديث خاص راويان يرويانه عن راويين يرويانه كذلك، وهذا الدفاعُ لا يَتْمَشَّى مع لفظ الحاكم ونصِّه السابق. ز. قال عبد الفتاح: عزوُ الحازمي إلى الحاكم أنه قال في القسم الأول: ((إن اختيار البخاري ومسلم إخراجُ الحديث عن عدلين عن عدلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... )) غيرُ صحيح، فلم يقل الحاكمُ هذا لا في ((المدخل)) ولا في ((معرفة علوم الحديث))، وقد سبقت عبارة الحاكم قريباً في ص ١١٥، وليس فيه شيء يدل على ذلك، بل كلامُه صريح في أنّ القسم الأول الذي هو اختيارُ البخاري ومسلم في نظره هو ما اشتمل على الأمور الأربعة الآتية: ١ - أن يكون راويه من الصحابة مشهوراً بأن يكون لذلك الصحابي راويان من التابعين، وعبارتُه في ((معرفة علوم الحديث)): ((وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسمُ الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ... ))، وهذا أوضح في المقصود. ٢ - أن يكون راويه عن الصحابة تابعيّاً مشهوراً بأن يكون لذلك التابعي راويان ثقتان . = ١٣١ = ٣ - أن يكون راويه عن التابعي حافظاً متقناً من أتباع التابعين، ويكون مع ذلك ممن روى عنه رواة ثقات من تابعي أتباع التابعين. ٤ - أن يكون شيخُ البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة. هذا كلام الحاكم وهو منتقد، ولكنّه لم يقل إن القسم الأول هو الحديث العزيز الذي لا يرويه أقلُّ من اثنين، عن أقل من اثنين إلى منتهاه، فإذاً النقضُ عليه فيما ذكره في القسم الأول - على ما صَوَّبْتُ من فهم كلامه - لا يتم بذكر غرائب الصحيحين، بل النقض إنما يتم بإيرادٍ أمثلة من الصحابة والتابعين الذين روى لهم الشيخان وليس لهم إلاّ راو واحد، وبإيرادِ نماذج من أتباع التابعين الذين أخرج لهم الشيخان وليسوا من الحفاظ المتقنين أو ليست لهم رواة ثقات من تابعي أتباع التابعين، وبذكرٍ طائفة من شيوخ البخاري ومسلم ليسوا من الحفاظ المشهورين بالعدالة، ولا ريب أن أمثلة جميع ذلك كثيرة في الصحيحين. والغريبُ أن الحازمي عزا إلى الحاكم أنه قال في القسم الأول أن يكون الحديثُ من رواية عدلين عن عدلين وهلم جرّاً إلى أن يتصل الحديث، ثم بدأ ينقض عليه بذكر الصحابة الذين روى لهما الشيخان أو أحدُهما وليس لهم إلاَّ راو واحد، مع أن مقتضى ما عزاه إلى الحاكم أن ينقض عليه بغرائب الصحيحين فقط، وهذا من الحازمي وهَمِّ بَيِّن. نعم ما ذكره الحاكمُ في القسم الرابع - من الأقسام المتفق عليها - أنه الأحاديث الغرائب التي تفرد بها ثقةٌ من الثقات، ثم قال: إن هذا القسم غيرُ مخرّج في ((الصحيحين))، فهذا مُنتَقَد يُنْقَضُ بذكر غرائب ((الصحيحين)) وأفرادِهما، وهي كما سبق نقلاً عن الحافظ ابن حجر نحو مئتي حديث. ومثلُ قول الحاكم في القسم الأول تماماً قولُ البيهقي الذي نقله شيخنا الكوثري في أول التعليقة، فليس فيه تعرُّض إلى أن الشيخين لا يُخرِجان الغرائب، وإنما فيه أنهما لا يخرجان عن صحابي أو تابعي ليس له إلَّ راو واحدٍ. فذكرُ شيخنا كلامَ البيهقي في سياق من عزا إلى الشيخين أنهما لا يخرجان إلاَّ حديث عدلين عن عدلين: منتقدٌ، وكذا قولُه في آخر التعليقة: إن قول من قال بأن مراد الحاكم أن يكون لكل راوٍ - أي من = ١٣٢ ٠ = الصحابة والتابعين - راويان ليَخرُج عن الجهالة، لا أن يكون لكل حديث خاص راويان يرويانه عن راويين يرويانه كذلك، لا يَتَمَشَى مع لفظِ الحاكم ونصِّه السابق: منتقد جدّاً، بل هذا هو المتعين من لفظ الحاكم، ولا يحتمل غيرَه وإن خُيِّل خلافُ ذلك إلى بعض الأوهام. وإليك كلامَ الحاكم ثانياً: ((القسم الأول ... الحديثُ الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظُ المتقنُّ المشهورُ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخُ البخاري ومسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته)). فليس في هذه العبارة حرف يدل على أن القسم الأول هو الحديث الذي يرويه اثنان عن اثنين، إلاّ أن يكون توهَّم أحدٌ أنّ الضمير في قوله (وله راويان ... ) راجع إلى الحديث، فيكون المعنى وللحديث راويان، وهذا فاسدٌ جدّاً بدليل قوله الآتي (ثم يرويه عنه التابعي المشهور ... )، فإن العبارةً على تقدير كون الضمير للحديث تكون كالآتي (ثم يرويه عن هؤلاء التابعيُّ المشهور)، وإنما قلتُ (هؤلاء) فإن الرواة على تقدير كون الضمير للحديث تكون ثلاثة، الأول يستفاد من قوله (الصحابي المشهور)، والآخران من قوله (وله راويان) !! على أنه لو كان الغرضُ بيانَ أن يكون للحديث راويان فأكثر في كل طبقة لكان قال من أوّل الأمر كما يلي: ((الحديثُ الذي يرويه صحابيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرويه عنهما تابعيان ... ))، ولَمَا احتاج إلى هذا التطويل الذي لا طائل تحته، فافهم ذلك. وعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الحديث في (وله رواة من الطبقة الرابعة) يُعَدُّ قولُه (ثم يرويه من أتباع التابعين الحافظُ المتقنُ ... ) خطأً أيضاً، ويكونُ صوابُه (ثم يرويه من أتباع التابعين ثلاثةٌ حُفّاظِ متقنین ... فأكثر)، وهذا واضح لا لبس فيه. وأما تردّدُ الشيخ ابن الأثير في ((جامع الأصول)) ١٦٢:١، والعلامة اللكنوي في = ١٣٣ صَرَّح بنحو ما قلتُ من هو أمكن منه في الحديث، وهو أبو حاتم محمد بن حبان البُستي . أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهمذاني، أنبأنا أبو القاسم المستملي، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون الزَّوْزَني، حدثنا ابن حبان البستي قال(١): وأما الأخبارُ فإنها كلَّها أخبارُ الآحاد، لأنه ليس يُوجَد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين، رَوَى أحدُهما عن عدلين، وكلُّ واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استحال هذا وبَطَل، ثبَتَ أن الأخبار كلَّها أخبار الآحاد، ومن اشتَرط ذلك فقد عَمَد إلى ترك السنن كلِّها، لعدم وجود السنن إلاَّ من رواية الآحاد. = ((ظفر الأماني)) ص ٦٩ - ٧٠، في فهم كلام الحاكم رحمه الله تعالى من أنه يحتمل معنيين، وأن الضمير في (وله راويان) يحتمل أن يكون للحديث ويحتمل أن يكون للصحابي، ففي غيرِ موضعه، فإن كلامَ الحاكم ظاهر في المعنى الذي ذكرتُه، ولا يحتملُ غيرَهُ، وإن الضميرَ ليس للحديث جزماً. والحاكمُ مع وفرة أخطائه في كثيرٍ من كتبه لا يصل به الأمرُ إلى جهالة ما عليه كتابا الشيخين من كثرة تخريج الغرائب والأفراد، كيف وقد استدرك عليهما كتابه ((المستدرك))، وهو كتابٌ حافل كبير جدّاً، وليس استدراكُه فيه قائماً على هذا الشرط الذي قُوِّلْه الحاكمُ تقويلاً، فانظر وتأمل ما قلتُه بتأنّ وإنصاف، والله يرعاك. وما سبق إلى ذهن بعضٍ العلماء الأكابر من الوهم في تفسير كلام الحاكم فمنشؤُهُ ما قال بعض شيوخ شيوخي رحمه الله تعالى: الفهم عَرَضٌ يطرأ ويزول. (١) في مقدّمة ((صحيحه)) ١: ١٤٥ من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت. ١٣٤ هذا آخر كلام ابنُ حبان، ومن سَبَر مَطَالع الأخبار، عَرَف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب (١). وأما قوله(٢): إن الموجود المروي من الأحاديث على الوتيرة التي رَسَم، يَبلُغ قريباً من عشرة آلاف. فهذا ظن منه بأنهما لم يُخرِجا إلَّ على ما رَسَم، وليس كذلك، فإن أقصى ما يمكن اعتبارُه في الصحة هو شرط البخاري(٣)، ولا يُوجَد في كتابه من النحو الذي أشار إليه إلَّ القدرُ اليسير. وأما قوله: إن شرط الشيخين إخراجُ الحديث عن عدلين وهلم جراً إلى (١) يوهِمُ ظاهرُ كلام ابن حبان أنه يَنْفِي وجودَ قسم العزيز من أقسام الحديث ومن ثمة لم يقل الحازمي أن ما ذكره هو الصواب، ويُمكن أن يُؤْوَّلَ كلامُ ابن حبان بأن مرادَهُ أن يكون لكل راو راويان فقط من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، والزيادةُ غيرُ مضرة في العزيز وأما روايةُ اثنين اثنين فقط فمما لا یکاد یُوجَد. ز. هذا تأويلٌ بعيد جدّاً لكلام ابن حبان، بل المُتَعيِّن من سياق كلامِهِ أنه يُريدُ نفيَ العزيز، فإنه بصَدَد الاحتجاج لقبولٍ أخبار الآحاد: الغرائبِ والأفرادِ، ولا يَتِمُّ ذلك عند التأويل المذكور، كما هو ظاهرٌ. (٢) أي قول الحاكم. (٣) أي أقصى ما يمكن اعتبارُه في الصحة فيما دون المتواتر هو شرطُ البخاري الذي قدَّرَه له الحاكمُ ولم يُسَلَّم له، وإلَّ فدرجاتُ الإِمكان متصاعدة لا تنتهي عند ما شرطه البخاري، فمن أثبت حكمَ التدليس للراوي بمرةٍ كالشافعي، أو اشترط عدمَ تخلُّل النسيان من زمن التحمل إلى زمن الأداء، أو عدمَ التعويل على خطُّ نفسه إذا لم يذكُر كأبي حنيفة، أو عدَمَ التنافي مع العمل المتوارث في أمصار المسلمين التي حل بها فقهاءُ الأصحاب بكثرة مع كون طريق هذا الحديث من هذا المصر كما هو مذهبُ أهل العراق والليثِ بن سعد مطلقاً، ومالكِ في المدينة ونحوُهم، فشرطُهم أضيقُ، نعم شرطُ البخاري في اللقاء والملازمة والحفظ أقوى من شرط من بعده والله أعلم. ز. ١٣٥ أن يتصل الحديث. فليس كذلك أيضاً، لأنهما قد خرَّجا في كتابيهما أحاديثَ جماعةٍ من الصحابة، ليس لهم إلَّ راو واحدٍ، وأحاديثَ لا تُعرَف إلَّ من جهةٍ واحدة، وأنا أذكُرُ من کل نوع أحاديث تدلُّ على نقيض ما ادعاه: فمن ذلك: حديثُ مِرْداس الأسلمي، ((يذهب الصالحون الأول فالأول))، الحديث. وهذا حديث تفرد البخاري بإخراجه، ولم يرو عنه غيرُ قيس بن أبي حازم، رواه البخاري(١) عن يحيى بن حماد، عن أبي عَوانة، عن بيان، عن قيس، عن مرداس، وليس لمرداس في كتاب البخاري سوى هذا الحديث، وقد ذكَر الحاكم في القسم الثاني مرداسَ بنَ مالك الأسلمي، وعذَّه فيمن لم يُخرَج له في الصحاح شيء، وهذا الحديث يَردُّ عليه قولَه ويُبَيِّنْ خطأَه. ومنها: حديث حَزْن بن أبي وهب المخزومي، خرَّج عنه البخاري حديثين، أحدُهما ((قال جاء سيل في الجاهلية فكَسًا ما بين الجبلين))(٢). والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ((ما اسمك؟))، الحديث(٣). وقد انفرد بهما عنه ابنُه المُسيَّبُ، وعن المسيب ابنُه سعيد بن المسيب. ومنهم: زاهرُ بنُ الأسود الأسلمي، خرَّج عنه البخاري حديثاً واحداً، وهو ((إني لأَّوقِدُ تحت القدور بلحوم الحمر، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم (١) ١٧٤:٧ في الرقاق، باب ذهاب الصالحين، وذكر الحاكم نفسه في ((المستدرك)» ٢٣:١ أن البخاري أخرج لمرداس هذا الحديثَ. (٢) ٢٣٤:٤ في باب أيام الجاهلية. (٣) ١١٧:٧ في الأدب، باب اسم الحَزْن. ١٣٦ الحمر)»(١). وقد تفرد بالرواية عنه ابنُّه مَجْزَأة بن زاهر. ومنهم: عبد الله بن هشام بن زهرة القُرَشي، أخرج البخاري عنه حديثين، أحدُهما ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبُّ إليَّ من كلِّ شيء))، الحديث(٢). والثاني ((قال: ذهبَتْ به أمُّه زينبُ بنت حُمَيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله بايعْه، فقال: هو صغير))، الحديث(٣). وقد تفرد بالرواية عنه ابنُ ابنه زهرة بن معبد. ومنهم: عمرو بن تَغلِب، أخرج عنه البخاري حديثين، أحدُهما ((إني لِأُعطِي الرجلَ وأدَعُ الرجلَ))، الحديث(٤). والثاني ((إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون))، الحديث(٥). وقد تفرد برواية هذين الحديثين عنه الحسَنُ بن أبي الحسن، ولا يُعرَف له راوٍ غیرُه. ومنهم: عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، أخرج عنه البخاري حديثاً واحداً موقوفاً(٦)، تفرد به الزهري عنه، ولا يُعرَف له رأو غيرُ الزهري . ومنهم: سُنَين أبو جَمِيلة السُّلَمي من أنفسهم، أخرج البخاري عنه طَرَفاً (١) ٦٦:٥ في المغازي، باب غزوة الحديبية. (٢) ٢١٨:٧ في الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمينُ النبي صلى الله عليه وسلم. (٣) ١١٣:٣ في الشركة، باب الشركة في الطعام وغيره. (٤) ٥٩:٤ في الخمس، باب ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعطِي المؤلفةَ قلوبُهم وغيرهم من الخمس . (٥) ٣: ٢٣٢ في الجهاد، باب قتال الترك. (٦) ٧: ١٥٦ في الدعوات، باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم. ١٣٧ من حديث(١)، ولم يرو عنه غيرُ الزهري من وجهٍ يصح مثلُه. ومنهم: أبو سعيد بن المعلَّى(٢)، أخرج عنه البخاري حديثاً واحداً، ((قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيتُه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي)»، الحديث(٣). وقد تفرد به عنه حفصُ بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وما رواه عنه غيرُ خُبَيب بن عبد الرحمن بن خُبِيب بن يساف. ومنهم: أبو عُقْبة سُوَيد بن النعمان بن مالك بن عامر الأنصاري، وكان من أصحاب الشجرة، أخرج عنه البخاري حديثاً واحداً ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ خيبر، حتى إذا كنا بالصَّهْبَاء وهي من أدنى خيبر))، الحدیث(٤). وقد تفرد به عنه بشیرُ بنُ يسار. ومنهم: خولة بنت ثامر، وقد أخرج البخاري منفرداً به من حديث أبي الأسود، عن النعمان بن أبي عياش، عن خولة بنت ثامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إنَّ رجالاً يَتَخوَّضون في مالِ الله بغير حق))(٥) . قال الدار قطني: ولا تُعرَفُ خولةُ بنت ثامر إلاَّ في هذا الحديث، ولم يرو عنها غيرُ النعمان بن أبي عياش. وهذا اللفظُ يشبه لفظَ عُبَيد سَنُوطًا، عن (١) ٥: ٩٥ في المغازي، بابٌ بعدَ بابِ مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح. (٢) اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث بن أوس، وقيل: الحارث بن نُفَيع بن المُعَلَّى. (٣) ٦: ١٠٣ في فضائل القرآن، باب فاتحة الكتاب. (٤) ٥: ٧٢ في المغازي، باب غزوة خَيْبَر. (٥) ٤٩:٥ في الخمس، باب قول الله تعالى فأَنَّ لله خمسه وللرسول. ١٣٨ خولة بنت قيس بن قَهْد امرأةٍ حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كانت هي التي رَوَى عنها النعمان بن أبي عياش ونَسَبها إلى ثامر، فالحديثُ مشهور، وإن كانتا امرأتينٍ فابنةُ ثامر لم يَرو عنها غيرُ النعمان بن أبي عياش. وممن تفرَّدَ مسلم بإخراج حديثه على النحو المذكور: عديُّ بن عُمَيرة الكِنْدي، أخرج مسلم له حديثاً واحداً، وهو ((من استعملناه على عمل، فَكَتَمَنا مِخْيَطاً فما فوقه))، الحديث(١). ولم يَرو عنه غيرُ قيس بن أبي حازم. وقد ذكَر الحاكمُ في القسم الثاني: المستورِدَ بن شداد الفِهري في مفاريد قيس بن أبي حازم (٢)، وزَعَم أنه لم يُخرج البخاري ولا مسلم حديثَه، ولا حديثَ من كان على هذا الوزانِ من المفاريد. وهذا مسلمُ بنُ الْحجاج قد خرَّج للمستورد حديثين، أحدهما من رواية قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما الدنيا في الآخرة إلاَّ مِثلُ ما يَجعلُ أحدُكم إصبعَه هذه - وأشار بالسبابة - في اليَمِّ فلينظر بم تَرجِع)»(٣) . والثاني أخرجه من حديث موسى بن عُلَيّ، عن أبيه عُلَيّ بن رَبَاح، قال: قال المستورِدُ القرشي عِندَ عَمْرو بن العاص: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تقوم الساعةُ والرومُ أكثَرُ الناس))، (١) ٢٢٢:١٢ في الإمارة، باب تحريم هدايا العمال. (٢) وهذا خطأ أيضاً فإن المستورد رضي الله عنه قد روى عنه غيرُ واحد سوى قيس، منهم معبد بن خالد، وحديثُه عنه في ((صحيح مسلم)) ١٥: ٦٠ في الفضائل، باب إثبات الحوض، وعُلَي بن رباح كما سيأتي. (٣) ١٧ : ١٩٢ في صفة الجنّة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. ١٣٩ الحديث(١). وقد رَوَى عنه غيرُ واحد من المصريين والشاميين. ومنهم: قطبة بن مالك، أخرج عنه مسلم حديثاً واحداً، قال: ((صلَّيتُ وصلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ قَ والقرآنِ المجيد)»، الحديث(٢). ولم يَرو عنه غيرُ زياد بن عِلاقة، وقد زَعَم الحاكمُ أن قطبة هذا لم يُخرَج حديثُه في الكتابين لِمَا توقَّمه. ومنهم: أبو عبد الله طارق بن أَشْيَم والد أبي مالك، أخرج عنه مسلم حديثين، أحدُهما سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال لا إِلّه إلَّ الله، وكَفَر بما يُعبَدُ من دون الله، حَرُمَ مالُهُ ودَمُه، وحسابُهُ على الله))(٣). الثاني («كان الرجل إذا أَسلَم علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة»، الحديث(٤). وقد تفرد بالرواية عنه ابنُه أبو مالك سعد بن طارق. ومنهم: نُبَيشة الخَيْر بن عبد الله بن عَتَّاب، أخرج عنه مسلم حديثاً واحداً في أيام التشريق(٥)، وقد أخرج له البَرْقاني في ((كتابه)) المخرَّج على ((الصحيحين)) حديثاً آخر في العَتِيرة، ولم يُوجَد في أكثر النسخ سوى الحديث الأول، وليس له راو سوى أبي المَلِيح عامر بن أسامة (٦). (١) ٢٢:١٨ - ٢٣ في الفتن وأشراط الساعة، باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس . (٢) ١٧٨:٤ في الصلاة، باب القراءة في الصبح. (٣) ١: ٢١٢ في الإِيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله. (٤) ١٧: ١٩ - ٢٠ في الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء. (٥) ١٧:٨ في الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق. (٦) نَخَّص كلامَ الحازمي هنا في نقض دعوى الحاكم الحافظُ الذهبيُّ بدون أن يعزو إليه، في ((سير أعلام النبلاء)» ١٢: ٤٧٠ في ترجمة الإمام البخاري، و ١٢ : ٥٧٤ = ١٤٠ ومن مفاريد التراجم في الكتابين: حديثُ ((الأعمالُ بالنية)). فإن البخاري استفتح كتابَه به، رواه عن الحُمَيدي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وَقَّاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث. وقد أُخرِج في الكتابين في عدة مواضع. وهو من غرائب الصحيح، مَدَنيُّ المَخْرَج، ولم يُرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهٍ يصح مثلُه إلاَّ من حديث عُمَر، فهو في الحقيقة من مفاريده، ولا يَتْبُتُّ عن عمر إلَّ من رواية علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة إلَّ التيمي، تفرَّد به يحيى بنُ سعيد، وقد رواه عن يحيى خلقٌ كثير(١). وهذا باب لو استقصيتُه لأفضى إلى الإكثار، وتجاوز حدَّ الاختصار. ومن طالع تراجم حديث الشاميين والمصريين، وَجَد لما ذكرناه نظائرَ كثيرة، فإن حديث الحمصيين ومن يُدانيهم ضيِّقُ المَخرَج جداً، ولهذا قلما يوجد الشاميين والمصريين حديث يُعنَى بجَمْع طَرقه، ويُذاكَرُ به في السَّبْر من حديث الشاميين الدمشقيين، وذاك لضيق مخرج حديثهم. = و ٥٧٨، في ترجمة الإِمام مسلم. (١) حتى قال ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار)) إن هذا الحديثَ قد يكون عند بعضهم مردوداً لأنه حدیث فرد. اهـ. قال الخليلي: إن الذي عليه الحفاظ أنَّ الشاذ ما ليس له إلاَّ إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمردود، وما كان عن ثقة تُوقِّفَ فيه ولا يُحتَجُّ به، وقال الحاكم: إنه ما انفرد به ثقة وليس له أصل يُتَابَع. ومذهبُ الجمهور أن الشاذ انفرادُ ثقة بما يخالف روايةً الثقات لا انفرادُهُ مطلقاً. وهذا الحديث أصل من أصول الدين ولا يُشَكُّ في صحته لِمَا بَسَطْه البدرُ العيني وغيرُه وإن لم تُخرِجِه المتابعاتُ الضعيفة عن الفردية. ز.