النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ بيته فأخرج أربعَ رِزَم، ووضَعَ بعضها على بعض، وقال: هذه قواعدُ الإِسلام: كتابُ مسلم، وكتابُ البخاري، وكتابُ أبي داود، وكتابُ النسائي. سمعت الإِمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري (١) بهراة، وجَرى بين يديه ذكرُ أبي عيسى الترمذي وكتابِه، فقال: كتابُه عندي أَنفَعُ من كتابَيْ البخاري ومسلم، لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقِفُ على الفائدة منهما إلَّ المتبحرُ العالم، وكتابُ أبي عيسى يَصِلُ إلى فائدته كلُّ أحد من الناس. رأيتُ على ظهر جزء قديم بالري حكايةً، كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش (٢)، قال أبو زرعة الرازي: طالعتُ كتاب أبي عبد الله (ابن ماجه)، فلم أجد فيه إلاَّ قدراً يسيراً مما فيه شيء، وذكَرَ قريبَ بضعة عشر أو كلاماً هذا معناه(٣). (١) هو ابنُ مَتْ، وهو الذي أمال المصنف إلى التصوف السالمي المعروف. ز. (٢) هو أحمد بن إسحاق الرّازي، مات بعد خمس وأربعين وأربع مئة، كما في ((نزهة الألباب في الألقاب)) للحافظ ابن حجر ٢٣٢:١، وترجم له أيضاً في «تبصير المنتبه؟ ٥٢٤:٢، وسمّاه أحمد بن الحسن، ووصفه بالحافظ. وكذا الحافظ الذهبي سماه أحمد بن الحسن، ووصفه بالإِمام المحدّث الحافظ الواعظ، وذلك في (سير أعلام النبلاء)» ١٧ : ٦٢٤. (٣) الذي نَظَمه ابن الجوزي من أحاديثه في سلك الموضوعات نحو ثلاثين حديثاً، أقلُّ ما يقوله الناقُد فيها: إنها بالغة الضعف، بل أغلبُها موضوع. ز. وتجد بسطَ الكلام على تلك الأحاديث في «الإِمامُ ابن ماجه وكتابُه السنن» العلامة المحدّث محمد عبد الرشيد النعماني نفع الله تعالى به، وقولُ شيخنا «إنها بالغة الضعف ... )) محمول على الأكثر منها، إذ في تلك الأحاديث ما هو حسن أو صحيح = ١٠٢ ورأيتُ بقَزْوينَ له تاريخاً على الرجال والأمصار من عهد الصحابة إلى عصره، وفي آخره بخط جعفر بن إدريس صاحبه: مات أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه المعروفُ بابن ماجَهْ يوم الاثنين، ودُفن ليلة الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وسمعتُه يقول: وُلِدتُ في سنة تسع ومئتين. ومات وله أربع وستون سنة، وصَلَّی علیه أخوه أبو بكر، وتولَّى دفنَه أبو بكر وأبو عبد الله أخواه وابنُه عبد الله. أخبرنا أبو زيد واقد بن الخليل القزويني الخطيب بالري، أنبأنا والدي الخليل بن عبد الله الحافظ في كتاب قزوين، قال: أبو عبد الله محمدُ بن يزيد يعرف بابن ماجه مولى ربيعة، له سنن وتفسير وتاريخ، وكان عارفاً بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقينِ: البصرة والكوفةِ، وبغدادَ ومكةً والشام ومصرَ والريِّ لَكَتْب الحديث، مات سنة ثلاث وسبعين ومئتين. = كما تتبينه بمطالعة الكتاب المذكور، وعبارةٌ شيخنا في المقدّمة في ترجمة ابن ماجه كما يلي: ((إلاَّ أن ما في ابن ماجه - مما أدرجه ابن الجوزي في الموضوعات - لا يقلّ من الضعف الشديد في ثلثي هذا المقدار)). وهذه أدق مما هنا. وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٢٧٨:١٣، في ترجمة الإِمام ابن ماجه: ((وعن ابن ماجه، قال: عرضتُ هذه ((السنن)) على أبي زرعة الرازي فنظر فيه، وقال: أظنّ إن وقع هذا في أيدي الناس تَعَطَّلَتْ هذه الجوامعُ أو أكثرُها. ثم قال: لَعَلَّ لا يكون فيه تمامُ ثلاثين حديثاً، مما في إسناده ضعف، أو نحوّ ذا. قلت - القائل الذهبي - : قد كان ابنُ ماجه حافظاً ناقداً صادقاً واسعَ العلم، وإنما غَضِّ من رتبة («سننه)) ما في الكتاب من المناكير، وقليلٍ من الموضوعات، وقولُ أبي زرعة - إن صحّ - فإنما عنى بثلاثين حديثاً، الأحاديثَ المطَّرحة السّاقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة، فكثيرة لعلّها نحو الألف)). انتهى. ١٠٣ أخبرنا أبو القاسم عبد الله بنُ طاهر التميمي الفقيه، قَدِم علينا الري حاجاً، أنبأنا علي بن محمد بن نصر الدينوري، حدثنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد المالكي، حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد، حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق، ثنا الصُّولي، قال: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي يقول: كتابُ الله عز وجل أصلُ الإِسلام، وكتابُ السنن لأبي داود عَهْدُ الإِسلام. أخبرنا أبو القاسم علي بن عبد العزيز الخشاب بنيسابور، أنبأنا محمد بن عبد الله البيِّع فيما أذن لنا، قال: سمعت أبا سليمان الخطابي يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت محمد بن إسحاق الصَّغَاني يقول: أَلِينَ لأبي داود السجستاني الحديثُ كما أَلِينَ لداود عليه الصلاة والسلام الحديدُ. أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمر قندي(١) مناولةً، أنبأنا أبو بِشْر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ، قال: محمدُ بن عيسى بن سَوْرة الترمذيُّ الحافظ الضرير، أحَدُ الأئمة الذين يُقْتَدى بهم في علم الحديث، صنَّف كتاب ((الجامع)» والتواريخ و((العِلل)) تصنيفَ رجل عالم متقن، كان يُضرَب به المثل في الحفظ . قال الإِدريسي: سمعتُ أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد بن الحارث المروزي الفقيه يقول: سمعتُ أحمد بن عبد الله بن داود المروزي يقول: سمعتُ أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنتُ في طريق مكة، وكنتُ (١) وقع في طبعة الهند والمخطوطة (أبو أحمد ... ) وهو خطأ. ١٠٤ قد كتبتُ جزءين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخُ، فسألتُ عنه فقالوا: فلان، فذهبتُ إليه وأنا أظن أن الجزءين معي، وحَملتُ معي في مَحْمِلي جزءين، كنت ظننتُ أنهما الجزان اللذان له. فلما ظفرتُ به وسألتُه أجابني إلى ذلِكَ، أَخَذْتُ الجزءين، فإذا هما بياض، فتحيَّرتُ، فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه ثم ينظر إلي فرأى البياضَ في يدي، فقال أما تستحيي مني؟! قلتُ: لا، وقصصتُ عليه القصة، وقلتُ أحفظه كلَّه، فقال: اقرأ، فقرأتُ جميعَ ما قرأ على الولاء، فلم يُصَدِّقني وقال: استَظهرتَ قبل أن تجيئني، فقلتُ: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثاً من غرائب حديثه، ثم قال: هاتِ أقرأ، فقرأتُ عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، ما أخطأتُ في حرف، فقال لي ما رأيتُ مثلَك. أخبرنا أبو بكر الأديب، أنبأنا محمد بن عبد الله البيِّع إجازةً، قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول: لمَّا عزمتُ على جَمْع كتاب السنن، استَخرتُ الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعضُ الشيء، فوقَعَتْ الخِيَرةُ على تركهم، فتركتُ جملةً من الحديث كنت أعلو فيهِ عنهم. سألت الإِمام أبا القاسم سَعْد بن علي الزنجاني بمكة، عن حال رجل من الرواة فوثَّه، فقلتُ: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعَّفه، فقال: يا بُنَّي إنَّ لأبي عبد الرحمن في الرجال شَرْطاً أشدّ من شرط البخاري ومسلم. قرأتُ على أبي القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجاني بنيسابور، أخبركم أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلَمي الصوفي فيما أَذِنَ لك، ١٠٥ قال: سألتُ أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ، فقلتُ: إذا حدَّث محمدُ بن إسحاق بن خزيمة وأحمدُ بن شعيب النسائي حديثاً من تُقَدِّمُ منهما؟ قال: النسائي لأنه أسنَدُ، على أني لا أقدِّمُ على النسائي أحداً، وإن كان ابنُ خزيمة إماماً ثَبْتاً معدومَ النظير. وقال: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: من يَصبِرُ على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائي، كان عنده حديثُ ابن ◌َهِيعة ترجمةً ترجمةٌ(١)، فما حدَّث بها، وكان لا يَرى أن يُحدِّث بحديث ابن لهيعة. سمعت أبا زكريا الحافظ يقول: سمعت عمي أبا القاسم الحافظ يقول: سمعت أبي الإِمامَ الحافظَ أبا عبد الله بن منده يقول: ما رأيتُ في اختلاف الحديث والإتقان أحفَظَ من أبي علي الحسين بن علي بن داود اليَزْدِي النيسابوري(٢). تم وكَمَل بحمد الله وعونه، وصلواتُه على نبينا محمد وآله وصحبه وعترته، وسلَّم تسليماً كثيراً. آخر الجواب والله الموفق للصواب . (١) يعني أن أحاديثه عن ابن لهيعة كثيرة جداً، تَدخل في كل باب من أبواب الفقه والأحكام. (٢) هذا الخبرُ لا صلة له بما قبله ولا بموضوع هذا الجزء، وإنما أورده المؤلِّفُ هنا للتسجيل فقط كعادتهم. شِرُوَطَ الأَهْرُ الَِّيَّة لِلحَافِظِ أبِبَكْرِ مُحَمَّد بْن مُوسَىَ الحَازِمِيّ ولدسنة ٥٤٨ وتوفي سنة ٥٨٤ رحم الله تعالى اعْتَنى بهَا عبد الفتاح أبو غدة وُلِدَ سَنَّة ١٣٣٦ وَتُونِّ سَنَّة ١٤١٧ رَحْمَهُ الله تعالى مكتب المطبوعات الإسلاميةَّة ١٠٩ بِسْمِاللَّهِ الرَّمِ الرَِّ قال الشيخ الحافظ زين الدين أبو عبد الله (١) محمد بن موسى الحازمي الهَمذَاني رحمه الله من لفظه : الحمد لله الذي اختار لنا الإِسلام ديناً وآزره، وأظهره على الدين كله وآثره، وجعله حصناً حصيناً، ومنهاجاً مبيناً، لا يَدْرُسُ مَنارُه، ولا تُطْمَسُ آثاره. وصلَّى الله على محمد النبي المبعوثِ مِن أظهرِ المناصب، والمختارِ من أطهر المَنَاسب، وعلى آله وصحبه ذوي السوابق والمناقب. أما بعد فقد سألتني ـــ وفَّقك الله لاكتساب الخيرات، وجنّبني وإياك موارد الهَلَكات - أن أذكر لك شروطَ الأئمةِ الخمسة في كتبهم(٢)، المعتمَدِ (١) هكذا في الأصل، وفي ((الذهبي)) وغيره ((أبو بكر))، وهو المشهور. ز. (٢) أول من ألف في شروط الأئمة فيما نعلم: ١ - هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، المتوفى سنة خمس وتسعين وثلاث مئة، وقد ألَّف جزءاً سماه «شروط الأئمة في القراءة والسماع والمناولة والإِجازة». ٢ - ثم الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة سبع وخمس مئة، ألف جزءاً سماه ((شروط الأئمة الستة»، وهما موضع أخذ ورد. ٣ - ثم أتى الحافظ البارع الحازمي، فألَّف هذا الجزء، وأجاد، وهو جَمُّ العلم = ١١٠ على نقلِهم وحكمهم : أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بن بَرْدِزْبَة الجُعفي مولاهم البخاري. وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. وأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بِشْر بن شَدَّاد بن عَمْرو بن عمران الأزدي السِّجِسْتاني. وأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي. وأبي عبد الرحمن أحمد بن شُعَيب النَّسَوي، رحمهم الله عز وجل(١). = جليلُ الفوائد على صِغَر حجمه، يفتح للمطلعين عليه أبوابَ السَّبْر والفحص، ويُنبههم على نُكَتٍ قلما يُنْتَبَهُ إليها. قال أبو الفضل بن طاهر المقدسي في جزء شروط الأئمة المذكور: اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم، لم يُنقَل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرج في كتابي مما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يُعرَف ذلك مِن سَبْرٍ كتبهم، فيُعلَمُ بذلك شرطَ كل رجل منهم. اهـ. يعني غيرَ ما هو معروف من الخلاف بين الشيخين في الاكتفاء بثبوت المعاصرة بين الراوي وشيخه، بعد كونهما ثقتين كما هو عند مسلم، أو اشتراطِ ثبوت اللُّقِيِّ بينهما مع ذلك كما هو عند البخاري. وقال النووي: ليس للشيخين شَرْطٌ في كتابيهما ولا في غيرِهما. اهـ. ز. (١) جرى المصنف في ذكرهم على ترتيب وفَيَّاتهم، وهم أصحاب الأصولِ الخمسة المعروفة بين المحدثين، ولم يَجعل بينها الموطّأ لاندماج أحاديثه فيها إلاّ ما قل، ولا سنن ابن ماجه لتأخر مرتبتها عنها، حتى قالوا: إن كل من انفرد ابن ماجه بالرواية عنه فهو ضعيف، وإن كان بين زوائد ابن ماجه من الأحاديث صحاح. وعَذَّ رَزِين بن معاوية العَبْدَرِي في ((جامع الصحاح)) الأصولَ ستةً مع الموطأ، وتابعه ابن = ١١١ = الأثير في ((جامع الأصول))، وابنُ طاهر جعَلَ الأصولَ أيضاً ستةً، إلاّ أنه ذكر ابنَ ماجه سادسَ ستة، وتَرَك الموطأ لما سَبَق، وتابعه عبدُ الغني المقدسي في ((الكمال)» وأصحابُ كتب الأطراف والمتأخرون. ولا كلام في تفضيل أحاديث الصحيحين على أحاديث من بعدهما، باعتبار الصحة من حيث الجملة، وإن كان يوجد فيما سواهما ما يُفَضَّلُ على ما فيهما حيث تتوفر أسبابُ الترجيح، ومنهم من جعَلَهما في مرتبة، - يعني: الصحيحين في مَرْتبةٍ واحدة -، والجمهور على تفضيل أحاديث البخاري المسندة على أحاديث مسلم جملة، وإن كان يُفْضَّل مسلم على البخاري في حُسنِ السِّياق، وجودةِ الترتيب، والقَصْرِ على الأحاديث المسندة. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ - ٨٩٥:٣، ٨٩٦ _ عند ترجمة الحافظ أبي الوليد حسان بن محمد النيسابوري: قال الحاكم: سمعت أبا الوليد يقول: قال أبي: أيَّ كتاب تجمع؟ قلتُ أُخرَّجُ على كتاب البخاري، قال: عليك بكتاب مسلم، فإنه أكثر بركة، فإنَّ البخاري كان يُنسَب إلى اللفظ، قال ابنُ الذهبي: ومسلم أيضاً منسوب إلى اللفظ، والمسألة مشكلة. اهـ. يشير إلى ما وقع بين البخاري وشيخه محمد بن يحيى الذهلي، حين قَدِم البخاري نيسابور وسألوه عن اللفظ، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأعمالُنا مخلوقة . قال أبو حامد بنُ الشَّرْقي: سمعتُ الدُّهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم «لفظي بالقرآن مخلوق))، فهو مبتدع لا يَجلِسْ إلينا، ولا نُكلِّمُ من يذهب بعدَ هذا إلى محمد بن إسماعيل. فانقطع الناسُ عن البخاري إلَّ مسلم بن الحجاج وأحمد بن سَلَمة. وبعَثَ مسلم إلى الذهلي جميعَ ما كان كتَبَ عنه على ظهر حَمَّال، - بالحاء المهملة، ثم الميم المشدّدة بعدها. ع . -، وقال الذُّهلي: لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد، فخشي البخاري على نفسه وسافر منها. ومسلمٌ لم يُخرج بعد ذلك لا عن الذهلي ولا عن البخاري، وأما البخاري فأَخرَج = ١١٢ ٠ = حديثَ الذهلي في («صحيحه))، مع ما جرى بينهما، إلاّ أنه كان يقول: حدثنا محمد، أو حدثنا محمد بن خالد، يَنسبه إلى جده، أخذاً بعلمه ودفعاً لما يُتوهم من أن شيخه محق في طعنه لو صَرَّح باسمه. ولا إشكال في المسألة لأن الحق كان بجانب الشيخين في مسألة اللفظ وإن تعصبوا عليهما، ومن أشرف على سير المسألة بعد محنة الإِمام أحمد، يَرى مبلغ ما اعتَرى الرواة من التشدد، في مسائل يكون الخلاف فيها لفظياً، وعلى تقدير عدِّه حقيقياً، يكون المغمزُ في جانبهم حتماً في نظر البرهان الصحيح. فليتهم لم يتدخّلوا فيما لا يعنيهم، واشتغلوا بما يُحسنونه من الرواية، ولو فعلوا ذلك لما امتلأت بطونُ غالبٍ كتب الجرح بجروح لا طائل تحتها، كقولهم: فلان من الواقفة الملعونة، أو من اللفظية الضالة، أو كان يَنفي الحَذَّ عن الله فنفيناه، أو لا يستثني في الإِيمان فمُرجِىء ضالّ، أو جَهْمي في غير مسألة الجبر والخلود ونحوهما، أو كان لا يقول الإِيمانُ قولٌ وعملٌ فتركناه، أو يُنسَبُ إلى الفلسفة أو الزندقة، لمجرد النظر في الكلام، أو يَنظر في الرأي، ونحو ذلك مما لبسطه موضع آخر. ومن أخطر العلوم علمُ الجرح والتعديل، وفي كثير من الكتب المؤلفة في ذلك غلو وإسراف بالغ، ويَظهر منشأ هذا الغلو، مما ذكره ابنُ قتيبة في ((الاختلاف في اللفظ)» ص ٦٢، ولا يخلو كتابٌ أُلَّفَ بعد محنة الإِمام أحمد في الرجال من البعد عن الصواب، كما لا يخفى على أهل البصيرة الذين دَرَسوا تلك الكتب بإمعان. قال الرامَهُرْمُزِيّ في ((الفاصِل بين الراوي والواعي)) - ص ٣٠٩، ٣١١ -: وليس للراوي المجرَّد أن يتعرض لما لا يَكمُّل له، فإنَّ تركه ما لا يعنيه أولى به وأعذر له، وكذلك كلُّ ذي عِلم، فكان حرب بن إسماعيل السَّيْرجاني (يعني الكرماني صاحب المسائل عن إسحاق وأحمد)، قد اكتفى بالسماع وأغفل الاستبصار، فعمِلَ رسالة سماها ((السنة والجماعة)) تعجرف فيها! واعتَرض عليها بعضُ الكتبة من أبناء خراسان، ممن يتعاطى الكلامَ ويُذكَر بالرياسةِ فيه والتقدُّم، فصنَّف في ثَلْب رواة الحديث كتاباً، يَلقُط فيه كلامَ يحيى بن = ١١٣ وما قصدوه(١)، وغَرَضَ كلِّ واحد منهم في تأسيس قاعدته وتمهيد مرامه . وذكرتَ: أن بعض الناس يزعم أن شَرْط الشيخين أبي عبد الله الجعفي وأبي الحسين القشيري، أن لا يُخرجا إلَّ حديثاً سَمِعاه من شيخين عدلین، وكلُّ واحد منهما رواه أيضاً عن عدلين كذلك، إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله صلى الله عليه وسلم (٢)، ولم يُخرِجا حديثاً لم يُعرَف = معين، وابن المديني، ومن كتاب التدليس للكرابيسي وتاريخ ابن أبي خيثمة، والبخاريٍّ: ما شَنَّع به على جماعة من شيوخ العلم، خَلَطَ الغثَّ بالسّمين، والموثوق بالظنين ... ولو كان حرب مؤيداً مع الرواية بالفهم، لأمسك من عِنانه، ودَرَى ما يَخرج من لسانه، ولكنه تَرك أولاها، فأمكن القارَةَ من راماها. ونسأل الله أن ينفعنا بالعلم، ولا يجعلنا من حملةِ أسفاره والأشقياءِ به، إنه واسع لطيف قريب مجيب. اهـ. آمين. ز. (١) عطف على قوله في ص ١٠٩: (شروط الأئمة). (٢) وما ثبت بهذه الطريقة من الحديث يسميه أهل المصطلح (العزيز)، لقلة وجوده، أو لقوَّته، كحديث («لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)). أخرجه الشيخان من حديث أنس وأبي هريرة، ورواه عن أنس قتادةُ وعبدُ العزيز بنُ صهيب، ورواه عن قتادة شعبةُ وسعيدٌ، ورواه عن عبد العزيز إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة وعبدُ الوارث، ورواه عن كلِّ جماعةٌ. وذهب ابنُ عُلَية إبراهيم بن إسماعيل وجماعةٌ من النظار، كأبي علي الجُبَّائي ومن تابعه من متأخري المعتزلة، إلى أن هذا شرط الصحيح، استدلالاً : بما روى ابن شهاب الزهري عن قَبِيصة بن ذُؤيب، أن الجَدَّة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُورَّث، فقال: ما أجِدُ لكِ في كتاب الله شيئاً، وما علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكَر لكِ شيئاً، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهدَ محمد بن مَسْلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه. وبما رواه أبو نَضْرة عن أبي سعيد، أن أبا موسى - أي الأشعري. ع . -، سلَّم = ١١٤ إِلَّ من جهة واحدة، أو لم يروه إلَّ راوٍ واحدٍ وإن كان ثقة. فاعلم وفقك الله تعالى: أن هذا قولُ من يَستطرف أطرافَ الآثار، ولم يَلِجِ تَيَّار الأخبار، وجَهِلَ مخارجَ الحديث، ولم يَعثُر على مذاهب أهل التحديث. ومن عَرَف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد، ووقَفَ على اصطلاح العلماء(١) في كيفية مَخْرج الإِسناد، لم يذهب إلى هذا المذهب، وسَهُل عليه المطلب. ولعَمْري هذا قول قد قيل، ودعوى قد تقدَّمت! حتى ذكره بعضُ أئمة الحديث في مدخل الكتابين(٢)، أنبأنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب بن = على عمر من وراء الباب ثلاثَ مرات، فلم يُؤْذَن له فرجَع، فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعتَ؟ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سَلَّم أحدكم ثلاثاً فلم يُجَب فليرجع)). قال: لتأتيَنِّي على ذلك ببينة أو لأفعلنَّ بك، فجاءنا أبو موسى منتقِعاً لونه، ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنُك؟ فأخبرنا وقال: فهل سَمِعَ أحدٌ منكم؟ فقلنا: نعم كلُّنا سَمِعه فأرسَلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمرَ فأخبره. وقياساً للرواية على الشهادة، وإليه يومىء من جَعَلَ الفَرْدَ مُنكَراً وشاذاً مطلقاً من المحدثين، كالبَرْدِيجِي وغيرِهِ، وأدلةُ الجمهور في ردِّ تمسكهم مستوفاةٌ في أصول الفقه، - وانظر نقض أدلة من جعل العزيز شرطاً للصحيح في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) لابن حجر ٢٤٣:١ - ٢٤٧، و ((مبادىء علم الحديث وأصوله)) للعلامة شبّيْر أحمد العثماني ص ٢٢ - ٢٤. ع - . وأما عدَمُ كَون الصحيحين على هذه الشريطة، فثابت قطعاً بحجج أقامها المصنف وستأتي، وإنْ توهم خلافَ ذلك جماعةٌ، كالحاكم والبيهقي وأبي بكر بن العربي وأبن الأثير، وأبو بكر بنُ العربي بعد أن وافقهم في أن ذلك شَرْطَ البخاري، رَدَّ لزومَ اشتراط ذلك في شرحه على الموطأ. ز. (١) في نسخة: وأتقن اصطلاح العلماء ... (٢) بل في ((المدخل إلى الإكليل)). ١١٥ محمد المالكي، أنبأنا زاهر بن أبي عبد الرحمن المستملي، أنبأنا أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرُ وجَرْدِي (١)، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال: والصحيحُ من الحديث ينقسم على عشرةِ أقسام، خمسةٌ منها متفَقٌ عليها، وخمسةٌ منها مختلَف فيها: فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديثُ الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيُّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظُ المتقنُ المشهور، وله رواةٌ ثقاتٌ من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخُ البخاري ومسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح(٢)، والأحاديث المروية بهذه الشريطة (١) هو الإِمام البيهقي صاحب ((السنن)) و((الشعب)). (٢) قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتابه ((شروط الأئمة الستة)): إن الشيخين لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكمُ قدَّر هذا التقدير، وشَرَط لهما هذا الشرط على ما ظَنَّ. ولعمري إنه لشرطٌ حسن لو كان موجوداً في كتابيهما، إلاَّ أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقِضة في الكتابين جميعاً. اهـ. وأصاب ابنُ طاهر في هذا التعقب، وإن لم يُصِب هو أيضاً فيما قدَّره شرطاً لهما، قال الحافظ زين الدين العراقي في ((شرح ألفيته في علوم الحديث)) - ٦٥:١ -، عند ذكر مراتب الصحيح: قال محمد بن طاهر في كتابه في الشروط الأئمة)»: شَرْطُ البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المجتمعَ على ثقةٍ نَقَلَتِه إلى الصحابي المشهور، وليس ما قاله بجيد، لأن النسائي ضَعَّف جماعةً أَخرج لهم = ١١٦ ٠ ٠ = الشيخان أو أحدهما. اهـ. قال البدر العيني: في الصحيح جماعةٌ جَرَحَهم بعض المتقدمين، وهو محمول على أنه لم يَثبت جرحُهم بشرطه، فإن الجرح لا يَثبت إلَّ مفسراً مبيَّنَ السبب عند الجمهور، ومَثَّلَ ذلك ابنُ الصلاح، - في ((مقدّمته)) ص ٩٦ في النوع الثالث والعشرين -، بعكرمة، وإسماعيل بن أبي أُويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرِهم، قال: واحتَجَّ مسلم بسُوَيد بن سعيد وجماعةٍ اشتَهر الطعنُ فيهم، قال: وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يُقبَل إلَّ إذا فُسِّر سببه. قلتُ - القائلُ هو العيني -: قد فُسِّرَ الجرحُ في هؤلاء، - وذَكَر أي العيني الجروحَ فيهم ثم قال -: وقد طَعَن الدار قطنيُّ في كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع على البخاري ومسلم في مئتي حديث فيهما، ولأبي مسعود الدمشقي صاحب ((الأطراف)» استدراك عليهما، وكذا لأبي علي الغساني في «تقييده)). اهـ. وتَعِبّ شراحُ الكتابين في الإِجابة عما أورَد هؤلاء، ووقَّوْا حقَّ البحث والتمحيص، جزاهم الله عن العلم خيراً. ولا يخفى أن الحاكم إنما جعَلَهما في أعلى مراتب الصحة على حد سواء، باعتباره أنهما على هذه الشريطة، وليس الأمر كذلك، وابنُ الصلاح ومن تابعه من المتأخرين، أَخذوا من ذلك أن ما اتفق على إخراجه الشيخان فهو في أعلى مراتب الصحة، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، وهكذا من غير نظر إلى الشرط الذي اشتَرَط لهما الحاكم. قال الإِمام كمال الدين بن الهمام: هذا تحكّم لا يجوز التقليد فيه إذ الأصحية ليست إلَّ لاشتمالِ رواتهما على الشروط التي اعتبراها، فإن فُرِض وجودُ تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين، أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عينَ التحكم. اهـ. وهو كلام متين تابعه عليه المحققون من بعده وسنأتي ببقية كلامه في موضع آخر في ص ١٧٣ . ولا يهولنَّك امتعاضُ بعض أصحاب الكُتَّاشَات من أهل عصرنا من هذا الكلام = ١١٧ = دون تمحيص للبحث، وستجد في هذا الكتاب ما يَشفي غُلَّتك من غير إجهاد. - قال عبد الفتاح: الكُنَّاشَة هنا بمعنى: الأوراق تجعل كالدفتر تقيّد فيها الفوائد والشوارد، والمراد بأصحاب الكنّاشات الذين التقطوا كلمات من العلم من هنا وهناك ولم يتأسسوا بالدرس والبحث والتلقي بين أيدي العلماء - . قال الزين العراقي في شرح ألفيته ١ :١٥ : «وحيث قال أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادُهم فيما ظَهَر لنا، عملاً بظاهر الإِسناد، لا أنه مقطوعٌ بصحته في نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، هذا هو الصحيحُ الذي عليه أكثرُ أهل العلم، خلافاً لمن قال إن خبر الواحد يوجب العلم كحسين الكَرَابيسي وغيرِه، وحكاه ابنُ الصباغ في «العُدَّة)» عن قوم من أصحاب الحديث. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنه قولُ من لا يُحصِّلُ علم الباب. انتهى. نعم إن أخرجه الشيخان أو أحدُهما، فاختيار ابن الصلاح القطع بصحته، وخالفه المحققون. وكذا قولُهم: هذا حديث ضعيف، فمرادُهم لم يَظهر لنا فيه شُروطُ الصحة، لا أنه كذِبٌ في نفس الأمر، لجوازٍ صدقِ الكذَّاب وإصابةٍ من هو كثيرُ الخطأ». اهـ. وكلامُ ابن الصلاح على ضعفه إنما هو فيما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وفيما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما جاء في الكتابين موصولاً، وأما الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم، والأحاديث المعلقة والموقوفة في صحيح البخاري فليست بمرادة هنا. ويَنظر كلامُ ابن الصلاح إلى سد باب التصحيح والتضعيف لأهل الأعصار المتأخرة. قال ابن الصلاح: تعذَّر في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراك الصحيح بمجرد الأسانيد، لأنه ما من إسناد إلاّ وفيه من اعتمد على كتابه عارياً عن الإتقان، فإذا وجدنا فيما يُروَى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمد عليهم، فلا نتجاسر على جزم الحکم بصحته. اهـ. = ١١٨ لا يبلغ عدَدُها عشرة آلاف حدیث. والقسم الثاني من الصحيح المتفَقِ عليها: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رَواهُ الثقاتُ الحفاظ إلى الصحابي، وليس لهذا الصحابي إلَّ رأوٍ واحدٍ، ومثاله حديث عروة بن مُضرِّس الطائي أنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمزدلفة ... )) الحديث. وهذا الحديث من أصول الشريعة، مقبول متداول بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيحين، إذ ليس له رأوٍ عن عروة بن مُضرِّس غيرُ الشعبي. لكن استمر بعده أفرادٌ من حفاظ الحديث على التصحيح والتضعيف، في أحاديث = على خلاف ما ذكره النقاد المتقدمون في تلك الأحاديث، فتذرع بذلك أناس ليسوا في العير ولا في النفير إلى الكلام في مراتب الأحاديث كلها من جديد. وهذا تخطّ معيب، فمن الواجب على أهل العلم في كل عصر قَمعُ أمثال هؤلاء بمقامع من الحجج. وأنى لمن تأخر بمآت من السنين عن أهل القرون الفاضلة أن يستدرك عليهم! وغاية ما يمكن للمجتهد في الحديث في القرون الأخيرة، معرفة مراتب الحديث كمعرفتهم بها، لا أن يصحح ما ضعفوه، أو يضعف ما صححوه، أو يثبت ما لم يثبتوه. وليست الطرق في كتب لم يتحملها أهل العلم بشرطه في عهد المتقدمين، مما يجعل للحديث مرتبة فوق ما له في نقد المتقدمين. وقد جَفَّتْ الصحف ورُفعت الأقلام في تصحيح ما صح في القرون الأُوَل من عهد التدوين، وإلاّ لكانت الأمة ضلت عن سواء السبيل. وليست للحديث نوازل لا تنتهي إلى انتهاء حياة البشر في الدنيا، حتى يكون شأن المجتهد فيه كشأن المجتهد في الفقه، بل قصارى ما يعمله المحدِّث حفظ المروي ومعرفة وصفه كمعرفة الأقدمين، بدون ابتداع رأي فلا تغفل. ز. ١١٩ وشواهد هذا كثيرة في الصحابة كعُمَيرٍ بن قتادة الليثي - ليس له راو غيرُ ابنه عُبَيد - وأسامةَ بن شريك، وقُطبةً بن مالك، على اشتهارهما في الصحابة، ليس لهما راو غيرُ زياد بن عِلاقة، وهو من كبار التابعين، ومِرداس بن مالك الأسلمي، والمستورِدِ بن شداد الفِهري، ودُكَينِ المزني، كلُّهم من الصحابة، وليس لهم راو غيرُ قيس بن أبي حازم، والشواهد لما ذكرناه كثيرة. ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الصحيح. والقسم الثالث من الصحيح المتفَقِ عليها: أخبارُ جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات، إلاّ أنه ليس لكل واحد منهم إلَّ الراوي الواحد، وذَكَر له مثالاً(١). والقسم الرابع من الصحيح المتفَقِ عليها: هذه الأحاديث الأفراد والغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرَّد بها ثقة من الثقات، ليس لها طرق مخرجة في الكتب، وذَكَر له مثالاً(٢). (١) فقال: ((مثل محمود بن حُنَين، وعبد الرحمن بن فَرُّوخ، وعبد الرحمن بن سعيد، وزياد بن الحرد، وغيرِهم، ليس لهم راو غيرُ عمرو بن دينار وهو إمام أهل مكة. وكذلك الزهري تفرد بالرواية عن جماعة من التابعين، منهم عمرو بن أبان بن عثمان، ومحمد بن عروة بن الزبير، وعقبة بن سويد الأنصاري، وسِنان بن أبي سنان الذُّؤلي، وغیرُهم. وقد تفرد يحيى بن سعيد الأنصاري عن جماعة من التابعين بالرواية، منهم يوسف بن مسعود الزُّرَقي، وعبد الله بن أنيس الأنصاري، وعبد الرحمن بن مغيرة. وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء، وكلها صحيحة بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها». (٢) فقال: ((مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن = ١٢٠ والقسم الخامس من الصحيح: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلَّ عنهم (١). قال: وهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها، ولم يُخرَج في الصحيحين منها حديث كما بينا في كل قسم منها. هذا آخر كلام (٢) الحاكم(٢). = النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجيء رمضان. وقد خرّج مسلم أحاديث العلاء أكثرَها في ((الصحيح))، وترك هذا وأشباهه مما تفرد به العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة. وكذلك حديث أيمن بن نابل المكي، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في التشهد بسم الله وبالله. وأيمن بن نَابِل ثقة مخرّج حديثه في ((صحيح البخاري)) ولم يخرج هذا الحديث إذ ليس له متابع من أبي الزبير من وجه صحيح ... وأمثلة هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرجة في الكتابين)). (١) قال الحاكم: ((كصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه ... )). (٢) في كتابه ((المدخل إلى الإكليل)) - ص ٩ - ١٤ -. والخمسة المختلف فيها كما ذكره الحاكم: المرسل، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات. وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين. وأهمَل ذكرَ خبر المجهول، والخلافُ فيه مشهور. وهذه الأقسام التي عدها مختلفاً فيها موجودة كلها في الصحيحين فضلاً عن كتب السنن، وإن سعى الشراح في الإِجابة عنها، راجع ((اختلاف رواة الصحيح)» للجمال بن عبد الهادي، فلم يصب الحاكم في قِسم من تلك الأقسام العشرة. والمآخذُ في (المدخل)) و ((علوم الحديث)) له في غاية الكثرة، فيجب التنبه إليها. ز. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((النكت على كتاب ابن الصلاح» ٣٦٧:١ بعد أن ذكر حاصلَ هذه الأقسام العشرة ما نصه: =