النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
ولازمٌ صحيحٌ يَلزمُنا قبولُه ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً مُدرِكاً لمن
روى ذلك عنه، مثل شاهِدينِ شَهِدًا عند حاكم على شهادةِ شاهِدينٍ يَعرف
الحاكمُ عدالةَ اللذينِ شهِدًا عنده، ولم يَعرف عدالة من شهدا على شهادته،
فعليه إجازةٌ شهادتِهما على شهادة من شهدا عليه، ولا يَقِفُ عن الحكم
بجهالته بالمشهود على شهادتهما .
قال عبد الله - هو الحميديُّ نفسُه -: فهذا الظاهرُ الذي يُحكَمُ به،
والباطنُ ما غاب عنّا من وَهَم المحدّث وكذِبِه ونسيانِه، وإدخاله بينه وبين من
حدّث عنه رجلاً أو أكثر، وما أشبه ذلك، مما يمكن أن يكون ذلك على
خلاف ما قال، فلا نُكلَّف علمَه إلَّ بشيء ظَهَر لنا، فَلا يَسعُنا حينئذ قبولُه لما
ظَهَر لنا منه)». انتهى.
ونحو هذا كثير عن الأئمة الآخرين من أقران الحميدي وشيوخه ومن
قبلهم، تجد كلماتِهم وأحكامَهم على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً منتشرةً في
كتب المصطلح، وكتب علل الحديث، وكتب أسماء الرجال والجرح
والتعديل، وعلى هذا المنوال جرى العَمَلُ في العصورِ المتأخرةِ، وتلك
الشروطُ والأوصافُ مشروحةٌ في كتب أصول الفقه ومصطلح الحديث
بتفاصيلها ودلائلها .
واحتج الشيخان أو أحدُهما، بمن احتجا به نظراً إلى تلك الأوصاف
والشروط المؤسسة على اختلافٍ بينهما في تفاصيلها أو في أنه هل اجتمعت
= شيوخه - يُؤَيِّدُ مذهبَ الإِمام مسلم في صحة الحديث المعنعن، إذا كان المُعَنْعِنُ أدرك
من عَنْعَن عنه، وأمكن اللقاءُ بينهما.
وقد أوسعتُ الكلامَ في تأييد مذهب الإِمام مسلم في آخر «الموقظة» للحافظ
الذهبي، في (التتمة الثالثة)، فانظره إذا شئت.

٦٢
في الحديث المبحوث عنه تلك الشروطُ أم لا؟ راجع مقدّمة ((شرح مسلم))
للنووي(١)، فقد نقل هناك عن الحافظ ابن الصلاح ما يُفيدُ بعضَ ما قدّمتُه.
وقال الحافظ بدر الدين العيني في ((عمدة القاري))(٢) بعد أن ناقش بعض
ما قالوه في تعيين (شرط الشيخين) ما نصُّه: ((والظاهر أنّ شرطهما اتصالُ السند
بنقل الثقة عن الثقة من مبتداه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علّة)).
ومما يجدرُ التنبيهُ عليه هنا أن الحافظَ البدرَ العيني في مواضعَ كثيرةٍ من
شرحه يقولُ عند الكلام على الأسانيد (هذا الإِسناد على شرط الستة)، وهو
يعني بذلك أن رجال هذا السند مخرّج لهم أو محتج بهم في الكتب الستة
الأصول، كما يدل عليه سياقُ كلامِهِ، فأولُ موضع قال فيه ذلك(٣) حديثُ
عائشة في بدء الوحي، الذي ساقه البخاري بالسند التالي: (حدثنا يحيى بن
◌ُكَير، قال حدثنا الليث، عن عَقِيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت ... ). قال عقبه: ((هذا الإِسنادُ على شرط
الستة إلاّ يحيى فعلى شرط البخاري ومسلم - وابن ماجه - .
وقال أيضاً (٤) في كتاب الإِيمان في (بابُ الإِيمان وقولُ النبي صلى الله
عليه وسلم بني الإِسلام على خمس)، عقب حديث ابن عمر رضي الله
عنهما: بُني الإِسلام على خمس، الذي إسناده كما يلي: (حدثنا عبيد الله بن
موسى، قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن
(١) ١ : ١٥.
(٢) ١: ٦.
(٣) ١ :٤٨.
(٤) ١١٨:١.

٦٣
عمر ... )، قال عَقِبَه: ((كل إسناده على شرط الستة إلَّ عكرمة بن خالد، فإن
ابن ماجه لم يخرج له)) .
وقال أيضاً (١) في (باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) عند
حديث عبد الله بن عمرو - بن العاص - الذي سنده كما يلي: ((حدثنا آدم بن
أبي إياس، قال حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، وإسماعيل، عن
الشعبي، عن عبد الله بن عمرو ... )) قال عَقِبَه: ((إن هذا الإِسناد كلّه على
شرط الستة، إلاّ آدم فإنه ليس من شرط مسلم وأبي داود)».
وقال أيضاً(٢) في كتاب الوضوء، في (باب وضع الماء عند الخلاء)،
عند حديث ابن عباس رضي الله عنهما بالسند الآتي: (حدثنا عبد الله بن
محمد - أي المُسْنَدي - ، قال: حدثنا هاشم بن قاسم، قال: حدثنا ورقاء،
عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس ... ). قال عَقِبَه: ((إنه على شرط
الستة، خلا شيخَ البخاري، فإنه من رجاله ورجالِ الترمذي فقط)). ومواضع
أخر كثيرة غير هذه، ويقول في مواضع كثيرة أيضاً (هذا من رجال الكتب
السنة) كما في ٢٥١:٢، ٢٥٩، ٢٦٧، أو (من فرسان الكتب الستة) كما في
٢٤٦:٢، ٢٥٤.
وهذه العباراتُ الثلاث: إنه على شرط الستة، أو من رجال الكتب
الستة، أو من فرسان الكتب الستة، مدلولُها واحد في كلامه، أن الراوي
المذكور أخرج حديثه أصحابُ الكتبِ الستة، وليس مراده أن أصحاب الكتب
الستة لهم شروط خاصة معروفة في رجالهم، ولندرة استعمالهم اصطلاحَ
(١) ١٣١:١.
(٢) ٢٧٣:٢ .

٦٤
(على شرط الستة) في حق الرواة والأسانيد اقتضى التنبيه على صنيع البدر
العيني رحمه الله تعالى للشرح والإِيضاح.
موضوع الرسالتين :
تبيَّن مما قدمتُه أن موضوع رسالَتَي المقدسي والحازمي ليس بيانَ
الشروط العامة لصحة الحديث وقبوله، ولا بيانَ تفاصيل وفروع تلك
الشروط، وإنما موضوعُهما بيانُ مناهج أصحاب الأصول وما التزموا به في
تخريج الأحاديث في كتبهم، والمقدسي رحمه الله تعالى قَصَر رسالتَه على
موضوعها، وأما الحازمي فبدأ رسالته أولاً بنقل كلام الحاكم حول أقسام
الحديثِ الصحيح العشرة، وأن مختار الشيخين من تلك الأقسام هو القسمُ
الأولُ، ثم نَقَضَ على الحاكم كلامَه .
وبعد ذلك تعرّض لذكر الشروط العامة المعتبرة لصحة الحديث عند
الأئمة، وبدأ هذا الموضوعَ بقوله: ((وإذ قد فرغنا من إبطال هذه الدعوى،
فلنذكر التحقيقَ في قبول الأخبار من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي
ذكرُها، فمهما كانت تلك الشرائطُ موجودةً في حق راو، كان على شرطِهم
وغرضِهم، ولَزِمَهم قبولُ خبره تفرَّدَ بالحديث أو شاركه فیه غیرُه».
ثم أردفَ ذلك بأصل الموضوع - باختصار - وهو ذكر قصد البخاري
فمن بعده من وضع كتبهم ومناهجهم فيها، وأتى في ثنايا بحوثه بفوائد تَفْتَحُ
للمطلعين عليها أبوابَ السَّبْرِ والفحص، ونبّهَ على نُكَتٍ قَلَّمَا يُنْتَبَهُ إليها.
نُسخ الرسالتين وعملي فيهما:
وقد طُبِعَتْ الرسالتان مستقلّتين أول مرةٍ سنة ١٣٤١ في مدينة حيدرآباد
الدَّكَّن بالهند، بالمطبعة الأعظمية، استجابةً الإِرشاد العلامة المحقق الربّاني
الشيخ محمد حبيب الرحمن خان الشِّرْوَاني رحمه الله تعالى، وهذه الطبعة

٦٥
عليها آثارُ المقابلة بنسخة أو نُسَخ أخرى، فقد أشير في حواشيها إلى اختلاف
النسخ من الرّسالتين.
ثم طَبِعت رسالةُ الحازمي: ((شروط الأئمة الخمسة)) سنة ١٣٤٦ بعناية
مكتبة القدسي: الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى، بتحقيق
وتعليق شيخنا العلامة الجهْبِذ الناقد الأفيق المحقق الشيخ محمد زاهد
الكوثري رحمه الله تعالى، ثم طَبِعَت الرسالتان معاً بعناية مكتبة القدسي أيضاً
سنة ١٣٥٧، وامتازت هذه الطبعة كسابقتها بتحقيق وتعليق شيخنا الكوثري
أيضاً، مع زيادة تعليقاتٍ له إلى تعليقاته السابقة على رسالة الحازمي.
ولما ذهبتُ إلى جامعة ندوة العلماء في لكنو بالهند، أستاذاً زائراً مُؤْفَداً
من جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية في مدينة الرياض، سنة ١٣٩٩
لإلقاء بعض المحاضرات على طلبة الدراسات العليا فيها إجابةً لدعوة مولانا
الداعية الكبير الشيخ أبي الحسن علي الحسني النَّدْوِي أمتع الله به: وقعَتْ
الخِيَرة في أن أقرأ لهم ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي رحمه الله تعالى.
وقد أكرمني الله تعالى إذ ذاك بتفضل سماحة شيخنا العلامة المحدّث
المحقق حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى، بزيارته لي في مدينة
لكنو، فقرأتُ هذه الرسالة - رسالة الحازمي - عليه قراءة مقابلة بين
النسختين: النسخة الحيدرآبادية، والنسخة المطبوعة سنة ١٣٥٧، فاستفدت
من تصويباته وإرشاداته كثيراً .
وطُبعت الرسالة بعد هذه المقابلة والتصحيح وقتئذٍ في مطبعة ندوة
العلماء، لتكون بين أيدي الطلبة أثناء تقريرها عليهم، وكانت هذه الطبعة
خلواً من التعليقات لضيق الوقت في مقامي عندهم.

٦٦
ثم اتفق في تلك الرحلة نفسِها أن سافرتُ إلى بلدة (أعظَمْ كَرَه) بلدةِ
شيخنا حبيب الرحمن الأعظمي، ووفقني الله تعالى فقرأتُ عليه أيضاً جزء
((شروط الأئمة الستة)) لأبي الفضل المقدسي رحمه الله تعالى ضحوةً يوم
الجمعة ١٢ من رجب سنة ١٣٩٩، قراءة مقابلةٍ واستفسار وبحثٍ في بعض
المواضع، واستفدتُ منه جزاه الله تعالى عني وعن طلبة العلم خيراً جزيلاً .
ثم حصلتُ على صورة نسخةٍ أخرى مخطوطةٍ من جزء المقدسي
محفوظةٍ في مكتبة المُتْحف العراقي في بغداد، فقابلتُ الجزءَ بها أيضاً.
وعن هذه النسخ المذكورة أنشرُ هاتين الرسالتين مع تعليقاتِ شيخنا
الكوثري رحمه الله تعالى المرموز لها بحرف (ز) بآخرها، وهي تعليقاتٌ
نفيسةٌ هامة جدّاً، ومع تعليقاتٍ أخرى أضفتُها، رأيتُ المقامَ في حاجة إليها
وإن طال كثيرٌ من التعليقات بعض الطول، ولم آل جهداً في تحقيق الرسالتين
وتصحيحهما، ولم أنّه على ما بين النسخ من الفروق والمغايرات إذا كانت
خفيفةً قليلةً، إلاَّ نادراً.
وترجمت لمؤلفَيْ الرسالتين باختصار، وكان شيخُنا الكوثري رحمه الله
تعالى ذَكَر في فاتحة طبعتِه تراجمَ وجيزةً جدّاً للأئمة الستة، لتكون كالمدخل
إلى الرسالة، فأبقيتُها كما هي إذ لا وجهَ لبسط الكلام على تراجمهم في هذا
الموضع، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومنه تُرجَى السانحات،
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم أتمَّ الصلوات
وأزكى التسليمات .
في الرياض ٢٥ من المحرَّم سنة ١٤١٦
وكتبه
عَد الفتّاح أبو غُدّة

٦٧
ترجمة الحافظ محمد بن طاهر المقدسي :
اسمه ونسبه ومولده ورحلتُه في طلب الحديث:
هو الحافظ الجَوَّال الرحّال العالم المُكْثِرِ أبو الفضل محمدُ بن علي بن
أحمد بن طاهر المَقْدِسي المعروف بابن القَيْسَرَاني، الأثري الظاهري
الصوفي.
ولد ببيت المقدس في شوال سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، وأولٌ
سماعه في سنة ستين، فسمع ببلده من الفقيه نَصْر وأبي عثمان بن وَرْقاء
وعدّة، وببغداد من أبي محمد الصَّرِيفِيني، وأبي الحُسَين ابنِ النَّقُّور،
وطبقتِهما، وبمكة من سعد بن علي الزَّنْجاني، والحسن بن عبد الرحمن
الشافعي، وهَيَّاجِ الحِطَيني، وصَحِبَه وتخرَّج به في التصوف والحديث،
وبمصر من أبي إسحاق الحَبَّال، وبالإِسكندرية من الحسين بن عبد الرحمن
الصَّفْرَاوِي، وبتِنِّيس من علي بن الحسين بن محمد الحدّاد، حدّثه عن جدّه
محمد بن أحمد الحدّاد، عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عن عيسى بن حمّاد:
زُغْبَة، وهو أكبرُ شیوخِه.
وبدمشق من أبي القاسم بن أبي العلاء، وبحلب من الحسن بن
مكي، وبالجزيرة من عبد الوهاب بن محمد التميمي، وبالرَّحَبَة من
الحسين بن سَعْدُون، وبصُوْر من علي بن عبيد الله الهاشمي، وبأصْبَهَان من
عبد الوهاب بن مَنْدَه وطائفةٍ، وينَيْسَابور من الفضل بن المحب،

٦٨
وأبي بكر بن خَلَف، ونحوهما، وبهَرَاة من محمد بن أبي مسعود الفارسي
وغيره، وبجُرجان من إسماعيل بن مَسْعَدَة، وبَآَمِدَ من قاسم بن أحمد
الأصبهاني الخياط، حدثه عن ابن حِشْنِس، عن ابن صاعد.
ولقي بأَسْتَرَاباذ عليَّ بن عبد الملك الحَفْصي صاحبَ هلال الحفّار،
وببُوشَنْج عبد الرحمن بن محمد بن عفيف، وبالبصرة عبد الملك بن شَغَبَة،
وبالدِّيْنَوَر أحمد بن عيسى بن عبّاد صاحبَ أبي بكر بن لاَلٍ، وبالريّ
إسماعيلَ بن علي الخطيب صاحبَ أبي زكريا المزكِّي، وبسَرَخْس محمدَ بنَ
عبد الملك بن المظفر، وبِشِيْرَاز عليَّ بن محمد الشُّروطي.
ولقي بقَزْوِينَ محمد بن إبراهيم العِجْلي، وبالكُوفَة أبا القاسم حسينَ بن
محمد، وبالمَوْصِل هبةَ الله بن أحمد المُقْرِي، وبمَرْوَ محمدٌ بن الحسن،
وبكَرْمَان محمد بن سعيد الحاكم، وبمَرْوِ الرُّوذِ الحسنَ بن محمد الفقيه،
وبنَهَاوند عُمَرَ بنَ عبيد الله القاضي، وبهمّذَان عبدَ الواحد بن علي الصُّوفي،
وبالحَدِيثَة طِرَاداً الزَّيْنَبِي، وبوَاسط صدقة بن محمد المُتَوَلِّي.
وبسَاوَةَ محمدَ بن أحمد الكامِخِي، وبأَسَد آباد عليَّ بنَ الحسن المُحَلِّمي،
وبالأنبار أبا الحسن الخطيب، وبإِسْفَرَائِيْنَ عبد الملك بن أحمد المعدَّل، وبآمِلٍ
طَبَرِسْتان الفَضَلَ بن أحمد البصري، وبالأهواز عُمَرَ بن محمد بن جِيْكَان،
ويِبِسْطَام أبا الفضل السَّهْلَكِي، وِيَزْدَجَرْد الحسنَ بن أحمد البيهقي.
قال الحافظ ابن حجر: فهذه أربعون مدينةً قد سَمع فيها الحديثَ،
وسَمع في بلدان أخرى تركتُ ذكرها.
ومن شيوخه ممن روى عنهم في ((شروط الأئمة الستّة)) ولم يُذْكروا فيما
سبق: أبو بكر أحمد بن علي الأديب الشّيرازي، وأبو عبد الله محمد بن

٦٩
أبي نصر الأندلسي صاحبُ «الجمع بين الصحيحين))، ولعلّه الذي جَذَب ابنَ
طاهر إلى مذهب أهل الظاهر، وأبو إسماعيل عبدُ الله بن محمد الأنصاري
صاحبُ كتاب ((منازل السائرين)) وكتاب ((الفاروق))، وأبو زيد واقد بن خليل
القَزْويني الخطيبُ بالرّي، وأبو القاسم علي بن الخشّاب.
وأبو القاسم عبد الله بنُ طاهر التميمي الفقيه، والحسنُ بنُ أحمد
أبو محمد السمرقندي، وأبو القاسم الفضل بن أبي حرب أحمد بن محمد
الجُرْجاني ثم النَّيْسَابوري، وأبو زكريا يحيى بن أبي عمرو عبد الوهّاب بن
مَنْدَه الأصبهاني، المولود سنة أربع وثلاثين وأربع مئة، والمتوفى سنة إحدى
عشرة وخمس مئة .
وله رحمه الله تعالى أخبارٌ مُدهشةٌ في كثرة تطوافه جَنَبَاتِ الأرض
بقدميه، وكتابتِهِ الكتبَ الكثيرة للتعيش بأجرتها، وبولِهِ الدَّمَ مرّتين لسيره في
حرّ مكة وبغداد وكُتُبُه على ظهره، ورحلته من طَوس لأصبهان من أجل
حديثٍ واحد، وإملاقِه وجُوعِه أياماً ثم إغاثة الله تعالى له في تلك الحال
بالمال الوفير، وقد ذكرتُها في ((صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم
والتحصيل)»(١)، فلم أرَ إعادة ذكرها هنا.
تلامذته :
وحدَّث عن ابن طاهر شِيْرُؤْيَهْ بِن شَهْرْدَار، وأبو جعفر بن أبي علي
الهَمَذَاني، وأبو نصر أحمد بن عُمَر الغازي، وعبد الوهاب الأنماطي، وابن
ناصر، والسِّلَفي، وولدُه أبو زُرْعة طاهر بن محمد المَقْدِسي، ومحمد بن
إسماعيل الطَّرَسُوسي، وطائفةٌ سِواهم.
(١) ص ٣٣٣ - ٣٣٨.

٧٠
أقوال العلماء فيه :
قال الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني: أحفَظُ من
رأيتُ محمدُ بن طاهر. وقال أبو زكريا يحيى بن مَنْدَه: كان ابنُ طاهر أحَدَ
الحفاظ، حسَنَ الاعتقاد، جميلَ الطريقة، صدوقاً عالماً بالصحيح والسقيم،
كثيرَ التصانيف، لازِماً للأثر.
وقال شِيْرُويّة بن شَهْردَار في تاريخ «همَذَان)»: ابنُ طاهر سكن همَذَان،
وبَنَى بها داراً، ودَخَل الشام، والحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان،
وكتَبَ عن عامة مشايخ الوقت، ورَوى عنهم، وكان ثقةً صدوقاً حافظاً، عالماً
بالصحيح والسقيم، حسنَ المعرفةِ بالرجالِ والمتون، كثيرَ التصانيف، جيِّدَ
الخطّ، لازِماً للأثر، بعيداً من الفضول والتعصب، خفيفَ الروح، قويَّ السَيْر
في السفر، كثير الحج والعُمْرة، مات ببغداد منصرفاً من الحج.
قال السِّلَفيُّ: كان فاضلاً يَعرِفُ، لكنّه نُحَنَة، قال لي المؤتمَنُ
الساجي: كان يقرأُ ويَلحَنُ عند شيخ الإِسلام - أبي إسماعيل عبد الله
الأنصاري - بهَرَاة، فكان الشيخ يحرِّك رأسَه، ويقول: لا حول ولا قوةَ إلاَّ
بالله. وقال ابن ناصر: كان لُحَنَةٌ ويُصحَّف، قرأ مرةً: وإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَقَصَّدُ عَرَقاً
- بالقاف -، فقلتُ: بالفاء - لَيَتَفَصَّدُ -، فكابَرَني.
قال الذهبي: وقد ذكره الدقاق في ((رسالته))، فحَطَّ عليه، فقال: كان
صُوفِيّاً مَلَامَتِيّاً، سكن الرَّيَّ، ثم هَمّذَان، له كتابُ ((صفوةُ التصوف»، وله
أدنى معرفةٍ بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما .
قلتُ - القائل الذهبي -: يا ذا الرجل، أَقْصِرْ، فابنُ طاهر أحفَظُ
منك بكثير .

٧١
ثم قال - أي الدقاق -: وذُكِرَ لي عنه الإِباحة. قلتُ - القائل
الذهبي -: ما تعني بالإِباحة؟ إن أردتَ بها الإِباحةَ المطلقة، فحاشا ابنَ
طاهر، هو - واللَّهِ - مُسْلِمٌ أثَرِي، مُعظّم لحرماتِ الدينِ وإن أخطأَ أو شذّ،
وإن عَنيتَ إباحةً خاصةً، كإباحةِ السماع وإباحة النظر إلى المُرْدِ، فهذه
معصية، وقَوْلٌ للظاهرية بإباحتها مرجوح.
وقال ابن ناصر: محمدُ بن طاهر لا يُحتَجُّ به، صنّف في جواز النظر
إلى المُرد، وكان يذهب مذهبَ الإِباحة.
وعَقَّبه الذهبي قائلاً: معلومٌ جوازُ النظر إلى الملاح عند الظاهرية،
وهو منهم. قال عبد الفتاح: وهذا لا يُنْجِيه من النقد.
وقال الحافظ ابنُّ ناصر الدين: كان حافظاً مكثراً جَوَّالاً في البلاد كثيرَ
الكتابة، جيِّدَ المعرفة، ثقةً في نفسه، حسنَ الاعتقاد، ولولا ما ذهب إليه من
إباحة السماع لانعقد على ثقته الإِجماعُ.
وقال الذهبي في ((الميزان)»(١): ((محمد بن طاهر المقدسي الحافظ
ليس بالقوي، فإنه له أوهام كثيرة في تواليفه ... ، وقال ابن عساكر: جَمَع
أطرافَ الكتب الستة، فرأيتُه بخطّه، وقد أخطأ فيه في مواضع خطأً فاحشاً.
قلت - القائل الذهبي - : وله انحراف عن السنة إلى تصوفٍ غيرِ مرضي،
وهو في نفسه صدوق لم يتهم. وله حفظ ورحلة واسعة)).
وقال سِبطُ ابن الجوزي في ((مرآة الزمان))(٢): صنّف كتاباً سماه ((صفوة
التصوف)) يَضْحَكُ من يراه، ويَعْجَبُ من استشهاده على مذاهب الصوفية التي
لا تُناسِب. انتهى.
(١) ٥٨٧:٣.
(٢) ٣٠:٨.

٧٢
وقد ناضل عنه الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))(١)، و((سير أعلام
النبلاء))(٢)، وقال في ((السير)): ((الإِمام الحافظ، الجوّال الرحّال، ذو
التصانيف أبو الفضل المقدسي، الأثري الظاهري، الصوفي، كَتَب ما
لا يُوصَفُ كثرةً بخطّه السريع القوي الرفيع، وصنَّفُ وجَمَع، وبَرَع في هذا
الشأن، وعُني به أتمَّ عناية، وغيرُهُ أكثَرُ إتقاناً وتحرِّياً منه، وله حجَّات كثيرة
على قدميه، وكان له معرفة بعلم التصوف متفنّناً فيه، ظريفاً مطبوعاً، له
تصانيف حسنة مفيدةٌ في علم الحديث رحمه الله)).
تصانيفه :
ومن تصانيفه: ((تاريخ أهل الشام، ومعرفة الأئمة منهم والأعلام))،
مجلّدان، و ((معجم البلاد))، جزءان، و ((تذكرة الموضوعات))، مطبوع، قَلَّد
في مواضع منه ابن حبان وغيرَه من المتشددين في الجرح، و ((الأنساب
المتفقة في الخط المتماثلة في التَّقْطِ والضبط»، مطبوع، و ((الجمع بين رجال
الصحيحين)) للكلاباذي والأصبهاني، مطبوع في مجلّدين، و «أطرافُ
الغرائب والأفراد))، و((أطرافُ الكتب الستة))، و((أطراف حديث مالك بن
أنس))، و «أطراف أحاديث أبي حنيفة))، وكتاب ((الذبِّ عن فقيه الإِسلام
أبي حنيفة)).
و «إيضاحُ الإِشكال، فيمن أَبِهِمَ اسمُه من النساء والرجال)»، و «صفوةٌ
التصوف»، مطبوع، و((شروط الأئمة الستة))، وهو هذا الكتاب الذي بين
يديك، وكثيرٌ غيرُ ذلك.
(١ ) ٤: ١٢٤٢ _ ١٢٤٥.
(٢) ١٩ :٣٦١ - ٣٧١.

٧٣
ومن فوائده ما نقله عنه الذهبي في ((السير)) أنه قال: ((لو أن محدّثاً من
سائر الفرق أراد أن يَروي حديثاً واحداً بإسنادٍ إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم يُوافِقُه الكلُّ في عَقْدِه، لم يُسَلَّم له ذلك، وأَدَّى إلى انقطاع الإِسناد
رأساً (١)، فكان اعتمادُهم في العدالة على صحة السماع والثقة من الذي يُروَى
عنه، وأن يكون عاقلاً مميّزاً)).
وفاته :
توفي في بغداد بعد قدومه من الحج في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من
شهر ربيع الأولِ، سنة سبع وخمس مئة. رحمه الله تعالى(٢).
(١) وقع في ((السير)) (إلى انقطاع الزوائد ... )! وهو تحريف عما أثبتّه.
(٢) من ((سير أعلام النبلاء)) ١٩: ٣٦١ - ٣٧١، و((تذكرة الحفاظ)) ٤: ١٢٤٢ _
١٢٤٥، و ((ميزان الاعتدال)» ٥٨٧:٣، و((لسان الميزان )) ٢٠٨:٥، و((شذرات الذهب)»
١٨:٤، و(الأعلام)) للزركلي ٤١:٧ الطبعة الثالثة، والترجمة الملحقة بآخر «الجمع
بين رجال الصحيحين» للمؤلّف ابنٍ طاهر، المطبوع بحيدرآباد الدكن.

٧٤
ترجمة الحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازمي :
هو الإِمامُ الحافظُ الحجّةُ الناقدُ، النسّابةُ البارُ زين الدين أبو بكر
محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الحَازمي الهَمَذَاني.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، وسَمع من أبي الوقت السِّجْزِيِّ
حُضُوراً وله أربعُ سنين، ورَوَى عن شَهْرَدار بن شِيْرُوْيَةُ الدَّيْلَمي،
وأبي زُرْعة بن أبي الفضل طاهر بن محمد المقدسي الحافظ، وأبي العلاء
العطار، ومَعْمَر بن الفاخر، وأبي الحسين عبد الحق اليوسفي، وعبد الله بن
عبد الصمد العطّار، وشُهْدة الكاتبة، وأبي الفضل عبد الله بن أحمد خطيب
المَوْصل، وأبي طالب محمد بن علي الكُتَّاني الواسطي.
ومحمد بن طلحة البَصْري المالكي، وأبي العباس أحمد بن يَنّال
التُّرْك، وأبي الفتح عبد الله بن أحمد الخِرَقي، وأبي موسى محمد بن
أبي عيسى المَدِيني، وأقرانهم بالعراق وأصبهان والجزيرة والشام،
والحجاز، كأبي محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب بن محمد المالكي،
وأبي المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهَمَّذَاني، وأبي مسعود
عبد الجليل بن محمد، وأبي العلاء أحمد بن الحسن بن أحمد الحافظ،
وأبي العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصري، ومحمد بن علي بن أحمد
القاضي.

٧٥
رَوَى عنه المقرىء تقيُّ الدين ابن باسُؤْيَة الواسطي، والفقيه عبد الخالق
النَّشْتَبريّ، وجلال الدين عبد الله بن الحسن الدِّمياطيّ الخطيبُ، وآخرون.
قال أبو عبد الله الدُّبَيْئِي: تفقَّه ببغداد في مذهب الشافعي، وجالس
العلماء وتميَّزَ وفَهِمَ، وصار من أحفظِ الناس للحديث ولأسانيده ورجاله، مع
زهدٍ وتعبّدٍ، ورياضةٍ وذكرٍ، صنّف في الحديث عدة مصنّفات، وأملى عدة
مجالس، وكان كثيرَ المحفوظِ حُلوَ المذاكرةِ، يَغلب عليه معرفةُ أحاديث
الأحكام، أملى طرق الأحاديث التي في ((المهذّب)) للشيخ أبي إسحاق،
وأسندها، ولم يتمه.
وقال أبو عبد الله بن النجار في ((تاريخه)): كان الحازمي من الأئمة
الحفاظِ العَالِمِين بفقه الحديث ومعانيه ورجالِهِ، أَلّف كتابَ ((الناسخ
والمنسوخ)) - وهو «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار))، مطبوع - ،
وكتابَ (عُجَالة المبتدىء في النَّسَب)) - مطبوع -، وكتابَ ((المؤتلِف
والمختلف في أسماء البلدان».
قال: وكان ثقةً حجةً نبيلاً، زاهداً عابداً ورعاً، ملازماً للخلوة
والتصنيفِ وبَثِّ العلم، أدركه الأجلُ شابّاً، وسمعتُ محمدَ بن محمد بن
غانم الحافظ يقول: كان شيخنا الحافظ أبو موسى المديني يُفضِّل أبا بكر
الحازمي على عبد الغني المقدسي، ويقول: ما رأينا شاباً أحفَظَ من
الحازمي، له كتاب في ((الناسخ والمنسوخ)) دالٌ على إمامته في الفقه
والحدیث یس لأحد مثلُه.
قال ابن النجار: وسمعتُ بعضَ الأئمة يذكر أن الحازمي كان يحفظ
كتابَ ((الإِكمال)) - للأمير ابن ماكولا - في المؤتلف والمختلف ومشتَبِهِ

٧٦
النسبة، كان يُكَرَّرُ عليه، ووجدتُ بخط الإِمام أبي الخير القزويني وهو يسأل
الحازمي: ماذا يقول سيدنا الإِمامُ الحافظَ في كذا وكذا؟، وقد أجاب
الحازمي بأحسن جوابٍ. انتھی.
وقال شيخنا الكوثري في ترجمة الحازمي في تقدمته لـ («شروط الأئمة
الخمسة)): ((كان آيةٌ في الحفظ والذكاء، يَنظُرُّ في كلام المصنفين المشهود
لهم بالبراعة والتبريز في علومهم، ويُبْدي لهم بحزمه أوهاماً لا تُدفَع.
فهذا الأمير ابن ماكولا ــ وهو من أقَرَّ له معاصروه ومن بعده بالإِمامة
والتقدّم في علم الرجال ومعرفة المؤتلف والمختلف، وكتابُه («مُستمِزُّ
الأوهام)) في الردّ على الدارقطني وعبد الغني الأزدي والخطيب البغدادي في
ذلك يَشهد بمبلغ سعة علمه، وكلُّ من أتى بعده عالةٌ على كتابه «الإِكمال)»
وبقيةٍ كتبه ـ ومع ذلك كله فقد أجاد الحازمي في تبيين أوهامه، وفَعَل مثلَ
ذلك مع الحاكم، والإصابةُ حليفة له في انتقاداته، وهذا مما يُستدلّ به على
إتقانه وبراعته)». انتهى.
قال ابن النَّجار: سمعتُ أبا القاسم المقرىء جَارنا يقول، وكان رجلاً
صالحاً: كان الحازمي رحمه الله تعالى في رباط البديع، فكان يَدخُلُ بيتَه في
كل ليلة، ويطالعُ، ويكتب إلى طلوع الفجر، فقال البديع للخادم: لا تدفع
إليه الليلة بَزْراً - يعني زيتاً - للسّراج لعله يستريح الليلة، قال: فلمّا جَنَّ
الليل اعتذر إليه الخادم لأجل أنقطاع البَزْر، فدخل بيته، وصفّ قدميه يصلّي
ويتلو، إلى أن طلع الفجر، وكان الشيخ قد خرج ليعرف خبره، فوجده في
الصلاة .
ومن تأليفه سوى ما تقدّم كتابُ «تهذيبُ الإِكمال للأمير ابن ماكولا

٧٧
وبيانُ أوهامه))، و((كتاب الضعفاء والمجهولين))، وكتاب ((الفيصل في مشتبهِ
النسبة))، وكتاب ((شروط الأئمة الخمسة))، وهو هذا الكتاب الذي بين يديك،
وكتاب ((سلسلة الذهب)) فيما رَوَى الإِمام أحمد عن الشافعي، وغيرُ ذلك من
التصانيف النافعة .
ولو عاش الحازمي طويلاً لملأ الدنيا علماً، ولكنه توفي شاباً طَرِيّاً في
شهر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمس مئة، وله خمس وثلاثون سنة .
قال الأسنوي: ولا نعلمُ أحداً ممن ترجمنا له ـ في ((طبقات
الشافعية)) - تُوفِّي أصغَرَ سِنّاً منه عكس القاضي أبي الطيب وأبي طاهر
الزيادي. تغمده الله تعالى برضوانه وأسكنه في فسيح جنانه(١).
(١) من (سير أعلام النبلاء)) ١٦٧:٢١ - ١٧٢، و«تذكرة الحفاظ)) ٤: ١٣٦٣ _
١٣٦٥، و («ذكرُ من يعتمد قولُه في الجرح والتعديل»، للذهبي، و((شذرات الذهب)»
٤: ٢٨٢، و((تقدمة)» شيخنا الكوثري لشروط الأئمة في طبعة القدسي، و((الأعلام))
للزركلي ٣٣٩:٧ الطبعة الثالثة.

٧٨
تراجم الأئمة الستة:
الإِمام البخاري
أولُهم: إمامُ الأئمة وشيخ حفاظ الأمة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
البخاري رحمه الله. ولد ببخاري سنة أربع وتسعين ومئة، وارتحل لطلب
الحديث وتنَقَّلَ في البلاد، وابتدأ في تراجم أبواب ((الجامع الصحيح)) بالحرم
الشريف، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة وغيرها حتى أتمه
ببخارى. ومات بخّرْتَنْك قرب سمرقند سنة ست وخمسين ومئتين.
وللحافظ الشمس بن طولون الدمشقي (بُلْغة القانع في طرق الصحيح
الجامع)) يستوفي الكلامَ على أسانيد الرواية إليه، وكذا للسخاوي ((عمدة
القارىء والسامع في ختم الصحيح الجامع» .
الإِمام مسلم
وثانيهم: الإِمامُ الكبير أبو الحسين مسلم بن الحجاج القُشَيْري
النَّيْسَابُوري رحمه الله. ولد بنيسابور سنة أربع ومئتين، وبها توفي سنة إحدى
وستين ومئتين، جرَّد الصحاح ولم يتعرض للاستنباط ونحوه، وفاق البخاري
في جمع الطرق وحُسنِ الترتيب.
ذكر الذهبي عن أبي عَمْرو بن حمدان: سألتُ ابنَ عُقْدة أيهما أحفظ
البخاري أو مسلم؟ فقال: كان محمد عالماً، ومسلم عالماً، فأعدت عليه

٧٩
مراراً فقال: يقع لمحمد الغلطُ في أهل الشام، وذلك لأنه أخَذَ كتبهم ونظر
فيها، فربما ذكر الرجل بكنيته ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين،
وأما مسلم فقلما يُوجَدُ له غَلَط في العِلل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب
المقاطيع ولا المراسيل. اهـ. ومن شيوخه البخاري.
الإِمام أبو داود
وثالثُهم: الإِمامُ الفقيه أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني
رحمه الله. ولد سنة اثنتين ومئتين، ومات بالبصرة سنة خمس وسبعين
ومئتين، قال الخطابي: لم يُصنَّفْ في علم الحديث مثل ((سنن أبي داود))،
وهو أحسنُ وضعاً وأكثرُ فقهاً من الصحيحين. أهـ. حدث عنه الترمذي
والنسائي وكتب عنه أحمد حديثَ العَتِيرة.
قال ابنُ كثير في ((مختصر علوم الحديث)): إنّ الروايات لسنن
أبي داود كثيرة يوجد في بعضها ما ليس في الآخر. أهـ.
ومن أشهر رواة السنن عنه أبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي،
وأبو بكر بن داسة.
الإمام الترمذي
ورابعُهم: الإِمامُ الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الضريرُ
رحمه الله. وُلد سنة تسع ومئتين بترمذ، وبها توفي سنة تسع وسبعين ومثتين،
قال ابن الأثير: في (سنن الترمذي)) ما ليس في غيرها من ذكر المذاهب،
ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن
والغريب. أهـ. ومن شيوخه البخاري وأبو داود.

٨٠
الإمام النسائي
وخامسُهم: الإِمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي
رحمه الله. ولد في نَسَا من نيسابور سنة خمس عشرة ومئتين، قال
الدار قطني: خرج حاجاً فامتُحِن بدمشق وأدرك الشهادةَ، فقال: احملوني إلى
مكة، فحُمِل وتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته سنة
ثلاث وثلاث مئة .
قال الذهبي: سئل بدمشق عن فضائل معاوية، فقال: ألا يرضى رأساً
برأس حتى يُفضَّلَ؟ قال فما زالوا يدفعونه حتى أُخْرِجَ من المسجد، ثم حُمل
إلى مكة فتوفي بها، كذا في هذه الرواية إلى مكة وصوابه الرَّمْلَة. اهـ. أي
في فلسطين .
والذي عُدَّ من الأصول الخمسة هو ((المجتبى)) المعروف بسنن النسائي
الصغير رواية ابن السُّنِّي، وأما رواية ابن حَيّويه وابن الأحمر وابن قاسم فيقال
لها: النسائي الكبير، قال أبو جعفر بنُ الزبير: ومما ينبغي التنبيه عليه أن
روايات النسائي تختلف اختلافاً كثيراً، حتى قال شيخنا أبو علي الغافقي:
لولا أن الإِجازة تشتمل على جميعها لعَسُر اتصالُ السماع والقراءة، ومن قال
قرأتُ أو سمعتُ كتاب النسائي، ولم يبين الرواية التي سمع أو قرأ، فقد
تجوَّز في الذي ذكره تجوزاً قادحاً في الرواية. اهـ.
ومن شيوخه أبو داود والترمذي. ويُروَى عن الذهبي أنه كان يُفضِّلُه
على مسلم في الحفظ .
ذكر الذهبي أن النسائي قال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها
كثير، فصنفتُ كتاب الخصائص رجوتُ أن يهديهم الله. اهـ.