النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الأصل: ضدّ. والتصويب من ((توجيه النظر)). وعلّق على قوله (فالمرسل): ((في الأصل: فالمراسيل. والتصويب من ((توجيه النظر)) و((المنهل العذب)). انتهى. وجاءت الكلمة في ب (ضِدّ) واضحة جلية كالشمس الساطعة. والغرض من كلام أبي داود - كما هو واضح ــ أن المرسل يحتج به إذا لم يُوجَد في بابه غيره ولم يُعارِضه حديث مسند، فقوله (ضدّ المرسل) أي أمامه وبمقابله. والكاتب أثبته (غير) ولم يتفطن أنه على هذا التقدير يكون قوله (ولم يوجد المسند) تكراراً محضاً للجملة السابقة، مع خروج الكلام عن الغرض المقصود منه. وأثبت في آخر الكتاب عبارة أبي داود هناك كما يلي: ((فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غيرِ هذا فلم أخرجه)). فتورّع أن يثبته (فلم أخرجها) حتى يصح الكلام من جهة العربية، تقليداً للأصل، مع أنه خالفَ الأصل فأثبت قوله (في غير هذا): (من غير هذا)، تبعاً لما جاء في ((مختصر المنذري)) لسنن أبي داود، وقوله (لم أخرجه) هو (لم أخرجها) على الصحة في ((مختصر المنذري))، ولكنّه لم يتابع المنذريَّ في الصحيح وأثبت الغلطَ !! وهكذا يقع في هُوَّة الغلط من تعدّى طورَه وحاول مناطحةً الأكابر، وصَدَق عليه في ذلك قولُهم: ((من أعظم البلية تَشْييخُ الصَّحِيفة)) !!. ثم دعوى هذا الكاتب أن الشيخ نال من ابن المبارك رحمه الله تعالى وأنه زعم أن ابن المبارك لم يكن متفرّغاً للعلم، دعوى باطلة، فإن الشيخ قال: إنه لم يكن متفرِّغاً لاستنباط الأحكام وتطلب أحاديث الأحكام، انظر كلامه في ص ٣٥ من طبعتي هذه، أو في ص ٦ من طبعة الشيخ، والتفرّغ لاستنباط الأحكام شيء والتفرّغ لمطلق العلم شيء آخر، فقوَّل الكاتب الشيخَ ما لم يقله، وهذا من ((تحريف النصوص)) !! والأمانة العلمية للكاتب! ٢٢ ولا ريب أن الإِمام ابن المبارك رحمه الله تعالى على إمامته وجلالة قدره لم يكن متفرّغاً لاستنباط الأحكام، وكانت أشغالُه متنوعةً، وأوقاتُه موزّعةً في شتى الأعمال الخيرية، من تجارة وجهاد وغزو وحج عاماً بعد عام، ومرابطةٍ في بعض الثغور وتصنيف وتأليف ... ، كما لا يخفى على من طالع سيرته المباركة في كتب التراجم والتاريخ. ومعذرةً من القارىء الكريم من هذه الاستطرادة هنا، وإنما قصدت بها التنبية على طعنٍ هذا الكاتب على الشيخ الكوثري رحمه الله تعالى وإصراره على ذلك في جميع طبعاته للرسالة، والكوثريُّ - وهو عالم من علماء الأمة ـــ غيرُ معصوم، وكلُّ واحد مِنَّا يؤخذ من قوله ويترك، ولكن ذلك لا يُسوِّغُ الطعنَ عليه بباطلٍ وبمناسبةِ وغيرِ مناسبة، ولا يُفلح من استحلى لحومَ العلماء، وقانا الله تعالى شرّ الحاسدين وحَفِظنا من مواقع الرَّدَی. آمين. وقولُ الكاتب - كما سَبَق نقلُه ـ في الشيخ الكوثري: («تَصرَّفَ تصرُّفاً أَفسَدَ المعنى حيناً، وخالَفَ الأمانة العلميةَ أَحْيَاناً»، كذا قال الكاتب، ثم أتبعه بقوله: ((وليس ذلك بغريب عنه، لأنَّ له سوابق في هذا المضمار، إنه الأستاذ الكوثري)). يريد فيه بآخر كلامه: أنَّ الوصف الذي وَصَف به الشيخ الكوثري وصفٌ ثابتٌ مشهور - أي عنده وعند أضرابه ــ مفروغٌ منه معلوم: (إنه الأستاذ الكوثري). فادَّعى الكاتب أن التحريف والتغيير للنصوص سِمَةٌ معروفةٌ من سِماتِ الأستاذ الكوثري . وهذا منه بلاجَةٌ شنيعة، وبهتان عظيم، وقد عُرف الأستاذ الكوثري في العالم الإسلامي بالعلم والأمانة والدين، والحفاظ على التراث الإسلامي عند كلِّ العلماء المرموقين، فلا يؤثِّرُ فيه غمزُ وهَمْزُ هذا الكاتب، فإنه: فلم يَضِرْها وأَوهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ كناطحٍ صخرةً يوماً ليُومِنَها ٢٣ ومما ينبغي التنبيه إليه هنا أن شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى ذكر في تقدمة تحقيقه للرسالة ما نصه: ((ومن أحسن شروح ((سنن أبي داود)) شرح الشهاب بن رسلان، وليس هو أحمدَ بنَ محمد المقدسي تلميذَ المزي، وهو محفوظ في مكتبة (لا له لي) في الآستانة في أربعة مجلّدات تحت رقم ٤٩٨ - ٥٠١، وفي شروح المتأخرين مجازفات توجب التحري البالغ والتحرز الشديد)). وسقط لفظ (وليس) قبل (أحمد بن محمد ... ) من النسخة المطبوعة، وقد أضافه شيخنا بقلمه في النسخة التي أهداها إليّ وغيرها من النُّسَخ التي وقفتُ عليها، ولا بدّ من زيادة هذه اللفظة، فإن الشهاب بن رسلان هو شهاب الدين أحمد بن حسين بن أرسلان الرملي، المتوفى سنة ٨٤٤ رحمه الله تعالى، وليس هو صاحبَ المزّي، بل لم يدركه البتة، وإنما صاحبُ المزّي هو شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي المتوفى بالقدس سنة ٧٦٥، له ((انتحاء السُّنَن واقتفاء السَّنّن)) شرح به «سنن أبي داود)». والموجودُ في مكتبة (لا له لي) تحت الرقم المذكور هو شرح شهاب الدين بن أرسلان (ويقال: رسلان) الرملي، دون ((انتحاء السُّنَن)) للشهاب المقدسي تلميذ المزّي. والغريبُ أن الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ لما تعرّض في كتابه ((أبو داود حياته وسننه))(١) لذكر شروح ((سنن أبي داود)) ذكر برقم ٤: (وشَرَح «السننَ)) أيضاً شهاب الدين أحمد بن حسين بن أرسلان الرملي (١) ص ٩٣ - ٩٤. ٢٤ المتوفى سنة ٨٤٤ (تاريخ التراث ٣٨٦:١ و ((مقدّمة تحفة الأحوذي)) ص ٦٢) ومخطوطاته موجودة في ترکیا)). ثم قال برقم ٦: ((وشَرَح هذا الكتاب أيضاً شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزّي، المتوفى بالقدس سنة ٧٦٥ ... وسمّى شرحه (انتحاء السنن واقتفاء السنن))، ومخطوطتُه محفوظة في مكتبة (لا له لي) في أربعة مجلّدات تحت رقم ٤٩٨ - ٥٠١). فأخطأ الدكتور الصبّاغ هنا في موضعين : الأول: أنه كنّى الشهاب المقدسي أبا محمّدٍ تبعاً لما في ((كشف الظنون))، والصحيحُ أن كنيته (أبو محمود) كما في ترجمته في ((المعجم المختصّ)) للحافظ الذهبي(١) - وهو ممن قرأ على الذهبي -، و ((الدرر الكامنة)) للحافظ ابن حجر(٢). والثاني: أنه ذكر أن مخطوطة ((انتحاء السُّنن)) للشهاب المقدسي محفوظة في مكتبة لاله لي برقم ٤٩٨ _ ٥٠١، والواقعُ أن المحفوظ في تلك المكتبة بذلك الرقم هي شرح الشهاب بن رسلان، كما ذكره شيخُنا وكما في ((تاريخ التراث العربي)) للدكتور فؤاد سزكين الذي أحال عليه الدكتورُ الصّاغُ، ومأتى هذا الخطأ في كلامه عدَمُ تنبهه للخطأ الواقع في مقدّمة شيخنا الكوثري من سقوط لفظ (وليس) كما أشرت إليه، فظن أن الكتاب الذي يذكُر شيخنا موضعَه هو كتابُ الشهاب المقدسي، ولم يتنبّه - وأنى له ذلك - إلى (١) ص ٣٣. (٢) ١ : ٢٨٦. ٢٥ أن المقدسي ليس هو ابنَ رسلان !! فاقتضى ذلك التنبيه إليه . هذا، وقد وقفتُ على نسخة أخرى لرسالةِ أبي داود هذه ضمّنها الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، في بحث الحديث الحسن في شرح ((ألفيته)) في المصطلح المسمى: ((البحر الذي زخر))، وهو مخطوط محفوظ في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة برقم ٣٥٦، في ٤٤٧ ورقة. وهذه الرسالة مطبوعة بتمامها - سوى الخطبة وكلماتِ الصلاة والسلام في آخرها - في كتاب ((الحِطَّة في ذكر الصحاح الستة)) للشيخ السيد صديق حسن خان الفِنَّوْجِي رحمه الله تعالى(١)، كما أنها مطبوعة بتمامها في فاتحة الجزء الأول من ((بذل المجهود في حلّ أبي داود» للعلامة المحدّث الكبير شيخ مشايخنا في الهند الشيخ خليل أحمد السهار نفوري، المولود في نائوتة من أعمال سهارنفور سنة ١٢٦٩، والمتوفى بالمدينة المنورة سنة ١٣٤٦ رحمه الله تعالى. وقد نَقَل عن هذه الرسالة جلُّ المؤلفين في علم المصطلح في النوع الثاني: مبحث الحديث الحسن، ونقَل جملاً منها الحافظ الحازمي في (شروط الأئمة الخمسة)) (٢)، والحافظُ المنذريُّ في فاتحة ((مختصر سنن أبي داود))، والحافظ ابنُ رجب الحنبليُّ في ثلاثة مواضع من ((شرح علل الترمذي))(٣)، وغيرهم من المحدّثين والحفاظ. وكان الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى وقف على ملخّصٍ (١) ص ٢١٤ - ٢١٦ من طبعة بيروت سنة ١٤٠٥. (٢) ص ١٦٧ - ١٦٩ من هذه الرسائل الثلاث. (٣) ١: ٥٤٣، و٦٢٦:٢ - ٦٢٧، و٨٩٢. ٢٦ الرسالة، - كما صرح بذلك - فأورد منه شيئاً كثيراً في كتابه ((توجيه النظر إلى أصول الأثر))(١). وسَبَق أن قلتُ إن الرسالةَ مطبوعة بتلخيص في مقدّمة ((التعليق المحمود على سنن أبي داود)) أيضاً. فبذلتُ جهدي في تصحيح النص بمراجعة النسخ والمراجع المذكورة، ولم أنبّه على الفروق والمغايرات إلَّ نادراً، وعلّقتُ على الرسالة ما يشرح بعضَ الجملِ الغامضةِ المراد، وما يوقفُ القارىءَ على خلاصة ما قاله الحفاظ الجهابذة في شرط أبي داود على ضوء ما أفاده في رسالته هذه، ولم أتأخر عن إطالة بعض التعليقات إذا رأيتُ المقام في حاجة إلى ذلك، وأثبتُ جُلَّ تعليقات شيخنا الكوثري التي علّقها على الرسالة في طبعة مطبعة الأنوار، ورمزت لها بحرف ( ز ). هذا، وقد كنتُ قابلتُ هذه النسخة التي أقدّمها إلى القرّاء ببعض النسخ المذكورة، مع شيخنا العلامة الجليل محدّث الهند مولانا حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه في مدينة لكنو بالهند، في رجب سنة ١٣٩٩، كما قابلتُها بنسخة ((الحطّة في ذكر الصحاح الستة)) مع مولانا المحدّث الشيخ عبد الستار أحسن الله تعالى إليه في لكنو أيضاً، فاقتضى ذلك التنبيه تنويهاً بفضلهما، جزاهما الله تعالى خيرَ الجزاء، وصلَّى الله تعالى وبارك وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وكتبه عَد الفتّاحِ أبو غُدّة في الرياض ١٦ من المحرم ١٤١٦ (١) ٣٦٩:١ - ٣٧١ من الطبعة التي اعتنيتُ بها. رسَالة الأَظِالَاوُ السَِّنَا إلى أهْلِ مَكَّةٍ فِى وَصْفِ سُنَنْهِ رِوَأَةُ إِ الحُسَبَنْ بِرْجُمَعْ عَزْ مُحَمَّد بن عَبْدِ العَزِيْزِ الهَاشِ عَنُهُ ولدسنة ٢٠٢ وتوفي سنة ٢٧٥ رحمد الله تعالى اعْتَنِى بِهَا عبد الفتاح أبو غدة وُلِدَ سَنَة ١٣٣٦ وَتُفِيّ سَنَّة ١٤١٧ رحمه اللهتعالى مكتب المطبوعات الإسلاميةَّة ٢٩ بِسْمِاللهِ الرَّحْمنِالرََّيْنِ ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم أخبرنا(١) الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، المعروف بابن البَطَّي(٢) إجازةً إن لم أكن سمعتُه منه، قال: أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خَيْرُون المعدّل قراءةً عليه وأنا حاضر أسمَعُ(٣)، قيل له: أقرأتَ على أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصُّوْرِي الحافظ (٤)، قال: سمعتُ أبا الحُسَين محمد بن أحمد بن محمد بن (١) قائل (أخبرنا) هو الحافظ عبد الغني المقدسي، المولود سنة ٥٤١ والمتوفى سنة ٦٠٠، وهو صاحب النسخة الأصل. (٢) وهو بغداديٌّ، كان مسندَ العراق، توفي في جمادى الأولى سنة ٥٦٤ عن سبع وثمانين سنة، وكان ديناً عفيفاً محباً للرواية صحيحَ الأصول، كذا في ((شذرات الذهب)) ٤ : ٢١٣ - ٢١٤. (٣) أبو الفضل ابن خيرون هو الحافظ العالم الناقد، ابن الباقلاني البغدادي، كان ثقةً عدلاً متقناً واسع الرواية، كتب بخطه الكثير، وكان له معرفة بالحديث، قاله السمعاني، توفي في رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، عن أربع وثمانين سنة وشهر. وممن روى عنه أبو الفتح ابن البطيّ، كذا في ((تذكرة الحفاظ)) ١٢٠٧:٤ - ١٢٠٨. (٤) هو الساحلي ثم البغدادي، سمع أبا الحسين بن جُمَيع وخلقاً، مولده سنة ست أو سبع وسبعين وثلاث مئة، قال أبو الوليد الباجي: الصوري أحفظ من رأيناه وكان متفنناً يعرف من كل علم. توفي في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، رحمه الله تعالى. من «تذكرة الحفاظ» ١١١٤:٣ - ١١١٧. ٣٠ أحمد بن جُمَيع الغَسَّاني بصَيْدَا(١)، فأقَرَّ به، قال: سمعتُ أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عَوْن بن عبد الله بن الحارث بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المُطَّلِب الهاشميَّ(٢) بمكة يقول: سمعتُ أبا داود سُلَيمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شَدَّاد السَّجِسْتَانِي بالبصرة، وسُئل عن رسالتِهِ التي كتبها إلى أهل مكة وغيرِها، جواباً لهم، فأملى علينا: سلامٌ عليكم، فإني أحمَدُ إليكم اللَّهَ الذي لا إلّه إلَّ هو (٣)، وأسألُه أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كلَّما ذُكِرَ. أما بعدُ، عافانا الله وإياكم عافيةً لا مكروهَ مَعَها، ولا عِقابَ بعدَها، فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في ((كتاب السنن))، أهي أصحُّ ما عَرفتُ في الباب؟ ووقفتُ على جميع ما ذكرتم. فاعلموا أنه كذلك كلُّه، إلاَّ أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، فأحدُهما أقْدَمُ إسناداً، والْآخَرُ صاحبُه أَقْوَمُ في (١) هو صاحب ((معجم الشيوخ)) المروي المعروف، رحل وكتب الكثير بالشام والعراق ومصر وفارس، مات في رجب سنة ٤٠٢ وله سبع وتسعون سنة، وسرد الصوم وله ثمان عشرة سنة إلى أن مات، وثّقه الخطيب، كذا في ((شذرات الذهب)) ١٦٤:٣، و ((معجمُه)) مطبوع في بيروت سنة ١٤٠٥، بتحقيق الدكتور عمر عبد السلام التَّذْمُرِي. (٢) ذكره ابن جُمَيع في كتاب ((معجم الشيوخ)) له ص ١٢٦ برقم ٧٨، وساق من طريقه طرفاً من ((رسالة أبي داود))، ولم يذكر شيئاً عن حاله كما هي عادته في هذا الكتاب . (٣) قولُه (أحمدُ إليكم الله) أي أحمد معكم الله، كما في ((كتاب العين)) للإِمام الخليل بن أحمد الفراهيدي ١٨٩:٣. ٣١ الحفظ (١)، فربما كتبتُ ذلك، ولا أَرى في كتابي من هذا عَشَرةً أحاديث. ولم أكتب في الباب إلاّ حديثاً أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صِحاح فإنه يَكْثُرُ(٢)، وإنما أردتُ قُربَ منفعته(٣). وإذا أعدتُ الحديثَ في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادةٍ (١) في مخطوطة الظاهرية (أقومُ إسناداً والآخر صاحبُه أقدَمُ في الحفظ)، وفي نسخة الحافظ السيوطي (أحدها أقوم إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ)، وأثبته شيخنا الكوثري تبعاً لما جاء في فتح المغيث ٩٧:١ (أقدم إسناداً والآخر صاحبه قُدِّم في الحفظ)، وجاء في ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي ص ٥٤ نقلاً عن رسالة أبي داود (أحدهما أقدم إسناداً والآخر صاحبه أقوم في الحفظ)، وكذا هو في المخطوطة الجديدة، فأثبتُّه كذلك. وقولُ أبي داود (فربما كتبت ذلك) بمعنى ذلك الأقدم في الإِسناد لعلو سنده مع تقدّم الآخر في الحفظ، كما هو صنيع مسلم في ((صحيحه))، وقد جاء عن مسلم ذلك مصرّحاً به كما نقله الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ١٨٨، وهو أيضاً صنيع الإِمام البخاري في صحيحه كما نص عليه الحازمي أيضاً، وأما الإِمام النسائي فما كان يرضى بالرواية عن الضعيف لعلوّ سنده كما يظهر مما نقله عنه ابن طاهر المقدسي في (شروط الأئمة الستة)) ص ١٠٤. (٢) قوله (فإنه يكثر)، هكذا جاء في نسخة السيوطي، وفي نسخة ب أيضاً، ووقع في مخطوطة الظاهرية (وإنه يكثر)، وهذا خطأ . (٣) أشار أبو داود بهذا إلى أنه اختار الإِيجاز على الاستيعاب في إيراد أحاديث الباب، ليكون الكتاب غير كبير الحجم، فيصعُبَ نسخُه ويقلَّ كاتبوه لطوله، ويثقُلَ حملُه عليهم في الأسفار والترحال، وتزيدَ تكاليفه في ثمن الورق والمداد، وغالب حال أهل العلم وطلابه في زمنه الفقر وقلة ذات اليد، فيَعُوقهم ذلك عن اكتتابه ويُسر الانتفاع به، فرحمة الله تعالى عليه ما أرأفه وأعطفه . ٣٢ كلام فيه، وربما فيه كلمةٌ زائدة على الأحاديث، وربما اختَصرتُ الحديثَ الطويلَ، لأني لو كتبته بطوله، لم يَعلم بعضُ من سَمِعَه المرادَ منه(١) ولا يَفْهَمُ موضعَ الفقه منه، فاختصرتُه لذلك. وأما المراسيلُ فقد كان يَحتَجُّ بها العلماء فيما مَضَى، مثلُ سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلَّم فيها(٢)، وتابَعَه على ذلك أحمد بن حنبل وغيرُه(٣). (١) قوله (المراد منه) زيادة من ((فتح المغيث)) ٩٧:١ - ٩٨، و((توجيه النظر)) ١: ٣٧٠. في نسخة ب (فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى ... ). (٢) قد أطال البحثَ في الاحتجاج به وعدمه في كتاب ((الرسالة)) له ص ٤٦١ - ٤٦٥، وشَرَح بحثَه الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي ٥٤٥:١ - ٥٥٧ أحسنَ شرحٍ، وكذا العلائيُّ في ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)» ص ٣٥ - ٤٧، والحاصل أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه لم ينكر الاحتجاجَ بالمرسل مطلقاً، بل احتج به إذا اعتَضَد بإحدى المؤيدات والعواضد التي ذكرها في كتاب ((الرسالة)). (٣) اختلفت الروايةُ عن الإِمام أحمد في الاحتجاج بالمرسل، فحكى النووي، وابنُ القيم، وابنُ كثير وغيرهم روايةٌ عن الإِمام أحمد في القول بالاحتجاج به، كما ذكره السخاوي في ((فتح المغيث)) ١٦٢:١، وقال ابن حجر في ((النكت)) ٥٦٩:٢ إن المشهور عن الإِمام أحمد الاحتجاجُ بالمرسل. وقال ابنُ رجب في ((شرح علل الترمذي)) ٥٥٢:١ - ٥٥٣: ((ولم يُصَحِّحْ أحمد المرسلَ مطلقاً ولا ضَعَّفَه مطلقاً، وإنما ضَعَّف مُرسلَ من يأخذ عن غير ثقة)). انتهى. ثم قال بعد بحثٍ: ((وظاهرُ كلام أحمد أن المرسلَ عنده من نوع الضعيف، لكنَّه يأخذُ بالحديث إذا كان فيه ضعفٌ، ما لم يجىء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه خلافه)». انتهى. ٣٣ فإذا لم يكن مُسْنَدٌ ضدَّ المراسيل(١)، ولم يُوجد المُسنَد، فالمرسلُ يُحتَجُّ به وليس هو مثلَ المتصل في القوة(٢). وليس في ((كتاب السنن)) الذي صنَّقْتُه عن رجلٍ متروك الحديث شيء (٣)، وإذا كان فيه حديثٌ منكرٌ بيّنتُ أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيرُه(٤). وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك، ولا كتاب وكيع، إلاَّ (١) وكذلك في نسخة ب (ضد). أي أمامها وبمقابلها، والمعنى أن المرسل يحتج به إذا لم يوجد في بابه غيرُه ولم يُعارِضْه حديثٌ مسند. (٢) في ب (فالمراسيل يحتج بها، وليس هي مثل المتصل ... ). (٣) لكن الواقع أنه أخرج عن أمثال عمرو بن واقد الدمشقي، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني ، وأبي جَنَاب الكلبي، وسليمان بن أرقم، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهم في عداد المتروكين عند بعضهم، فلا بدّ من تقييد كلام أبي داود هذا، ولذا قال ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) - ٦١٢:٢ - «مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو المتروك متفق على تركه، فإنه قد أخرج لمن قد قیل فيه إنه متروك ولمن قد قیل فیه إنه متهم بالكذب)). ز. وانظر بقية كلام ابن رجب هنا في حاشية ((شروط الأئمة الخمسة)» ص ١٦٨ - ١٦٩. هذا، وقد قال الحافظُ ابنُ طاهر المقدسي في ((شروط الأئمة الستة)) ص ٨٩: ((حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراجُ أحاديثِ أقوامٍ لم يُجمَعْ على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإِسناد من غير قطع ولا إرسال)). وهذا النص يدل على أن المراد من (متروك الحديث) في عبارة أبي داود هو المتروكُ المجمعُ على ترك حديثه، دون كلّ من قيل فيه: إنه متروك، والله تعالى أعلم. (٤) وهذا يدل على أن أبا داود يُخرِج الضعيفَ إذا لم يجد في الباب غيرَه، ويبين الضعفَ إذا كان شديداً وصل إلى حدّ النكارة، وسيأتي قوله: ((وما كان في كتابي من حدیث فیه وهن شدید بینته)). ٣٤ الشيءُ اليسير، وعامَّتُه في كتاب هؤلاء مراسيل(١)، وفي كتاب ((السنن)) من («موطأ مالك بن أنس))(٢) شيءٌ صالح، وكذلك من ((مصنَّفات)) حَمَّاد بن سَلَمة وعبد الرزاق. وليس ثُلُثُ هذه الكتبِ(٣) فيما أحسَبُه في كتب جميعهم، أعني مصنَّفَاتٍ مالك بن أنس، وحَمَّاد بن سَلَمة، وعبد الرزاق. وقد ألَّفْتُه نَسَقاً على ما وقع عندي (٤)، فإن ذُكِرَ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سُنَّةٌ ليس مما خرَّجتُه، فاعلم أنه حديثٌ واه(٥)، إلَّ أن يكون في (١) ووجه كثرة تخريجهم المراسيل أنهم كانوا يحتجّون بها كما سبق. (٢) يريد بكتاب السنن من الموطّأ الأبواب الفقهية منه، والله تعالى أعلم. (٣) أي كتب سننه من الطهارة والصلاة والزكاة وما إلى ذلك. وفي ب (وليس ثلث هذه الأحاديث). (٤) يعني أنه ألَّفه على منهج واحدٍ مطّردٍ حسب ما اقتضاه نظره. (٥) هذا الحصر والتعميم غيرُ تامّ فلم يستوعب كتابُ أبي داود جميعَ السنن المأثورة، وأقرب دليل على ذلك ما تراه في كتب التخاريج مثل كتاب ((نصب الراية)) للحافظ الزيلعي، وكتاب ((التلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر، ومثل كتاب ((المنتقى من أخبار المصطفى)) صلى الله عليه وسلم، لابن تيمية الجدّ، وغيرِه من كتب أحاديث الأحكام، فإن الناظر فيها يرى كثيراً من السنن التي أخرجها غيرُ أبي داود ممن هو أشدُّ منه شرطاً أو أسهلُ شرطاً. قال النووي: ((إن ((سنن أبي داود)) لم تستوعب الصحيحَ من أحاديث الأحكام ولا معظمَها، وكم في ((صحيح البخاري)) و ((مسلم)» من حديث حُكْمِيّ ليس في ((سنن أبي داود»، نقله الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) ٢٩٩:٢. وهذا الحصر العام والدعوى من أبي داود كقول الإِمام مالك لما سأله بشر بن عمر الزَّهراني عن رجلٍ، حيث قال لبشرٍ: هل رأيته في كتبي؟ قال بشر: لا، فقال مالك: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي. مع العلم أن مالكاً لم يستوعب الروايةَ عن الثقات كلّهم يقيناً، انظر تعليق الذهبي على كلمة الإِمام مالك هذه في ((سير أعلام النبلاء)» ٧٢:٨. ٣٥ كتابي من طريقٍ آخر، فإني لم أُخرج الطُّرُق، لأنه يكثُر على المتعلِّم. ولا أعرِفُ أحداً جَمَع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخَلَّل قد جَمَع منه (١) قَدْرَ تِسع مِئَةٍ حديث، وذَكَر أنَّ ابن المبارك قال: السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحوُ تِسع مئةٍ حديث، فقيل له: إنَّ أبا يوسف قال: هي ألفٌ ومِئة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخُذُ بتلك الهَنَاتِ من هنا وهنا نحو الأحاديثِ الضعيفة(٢). وكذلك روي عن الإِمام أحمد: «انتقيتُ هذا المسندَ من أكثر من سبع مئة ألفٍ = وخمسين ألفاً، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلاّ فليس بحجّة))، رواه عنه أبو موسى المديني في ((خصائص المسند)) ص ٢٣. ومعلوم أن ((مسند الإمام أحمد» لم يستوعب جميعَ الأحاديثِ الصحيحةِ، ففي ((الصحيحين)) وحدّهما جملة من الأحاديث عن طائفة من الصحابة لم يقع في المسند عن أولئك الصحابة شيء كما نُصَّ عليه في كتب المصطلح، فأمثالُ هذه الكلماتِ عن هؤلاء الأئمة وغيرهم مؤوَّلة أو محمولة على أن كلّ منهم قال بحسب ما وصل إليه علمُه. (١) أي من حديث السنن. (٢) في ب (يعني الأحاديث الضعيفة). واستكثارُ ابن المبارك ما ذكره أبو يوسف من أن عدد السنى ألف ومئة باعتبار ما علمه هو، لكن لمثل أبي يوسف من أئمة الاجتهاد المكثرين من الحديث نظر خاص في الرواة الذين عاشروهم وفي عدد السنن: غيرُ نظر أمثال ابن المبارك من المجاهدين غير المتفرّغين لاستنباط الأحكام وتطلّبٍ أحاديث الأحكام، ومثلُ أبي يوسف يكون أدرى بشيوخه من منابذيهم، وأنت تعلم قولهم في الحسن بن عمارة وقول الرامهر مزي فيه في «المحدّث الفاصل) ص ٣٢١ -٣٢٨. ومرادُ أبي داود من حكاية قول ابن المبارك هنا أنه زاد عليهما ما تراه عنده من عدد السنن، لكن السنة عند السلف هي الطريقةُ المسلوكةُ للمسلمين خلفاً عن سلف إلى حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم جماعة عن جماعة، وهذا أضيق من إطلاق السنة = ٣٦ ۔ = عند المتأخرين على ما يشمل خبر الآحاد. ز. وقال الحافظ ابن حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٢٩٩:١ - ٣٠٠: ((ذكر أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي في ((كتاب التمييز)) له عن الثوري وشعبة ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرِهم: أن جملة الأحاديث المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني الصحيحة بلا تكرير أربعة آلاف وأربع مئة حديث. وعن إسحاق بن راهويه أنه سبعة آلاف ونيف. وقال أحمد بن حنبل: وسمعت ابن مهدي يقول: الحلال والحرام من ذلك ثمان مئة حديث، وكذا قال إسحاق بن راهويه عن يحيى بن سعيد. وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي: أن الذي في «الصحيحين من أحاديث الأحكام نحو ألفي حديث. وقال أبو داود السجستاني عن ابن المبارك: تسع مئة . ومرادُهم بهذه العدّة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الصريحة في الحلال والحرام، والله أعلم. وقال كل منهم بحسب ما يصل إليه، ولهذا اختلفوا)). انتھی. وجاء في (سير أعلام النبلاء)» للحافظ الذهبي ٣٩:٧، في ترجمة الإمام محمد بن إسحاق المدني إمام أهل المغازي، ما يلي: ((قال البخاري: وقال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألفَ حديث في الأحكام، سوى المغازي. قلت - القائل الذهبي - : يعني بتكرار طرق الأحاديث، فأما المتون الأحكامية التي رواها فما تبلغ عُشرَ ذلك)). انتهى. وجاء في ((سير أعلام النبلاء)» أيضاً ٩: ٥٤٤، في ترجمة فقيه العراق الحسن بن زياد اللؤلؤي، ما نصه: ((قال محمد بن سماعة: سمعته - أي الحسن بن زياد - يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث، كلّها يحتاج إليها الفقيه)). انتهى. ومأتى هذا الاختلاف في عدّة أحاديث الأحكام أربعة أمور: الأول: اختلافهم في طريق العدّ، فقد يعدّون الأسانيدَ والطرقَ ولو كان المتنُ = ٣٧ وما كان في كتابي من حديثٍ فيه وَهْنٌ شديد فقد بينتُه (١)، ومنه ما = واحداً. الثاني: اختلافُهم في طائفة كبيرة من الأحاديث هل هي من باب الأحكام أصالة أو من باب الآداب وغيرها؟ أو هل هي صريحة في الحلال والحرام أم لا؟ أو هل هي أحاديث مستقلةً تعدّ مستقلةً أو تعدّ ضمن أحاديث أخر كليّة وعامة؟ وما إلى ذلك من مدارك الاجتهاد والتفقه. الثالث: اختلافهم في طائفة كبيرة من الأحاديث أيضاً هل هي مشتملة على شروط القبول والصحة أم لا؟ الرابع: تفاوتُهم في الإكثار من معرفة السنن والإِقلال منها. وبالجملة فليس هذا الخلافُ اختلافَ تباينٍ وتناقضٍ فافهم ذلك فإنه مهم، ومما ينبه عليه هنا أن كثيراً من أحاديث القِصَص والمناقب والملاحم ونحوها قد تستخرج منها أحكام استقلّت بها تلك الأحاديث، فالأعداد المذكورة عن الأئمة، الظاهرُ أنهم قصدوا بها الأحاديثَ الدالّة على الأحكام دلالةً أوليةً وبالذات، لا بطريق التضمن والالتزام. وعلى هذا المعنى حَمَلَ بعضُ أهل العلم ما قيل: إن آيات الأحكام قدرُ خمس مئة آية، وإلَّ ففي الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكامُ الشرعية أضعافُ أضعافٍ ذلك، كما ذكره العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى، في ((إرشاد الفحول)) ٢٩٧:٢. (١) وشهرة نكارة الخبر بين أهل الحديث تُغني عن البيان لظهور أمره بينهم في نظر الذهبي، كحديث الأوعال. ز. يقالُ: وَهْنٌ بسكون الهاء، ويُحرَّك بفتحها . قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٢١٤:١٣ في ترجمة الإمام أبي داود رحمه الله تعالى، بعد أن نَقَلَ عنه النصَّ المذكورَ في المتن، ما لفظُه: ((فقد وفَّى رحمه الله بذلك، بحسب اجتهاده، وبيَّن ما ضعفُه شديد، ووَهْنُه غيرُ محتمل، وكاسَرٌ - أي غَضَّ طرفه - عما ضعفُهُ خفيفٌّ محتَمَل، فلا يلزم من سكوتِهِ - والحالةُ هذه - عن الحديث أن يكون حسناً عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حَدِّ الحسن باصطلاحنا المولَّد الحادِث، = ٣٨ لا يصح سنده(١)، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح(٢)، وبعضُها أصحُّ من = الذي هو في عرف السلف يعودُ إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجبُ العملُ به عند جُمهورِ العلماء، أو الذي يرغبُ عنه أبو عبد الله البخاري، ويُمَنِّيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أدنى مراتب الصحة، فإنه لو انحطَّ عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذّباً بين الضعفِ والحُسْن. فكتابُ أبي داود أَعْلَى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحوٌ من شطر الكتاب. ثم يليه ما أخرجه أحَدُ الشيخين، ورَغِبٌ عنه الآخر. ثم يليه ما رَغِبَا عنه وكان إسنادُه جيداً، سالماً من علةٍ وشذوذ. ثم ما كان إسنادُهُ صالحاً، وقَبِلَهُ العلماءُ لمجيئه من وجهينٍ لينين فصاعداً، يَعضُدُ كلُّ إسناد منهما الآخَر. ثم يليه ما ضُعِّفَ إسنادُه لنقصِ حفظِ راويه، فمثلُ هذا يُمشِّيِه أبو داود ويَسكتُ عنه غالباً. ثم يليه ما كان بيِّنَ الضعفِ من جهةٍ راويه، فهذا لا يسكتُ عنه، بل يُوهنُهُ غالباً، وقد یسکتُ عنه بحسب شُهرتِهِ ونكارته، والله أعلم)). انتهى. (١) أي هو في درجة الحسن أو الضعيف المحتمَل ضعفُه. (٢) أي للاعتبار أو للحجة، وتعيين أحدهما تابع للقرينة القائمة كما هو شأن المشتَرَك، وادعاءُ أنه صالح للحجة تقويل لأبي داود ما لم يقله، قال النووي: ((في السنن أبي داود)) أحاديثُ ظاهرةُ الضَّعْفِ لم يُبِنْها، مع أنه متفق على ضعفها فلا بدّ من تأويله. اهـ. ثم ناقض النووي نفسه في ((شرح المهذّب)) واحتج فيه بما سكت عليه أبو داود إطلاقاً وهذا ليس بجيّد. وقد روى أبو داود عن أمثال ابن لَهِيعة، وصالح مولى الثَّوْأَمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وَرْدان، وسلمة بن الفضل، ودّلْهَم بن صالح وغيرِهم من الضعفاء ساكتاً عنهم، وسكوته إنما يتبيّن بعد استقصاء الروايات المختلفة من «كتاب السنن)) لأن في بعضها ما ليس في الآخر. ز. !! ٣٩ قال الحافظ ابن حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح» ٤٣٥:١ - ٤٤٥ ما = خلاصته: ((يُخَرِّج أبو داود أحاديثَ أمثالِ محمد بن إسحاق، وليث بن أبي سُلَیم، ويزيد بن أبي زياد، ومجالد بن سعيد وغيرهم - ممن يروي لهم مسلم في المتابعات أو ينتقي من أحاديثهم - في الأصول محتجاً بها، ولأجل ذا تَخَلَّفَ كتابُه عن شرط الصحة. وفي قول أبي داود: ((وما كان فيه وهن شديد بينته)) ما يُفْهِمُ أَنَّ الذي يكونُ فيه وَهْنٌ غیرُ شدید أنه لا یبینه. ومن هنا يتبين أنَّ جميعَ ما سكت عليه أبو داود لا يكونُ من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام: ١ - منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة. ٢ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته. ٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتَضَد. وهذان القسمان كثيران في كتابه جداً. ٤ - ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يُجمَع على تركه غالباً. و کلُّ هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها . كما نَقَل ابنُ منده عنه أنه يُخرجُ الحديثَ الضعيف إذا لم يَجد في الباب غيرَه وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذلك قال ابن عبد البر: كلُّ ما سكتَ عليه أبو داود فهو صحيحٌ عنده لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيرَه. ومن هنا يظهر ضعفُ طريقةٍ من يَحتَجُّ بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يُخرج أحاديثَ جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها مثل: ابن لهيعة، وصالحِ مولى التوأمة، وعبدِ الله بن محمد بن عقيل، وموسى بنٍ وردان، وسلمة بن الفضَّل، ودَلْهَم بنِ صالح وغيرِهم. فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقُهُ أن ينظر هل لذلك الحديث متابعٌ فيعتضد به أو هو غريب فيُتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفاً لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد ٤٠ · = يُخرِج لمن هو أضعفُ من هؤلاء بكثيرٍ كالحارث بنِ وَجِيه، وصدقةَ الدقيقيِّ وعثمانَ بنِ واقد العُمَري، ومحمد بن عبد الرحمن ابن البَيْلَمَاني، وأبي جَنَاب الكلبي، وسليمان بن أرقم، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وأمثالهم من المتروكين. وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلِّسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أُبهِمتْ أسماؤهم، فلا يتجه الحكمُ لأحاديث هؤلاء بالحُسْن من أجل سكوتِ أبي داود، لأن سكوته تارةً يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه، وتارة يكون لذهول منه. وتارةً يكون لشدة وضوح ضعفٍ ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي الحويرث ويحيى بن العلاء وغيرهما. وتارةً يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثرُ، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي وإن كانت روايتُه أشهرَ. فالصوابُ عدم الاعتماد على مجرَّد سكوته لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة، ويُقدِّمُها على القياس، إن ثبَتَ ذلك عنه، والمعتَمِدُ على مجرَّدٍ سُكوته لا يَرى الاحتجاجَ بذلك فكيف يُقَلِّدُهُ فيه؟ وهذا جميعُه إن حملنا قولَه: ((وما لم أقل فيه شيئاً فهو صالح)) على أن مراده أنه صالحٌ للحجة، وهو الظاهر، وإن حملناه على ما هو أعَمُّ من ذلك ــ وهو الصلاحِيَةُ للحجة، أو للاستشهاد، أو للمتابعة - فلا يَلْزَمُ منه أنه يَحتَجُّ بالضعيف، ويُحتَاجُ إلى تأمل تلك المواضع التي يَسكت عليها وهي ضعيفة، هل فيها أفرادٌ أَم لا؟ إن وُجِدَ فيها أَفراد تعيَّنَ الحملُ على الأول، وإلّ حُمِلَ على الثاني، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سَكَتَ عليه للاحتجاج مطلقاً . وقد نَبَّه على ذلك الشيخُ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى، فقال: ((في سنن أبي داود أحاديثُ ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفَقٌّ على ضعفها، فلا بُدَّ من تأويل كلامه)). ثم قال: ((والحقُّ أن ما وجدناه في ((سننه)) مما لم يُبينه، ولم يَنُصَّ على صِحَّتِهِ أو حُسنِهِ أحَدٌ ممن يُعتَمَدُ فهو حَسَن، وإنْ نَصََّ على ضعفِهِ من يُعتَمَدُ أو رأى العارفُ في