النص المفهرس
صفحات 1-20
ثَلاَّرِ شَائِلٌعلَ مُضَطَلَ اللَّةِ رِسَالة الإمَامِ إلى دَاوُد السجستاني إلى أهْل ◌َّفِي ◌َصِفِ لِغَيْه شرُط الأسِصَّةِ السَّّة لِ فِظ أبي الفضل محمَّد بْن طاِ المَقْدِيسِيّ شرُوط الأئمَّةِ الخمْسَة يِتَحَافِظ أبي بكر محمّد بن مُوسَى الجَازِميّ اعتنى بھَا عبد الفتاح أبو غدة وُلِدَ سَنَة ١٢٣٦ وَتُقِي سَنة ١٤١٧ رَحْمَهُ الله تعالى مكتب المطبوعات الإسلاميةَّة شارع علم مصطلح التّ جَمْعُالْحُقُوقِ مَخَفُوَظَةٌ الطّبعَة الأولىَ ١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٧مـ الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥م قامَت بطبَاعَته وإخراجه شركة دار البشائر الإسْلامِيَّة للطبَاعَة وَالنشر والتّوزيع بيروت - لبنان -ص.ب: ٥٩٥٥ - ١٤ وَيُطلبُ مِنْهَا هاتف : ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣ /٠٠٩٦١١ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb ٥ تصدير : بِسْمِ اللهِالرَّحْمنِالرََّيِ الحمدُ لله وكفى، والصلاةُ والسلامُ على عباده الذين اصطّفَى، وفي طَلِيعَتِهِم سيِّدُنا ورسولُنا محمَّدٌ المُصطَفَى، وعلى آله وصحبه وكلٍّ من بأثرِهِ اقْتَفَى. أما بعد فيقول العبد الضعيف عبد الفتاح أبو غدة: هذه مجموعةُ (ثلاث رسائل في علم مصطلح الحديث)، جمعتُ فیھا بین: ١ - ((رسالة الإِمام أبي داود السِّجِسْتاني إلى أهل مكة في وصف سننه)) ٢ - و((شروط الأئمة الستة)) للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي. ٣ - و((شروطِ الأئمة الخمسة)) للحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازمي. اخترتُ خدمتَها ونشرَها مجموعةً لقرب الصلة بينها، فقد تعرَّضَتْ هذه الرسائلُ لذكرِ شروط الأئمة الستة المعروفين، وتَنَاوَلَتْها بالشرح والإِيضاح. ومعرفةٌ شروط هؤلاء الأئمة من الأهمية بمكان، إذ لا يَستَغني كلُّ من اشْتَغَل بالكتب الستةِ الأصولِ - أو أحدِها - عن معرفة شروطٍ ومناهج مؤلّفيها، ليكون على معرفةٍ بيَّةٍ عند قراءة هذه الكتب والاستفادة منها. وقد عَلَّقتُ على كلِّ رسالةٍ - مزيداً إلى تعليقاتٍ شيخنا الإِمام الكوثري ٦ عليها - ما يُكمِلُ مقصِدَها ويزيدُها إفادةً ونفعاً إن شاء الله تعالى، وكتبتُ للرسالةِ الأولى مقدّمةً ضافيةً، وللرسالتين التاليتين مقدّمةً أخرى طويلةً، وأرجو أن يكون في كلِّ من المقدمتين فوائدُ وطرائفُ. وأسأل الله تعالى أن يَتقبَّل مني هذا الجُهْدَ الضئيلَ في خدمةِ السُّنَّةِ المُطَّهَّرة، ويَنفَعَني به وجميعَ إخواني من طلبة العلم وأهلِهِ، إنه قريبٌ مُجِيب، وصلَّى الله تعالى وسلَّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين. وكتبه عَد الفتّاح أبو غُدّة في الرياض ١٣ من صفر سنة ١٤١٦ . رِسالَة الأَوْمِالَاوَ السَّحْتَنَّنَا إلى أهْل مَكَّةٍ فِى وَصْفِ سُنَنْهُ ولدسنة ٢٠٢ وتوفي سنة ٧٥م رحم الله تعالى اعتنى بهَا عبد الفتّاح أبو غدة وُلِدَ سَنَّة ١٢٣٦ وَتُنّ سَنة ١٤١٧ رَحْمَّهُ الله تعالى مكتب المطبوعات الإسلاميةَّة ٩ التقدمة : بِسْمِ اللهِالرَّمنِالرَّةِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سُنَّتَهُ وهَذْیَه . أما بعد فهذه «رسالة الإمام أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في وصف سننه))، أقدمها إلى القرّاء بعد أن اعتنيت بضبطها والتعليق عليها، وإنَّ هذه الرسالة كما قال شيخنا العلامة المحقق الجليل الأستاذ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، في تقدمته لها أوّل ما طبعت بمطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩: ((مما لا يستغني عنه باحث في مراتب أحاديث كتاب أبي داود». ومنزلة كتاب ((السنن)) العالية ومكانتُه الرفيعة من بين كتب الحديث عامةً والأصول الستة خاصة، مما لا تحتاج إلى بيان، ألّفه شيخُ السنّة مُقدَّمُ الحفاظ الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى، وكان من كبار الفقهاء ومن نجباء أصحاب الإِمام أحمد، لازم مجلسَه مدَّةً، وسأله عن دِقَاقِ المسائل في الفروع والأصول، وكتابُه سيدُ كتب «السنن» وأجمعُها لها وأكثرُها فوائد، وقال الحافظ ابن حجر: ((سنن أبي داود أمُّ الأحكام))، قاله في ((التلخيص الحبير)) (١) عند الكلام على حديث كان: يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون. (١) ١٩:٢. ١٠ ولمّا صنّف أبو داود هذا الكتاب قال الإِمام إبراهيم الحَرْبي: أُلِينَ لأبي داود الحديثُ كما أَلِينَ لداود عليه السلام الحديد. وناهيك بهذا ثناءً عليه وتقديراً لفضل كتابه، وقال الحاكم النيسابوري: سمعت الزبير بن عبد الله بن موسى، سمعت أبا عبد الله محمد بن مخلد يقول: ((كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث. ولما صنّف كتاب ((السنن)) وقرأه على الناس، صار كتابُه لأصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا يخالفونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ والتقدّم فيه)». وهذا غايةٌ في حُسنِ التَّلَقِّي لكتابِهِ . وقد قال الإِمام حَمْدُ بنُ سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه ((معالم السنن)) شرح سنن أبي داود: ((واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف لم يُصنّف في علم الدين كتابٌ مثلُه، وقد رُزِق القبولَ من الناس كافة، فصار حَكماً بين فِرَق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلّ فيه وِرْد ومنه شِرْب، وعليه مُعوَّلُ أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثيرٍ من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أوْلِعَ أكثرُهم بكتاب محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوّهما في جمع الصحيح على شرطهما في السَّبْك والانتقاد، إلَّ أن كتابَ أبي داود أحسنُ رصفاً وأكثرُ فقهاً، وكتابُ أبي عيسى أيضاً كتابٌ حسن، والله يغفر لجماعتهم، ويُحْسِنُ على جميل النية فيما سعوا له مثُوبتهم برحمته). وقال أيضاً: ((وكان تصنيفُ علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامعَ والمسانيدَ ونحوَهما، فتَجمعُ تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقِصَصاً ومواعظَ وآداباً، فأما السننُ المحضة فلم يُقصد واحد منهم جمعَها واستيفاءَها - ولم يقدر على تخليصها واختصارِ مواضعها ١١ من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها - على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حَلَّ هذا الكتابُ عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ العَجَب، فضُرِبت إليه أكبادُ الإِبل ودامت إليه الرِّحَل)). وقال أيضاً: ((وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهاتِ السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فیه» . وقال الحافظ العلامة الشيخ ابن قيِّم الجوزية رحمه الله تعالى في أوّل ((تهذيب مختصر السنن)) سنن أبي داود: ((كتابُ السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله من الإِسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حَكَماً بين أهل الإِسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكمُ المنصفون، وبحكمه يَرضى المحققون، فإنه جَمَع شَمْلَ أحاديثِ الأحكام، ورتّبها أحسن ترتيب ونَظَمها أحسنَ نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديثَ المجروحين والضعفاء)) . وقال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في تقدمته لهذه الرسالة: ((إن كتاب السنن للإمام الحافظ الحجة أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥ رحمه الله، من أنفع كتب الحديث لمن يُعنّى بأحاديث الأحكام في الحلال والحرام، حتى قال بعض الأصوليين(١) بكفايته للمجتهد في الأحاديث. ولذا ترى الإِمام أبا بكر أحمدَ بنَ علي الرازي الجصاص، عظيمَ الاهتمام به وجيِّدَ الاستحضار لأحاديثه، خاصةً في شرحيه على نسختي (١) هو الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى في مبحث (المجتهد) من كتابه ((المستصفى من أصول الفقه» ٣٥١:٢. ١٢ ((الجامع الكبير)) - والجامع الصغير -، وشرحيه على ((مختصر الطحاوي)) و((مختصر الكرخي))، وفي ((أحكام القرآن))، وغيرها من مؤلفاته بحيث تجد أحاديثَه على طرف لسانه، يسوقها بسنده فيها كلّما لزم، مع سعة دائرة روايته في أحاديث الأحكام من سائر دواوين الحديث)). انتهى. وكفى بهذه الكلمات العالية دلالةً على عِظَم شأن الكتاب وجلالة موقعه في قلوب الأمة، وسيأتيك من كلام أبي داود نفسه في مدح كتابه ما هو أبلغ وأوفى. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخه))(١) بقوله: (( ... ويقال: إنه صنّفْهُ قديماً وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده واستحسنه)). وذَكَر ذلك أيضاً الحافظ السِّلَفِي في مقدّمته لشرح الخطابي: ((معالم السنن)) المطبوعة في آخر الكتاب(٢)، حيث قال: (وحين عُرِضَ كتابُ أبي داود على أحمد بن حنبل، ورآه، استحسنه وارتضاه. وحسبُه ذلك فخراً)). وهذا كما ترى لم يسنده الخطيب بل علّقه بصيغة التمريض، وكذا الحافظ السُّلَفي لم يذكر لقوله سنداً أيضاً، بل ذكر السُّلّفي بسنده في تلك المقدّمة(٣) عن الإِمام أبي داود رحمه الله تعالى ما نصه: ((أقمتُ بِطَرَسُوس عشرين سنة كتبت ((المسند)) فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار أربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله جلّ ثناؤه ... ))، ثم ذكر الأحاديث الأربعة. (١) ٩ :٥١. (٢) ٤ : ٣٥٨. (٣) ٣٦٦:٤. ١٣ وهذا النص يدل على بقاء أبي داود في تأليفه كتابه ((السنن)) - وهو المعني هنا بالمسند - عشرين سنةً، وقد ولد رحمه الله تعالى سنة ٢٠٢، وتوفي سنة ٢٧٥، والإِمام أحمد رحمه الله تعالى توفي سنة ٢٤١، فكانت سنّه عند وفاة الإِمام أحمد ٣٩ سنة، فلو صحّ خبر عَرْضِه كتابَه على الإِمام أحمد يكون بدأ في تأليفه وهو ابن ١٩ سنة، وهذا بعيد جدّاً، فإنه كان في هذه السنّ في بداية رحلته، ففي ((سير أعلام النبلاء» (١) في ترجمة الإمام أبي داود: ((وأبو داود أول ما قَدِم من البلاد - سجستان - دخل بغداد، وهو ابن ثمان عشرة سنة)). انتهى. والله تعالى أعلم. وبالجملة فكتاب ((السنن)) لأبي داود قد اشتهر أمره وطار صيته في حياة مؤلِّفه، ولمّا وصل كتابُه إلى أهل مكة كتبوا إليه يسألونه عن أمور حول أحاديث («سننه» ومرتبتها في الصحة، فأجابهم بهذه الرسالة الوجيزة المباني الكثيرة المعاني، التي كشفت عن منهجه وشروطه في كتابه. وقد طُبعت هذه الرسالة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، في مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩، بتقدمةٍ وتعليقٍ شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى. وكانت تلك الطبعة عن المخطوطة المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، برقم ٣٤٨ حديث، وهي بخط الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى، وقد حصلتُ على صورة من تلك المخطوطة، وهي مع كونها بخط المقدسي فيها وقفات في مواضع عديدة، وكان شيخنا أثبَتَ في تلك المواضع ما رآه أرجح وأوفق بالسياق، مُنبِّهاً على ذلك في بعض المواضع وبدون تنبيه في بعضها، وقد أشار إلى ذلك في خاتمة تحقيقه فقال: ((منقولة (١) ١٢ :٢٢١. ١٤ من النسخة المحفوظة بظاهرية دمشق: حديث ٣٤٨ (١٨٨)، وفي الأصل بعض وقفات مع كونه بخط الحافظ عبد الغني المقدسي». ووقفتُ على صورة نسخة ثانية من رسالة أبي داود، بعد الفراغ من صف الكتاب قبل طبعه، أهداها إليَّ أخ فاضل كريم، لم يَسمح بذكر اسمه تواضعاً منه، وهي أعلى إسناداً إلى أبي داود من نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي النسخة الدمشقية، كُتبتْ بخط مغربي سنة ٥٨٩، وهي نسخة تامة كاملة، رُويتْ من غير الطريق الذي رويت به النسخة الدمشقية، ورمزتُ لها بحرف (ب)، واستفدتُ منها تصويب كلمات كثيرة، أشرت إليها فيما سیأتي، جاء في أولها: (رواها أبو جعفر أحمد بن عيسى بن ماهان الهَمَذاني، قال: حدثني حامد بن بشر أبو العباس، قال: أَمْلَى عليَّ أبو عبد الله محمد بن أيوب من كتاب أبي داود بخط يده رحمه الله تعالى. قال أحمد: وحدثني حمدان بن أحمد أبو الحسن التمار، قال: كتب إليَّ أبو داود وهو بمكة - يزيدُ كلامُ بعضهم على بعض - سلامٌ علیکم ... )). وأحمد بن عيسى المذكور كان يعرف بالجَوَّال، قال أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)): ((قَدِمَ علينا في سنة ٢٨٩)). ومن شيوخه الذين روى عنهم هشامُ بن عمار الدمشقي ودُحَيم الدمشقي: عبد الرحمن بن إبراهيم، المتوفيان سنة ٢٤٥. ومن تلامذته الحافظ الثقة أبو العباس الوليدُ بن أبان الأصبهاني، المتوفى سنة ٣١٠. فوفاة أحمد بن عيسى بعد سنة ٢٨٩، والله تعالى أعلم. ١٥ وأبو عبد الله محمد بن أيوب، هو البَجَلي الرازي، المعروفُ بابن الصُّرَيْس، الحافظُ المسندُ صاحب التصانيف، ولد على رأس المئتين، وتوفي سنة ٢٩٤. فهو من تلامذة أبي داود. فالنسخة عالية الإِسناد. وسيأتي الكلامُ قريباً في ص ٢٥ - ٢٦ على نسخة ثالثة من هذه الرسالة عند السيوطي، ونسخةٍ رابعة عند صديق حسن خان، ونسخة خامسة عند الشيخ خليل السهار نفوري، وعلى جُمَلٍ منقولة منها عند آخرين سابقين ولاحقين، فما زعمه الدكتور الصَّباغ في طبعته الأولى والثانية تحت عنوان (توثيق الرسالة): ((فإن المخطوطة النفيسة التي اعتمدناها للطبع والتي هي النسخة الوحيدة في العالم))، فكلام تافه لا يلتفت إليه، فإن هذه الرسالة صغيرة جداً - كتبت في بعض النسخ في صفحة ونصف ـ تكتب في نصف ساعة أو أقل من ساعة! فما أسهل نسخ مثل هذه الرسالة، التي هي صفحة أو صفحتان في خطوط الناسخين السابقين، فدعواه أنها (وحيدة في العالم) من التعالم، والتشبع بما لم يعط. وقد ذكرت لها خمس نسخ كما سبق، ولصغرها تنغمس في المجاميع فلا ينتبه إليها. ثم طُبِعت الرسالة في (مجلّة أضواء الشريعة) التي تصدرها كلية الشريعة بالرياض، في العدد الخامس منها - سنة ١٣٩٤، بتحقيق وتعليق وتقديم الدكتور محمد بن لطفي الصبّاغ، عن مخطوطة الظاهرية بعينها، ثم صدرت طبعةٌ أخرى منها مستقلة بتحقيق الدكتور المذكور أيضاً في نفس العام، طبعتها دار العربية ببيروت، وطبعةٌ أخرى سنة ١٤٠٥ طبعها المكتب الإِسلامي بتحقيق الدكتور المذكور أيضاً. وهو يقول في مُقدِّمة تحقيقه لها مجهِّلاً ومخوِّناً الأمانة للكوثري: «نُشِرت هذه الرسالة أول مرة في مصر سنة ١٣٦٩هـ في مطبعة الأنوار نشرة ١٦ (محققة !! ) تصرّف محققها في نص الرسالة تصرّفاً أفسد به المعنى حيناً، وخالف الأمانة العلمية أحياناً، وليس ذلك بغريب عنه، لأن له سوابق في هذا المضمار ... إنه الأستاذ محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١ هـ غفر الله له . وقد علّق عليها تعليقات يسيرة ولكنّه أطال في الدفاع عن أبي يوسف رحمه الله إطالة لا تتناسب وطبيعة التعليقات في الرسالة، ونال من ابن المبارك أمير المؤمنين في الحديث والإِمام العملاق نيلا يدل على تعصب وقلة إنصاف، وذلك عندما زعم أنه لم يكن متفرّغاً للعلم ففاته كثير مما أدر كه غیرُه. أما تصرّفه فقد كان يتصرّف في قراءة الألفاظ ولم يُشر إلى الأصل المخطوط إلَّ في عدد قليل من هذه التصرّفات، أما مُعظّمُها فلم يُشر إليه أية إشارة، فأوهم بذلك أن المنشورَ مطابق للأصل، وهذا أمر لا يتفق والتحقيقَ العلمي الصحيح. من ذلك صنيعُه في ص ٢٣ فقد كتب أقوم (أقدم)، وكتب وإنه (لأنه)، وصنيعُه ص ٢٧ إذ كتب ومنه (وفيه)، ولم يشر إلى الأصل، وصنعُه ص ٣٤ إذ كتب بتة (عنه). والرجل على معرفته بالكتب المطبوعة والمخطوطة وعلى اطلاعه الواسع في جوانب الثقافة الإسلامية لا يؤمن جانبُه بحال، ... )) إلى آخر ما أملاه الدكتور المذكور من أدبه وتعالمه وتاجر به(١)، ولكن خابت تجارته! وهذا الذي قاله هذا الكاتب مصدرُه حبُّ المتاجرة بالتنطُّع والحطّ على الشيخ الكوثري، لا غير، والشيخ الكوثري يعرفُه أهلُ العلم بالتحقيق والأمانة (١) من ص ١٣ - ١٤ الطبعة الثالثة . ١٧ والإتقان في خدمة التراث، ولم يصفه أحد بالخيانة فيما أخرج واعتنى به من الكتب المخطوطة، وهي بالكثرة الكاثرة، بل كان عملُه وخدمتُه للمخطوطات موضعَ إعجاب لأهل العلم، وناهيك قولُ الإِمام أبي زهرة فيه : ((ولقد عرفته - أي الشيخَ الكوثريَّ - سنين قبل أن ألقاه، عرفتُه في كتاباته التي يُشْرِق فيها نورُ الحق، وعرفتُه في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها، وما كان والله عجبي من المخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علّق عليه ... ))(١). وأما دعوى هذا الكاتب أن الشيخ الكوثري رحمه الله تعالى خالف الأمانة العلمية في إخراج ((رسالة أبي داود))، وأنه تصرف فيها تصرّفاً أفسد المعنى، فمُجَرَّدُ دعوى لا يَعضُدُها دليلٌ صحيح، ويكفي القارىء لمعرفة فساد دعواه أن ينظر فيما ساقه الكاتبُ تدليلاً على تصرّفات الشيخ المفسدةِ للمعنى والمُؤدِّيةِ للخيانة العلمية بزعم حضرة الدكتور، فأولُ ما ذكره أن الشيخ كتب أقوم (أقدم). وذلك في عبارة الإِمام أبي داود: ((فاعلموا أنه كذلك كلّه إلاَّ أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، فأحدُهما أقدَمُ إسناداً، والآخرُ صاحبُه قُدّم في الحفظ فربما كتبتُ ذلك)». وقد علّق عليه الشيخ الكوثري ما يلي: ((وفي أصلنا (أقوم إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ)، لكن في شرح السخاوي على ألفية العراقي (أقدم إسناداً والآخر قدّم في الحفظ)، فيكون قوله: (فربما كتبت ذلك) بمعنى ذلك الأقدم في الإِسناد لعلو سنده مع تقدّم الآخر في الحفظ، كما وقع مثل ذلك في مقدّمة ((صحيح مسلم)). انتهى كلام الشيخ الكوثري. (١) من مقدّمة ((مقالات الكوثري)) صفحة (س). ١٨ فَذَكَر الشيخُ مستندَه فيما أثبته مع إيضاحه العبارة، ولا ريب أن ما أثبته أوفق بالمعنى مما جاء في الأصل وأثبته هذا الكاتب، وهو كما يلي: (( ... من وجهين صحيحين، فأحدهما أقوم إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ ... )). ثم علّق عليه الكاتب: ((أي يكتب الحديث الذي صاحبه أقدم في الحفظ، وكأنه يريد بذلك ما عرف عند علماء الحديث بعلو الإِسناد)). انتهى. وهذا تفسير ساقط! فهل عجز أبو داود عن أن يصرح بعلو الإسناد فعبَّر بأقدم في الحفظ؟! ومعلوم أن وصف القَدَامة أليق بالإِسناد منه بالحفظ، وعلى كلّ فإذا كان المعنى على ما أثبته هذا الكاتب - حسب شرحه - عينَ المعنى الذي ذكره الشيخ، وأثبت العبارة بمقتضاه معتمداً على ما جاء في ((شرح الألفية)» للسخاوي مع التنبيه على ذلك، لا يمكن أن يعدّ هذا تصرّفاً مفسداً للمعنى أو مخالفاً للأمانة العلمية. وهذه الكلمة كذلك (أقدم) بالدال في ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي(١)، وقد نَقَل بعضَ الرسالة بسنده إلى المصنّف، والحازمي أتقن وأحفظ من عبد الغني المقدسي صاحب النسخة الأصل. وهي في نسخة ب (أقدم إسناداً) بالدال الواضحة البينة فنّسفت فلسفة الكاتب! ثم ذكر الكاتب تدليلاً على خيانة الشيخ المزعومة أنه كتب وإنّه (لأنّه). وذلك في عبارة أبي داود: ((ولم أكتب في الباب إلَّ حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح لأنه يكثر)). وأثبته الكاتب: (( ... فإنه يكثر))، وعلّق عليه ما يلي: ((في الأصل: وإنّه)). وفي ((التوجيه)) و((فتح المغيث)): فإنها تكثر. وفي المطبوعة: لأنه. ورجّحتُ ما أثبت لأنه أقرب ما يكون للأصل. واستأنست برواية ((التوجيه)). انتهى. (١) ص ١٦٨ من هذه الرسائل الثلاث. ١٩ فالكاتب نفسه رجّح غير ما في الأصل، ولَفْظًا (لأنه) و (فإنّه) كلاهما للتعليل، والمعنى واحد في الوجهين، فأين التصرّف المفسد للمعنى وأين الخيانة يا أمين؟! ثم ذكر أن الشیخ کتب ومنه (وفیه). وذلك في كلام أبي داود: ((وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده)). أثبته الشيخ (وفيه ما لا يصح سنده)، وهو كذلك في نسخة الرسالة المطبوع ملخصها في مقدّمة ((التعليق المحمود على سنن أبي داود» للشيخ المحدّث الكبير فخر الحَسَنِ الكَنْكُوهي، والعلامة شيخ الهند محمود حسن الدیوبندي، وعلى كلّ فالمعنى متحد في الحالین. ثم قال الكاتب: إن الشيخ كتب بتة (عنه). وذلك في عبارة أبي داود: ((مثل ما يروى عن ابن جريج قال: أُخبرتُ عن الزهري. ويرويه البُرْسَاني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يسمع يظن أنه متصل، ولا يصح بتة فإنما تركناه لذلك)). أثبته الشيخ (ولا يصح عنه)، والضميرُ على هذا يرجع إلى الزهري، أي ولا يصح الحديث عن الزهري، فإنها منقطعة بينه وبين ابن جريج، كما دلّت عليه الرواية الأولى. وما غاية الكوثري من هذا التحريف المزعوم؟ وهذه الكلمة وَقَعتْ في الأصل المخطوط غيرَ واضحةٍ، انظر صورة الورقة الأخيرة من المخطوط في تقدمة الكاتب ص ٢٠ من طبعته الثالثة، فقرأها الشيخ (عنه)، وما في المخطوط يحتمله، وجزمُ الكاتب أن ما في المخطوط هو (بتة) يقيناً: غير صحيح، وبالجملة إثباته (عنه) لم يغيّر الكلامَ عن مفهومه. وجاءت الكلمة في ب (فنقمّهمّ). فهي كلمة مغلقة يُشتَبَهُ فيها. هذه هي النماذج التي ساقها الكاتب تدليلاً على تصرّف الشيخ التصرّفَ ٢٠ المفسد للمعنى والمُخالِفَ للأمانة العلمية، ولا ريب أن هذه المواضع الأربعة هي أوضحُ وأدلُّ ما عند الكاتب على دعواه، ولذلك خصها بالذكر، وحالها كما يراه القارىء، وهكذا يكذّب المرءُ نفسَه عندما يحاول اتهام الأبرياء. وقد قال هذا الكاتب في ص ١٠ من تقدمته: ((ويبدو أن شيئاً من التحريف قد اعتراها - أي الرسالةَ -)) وقال في ص ١٥: وقد استوقفتني بعض العبارات فحاورتُ عدداً من العلماء في المراد منها، وأثبتُّ ما اتجه لي في فهمها)). وقال في ص ١٢: ((ولقد قرأ هذه النسخة عدد من العلماء فصححوا فيها بعض الأغلاط التي هي من قبيل سبق القلم، واستدركوا على الهامش بعض النواقص)). انتهى. فصرّح أن الأصل المخطوط اعتراه تحريف، وأن فيه وقفات وأغلاطاً، ولا ريب أن تصحيح أمثال هذه المواضع من المخطوط مما تختلف فيه الأنظار، فما يراه الواحدُ أوفقَ بالمعنى أو السياقِ أو أقربَ إلى ما وقع في المخطوط، لا يلزم أن يوافقه الكُلُّ في رأيه، كما لا يلزم أن ينبِّه المعتني بالتصحيح في كلّ موضع على ما في الأصل ما دام أنه يراه مغلوطاً أو مرجوحاً، لا سيما إذا لم يؤثر ذلك على مقصد الكلام ومغزاه، وهذا واضح جدّاً، وعليه عملُ كثيرٍ من العلماء المحققين القدامى والمتأخرين. والغريبُ أن هذا الكاتب خالف في بعض المواضع الأصلَ المخطوطَ مع كونه صحيحاً مطابقاً للسياق، وأثبت ما أخرج الكلامَ عن مراده، وذلك في ص ٢٦ من طبعته الثالثة حيث جاء في ((الرسالة)): ((فإذا لم يكن مسند ضدّ المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمراسيلُ يحتج بها، وليس هو مثل المتصل في القوّة)). أثبته الكاتب كما يلي: ((فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به .... )). ثمّ علّق على قوله (غير): ((في