النص المفهرس

صفحات 461-480

-
- ٤٦١ --
الثانى : حديثه فى الصلاة على الطفل ، وله شاهد رواه أبوداود عن عبد الله
التميمى مولى مصعب بن الزبير ، ورواه الترمذى عن جابر بشرط الاستهلال،
وله شواهد مرسلة وموقوفه
الثالث: حديث بعث عمر فى أبناء الأنصار ، أخرجه البخارى وفيه أن
المغيرة قال لكسرى: إِنبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله
وحده أو تؤدوا الجزية، وهذا يشهد له حديث عبد الرحمن بن عوف (سنوا بهم
سنة أهل الكتاب)) وهو صحيح، وإنما قلت ذلك لأن كسرى مجموسى
الرابع: حديث النهى عن إسبال الأزار، وقد رواه الشيخان عن ابن عمر
والنسائى عن ابن عباس
الخامس : حديث المسح على العمامة ، وقد رواه أبو داود عن ثوبان وأنس،
ورواه أحمد وأبوداود وسعيد بن منصور عن بلال
السادس : حديث تحريم بيع الخمر ، وله شواهد أكثر من أن تذكر
السابع : كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ، فأما تأريخ الكسوف ييوم
مات إبراهيم فرواه مسلم وأبو داود والنسائى عن جابر ، وأما بقية الحديث الذى
يتعلق به الحكم فأشهر من أن تذكر شواهده
الثامن : حديث ترك التشهد الأوسط وسجود السهو لنسيانه ، وله شاهد .
من حديث عبد الله بن بحينة أخرجه الشيخان ، وهو أيضاً شاهد لما فى حديث
المغيرة من أنه يسجد للسهو فيه قبل السلام ، وأخرجه الترمذى عن عمران بن
حصين وأبو داود عن ابن مسعود
التاسع: حديث ((لا تسبوا الأموات)) وقد رواه البخارى وأبو حطود
والنسائى عن عائشة ، وأبو داود عن ابن عمر
العاشر: حديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم ((أتى سباطة قوم فبال قائماً»
وقد رواه الشيخان وغيرهما من حديث حذيفة

- ٤٦٢-
الحادى عشر (١): حديث (( دية الجنين غرة)) وقد رواه الشيخان من حديث
أبى هريرة
الثانى عشر: « لا يصلى الامام فى الموضع الذی صلی فیه حتی یتحول» وقد
رواه أبو داود عن أبى هريرة.
الثالث عشر: حدیث « من اکتوی واسترقی فقد برئ من التوكل )» وقد
رواه بمعناه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعبد الله
ابن حكيم ، ورواه الشيخان عن ابن عباس
الرابع عشر: حديث (( من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))
رواه عنه الشيخان وغيرهما، وهو حديث متواتر مستغن عن ذكر الشواهد
الخامس عشر: حديث (من نيح عليه فانه يعذب بما نيح عليه)) وهو طرف
من الحديث قبله، وله شواهد كثيرة، فرواه الشيخان والترمذى والنسائى من
حديث عمربن الخطاب، والنسائى عن عمران بن الحصين، والترمذى عن أبى
موسي ، وله شواهد غیر هذه
السادس عشر: فرض الجدة السدس ، وقد رواه البخارى عن محمد بن مسلمة
وأبو داود والترمذى عن ابن مسعود عن بريدة ، وهو إجماع
السابع عشر: حديث (( ماسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد عن
الدجال أكثر ماسألته ، قلت : ويقولون معه جنة ونار، قال: هو أهون على الله
من ذلك » وله شواهد، وجميع ماورد فى الصحیحین وغيرهما عن غير واحد من
الصحابة أنه قال صلى الله عليه وسلم : ناره جنة وماؤه نار، وهو يعضد حديث
المغيرة، فانها مبنية على نفى أن يكون مع الدجال جنة ونار حقيقة
الثامن عشر: ((لايزال أناس من أمتى على الحق ظاهرين حتى يأتيهم
أمر الله وهم تظاهرون)) (٢)
(١) سقط الحادى عشر من أحد الأصلين
(٢) لم يذكر فى الأصلين من خرجه، ولاشواهده

- ٤٦٣ -
التاسع عشر: ((إن المرأة يعقل عنها عصبتها ويرنها بنوها) وله شواهد
منها عند الجماعة إلا ابن ماجه عن أبى هريرة مثل حديث المغيرة ، وفى سنن
أبی داود عن ابن عباس
الموفى عشرين : حديث ترك الوضوء مما مست النار، وله شواهد، فرواه
الشيخان وغيرهما عن ابن عباس وعمرو بن أمية وميمونة ، ومسلم عن أبي رافع
ومالك وأبو داود عن جابر
الحادى والعشرون: حديث سعد بن عبادة وفيه (( ألعجبون من غهرة سعد
إنه لغيور)) وفيه ((ما أحد أغير من الله)) ولهذا المعنى المتعلق بحديث الصفات
شاهد فى الصحيحين عن عائشة
الثانى والعشرون : نهى آكل الثوم عن دخول المسجد ، وقد مرت شواهده
فى أحاديث معاوية
الثالث والعشرون: حديث مشى الراكب خلف الجنازة والماشى حيث شاء،
وهذا ليس فيه شىء من الأحكام المتعلقة بتحليل أو تحريم ، ثم إنه لم يقل بصحته
عن المغيرة إلا الحاكم وابن السكن، وضعفه غيرهما ، ولم يصححوا عن المغيرة
الرابع والعشرون(١): حديث ((كان إذا ذهب المذهب أبعد)) رواه عنه أهل
السنن الأربعة إلا ابن ماجه ، وقد رواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبي بردة
ومن العجب أن هذا الحديث وحديناً نحوه من حديث المغيرة هما أول ما فى كتاب
((شفاء الأوام)» من كتب الزيدية، أوردهما مصنفه بارسالهما إلى المغيرة، واحتج
يهما من غيرذكر غيرهما، وهم ينكرون على المحدثين مثل ذلك ، انتهى كلام
المصنف من الروض الباسم ببعض اختصار
(وأما القول بعدالة المجهول منهم) أى من الصحابة (فهو إجماع أهل السنة
والمعتزلة والزيدية، قال ابن عبد البر فى التمهيد: إنه مما لاخلاف فيه) وقال أيضاً.
فى خطبة الاستيعاب: ونحن وإن كان الصحابة قد كفينا البحث عن الحوالهم
(١) قد تقدم أنه سيروى ثلاثه وعشرين حديثا أو أقل

- ٦٤ : -
الاجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أهم كلهم عدول ،
انتهى، ثم أبان المصنف صحة دعواه لأجماع من ذكر فقال (أما أهل السنة فظاهر،
وأما المعتزلة فذكره أبو الحسين فى كتابه المعتمد فى أصول الفقه، بل زاد عن
المحدثين ) فانهم قائلون بعدالة الصحابة لاغير، وأبو الحسين ( ذهب إلى عدالة
أهل ذلك العصر) فقال: هم عدول، وليس كلهم صحابة (وإن لم يروا النبى صلى
الله عليه وسلم) هذا زيادة تأكيد، وإلا فهو معلوم أنه لم يراكل] أهل ذلك العصر
النبى صلى الله عليه وسلم ( وذكر الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلى مثل مذهب
المحدثين فى كتابه شرح العيون، وروى ذلك ابن الحاجب فى مختصر المنتهى
عن المعتزلة، وأما الزيدية ) فان رأيهم أوسع دائرة من المعتزلة فى هذا (فانهم
يقبلون المجهول) مطلقا (سواء عندهم فى ذلك الصحابى وغيره، ذكر ذلك الفقيه
عبد الله بن زيد فى الدرر المنظومة، وهو أحد قولى المنصور بالله، ذكره فى
هداية المسترشدين ، وهو أرجح احتمالى أبى طالب فى جوامع الأدلة ، وأحد احتماليه
فى المجزىء، وهذا المذهب مشهور عن الحنفية، والزيدية مطبقون على قبول
مراسيل الحنفية ، فقد دخل عليهم حديث المجهول على كل حال ، وإن كان .
المختار عند متأخريهم) أى الزيدية (رده) أى المجهول ( فذلك لا يغنى مع قبولهم.
مراسيل من يقبله، والقصد بذ ترهم هذه الأقوال أن لايتوهم أن المحدثين شذوا
بهذا المذهب) وهو القول بعدالة مجهول الصحابة، بل هو رأى غيرهم، بل غيرهم
أوسع دائرة منهم، وأوسع دائرة ما أفاده قوله ( وذكر المنصور) بالله ( فى مجموعه
أن الثلاثة القرون الأول مقبولون) لقوله صلى الله عليه وسلم ((خير القرون قرنى ،
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) أخرجه بلفظ ((خير الناس قرنى - إلى آخره)»
ورواه الترمذى والحاكم عن عمران بن الحصين، وأخرجه .. فى ((خير الناس قرنى، ثم
الثانى، ثم الثالث)) الحديث أخرجه البخارى عن عمران بلفظ ((إن خيركم إلخ)»
(و) قال المنصور بالله (أن ذلك معروف عند أهل العلم، وهذا أوسع من قول

- ٤٦٥ -
المحدثين كما ترى) وهو ظاهر
وقد عارض دليله حديث (( أمتى كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره)) أخرجه
الترمذي من حديث أنس وصححه ابن حبان من حديث عمار، وله شواهد ، وابن
عساكر عن عمروبن عثمان مرسلا بلفظ ((أمتى مباركة لاتدرى أولها خير أو آخرها))
وقد جمع بينهما سعد الدين التفتازانى بأن الخيرية تختلف بالاعتبارات،
فالقرون السابقة بنيل شرف قرب العهد ، ولزوم سيرة العدل والصدق، واجتناب
المعاصى ، ونحو ذلك، وأما باعتبار كثرة الثواب فلايدرى أولها خير لكثرة
طاعته وقلة معصيته أم الآخر لأبمانه بالغيب طوعا ورغبة مع انقضاء .شاهدتزمن
آثار الوحى وظهور المعجزات ، وبالتزامه طريقة السنة مع فساد الزمان ،وشيخنا
رحمه الله تعالى تعقب عليه فى رسالة قرأناها عليه لا تطيل هنا بذكرها
ثم اعلم أن هذا الاستدلال من المنصور بالله وذكر معارضة الحديثين مبنى
على أن حديث ((خير القرون )) قاض بأن التفضيل بين القرون بالنظر إلى كل
فرد فرد ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وذهب ابن عبد البر إلى أن التفضيل إنما
هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة ، فانهم أفضل ممن بعدهم، لا كل فرد، احتج
بحديث (( أمتى كالمطر)) إلخ ما تقدم قريباً، وبما أخرجه أبوداود والترمذى من
حديث ثعلبة يرفعه ((تأتى أيام للعامل فيهن أجر خمسين ، قيل : منهم أو منا
يارسول الله؟ قال: بل منكم)) وبحديث عمر يرفعه «أفضل الخلق إيمانا قوم فى
أصلاب الرجال، يؤمنون بى ولم يرونى)) أخرجه الطيالسى، وهو وإن كان ضعيفاً
فإنه يشهد له ما أخرجه أحمد والدارمى والطبرانى من حديث أبى جمعة قال: ((قال
أبو عبيدة: يارسول الله ، أحد خير منا أسلمنا معاك وجاهدنا معك، قال: قوم
يكونون من بعدى يؤمنون بى ولم يرونى» وإستلاء حسن، وقد صححه الحاكم
واستثنى ابن عبد البر أهل بدر والحديبية
وأجاب الجمهور بالجمع بين الأحاديث مما يلاقى كلام سعد الدين الذى أسلفناه
(٣٠ - تنقيح ٢)

ے
١٠
٠٠ - ٤٦٦ -
إلا أنهم زادوا بأن ذلك يكون فى حق بعض الصحابة ، وأما مشاهير الصحابة
فانهم جازوا مراتب السبق فى كل نوع من أنواع الخير ، قالوا: وأيضاً فالمفاضلة
بين الأعمال بالنظر إلى الأعمال المتساوية فى النوع ، وفضيلة الصحبة مختصة
بالصحابة لم يكن لمن عداه شىء من ذلك النوع ، وإذا عرفت هذا عرفت
أن استدلال المنصور بالله مبنى على ماذهب إليه الجمهور
(وأما الحجج على عدالة مجاهيل الصحابة) هم الذين لم يعرف لهم شىء
سوى الصحبة ( فكثيرة جداً، وقدذكرت منها جملة شافية فى العواصم والقواصم)
ذكر فيها اثنين وثلاثين دليلا على قبول فساق التأويل، وهى أدلة شاملة للمجاهيل
من أهل ذلك العصر، لأنه إذا لم يعرف للصحابى إلا الاسلام والصحبة فقبوله
أولى من قبول من كان مسلماً فاسق تأويل ، وقد أجمع على قبوله، فبالأولى قبول
مجهول الصحابة (وفى المختصر من الروض الباسم، وأنا أشير إلى شىء من ذلك:
فمن ذلك ماروى ابن عمر عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فقال:
أوصيكم بأصحابى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب) الحديث
تمامه (( يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشهد ولا يستشهد)) (رواه أحمد
والترمذى ورواه أبوداود الطيالسى) من طريق أخرى (عن شعبة عن عبدالملك
ابن عمير عن جابر بن سمرة عن عمر، وله طريق أخرى) ثالثة (وهو حديث مشهور
جيد، قال ذلك الحافظ ابن كثير فى إرشاده ) وفى العواصم أنه ذكر أبو عمر بن
عبد البر فى أول كتاب الاستيعاب له شواهد كثيرة عن عمران بن حصين
والنعمان بن بشير وبريدة الأسلمى وجعدة بن هبيرة
(قلت : وفيه دليل على أنه أراد بأصحابه أهل زمانه من المسلمين لقوله فيه
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فتأمله) وذلك لأن قوله ((ثم الذين يلونهم))
عام لكل فرد من الأزمنة التى بعد القرن الأول ، فيكون كذلك فى القرن الأول
وأنه سمى كل من عاصره صلى الله عليه وسلم صحابيا ، إن كان مسلماً ، إلا أنه

- ٤٦٧ -
يرد سؤال، وهو أن الموصَّى بهم هم الأصحاب، وهم أهل العصر جميعاً، فمن المراد
بالوصية ، فان أريد به أوصى بعضكم فى بعض فهى من لا زم أخوة الايمان ،
فكل أهل الإيمان فى أى عصر كان كذلك، ولعل الأظهر أنه يراد أوصيكم أيها الأمة
ويراد إبلاغ الأمة من بعد القرون الثلاثة أن يرعوا أهل عصره وتابعبهم ،
وتابعى تابعيهم، وأن يعرفوا لهم حق الصحبة والعلم والابلاغ ، أو يراد الوصية
فى شىء خاص ، وهو تصديقهم فيما يبلغونه عنه صلى الله عليه وسلم من الكتاب
والسنة كما يرشد إليه قوله (( ثم يفشو الكذب)» والمعنى أن الصدق فيهم هو
الأصل وإن وقع الكذب فهو نادر، وفى لفظ ((يفشو)) دلالة عليه، فيكون
على تقدير هذه المعانى غير دال على أن المدعى من عدالة كل صحابى على رسم
الجماهير لها، وإنما يكون دليلا على أن الأصل فيما يروونه الصدق خصيصة لهم من
الله تعالى، فتحملوا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلاشك
أنه وقع فى آخر القرن الأول وما بعده من القرون أمراء جورة وفقهاء خونة،
وسفكت لدماء بغير حقها ، ونشأ من الابتداع ما يصك الأسماع ، وهل بدعة
الخوارج ونحوه إلا فى أثناء القرن الأول، فتألى
(ومن ذلك ) أى من الأدلة على عدالة مجهول الصحابة (ماروى عن ابن عباس
قال: جاء اءٍ ابى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى رأيت الهلال ، يعنى
رمضان ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال :
يابلال، أذن فى الساس أن يصوموا غداً، رواه أهل السنن الأربع وابن حبان صاحب
الصحيح والحاكم أبو عبد لله) فى المستدرك (وقال: هو حديث صحيح، واحتج
به أبو الحسين المعتزلى فى المعتمد، وذكره الحاكم أبو سعيد فى شرح العيون، واحتج
به الفقيه عبد الله بن زيد العنسى الزيدى فى كتاب الدرر) ووجه الدلالة واضح
فانه رجل مجهول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا سأله عن الشهادتين ، ولم
يسأله عن غيرهما ، فدل على أن مجاهيل ذلك العصر من المسلمين يقبلون وإقراره
٠

-٤٦٨ -
١٠
بكلمة الشهادة لم تخرجه عن الجهالة ( ويشهد له مارواه ابن كثير أيضاً فى إرشاده
عن أبى عميرعن أنس عن عمومته من الأنصار أن الناس اختلفوا فى آخر يوم من
رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهلاً الهلال أمس
عشبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم، ورواه
بنحوه أحمد وابن ماجه، ورواه أحمد أيضً وأبوداود بهذا اللفظ المتقدم وهو لفظ
أبى داود من طريق أخرى عن ربى) بالموحدة ساكنة فعين مهملة (ابن حرش)
بكسر الحاء المهملة فراء آخره شين معجمة (عن رجل من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم) ووجه الدلالة ظاهر فى قبوله صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الأعرابيين
إلا أنه قد يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف عد التهما، وكأنه لهذا جعله
شاهداً ولم يجعله دليلا مستقلا
(ومن ذلك) أى من أدلة قبول مجهول الصحابة ( حديث عقبة بن الحرث
المتفق على صحته) بين الشيخين ( وفيه أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب، فجاءت
أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما) قال: (فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فأعرض عنى ، قالت : فتنحيت، فذكرت ذلك له فقال: كيف زعمت أن تهـ
أرضعتكما؟ هذا لفظ البخارى ومسلم، وفيه اعتبار خبر هذه الأمة السوداء
والتفريق بين زوجين مسلمين بكلامها، ولم يأمره بطلاق ، ولا أخبره أن الطلاق
يستحب مع جواز تركه) بل ظاهره أنه أمر بفسخ النكاح بخبر المرأة (وفى رواية
الترمذى) لحديث عقبة بن الحارث ( أنه زعم أنها كاذبة وأن النبى صلى الله عليه
وسلم نهاه عنها) أى عن المرأة التى تزوجها ( وهو حديث حسن صحيح، ولل
ابن عباس: تقبل المرأة الواحدة فى مثل ذلك) أى فى إخبارها بارضاعها (مع
يمينها، وبه قال أحمد وإسحاق) ولما كانت اليمين لا دليل عليها فى الحديث لل
المصنف (قلت: وإنما اعتبروا اليمين من أجل حق المخلوقين) ويأتى على هذا (وكنا
من خالف من العلماء فى هذه المسألة) وقال: لا تقبل المرضعة ( إنما خالف من أجلى
:

بـ
- ٤٦٩ -
تعلقها بحقوق المخلوقين ) فان القواعد الشرعية قاضية بأنها لا تقبل دعوى على أحد
إلا بما أشار إليه قوله ( وكون عموم وجوب الاشهاد على كل دعوى واليمين على كل
منكر كالمعارضين لهذه الواقعة ) فألحقوا بهذا الفرد العام ، وقد حقق البحث فى كتب
الأحكام ( وأما حقوق الله خبر الواحد مقبول فيه ذكرا كان) الواحد ( أو أنثى
وفاقا ، والله أعلم، فهذا) فى الأدلة (من الأثر) زاد المصنف فى العواصم مالفظه
((الرابع وهو أثر صحيح ثابت فى جميع دواوين الاسلام، بل متواتر النقل معلوم
بالضرورة، وهو عندى حجة قوية صالحة للاعتماد عليها ، وذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم أرسل عليا ومعاذاً رضى الله عنهما إلى اليمن قاضيين ومفتيين
ومعلمين، ولا شك أن القضاء مرتب على الشهادة والشهادة مبنية على العدالة وهما
لا يعرفان أهل اليمن ولا يخبران عدالتهما وهم بغير شك لا يجدون شهوداً على ما تجرى
بينهم من الخصومات إلا منهم ، فلولا أن الظاهر العدالة فى أهل الاسلام فى ذلك
الزمان لما كان إلى حكمهما بين أهل اليمن سبيل)) اهـ
( ومن النظر) عطف على قوله ((من الأثر)) أى والأدلة على ماذكر من
النظر ( ما ذكره الشيخ أبو الحسين فى المعتمد ، فانه قال مالفظه: واعلم أنه إذا
ثبت اعتبار العدالة وجب إِن كان لها ظاهر أن تعتمد عليه، وإلا لزم اختبارها،
وإلا فلا شبهة فى أن بعض الأزمان كزمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كانت
العدالة منوطة بالاسلام ، وكان الظاهر من المسلم كونه عدلا، ولهذا اقتصر صلى الله
عليه وسلم على قبول خبر الأعرابى عن رؤية الهلال على ظاهر إسلامه ، واقنصر
الصحابة على إسلام من كان يروى الأخبار من الأعراب) قلت: لا يخفى أن هذا
الدليل من باب الأثر لا من باب النظر، وكأن المصنف يريد أن التفصيل الآتى
من باب النظر، وهو الذى أفاده قوله ( فأما الأزمان التى كثرت فيها الخيانات
من يعتقد الاسلام فليس الظاهر من إسلام الانسان كونه عدلا، فلا بدمن اختباره
وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل، انتهى كلام الشيخ أبى الحسين ، وقد استوفيت

- ٤٧٠ -
الكلام فى هذه المسألة فى غير هذا الموضع) قد قدمنا قريبا أن المصنف ساق فى
العواصم زيادة على ثلاثين حجة فى ذلك ، ثم قال : منها أن من النظر أن صدقهم
مظنون، وفى مخالفته مضرة مظنونة ، والعمل بالظن من غير خوف مضرة حسن،
عقلا، ومع خوف المضرة المظنونة واجب عقلا، وإنما خصصناهم بذلك ما علمنا
من صدقهم وأمانتهم فى غالب الأحوال ، والنادرغير معتبر ، وقد يجوز أن يكذب
الثقة، ولكن ذلك تجويز مرجوح نادر الوقوع، فلم يعتبروا الذى يدل على صدق
ماذكرنا أن أخسّ طبقات أهل الاسلام من يتجاسر على الأقدام على الفواحش من
الزنا وغيره من الكبائر، لاسيما فاحشة الزنا، وقد علمنا أن جماعة من أهل الاسلام
فى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقعوا فى ذلك من رجال ونساء ، فهم
فيما ظهر لنا أقل الصحابة ديانة وأقلهم أمانة، ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لايكاد
يفعله أورع المتأخرين، ومن تحق له منصب الأمانة فى زمرة الأولياء والمنقين من
بذلهم الروح فى مرضاة الله والمسارعة بغير إ كراه إلى حكم الله أو إلى حكم
الشرع كمثل المرأة التى زنت فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقر
بذنيها وتسأله أن يقيم عليها الحد ، فجعل عليه السلام يستثبت فى ذلك فقالت:
يا رسول الله، إلى ◌ُحُبلى، فأمرها أن فهل حتى تضع، فلما وضعت جاءت بالولد
فقالت: يارسول الله، هذا قدولدته، فقال لها : أرضعيه حتى يتم رضاعته ، فأرضعته
حتى أتمت مدة الرضاع، ثم جاءت به فى يده كسرة من خبز، فقالت: يا رسول الله
هذا هو يأكل الخبز، فرجمت ، فانظر إلى عزمها المدة الطويلة على الموت فى
مرضاة الله تعالى، وكذلك الرجل الذى سرق فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه
أن يقيم عليه الحد ، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بقطع يده، فلما قطعوها قال
السارق : الحمد لله الذى أبعدك عنى أردت أن تدخلينى النار، ومثل ما روى عن
الذى وقع بامرأته فى رمضان ، وحديث الذى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال.

- ٤٧١ -
يارسول الله، إنى أتقنى امرأة فل أترك شيئاً مما يفعله الرجال بالنساء إلا فعلته إلا
أتى لم أجامعها ، وغير ذلك انتهى.
(وإلى هنا انتهى ما أردت جمعه من علوم الحديث مما يتعلق بأصول الفقه أو)
يتعلق ( بتفسير اصطلاحهم فى وصف الحديث ببعض الأوصاف .ب) بيانية
الأوصاف ( الصحة والحسن والغرابة والشهرة وأمثال ذلك ) من بيان المرسل
والعلة والشذوذ وما تقدم وهو كثير (وفى علوم الحديث فوائد غزيرة) من الغزارة
بالمعجمة، وهى الكثرة (وعلوم عزيزة) بالمهملة وتكرير الزاى من العزة، وهى القلة
هنا : أى يقل وجودها فى غير علوم الحديث (أو دعوها تضاعيف كلامهم فى
هذا الفن فيما تقدم من أنواعه ما اختصرت منه. وفيما بقى مالم أختصر منه) أى
لم يتعرض لذكره ( فقد بقى من أنواعه كثير) بينها بقوله ( مثل الكلام على
معرفة التابعين) جمع تابعى، واختلفوا فى رَسمه فقال الحاكم وغيره: التابعى مَنْ لقى
واحدا من الصحابة فأكثر (وطبقاتم(١)) قال الحاكم فى علوم الحديث: هم خمس
(١) اعلم أن معرفة الصحابة -- وهو الذى سبق فى الفصل قبل هذا -
ومعرفة التابعين سبب فى معرفة الحديث المتصل والحديث المرسل ، فان
الحديث إن ذكر فيه الصحابى كان متصلا، وإن ترك فيه ذكر الصحابى
وذكر فيه التابعي كان مرسلا، وقد سبق بيان ذلك فى أنواعه فارجع إليها
بی شئت .
وقد اختلف العلماء فى بيان طبقات التابعين : فعدهم مسلم رضى الله عنه
ثلاث طبقات، وعدهم ابن سعد أربع طبقات، وعدهم الحاكم أبو عبد الله
خمس عشرة طبقة، وهو الذى أشار إليه الشارح هنا نقلاعن الحاكم، فالطبقة
الأولى: الذين ثبت لقيهم للصحابة العشرة المبشرين بالجنة الذين سبق ذكرهم
ومن لقيهم قيس بن أبى حازم ، وقد اختلف العلماء فى أنه : هل فى التابعين من
لقى العشرة سواه? قال ابن الصلاح: ((قيس سمع العشرة وروى عنهم ، وليس
فى التابعين أحد روى عنهم سواه)) اهـ، وعلى هذا اعتراضان ، فان سماع
:

- ٤٧٢ -
قيس هذا من عبد الرحمن بن عوف محل خلاف ، وتفاه أبو داود السجستانى .
وقد عد الحاكم أبو عبد اله جماعة ذكر أنهم سمعوا من العشرة سوى قيس منهم .
أبو عثمان النهدى وقيس بن عباد وأبو ساسان حصين بن المنذر وأبو وائل
وأبو رجاء العطاردى وسعيد بن المسيب، لكن قال ابن الصلاح: ((وعليه
فى بعض هؤلاء إنكار فان سعيد بن المسيب ولد فى خلافة عمر رضى الله عنه
ولم يسمع من أكثر العشرة»
ويذكر العلماء فى هذا الموضع مسائل منثورة تتعلق بالتابعين نرى أن
نوفى البحث بالتعرض لها مع الايجاز والاختصار ، فنقول :
آخر طبقات التابعين هم الذين لاقوا أنس بن مالك من أهل البصرة ،
والذين لاقوا السائب من أهل المدينة، والذين لاقوا أبا أمامة صدى بن عجلان
الباهلى من أهل الشام، والذين لاقوا عبد الله بن أبى أوفى من أهل الكوفة
والذين لاقوا عبد الله بن الحرث بن جزء من أهل الحجاز ، والذين لاقوا
أبا الطفيل من أهل مكة ، وهلم جرا
وخير التابعين أو يس بن عامر القرنى، لحديث رواه مسلم عن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن
خير التابعين رجل يقال له أويس ـ الحديث)) وقال أحمد بن حنبل رضى الله
عنه : أفضل التابعين سعيد بن المسيب، وليس هذا خلافا فى الحقيقة، وإنما
هو تفصيل لحالهم كما قال البلقينى رحمه الله: ((الأفضل من حيث الزهد والورع
أويس، ومن حيث حفظ الخبر والأثر سعيد)) اهـ، ومن أماثل التابعين
وأفاضلهم الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وقد كان العمل فى عصر التابعين
على أقوالهم، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق
وعروة بن الزبير ، وخارجة بن زيد، وأبو أبوب سليمان بن يسار الهلالى ،
وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، ثم من العلماء قوم يعدون السابع سالم بن عبد الله
ابن عمر بن الخطاب، ومنهم قوم يعدونه أباسلمة بن عبدالرحمن بن عوف .
ومن التابعين قوم أدركوا زمن الجاهلية وزمن النبى صلى الله عليه وسلم
وأسلموا، ولم يروا النبى، ويسمون المخضرمين، سمى أحدهم مخضرما لأنه

- ٤٧٣ -
عشرة طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك من أهل البصرة ومن لقى عبد الله بن
أبى أوفى من أهل الكوفة ومن لقى السائب بن يزيد من أهل المدينة ، وقيل فى عدّ
طبقاتهم غير هذا ، مما هو مبسوط فى مظنته (ومعرفة رواية الأكابر عن الأصاغر(١)
متردد بين طبقتين لايدرى من أيتهما هو، وأصله مأخوذ من قولهم (( لحم
مخضرم)) لا يدرى أمن ذكر هو أم من أنى، وقولهم ((طعام مخضرم)) ليس
بحلو ولامر، وقد ذكر مسلم فى المخضرمين بشير بن عمرو
ويلى المخضر مين كل من ولد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يعده
العلماء فى جملة من روى عنه لكونه لم يسمع منه ، مثل عبد الله بن أبي طلحة
وأبى أمامة سعد بن سهل بن حنيف وأبى إدريس الخولانى . وقد جعل
ابن الصلاح هؤلاء وأمثالهم فى طبقة بعد الطبقة الأولى من التابعين على الاطلاق
واعترضه البلقيني بأنه غير مستقيم فى المعنى ولا في النقل
ومن العلماء الذين صنفوا فى الطبقات جماعة عدوا فى التابعين جماعة
معروفين بالصحبة لغلط أو لسبب دعا إلى ذلك ككونه من صغار الصحابة
يقارب التابعين فى كون روايته كلها أو غالبها عن الصحابة، وممن أخطأ الحاكم
أبو عبدالله حيث عد فى الاخوة من التابعين النعمان بن مقرن المزنى وأخاه
سويد بن مقرن مع أنهما صحابيان معروفان مذكوران فى جملة الأصحاب ،
وقد عد مسلم رضى الله عنه فى جملة التابعين يوسف بن عبدالله بن سلام ومحمد
بن لبيد، وهما صحابيان صغيران على النحو الذى قررناه ، ومن العلماء من
عد بعض التابعين فى جملة الصحابة خطأ، وأكثر من وقع فى ذلك إنما وقع فيه
بسبب إرسال النابعى حديثه وقد عد محمد بن الربيع الجيزى عبد الرحمن
بن غنم الأشعرى فيمن دخل مصر من الصحابة وليس منهم على الأصح .
وكذلك قد يخطيء بعض العلماء فيعدون فى تابع التابعين جماعة من التابعين
الكون الغالب عليه أن يروى عن الأتباع لا عن الصحابة
وأول من مات من التابعين أبوزيد معمر بن زيد ، وقد مات بخراسان-
وقيل : بأذر بيجان - سنة ثلاثين. وآخر التابعين موتا خلف بن خليفة وقد
مات سنة (١٨٠ هـ) ثمانين ومائة من الهجرة
(١) زبما روى الكبير فى السن أو فى المقدار أو فيهما جميعاً عن الأصغر

- ٤٧٤ -
والأصل فيه رواية النبى صلى الله عليه وسلم عن ميم الدارى لخبر الجساسة وهو فى صحيح
مسلم، وقسموها إلى ثلاثة أقسام: الأول : أن يكون الراوى أكبر قدراً من المروى
عنه لعلمه وحفظه، والثانى أن يكون أكبر سناً، والثالث: أن يجتمعامعا، وذكروا
منه فى ذلك ، مثل رواية الزهرى عن مالك ومثل رواية مالك عن عمرو بن
دينار، ورواية أحمد وابن راهويه عن عبدالله بن موسى العبسى، ومثل
رواية الحافظ أبى بكر البرقانى عن الخطيب البغدادى، والأصل فى ذلك كله
رواية النبى صلى الله عليه وسلم عن تميم الدارى حديث الجساسة، وهو حديث
طويل فى صحيح مسلم ، وينبغى للمحدث أن يعلم ذلك ويبحثه، ويعرف
ماوقع منه، فان له فوائد مهمة : منها ألا يظن أنه قد وقع القلب فى الاسناد،
ومنها ألا يدخل فى وهمه أن المروى عنه أفضل وأكبر من الراوى، لأن
ذلك هو الأعم الأغلب وقد روى جماعة من الصحابة رضى الله عنهم عن
التابعين: من ذلك رواية عبدالله بن العباس وسائر العبادلة وأبى هريرة عن
كعب الأحبار ، وقد روى جماعة من التابعين عن تابع التابعين : من ذلك
رواية عد بن مسلم بن شهاب الزهرى عن الامام مالك ، ومن ذلك أيضاً رواية
يحيى بن سعيد الأنصارى عن الإمام مالك أيضاً
ومما هو داخل فى رواية الأكابر عن الأصاغر رواية الصحابة عن التابعين
وكثير من أهل الحديث يجعلونه نوعا مستقلا ويفردونه ببحث لأمرين:
الأول أنه طريف قد يتوهم عدم وجوده، الثانى: للرد على من زعم من العلماء
أنه لا وجود له، وذهب إلى تعليل ذلك بأن الصحابة إنما رووا عن التابعين
الاسرائيليات ولا يعقل رجوعها إلى الصحابة، والأصل وتعليله خطأ ، فان
ذلك موجود حتى فى الصحيحين كما سنبينه ، وقد جمع فيه الحافظ الخطيب
وجمع الحافظ العراقى من هذا النوع نحو عشرين حديثا، ومن هذه الأحاديث
حديث السائب ابن يزيد الصحابى عن عبد الرحمن بن عبدالقارى التابعى عن
عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نام
عن حزبه أو عن شىء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له
كأنما قرأه من الليل» وهو من أحاديث مسلم

- ٤٧٥ -
أمثلة ذلك (و) رواية (الأقران بعضهم عن بعض (٢١) والقرينان عندهم: من استويا
(١) نذكر لك هنا ثلاثة أمور الأول: حدرواية الأقران، وقد اختلفت
عبارة العلماء فيه: قال الحافظ ابن حجر ((فان تشارك الراوى والمروى عنه.
فى أمر من الأمور المتعلقة بالرواية مثل المن واللقي والأخذ عن المشايخ فهو
النوع الذى يقال له رواية الأقران، لأنه حينئذ يكون راويا عن قريبه)) اهـ
وقال ابن الصلاح: ((وربما اكتفى الحافظ أبو عبد الله فيه بالتقارب فى الاسناد
وإن لم يوجد التقارب فى السن)) اه، المبحث الثانى: هذا النوع موجود كثير
الوقوع، وقد ألف فيه الحافظ أبو الشيخ ابن حبان الأصفهانى. المبحث
الثالث : ينبغى أن العقنى بمعرفة هذا النوع فان لمعرفته فائدة عظيمة: منها
ألا يتوهم الناظر فى الحديث الذى من هذا النوع أن ذكر أحد المتقارنين قد
وقع فى السند خطأ من أحد الرواة، ومنها ألا يفهم أن ((عن))التى تذكر أحيانا
بين الراوى والمروى عنه قد ذكرت خطأ وأن صوابها واو العطف التى تدل
على أنهما اشتركا فى كون كل منهما قد حدث من ذكر فى الاسناد قبلهما
وقد وقع فى إسناد بعض الأحاديث ذكر أربعة من الصحابة يروى بعضهم
عن بعض: من ذلك حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن
عبد العزى عن عبد الله بن السعدى عن عمر بن الخطاب مرفوعا: ((ماجاءك
الله به من هذا المال من غير إشراف ولاسؤال فخذه، وما لافلا تتبعه نفسك))
ووقع فى إسناد بعض الأحاديث ذكر خمسة من الصحابة يروى بعضهم عن
بعض، مثل حديث ابن عيينة عن الزهرى عن ابن المسيب عن عبد الله بن عمرو
عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب عن أبى بكر الصديق عن بلال رضى الله
عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الموت كفارة لكل مسلم))
ولم يقع فى إسناد حديث ماذكرا كثر من هذا العدد من الصحابة يروى بعضهم
عن بعض .
ومن رواية الأقران التدبيج ، ونرى أن نذكر لك تعريفه وأقسامه،
فأما تعريفه فهو (( أن يكون كل واحد من القرينين قد روى عن الآخرحديثا.
والنسبة بينه وبين الأقران العموم والخصوص المطلق ، فكل تدبيج أقران ،
وليس كل أقران تدبيجا ، وله أمثلة كثيرة. فأمثلته فى الصحابة أمير المؤمنين

-- ٧٦ ٤ --
فى الاسناد والسن غالباً، والمراد به المقارنة، قال الحاكم: إنما القرينان إذا تقارنت
سنهما وإسنادهما، وقد يكتفون بالاسناد دون السن، وقسموه إلى قسمين : أحدهما
ما يسمونه المديج - بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة آخره جيم -
وذلك أن يروى كل من الفريقين عن الآخر، وألف فيه الدار قطنى كتاباً حافلاومثاله
رواية عائشة عن أبى هريرة وروايته عنها ، والثانى: ماليس بمديج، وهو أن يروى
أحد القرينين عن الآخر ولا يروى الآخر عنه فيما يعلم (و) رواية (الأخوة
والأخوات بعضهم (١) عن بعض) قال زين الدين: قد أفرد أهل الحديث هذا النوع
عمربن الخطاب وخليفة رسول الله أبو بكر: كل منهما قد روى عن الآخر،
وأبو هريرة وعائشة : كل منهما روى عن الآخر ، ومن أمثلته فى التابعين
عطاء والزهرى، وعمر بن عبدالعزيز والزهرى ، ومن أمثلته فى أتباع التابعين
مالك والأوزاعى، وأحمد بن حنبل وعلى بن المدينى.
وأما أقسام التدبيج فاعلم أن المتقارنين قد يكون الراوى عنهما واحدا
وشیخهما واحدا ،وقديكون الراوىعنهما واحداو شيخهما مختلفا، وقديكون
شيخهما واحدا والراوى عنهما مختلفا وقد ألف الحافظ الدار قطنى فى المدخ كتابا
حافلا وهو أول من معاه به، ولكن لم يقيده بكون الراويين قرينين ، بل
كل راويين روى كل واحد منهما عن الآخر فهو تدبيح عنده ، وجعل من
التدبيح رواية النبى صلى الله عليه وسلم عن عمر وأبى بكر وروايتهما عنه.
ومن هذا النوع من التدبيح نوع ينقلب تدبيجه مع كونه مستوياً فى جميع
الأمور المتعلقة بالرواية، والغرض بالتنصيص على استوائه فى جميع الأمور
المذكورة أن نفرق بينَه وبين المقلوب الذى سبق بيانه فى أنواع الحديث
الضعيف، وهذا النوع عجيب طريف ، ومثاله رواية مالك بن أنس عن سفيان
الثورى عن عبد الملك بن جريج ، وراية عبد الملك بن جريج عن سفيان
الثورى عن مالك بن أنس .
(١) قد صنف جماعة من العلماء فى بيان الأخوة الذين أبوهم واحد من
رواة الحديث، وقد سبق فى حلبة التصنيف فى ذلك أبو الحسن على بن المدينى

- ٤٧٧ -
بالتصنيف ، وهو معرفة الأخوة من العلماء والرواة، وصنف فيه على بن المديني وغيره
وعدِهم ثلاثة فأربعة فخمسة فستة فسبعة ، ولم نطول بما زاد على السبعة لندرته وفمدم
الحاجة إليه فى غرضنا ههنا، ومثال الأخوين كثير فى الصحابة وغيرهم كعبدالله
بن مسعود وعتبة بن مسعود وكلاهما صحابيان، ومما يستغرب من الأخوين أن
موسى بن عبيدة الزيدى بينه وبين أخيه عبد الله بن عبيدة ثمانون سنة فى العمر
(ورواية الآباء عن الأبناء وعكسه(١)) صنف فيه الخطيب كتاباً حافلاوذكر رواية
العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل، وفيه أمثلة كثيرة، وصنف الوائلى كتاباً فى
رواية الآباء عن الأبناء وذكر فيه نفائس، وأحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه
أحد شيوخ البخارى، وصنف من بعده أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى
وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى، وأبوداود، وأبو العباس السراج
وفائدة هذه التصانيف أن يعلم الواقف عليها الأخوة من الرواة وغير الأخوة
فلا يظن فى راويين اشتر كا فى اسم أبيهما أنهما أخوان وليا كذلك، وقد
أوصى لذلك العلماء بالعناية بهذا النوع. ومثال الأخوين من الصحابة
عمر ابن الخطاب وأخوه زيد بن الخطاب ، ومن التابعين أرقم بن شرحبيل
وأخوه هذيل ، ومثال الأخوة الثلاثة من الصحابة على بن أبى طالب وأخواه
جعفر وعقيل هو من التابعين سعد بن عثمان وأخواه أبان وعمر، ومن الطيف
هذا الفن أربع إخوة رووا فى سند واحد ، وهم محمد بن سيرين عن أخيه
يحيى عن أخيه سعيد عن أخيه أنس عن أنس بن مالك . ومن هذا النوع
سبعة إخوة من الصحابة الذين شهدوا بدرا ، وهم : معاذ بن عفراء وإخوته
معوذ وخالد وعاقل وأنس وعامر وعوف ، ومنه تسعة إخوة من الصحابة
الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، وهم : بشر بن حارث بن قيس السهمى
وإخوته تميم والحارث والحجاج والسائب وسعيد وعبد الله ومعمر وأبو قيس
رضى الله عنهم أجمعين .
:
(١) قد صنف الخطيب أبو بكر البغدادى كتابا مفردا ذكر فيه الآباء

- ٤٧٨ -
٠٠
.
٠.٠
٠٠٠
٠٠٠
الذين يروون عن أبنائهم: مثل رواية العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل
((أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين بالمزدلفة)) ومثل رواية وائل بن
داود عن ابنه بكر بن وائل عن ابن المسيب عن أبى هريرة أنه صلى الله عليه
وسلم قال: ((أخروا الأحمال فان اليد معلقة والرجل موثقة))
وألف أبو نصر الوائلي كتابا فى رواية الأبناء عن الآباء، وهو على نوعين
الأول : رواية الرجل عن أبيه فحسب ،، ذلك كثير : مثل رواية أبى العشراء
الدارمى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم، والنوع الثانى: يزيد عن أبيه
عن جده، مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ورواية بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده، وهذا النوع بختص باسم المعالى.
وأهم النوع الثانى من رواية الأبناء عن الآباء أن يقال ((فلان عن أبيه عن
جده, ولا يذكر اسم الجد فيحتاج الناظر إلى معرفة الضمير فى ((جده)) أيرجع
إلى الراوى الأول فيكون كل ابن روى عن أبيه أم يرجع إلى الثانى الذى هو
الأب فيكون الأول قد روى عن أبيه ويكون الثانى قد روى عن جده
لاعن أبيه، وقد ألف الحافظ صلاح الدين العلائى كتابا فى هذه العبارات
سماه ((الوشى المعلم)» وبین فیه ذلك وحققه، وخرج من كل ترجمةحديثا
ثم اعلم أن سلسلة الأبناء عن الآباء وبما زاد عن الأب والجد وأبى
الجد ، وقد تبلغ تسعة آباء كرواية الخطيب عن أبي الفرج عبد الوهاب
بن عبد العزيز بن الحارث بن أسدين الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان
بن يزيد بن أ كينة كل واحد منهم عن أبيه إلى أ كينة، قال : سمعت على بن
أبى طالب -- الحديث. وقد تزيد على ذلك، وأكبر ما انتهت إليه مثل هذه
الترجمة أربعة عشر أبا فى سند مجبل بعضه لأربعين حديثا مرفوعاً . قال الحافظ
العراقي: وأكثر ما وقع لنا التسلسل بأربعة عشر أبا من رواية أبى محمد
الحسن بن على بن الحسن بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن على بن الحسن
بن الحسين بن جعفر بن عبيد الله بن الحسن الأصغر بن على زين العابدين بن
الحسين بن على عن آبائه نوعامرفوعا بأربعين حديثا منها(( المحالس بالأمانة))
وفى الآباء من لا يعرف حاله .

- ٤٧٩ -
واعلم أن العلماء يختلفون فى الحديث عن عمرو بن شعيب بن محمد بن
عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده ، هل يحتح به أولا ؛ فذهبت
طائفة منهم الامام أحمد وابن المدينى وإسحاق والحميدى ويحيى بن معين
وأبو خيثمة إلى أنه يحتج به إذا صح السند ليه ، وذهبت طائفة إلى أنه
لا يحتج به، وسنذكر قولا ثالثا، وسبب هذا الخلاف اختلافهم فى مرجع
الضمير فى ((جده)) أهو عائد إلى عمرو نفسه نجده حينئذ محمد بن عبد الله
وهو تابعى فالحديث مرسل، أم الضمير عائد على ((شعيب)) فجده عبد الله
ابن عمرو وهو صحابي جليل فالحديث متصل مرفوع، ومن الناس من زعم
أنه على فرض عود الضمير على شعيب لا يحتج بالحديث لكون شعيب لم
يلق جده عبد الله وهو غير صحيح، فقد نصوا على ثبوت سماع شعيب من عبد
اللّه، وإذا عرفت هذا كله علمت أن من احتج بهذه الترجمة أعاد الضمير إلى
شعيب وأثبت لقاءه إياه ، ومن أبى الاحتجاج بها أعاد الضمير على عمرو ،
ومن أجل أن منشأ الخلاف ما ذكرنا ذهب الدار قطنى إلى أنه لو أفصح باسم
جده وأنه عبد الله احتج بحديثه، وإن لم يفصح باسمه لم يحتج به، وذلك
للاحتياط، ومثل إفصاحه باسم جده أن يذكر سماعه عن النبى صلى الله عليه
وسلم كأن يقال ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سمع النبى صلى الله
عليه وسلم)) وذهب ابن حبان إلى أنه إن استوعب ذكر آبائه وأجداده كلهم
وأفصح بأسماهم كأن يقال ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه محمد بن عبد الله بن
عمر وعن أبيه)) فهو حجة، وإن لم يستوعبهم أو لم يفصح بأسمائهم خليس بحجة
واختلف العلماء أيضا فى نسخة يهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيرى
عن أبيه عن جده : فذهب ابن معين إلى تصحيحها ، وقد استشهد به البخارى
وقال الحاكم: إنها شاذة لا متابع له فيها، ولذا أسقطت من الصحيح ، وعلى
القول بأن نسخة بهز بن حكيم صحيحة هي أرجح أم نسخة عمروبن شعيب؟
ذهب بعض العلماء إلى أن نسخة بهز أرجح من نسخة عمرو، ولا دليل له
إلا استشهاد البخارى بنسخة بهز، وذهب قوم منهم الحافظ أبو حاتم إلى ترجيح
-

- ٤٨٠ -
عن جده وما يشابهه (ورواية السابق واللاحق عن الأئمة والحفاظ (١)) قال
زين الدين: ألف الخطيب كتابا سماه السابق واللاحق، وموضوعه أن يشترك
راويان فى الرواية عن شخص واحد، وأحد الراويين متقدم والآخر متأخر، بحيث
. نسخة عمرو، لأن البخارى قد صحح نسخة عمرو وتصحيحه إياها أقوى
من استشهاده بنسخة بهز. قال أبو حاتم: ((عمرو عن أبيه عن جده أحب إلى
من بهز عن أبيه عن جده )) وقال إسحاق بن راهويه : عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده مثل أيوب عن نافع عن ابن عمر)) اهـ، قال النووى: ((هذا
التشبيه نهاية الجلالة، من مثل إسحاق ؟)) اهـ
ومما يعد فى رواية الأبناء عن الآباء من تروى من النساء عن أمها عن
جدتها، وهذا عزیز جدا، ومثاله حديث رواه أبوداود فى سننهعن بندارثنا
عبد الحميد بن عبد الواحد قال : حدثتنى أم جنوب بنت نميلة عن أمها
سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة بنت أسمر بن مضرس عن أسمر بن مضرس
قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فبايعته فقال: (( من سبق إلى مالم يسبق
إليه مسلم فهو له )) يريد فى الحديث إحياء الموات.
(١) أشار المؤلف إلى المباحث المتعلقة بالسابق واللاحق، والبحث في هذا
النوع من عدة أوجه: الوجه الأول فى بيان معناه، وهو ((أن يشترك فى
الرواية عن أحد الرواة اثنان وتتقدم وفاة أحدهما وتتأخر وفاة الثانى تأخراً
شديداً حتى يكون بينهما أمد طويل، ومثاله الامام مالك رضى الله عنه ،
روى عنه محمد بن شهاب الزهرى وأحمد بن إسماعيل السهمى ، وقد توفى
الزهرى فى سجنة ١٢٤ أربع وعشرين ومائة وتوفى السهمى فى سنة ٢٥٩ تسع
وخمسين ومالتين، فبين وفاتهما مائة سنة وخمس وثلاثون سنة . والوجه الثانى
فائدة هذا النوع أن يأمن المحدث بمعرفته من ظن سقوط شىء فى إسناد
متأخر الوفاة ، وأيضا أنه ينشأ عنه تحسين هو على السند، وذلك مما يختاره
المحدثون على ما تقدم بيانه، ومن أمثلة هذا النوع أن الحافظ السلفى روى
عنه شيخه أبو عنى البردانى حديثاً ومات على رأس الخمسمائة ، ثم كان آخر
أصحاب السلفى بالسماع سبطه أبالقاسم عبدالرحمن بن مكى وكانت وفاته سنة