النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١ -
a
٠
٠
٠
أو لا يجوز؟ وهل يجوز عكس ذلك أو لا يجوز ? الصحيح الذى ذهب إليه
حماد بن سلمة والخطيب وصوبه النووى والعراقى أن ذلك جائر ، ونقل ابن
الصلاح عن الامام أحمد بن حنبل عدم تجويزه، وذهب البدر ابن جماعة إلى
أنه يجوز إبدال لفظ ((النبى)) بلفظ ((الرسول)) ولا يجوز عكسه، من
قبل أن فى ((الرسول)) معنى زائدا على مافى لفظ ((النبى))
ونذكر لك ههنا مسألتين : أما المسألة الأولى خاصلها أن الراوى الذى
تحمل الحديث ببعض الضعف كمن يسمع فى حال المذاكرة ؛ لأن الغالب عليهم
التساهل فيها، أو كمن يسمع من غير أصل أو يسمع وقت القراءة أو وقت
النسخ أو يسمع وقت قراءة من يلحن أو نحو ذلك ؛ يجب عليه فى عام هذه
الأحوال وما أشبهها أن يبين عند روايته الحالة التى كان عليها فى تحمله ؛ كأن
يقول ((حدثنا فلان مذاكرة)) وقد كان كثير من العلماء المتقدمين يصنعذلك،
كما كان كثير منهم يمنع تلاميذه من الرواية عنه فى حال المذاكرة کابرمهدی
وأبى زرعة وابن المبارك ... المسألة الثانية: إذا كان الحديث مرويا عن ثقتين
أو كان مرويا عن ثقة وضعيف كالحديث الذى يروى عن ثابت البنانى وأمان
ابن عياش عن أنس، فهل يجوز لمن تحمله أن يرويه باسقاط أحدهما أو لا يجوز
له ذلك؟ الذى ذهب إليه كافة المحدثين جوازه، وإن كان الأولى عقدھم
ذكرهما جميعا، من قبل أنه يجوز أن يكون فى الحديث لفظ رواه أحدهما ولم
يروه الآخر ، وقد حمل الشيخ لفظ أحدهما على الآخر، قال الخطيب: هو كان
مسلم بن الحجاج فى مثل هذا ربما أسقط المجروح من الاسناد ويذكر الثقة
فيقول ( ثنا فلان وآخر) كناية عن المجروح)) اهـ ببعض تغيير
وإذا روی الراوی بعض الحديث عن رجل من شيوخه ورری بعضه
الآخر عن شيخ آخر بأى طريق من طرق الرواية ثم أراد رواية ذلك كله فان
ذكر الشيخين جميعا وبين قول كل واحد منهما متميزا عن قول الآخرغذلك
أفضل ما يصنع، وإن ذكر الشيخين وذكر كلاميهما ولم يبين أن بعضه عن
أحدهما وبعضه الآخر عن الشيخ الآخرفليس ذلك بجائز أصلا، وإن بين بطريق
الاجمال أن بعض هذين الكلامين عن أحدهما وبعضه عن الآخر من غير أن
1

- ٣٨٢ -
يميز ما قاله كل واحد عما قاله الآخر فذلك جائز ويكون كل جزء من الكلامين
كأنه رواه عن أحدهما منهما، وقد وقع مثل ذلك فى الصحيح من طريق
الزهرى حيث قال ((حدثنى عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة)) قال: ((وكل قد حدثنى طائفة من
حديثها ودخل حديث بعضهم فى بعض)) ولا يجوز فى هذه الحال المراوى أن
يحذف واحدا من الشيخين أو الشيوخ ، سواء أكان المحذوف عدلا أم كان
مجروحا، لأن المذكور لم يحدثه بجميع الكلامين، وإنما حدثه بأحدهم فكيف
يفسبهما له؟ !! ثم على من أراد أن يستدل بمثل هذا الحديث أن ينظر فى حل
هذين الشيخين، فان. جداحدهما مجروحا لم يجزل أن يستدل بشىء من الحديث
لاحتمال كل لفظ من ألفاظه لأن يكون مرويا عن هذا المجروح.والد أعلم
وأما آداب المشتغلين بالحديث فبعضها مطلوب من الشيخ وبعضها مطلوب
من طالب الحديث.
فأما الآداب أتى تطلب من الشيخ فنحدثك حديثها فيما يلى :
ذهب المحدثون إلى أن أشرف العلوم على الاطلاق علم الأثر؛ لأنه صلة بين
المحدث ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه ذريعة لنفى الزغل عما ينسب
إليه، ولأنه محتاج إليه فى كل علوم الشريعة فقهها وكلامها وتفسيرها ؛
لذلك كله كان على المحدث أن يخلص فيه النية لله تعالى، ويطهر قلبه من أعراض
الدنيا وعلائقها، فلا يطلب الأجر عليه لا من الله تعالى، كما أن عليه أن يشتد
حرصه على نشر الحديث وتبليغه عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى
الخلق كافة . وقد اختلف المحدثون فى السن التى يحسن أن يتصدى المحدث
للحديث إذا بلغها : فقيل: إذا كان ابن خمسين سنة ، لأنها انتهاء الكهولة
ومجتمع الأشد، ولا ينكر عليه إذا تصدى له فى الأربعين، لأنها حد الاستواء
ومنتهى الكمال، وذهب طائفة كثيرة إلى أنه لا اعتبار بالسن، بل إذا احتاج
الناس إلى ماعنه المحدث من الحديث حدث به شيخا كان أو حدثا ، وقد
حدث قوم من السلف قبل أن يبلغوا تلك السن كعمر بن عبد العزيز وسعيد
ابن جبير وإبراهيم النخعى ومالك وبندار والشافعى والبخارى وغير هؤلاء،
٠

- ٣٨٣ -
فكان ذلك دليلا على أنه لا يشترط سن معين، وينبغى للمحدث إذا التمس منه
ملتمس أن يحدثه حديثا ما وهو يعلم أن حديثه موجود عند غيره باسنادأعلى
من إسناده أو طريق أرجح من طريقه أن يرشد هذا الملتمس للذى عنده الأرجح
أوالأعلى، سواء أ كان فى بلده أم لم يكن فى بلده، ثم يحث هذا الطالب على طلبه
منه، وذهب تقى الدين أبو الفتح محمد بن على بن دقيق العيد إلى أن الشيخ لا يرشد
إلى شيخ آخر أعلى منه إسناداً إن كان الأعلى عاميا والأنزل عارفا ضابطاً ،
قال: ((فقد يتوقف فى الارشاد إليه ، لأنه قد يكون فى الرواية عنه ما يوجب
خللا )) اهـ
والأرجح عند محققي المحدثين أنه يجوز للمحدث أن يحدث بما عنده مع
وجود من هو أولى منه بالتحديث، بسبب علمه أو سنه أو علو إسناده أو تحو
ذلك، وقد استدلوا لذلك بأن الصحابة - ومنهم الخلفاء الأربعة، وعبدالرحمن
ابن عوف، وأبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت - قد حدثوا والنبى
صلى الله عليه وسلم موجود بين ظهرانيهم من غير نكير، وأن التابعين قد
حدثوا مع وجود الصحابة، وكان ابن الصلاح يذهب إلى أنه لا ينبغى للمحدث
أن يحدث فى حضرة من هو أولى منه بذلك، وقد كان جماعة من المحدثين
برون هذا، حدثوا أن إبراهيم كان إذا اجتمع مع الشعبى فى مجلس لم يتكلم
إبراهيم بشىء، وزاد بعض العلماء فى هذا، فرأى أنه لا ينبغي للمحدث أن
يحدث فى بلد يوجد فيها من هو أولى منه، وحكوا عن يحيى بن معين أنه
قال: (( إن الذى يحدث بالبلدة وفيها من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق))
وأنه قال: ((إذا حدثت فى بلد وفيها مثل أبى مسهر فيجب للحيتى أن تحلق))
وإذا انفرد المحدث فى بلد فلم يكن فيها أهل للتحديث سواه وجب عليه
وجوباعينيا أن يحدث بماعنده ولا يكتبه، فقد روى أبوداود عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار))
قال الحاكم: وهو حديث صحيح على شرط الشيخين، فان تعدد المتأهل للحديث
فى بلد كان التحديث فرض كفاية عليهم جميعا: إذا فعله أحدهم سقط الخرج
عن الباقين ، وإن لم يقم به واحد منهم أنموا جميعا
م

- ٣٨٤ -
ومتى خافٍ المحدث أن يخلط فى حديثه بأن يروى ماليس من روايته
لكبر سن أو ضعف، فانه ينبغى له أن يكف عن التحديث، والمعتبر حصول
الخوف من غير تقيد بسن معين ، وبعض العلماء قد ضبط ذلك بسن الثمانين ،
وهو مبنى على أن من بلغ هذا السن أصابه الضعف وخشى منه التخليط ،
ولكنه غير مطرد فى سائر الناس : فكم رأينا فى هذا السن من هو ثابت العقل
حاضر الذهن جيد القريحة ، وكم رأينا من أناس ضعف تفكيرهم وغابت
عقولهم فى سن مبكرة قبل هذا السن ، وقد كانت هاتان الحالتان موجودتين
فى سائر العصور : كان أنس وسهل بن سعد وعبد الله بن أبى أو فى وغيرهم من
الصحابة يحدثون بعد الثمانين وهم رابطو الجأش ثابتو العقل، وكان شريح
القاضى والشعبى ومجاهد وغيرهم من التابعين كذلك، وكان مالك والليث
وابن عيينة وغيرهم من تابعى التابعين كذلك، بل حدث حكيم بن حزام من
الصحابة وشريك الخمرى من التابعين والحسن بن عرفة وأبو القاسم البغوى
. وأبو الطيب الطبرى بعد أن زادوا على المائة
وينبغى للمحدث أن يحدث من جاء طالبا حديثه من غير أن يبحث عن
صدق نيته وإخلاصه فى طلبه ، فان بركة الحديث ستدفعه يوما إلى الاخلاص
فيه لوجهه تعالى، ولقد روى عن كثير من أكابر العلماء بألفاظ متفاوتة
والمعنى واحد قولهم ((طلبنا العلم لغير الله فأبى علينا العلم أن يكون إلا الله))
ومن هؤلاء الأكابر معمر وحبيب بن أبى ثابت والغزالى رضى الله تعالى
عنهم أجمعين !
ويستحب لقراءة الحديث الغسل والتزين باستعمال الطيب فى بدنه وثوبه
والاستياك والتبخر وتسريح شعر رأسه ولحيته ولبس الثياب البيض والعمامة
ثم يجلس المحدث فى وسط المجلس مع الكمال والأدب والهيبة والخشوع ويتمكن
فى مجلسه ، ولا يقوم لأحد كائنا من كان، وإذا رفع أحد الطلاب صوته على
الحديث فى مجلسه انتهره وزجره وتركه حتى يخرج ويترك المجلس، ولا يحدث
قائمًا أو مضطجعاً أو فى أثناء الطريق أو وهو على حال تسوء معها أخلاقه
كالجوع والشبع الشديدين، وإذا أراد أن يبدأ التحديث أمر قارئا حسن

- ٣٨٥ -
الصوت بقراءة بعض آى القرآن ، ودعا بالتوفيق والاعانة والعصمة ، ثم سمي
الله تعالى وحده، وصلى وسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القبلة
وأقبل على طلابه جميعاً، ومن المحدثين من كان يجلس مستدير القبلة وطلابه
أمامه مستقبلوها كحال الخطبة فى الجمعة ونحوها
فاذا شرع فى قراءة الحديث رتله وتأتى فى قراءته، لم يسردها سردا فيمنع
السامع من فهم بعضه، ويسن له أن يعقد مجلساً فى كل أسبوع لاملاء الحديث
لمن يكتبه ، اقتداء بالصحابة والتابعين وغيرهم
ولا بأس بأن يتخذ المحدث مستمليا محصلا متيقظا لابليداً : يبلغ عنه،
وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأكابر العلماء من بعدهم،
روى أبو داود وغيره عن رافع بن عمرو قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخطب الناس بمنى حين الضحا على بغلة شهباء، وعلى رضى الله عنه يترجم
عنه)) وفى الصحيح عن أبى جمرة قال: ((كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس))
فاذا كان المستملى الواحد لا يكفى لا بلاغ الحاضر ين كلام المحدث لكثرتهم زاد
من المستملين بقدر الحاجة ، وقد أملى أبو مسلم الكجي ، وكان فى مجلسه سبعة
مستملين يبلغ كل واحد منهم من يليه، وحضر مجلسه نيف وأربعون ألف
محبرة سوى النظارة، ويجب على المستعلى أن يبلغ لفظ الشيخ ويؤديه للسامع
على وجهه من غير تغيير فيه ، ويكون السامع فاهما فيتوصل بابلاغ المستملى
إلى تحقق اللفظ، أما من لم يسمع إلا لفظ المستعلى فليس يستفيد بذلك جواز
روايته عن الشيخ من غير بيان الحال، على ماسبق إيضاحه ، وعلى المستعلى
أن يستنصت الحاضرين قبل الافتتاح لكي يفهموا كلام الشيخ ، ثم يسمى
الله تعالى ويحمده جل شأنه ، ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد
ذلك يقول للشيخ ((ماقلت ياسيدنا من الأحاديث)) أو يقول ((من قلت
- ياسيدنا من الأسانيد)) ويدعو للشيخ بنحو قوله ((رحمك الله)) فإذا أتم
المستملى ذلك قال بعده الشيخ: ((حدثنا شيخنا العلامة المتقن فلان عن فلان)
حتى ينتهى من الأسناد ، وينبغي للشيخ أن يترجم شيوخه ويذكر مناقبهم
على وجه التعظيم والاجلال، كما كان عطاء يقول ((حدثنى البحر ابن عباس)
وكما كان مسروق يقول ((حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله
( ٢٥ - تنقيح ٢ )
-

- ٣٨٦ -
المبرأة)) يريد عائشة رضى الله عنها، ومما يزيد فى إعظام شيوخه أن يجمع بين
أسمائهم وكناهم، ولا بأس بذكر صفاتهم التى عرفوا بها كالأعمش والأحول
وكذلك ألقابهم كغندر ولوين ، وكذلك حرفهم كالسمان والزيات، إلا أن
يقصد عيبهم أو يكرهوا هم ذكر ذلك عنهم ، فانه لا يجوز
وعلى المحدث أن يروى فى إملائه عن شيوخ معدلين، ولا يروى عن غير م
كالكذبة والفساق والمبتدعة، روى مسلم فى مقدمةصحيحه عن ابن مهدی
أنه قال: ((لا يكون الرجل إماما وهو يحدث بكل ماسمع، ولا يكون الرجل
إماما وهو يحدث عن كل أحد)) وينبغى له أن يروى فى المجلس عن كل شيخ
حديثا واحداً ، ويقدم أرجحهم بعلوسند أو نحوه، ويحرر ما يمليه ، ويتحرى
المستفاد منه، ويختار أعلى الأحاديث إسناداً وأقصرها منونا، فان ذلك
أسرع فى الحفظ، ويبين على الحديث وجلالته فى الاسناد وفائدة، فيه كما يبين
صحته وحسنه ، ثم يضبط مشكل أسمائه وألفاظه، ويوضح ماغمض من
معانيه، وإن كان معلا أو ضعيفا أبان علته وسبب ضعفه ، وينبغى له أن
يجتذب الحديث المشكل الذى لا تحتمله عقوله، ولا يفهمونه كأحاديث الصفات
ويجتنب فى روايته للعوام أحاديث الرخص والمخاصمات الواقعة بين الصحابة
رضى الله تعالى عنهم أجمعين ، ونفعنا بيركانهم إلى يوم الدين، وإنما بحدثهم
أحاديث الزهد والأدب ومكارم الأخلاق من الكرم ولين الجانب وإنجاز
الوعود، فكل ذلك أولى من غيره فى الأملاء باتفاق عامة المحدثين
ونذكر لك ههنا مسألتين: الأولى: أن الأفضل للشيخ المعلى أن يختم مجلس
إملائه بانشاد الشعر المناسب لما هو بصدده، ويذكر النوادر والحكايات
والحكم والنكات الدقيقة ، وقد كان ذلك كله من عادة أئمة هذا الشأن :
فقد كان الزهرى يقول لأصحابه : هاتوا من أشعار كم، هاتوا من أحاديثكم،
فان الأذن مجاجة والقلب حمض . وقد روى عن علىبن أبىطالب كرم الله وجهه
أنه قال: ((روحوا القلوب، وابتغوا لها طرف الحكمة)) المسألة الثانية: إذا
كان مريد الاملاء قاصراً عن تخريج ما يمليه، وهناك متقن سافظ عارف بالتخريج
٠٠

- ٣٨٧ -
فان المتقن يخرجه للقاصر إعانة له على قصده، وكذا إذا كان مريد الاملاء
حافظ عالما بالتخريج ولكنه مشتغل بغير ذلك من المهمات كالافتاء والتصنيف
فعلى حافظا آخر أن يعينه فى تخريج الأحاديث التى يريد إملاءها ، وقد فعله
جماعة من الحفاظ كأبى الحسين بن بشران وأبي القاسم السراج وغيرهما ، ثم
إذا فرغ المملى من إملائه قابله، لاتقانه وإصلاح مافسد منه بزيغ القلم وطغيانه
وأما الآداب التى ينبغى أن يراعيها طالب الحديث فقد رأى العلماء أنه
يتعين على طالب الحديث أن يصحح النية فى طلبه بتحقيق الاخلاص فيه
والحذر من أن يقصد بظلبه التوصل إلى غرض من الأغراض الدنيوية كالرياسة
والجاه ومباهاة الأقران، ثم يتخلق بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، ثم
عليه أن يفرغ جهده فى التحصيل من أهل مصره: أعلاهم رتبة فى العلم والشهرة
والدين والاسناد وغير ذلك، ثم الذى يليه ، فاذا انتهى من التحصيل على أهل
مصره رجل إلى البلاد الآخر ، فان الرحلة عادة الحفاظ المبرزين ، ولا ينبغى
له أن يتساهل فى تحمل الحديث بالاخلال بشرط من شروط التحمل التى سبق
بيانها، وأول شىء عليه إذ روى أحاديث فى الفضائل أن يعمل بما يرويه،
فان زكاة الحديث العمل به ، وعليه أن يعظم شيوخه، وينظر إليهم بعين
الاكبار والاجلال ويعتقد فيهم الكمال، ولا ينبغى أن يقعد عن طلب العلم
لحياء أو كبر، وإذا ظفر بشىء من العلم بذله لطالبيه، ولا يستبد به دونهم،
وينبغي له أن يكتب لكل من أمكنه أن يكتب عنه عاليا كان أو ناز لا قاصداً
بذلك الاستبصار لا كثرة الشيوخ ولا الافتخاربها، وإذا أفاده أحد الشيوخ
علما لم يتأخر عن كتابته، بل يكتبه عنه حتى إذا أراد أن يرويه نظر فيه
وتأمله وبحث عنه، فقد روى جماعة من المحققين عن أبى حاتم الرازى أنه قال
((إذا كتبت فقمش، وذا رويت ففتش)) وقمش: فعل أمر، أصله مأخوذ
من القماش ، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء، ومعنى ذلك أنه ينبغى
لطالب العلم الذى يطلب الفائدة أن يكتب المسائل ممن سمعها ولا يؤخرها
لينظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا، فربما فاته ذلك بسبب موته أو سفره أو
مے

- ٣٨٨ -
..
٠.٠
...
٠٠٠
٠٠
٠٠٠
٠٠٠
نحو هذين ، حتى إذا كان وقت الرواية أو العمل فتش .
وينبغي للطالب أن يتمم سماع الكتاب أو الجزء وكتابته ولا ينتخب بعضه
ويترك بعضه ، فان كان ولا بد من الانتخاب لكون الشيخ مكثرافى الرواية
أو الطالب غريبا لا يستطيع طول الاقامة، فعلى الطالب حينئذأن ينتخب عاليه
وما تكرر من رواياته، وما انفرد بروايته بحيث لا يجده عند غيره ، فان كان
أهلا للانتخاب بنفسه فعل، وإن لم يكن أهلا استعان بمن تأهل لذلك ، قال
ابن الصلاح: وقد كان جماعة منهم متصدين للانتقاء على الشيوخ والطلبة تسمع
وتكتب بانتخابهم منهم الدار قطنى وأبو بكر الجعانى وأبو عبد الله الحسين
ابن محمد العجلى .. وقدجرت العادة أنهم يرسمون علامة فى أصل الشيخ على ما
ينتخبه لأجل سهولة المقابلة بين الأصل وذلك المنتخب منه، ولأنه يحتمل صياع
هذا المنتخب فيسهل الرجوع إليه فى الأصل ، وقد فعل ذلك أبو الحسن
النعيمى وأبو محمد الخلال وأبو الفضل الفلكى والدار قطنى وأبو القاسم
اللالكائى .
وينبغى الطالب الحديث أن يعلم حق العلم أن من كان همه سماع الحديث أو
كتابته مع قصوره عن فهمه ومعرفته فهو كالحمار يحمل أسفارا، فعليه أن يعرف
ضعف الحديث وصحته ومعانى الماظه وفقهه ونحوهومافيهمنمشكل، ويعرف
مع ذلك كله أسماء رجاله وكناهم وألقابهم وأنسابهم، ويعرف ما اشتمل عليه
الحديث من العلم كمجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه وغير ذلك
مما يطول ذكره .
وينبغى لطالب الحديث أن يقرأ كتابا من كتب ((المصطلح)) ليعرف قواعد
القوم ويدرك طرقهم ويعلم أصولهم فى أقوالهم وأفعالهم، وقدصنف جماعة من
العلماء فى هذا الفن، فمن مختصراتهم كتاب «نزهة النظر، شرح نخبة الفكر»
تصفيف الحافظ ابن حجر، ومنها ألفية السيوطى، وألفية الحافظ العراقى،
ومقدمة ابن الصلاح الكتاب الذى اجتمع فيه ما تفرق فى غيره من الكتب
وكتاب ((التقريب)) أحد تصانيف الإمام النووي رحمه الله تعالى، وكتاب
((الديباج المذهب)) تأليف السيد الشريف على بن محمد الجرجانى الحنفى،
٠

- ٣٨٩ -
...
٠٠
وشرحه لشمس الدين محمد المعروف بملا حنفى أحد علماء القرن العاشر، ومن
الكتب الممتعة الجامعة ((تدريب الراوى)) الذى شرح فيه السيوطى ((تقريب
النواوى)) وكتاب ((توجيه النظر إلى أصول الأثر)) تأليف الشيخ طاهر بن
صالح بن أحمد الجزائرى، وقد أدليت بشرحى هذا فى دلاء القوم رجاء أن
ينفعنى الله وذريتى ببركاتهم أو يغالنى دعوة أخ صالح يجد فيه ضالة ينشدها،
والحمد لله الذى حببت إلى قلبى سنة حبيبه المصطفى وأنار قلى اطلبها والتقرب
إلى أهلها ، والانضواء تحت خافق أعلامهم ، اللهم بارك لى فيها وألزمنى حبها
حتى ألقاك يارب العالمين.
وعلى طالب الحديث أن يقدم فى سماعه وضبطه وتفهمه صحيحي الامامين
الحليلين البخارى ومسلم رضى الله عنهما، ثم يجعل من بعدهما كتب السنن
لأبى داودوالترمذى والنسائ وابن ماجه وابن خزيمةوابن حبان، ولاسيما كتاب
((السنن الكبرى)) وكتاب ((المعرفة)) للبيهقي، ثم من بعد ذلك المسانيد
كمسند الإمام أحمد بن حنبل، والجوامع كموطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس
ومما لا غنى لطالب الحديث عنه كتب العلل، وكتب أسماء الرواة، وكتب
الجرح والتعديل ، وكتب غريب الحديث .
وينبغى لطالب الأثرأن يحفظه ويتفهمه وأن يتقن ذلك إتقانا ، وأن يذا كر
أهل العلم بما حفظ، وأن يباحث فيه أهل المعرفة، فانه خليق أن يثبت معه
حفظه، ويقوي به إدراكه وفهمه، وقد رأى العلماء أنه يجوز لطالب الحديث
كتمانه عن أحد رجلين: إما رجل غير مستحق له ولا فيه أهلية لاستماعه
والمذاكرة معه، وإما رجل معاند لا يذعن لصواب ولا يعترف به، وإذا أُرشد
إليه لم يقبله، ثم إذا أصبح الطالب أهلا وتمت فيه ملكة هذا العلم، ورسخت
فيه قدمه، فقد استحسن له العلماء من أهل الدراية به أن يصنف فى ذلك، فان
التصنيف يثبت الحفظ ويزكى القلب، ويشحذ الطبع ، وقد قال النووى :
وبالتصنيف يطلع على حقائق العلوم ودقائقها، ثم إن التصنيف كما قال السيوطى
يخلد ذكر صاحبه ويرفع شأنه ، وهو سبب فى ثواب الله تعالى وجزيل مثو بته
ما كان مع الاخلاص فيه لوجهه

١
- ٣٩٠ -
بمن لا يحفظ حديثه، وإنما يحدث من كتابه معتمداً عليه) على أقوال: الأول
قوله ( فذهب الجمهور إلى جواز ذلك إذا كان الراوى قد ضبط سماعه أو قابل كتابه
هو أو ثقة على نسخة شيخه أو نسخة مقابلة بنسخة شيخه على الوجه الصحيح)
وإذ قد انجر الكلام إلى ذكر التأليف فى هذا الفن ناسب أن نتكلم على
طرق القوم فى تصانيفهم فعلم أنهم فى هذا على ضروب وانحاء كثيرة :
فمنهم من يجمع الأحاديث مرتبة على أبواب الأحكام فى الفقه أو فى غير الفقه
كالتوحيد، وأكثر العلماء على هذا الأسلوب: منهم البخارى ومسلم وأصحاب
السنن . ومن العلماء من يجمع الأحاديث بمسانيد الصحابة ، فيجمع فى مسند
كل صحابى كل مارواه من طريقه من الأحاديث، وهؤلاء فى ترتيبهم الصحابة
على ضروب : الأول : قوم رتبوا الصحابة على ترتيب حروف المعجم كالطبرانى
فى معاجمه الثلاثة، والثانى : جماعة رتبوا الصحابة بحسب أسبقيتهم فى الاسلام،
الثالث جماعة رتبوا الصحابة بحسب أدناهم قرابة من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم الذى يليه وهلم جرا، وقد صنف قوم كثيرون مساند، ومن أولهم
نعيم بن حماد وأسد بن موسى ويحيى الحاكى ومسدد بن مسرهد، ومن أشهر
المساند مسند أحمد بن حنبل ومعجم الطبرانى المرتب على حروف الهجاء،
وأحسن مراتب التصنيف أن يجمع فى كل حديث أو باب طرقه ، وقد صنف
يعقوب بن شيبة مسنده معللا ولم يتمه، ومن طرق التصنيف أن يجمع الأطراف
فيذكر طرف الحديث الدال على بقيته ويجمع أسانيده إما مستوعبا أو مقيدا
بكتب مخصوصة، مثل (( أطراف الكتب الستة)) لابن طاهر ، أو يجمع
أحاديث الشيوخ كل شيخ منهم على انفراده، أو يجمع أبوابامن أبواب الكتب
المؤلفة بأن يفرد كل باب على حدته بالتصنيف مثل (رؤية الله تعالى)) و((النية))
و((رفع اليدين فى الصلاة)) و((القراءة خلف الامام)) و((البسملة)) وغير
ذلك، أو يجمع الأحاديث المروية بترجمة وإسناد معين ، كما لك عن نافع عن
ابن عمر، أو يجمع طرقا لحديث واحد كحديث (( من كذب على متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار )) إلى غير ذلك ، وينبغى المؤلف أن يعتنى بكتابه ولا يخرجه
للناس قبل تهذيبه وتحريره ومعاودته بالنظر .

- ٣٩١ -
. وإلى هذا ذهب الشافعى وأكثر أصحابه، إن كان كتابه محفوظاً مصونًا لديه،
وروى عن أبى حنيفة ومالك أنه لاحجة إلا فيما رواه الراوى من حفظه (فان غاب
عنه كتابه بضياع أو عارة أو نحو ذلك ) بأن سرق عليه ( فاختلفوا أيضاً)
فذهب أهل التشديد إلى أنها لاتجوز الرواية منه لغيبته عنه وجواز التغيير فيه
(والأصح) عند الجمهور (جواز الرواية إذا كان الغالب عليه السلامة من التبديد)
لا سيما إذا كان مما لا يخفى عليه فى الغالب ، إذا غير ذلك أو شىء منه ، لأن باب
الرواية مبنى على غلبة الظن
( قال الخطيب: والسماع) من كتاب (البصير الأمى والضرير) الأعمى
(الذين يحفظا لكن كتب لهما ما سمعا) أى كتبه لها ثقة (قد منع منه غير واحد)
من العلماء، وهى عبارة الخطيب ( ورخص فيه بعضهم ، قال ابن الصلاح فى
الضرير) الذى لا يحفظ حديثه من فم مَنْ حَدَّته (إذا استعان بالمأمونين فى ضبط
سماعه وحفظ كتابه واحتاط فى ذلك بحيث يحصل معه الظن بالسلامة من التغيير
صحت روايته ) قال ابن الصلاح : غير أنه أولى بالخلاف من البصير (وهذا)
أى ما ذكر من أول المسألة (كله فى رواية الراوى من أصل الذى سمع منه أو مما
قوبل على أصله، فأما) روايته عن (أصل شيخه وماقوبل عليه فالأكثر والأصح
المنع منه ، قلت : إلا أن يفهم أن قراءته فى أصله كان بمنزلة المقابلة على أصل شيخه)
أى جاز (وهذا كثير، خاصة إذا كان شيخه مستمداً فى التسميع على الكتاب دون
الحفظ) فانه يوثق بكتابه (والله أعلم) وهذا إذا لم يختلف حفظه وكتاب ( فاذا
اختلف حفظه وكتابه) فان وجد الحافظ للحديث فى كتابه خلاف ما يحفظه (فان
كان حفظه) مأخوذا (من كتابه رجع إليه، وإن كان من شيخه قدم الحفظ) قال
زين الدين (والأحسن) أى يجمع بينهما أى (أن يقول: حفظى كذا وفى كتابى
كذا) فهكذا فعل شعبة وغير واحد من الحفاظ ، ومثله ما إذا حفظ شيئً وخالفه
فيه بعض الحفاظ المتقنين ، فإنه يحسن فيه أيضاً بيان الأمرين فيقول: حفظى كذا

- ٣٩٢ -
وكذا ، وقال فيه فلان كذا وكذا ، ونحوذلك ، وقد فعله سفيان الثورى
٠
مسألة
1
[ فى آراء العلماء فى رواية الحديث بالمعنى](١)
( والرواية ) الحديث (بالمعنى) أى روايته بمعناه بعبارة من عند الراوى
( مجرمة على من لا يعلم مدلول الألفاظ ومقاصدها وما يحيل معانيها) فان هذا
لا يمكنه أن يروى المعنى لأنه لا يعرفه فتحرم عليه الرواية بلا خلاف (واختلفوا
فى من يعا ذلك) مدلول الألفاظ وماذكر معها (هل تجوز [له] الرواية بالمعنى ? والأكثر
على الجواز، لجواز رواية الحديث بالعجمية للعجم) فانه جائز بالاتفاق ، وهو رواية
بالمعنى (ولأن الصحابة رووا أحاديث بألفاظ مختلفه فى وقائع متحدة) قال زين الدين:
وقد ورد فى المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده فى معرفة الصحابة من حديث
عبد الله بن سليمان بن أكتمة الليثى قال : قلت : يا رسول الله، إنى أسمع منك
الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد منك حرفاً أو ينقص حرفاً، قال:
إذا لم تحلوا حراماً ولا تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس، فذكر ذلك للحسن،
فقال : لولا هذا ما حدثنا، هكذا نقله زين الدين ، وقال السخاوى بعد ذكره :
وهو حديث مضطرب لا يصح ، بل رواه الجوزجابى فى الموضوعات
واعلم أنه أسقط المصنف رحمه الله مسألة الاقتصار على بعض الحديث(٢)، وذكرها
زين الدين بعد مسألة الرواية بالمعنى، فقال: اختلف العلماء فى جواز الاقتصار على
بعض الحديث وحذف بعضه على أقوال: أحدها المنع مطلقاً، ثانيها الجواز مطلقاً.
-
(١) قد بحثنا هذا الموضوع فى أثناء كلامنا على صفات راوى الحديث
(ص ٣٧١) (٢) أفضنا فى الكلام على هذه المسألة فى (ص٣٧٣ وما بعدها)
۔

- ٣٩٣ -
قال: وينبغى قييد الإطلاق بما إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمآنى به تعلقاً يخل
بالمعنى حذفه كالاستثناء والحالٍ ونحو ذلك ، الثالث: إن لم يكن رواه على التمام مرة
أخرى هو أو غيره لم يجز، وإن كان رواه على التمام هو أو غيره جاز، الرابع - وهو
الصحيح، كماقال ابن الصلاح - أنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ماتركه
متميزاً عما تركه، عير متعلق به ، بحيث لا يخل البيان ولاتختلف الدلالة فما نقله
وترك ما تركه، قال: فهذا ينبغى أن يجوز، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين
#
مسألة
[ فى التسميع بقراءة اللحان وذى التصحيف |
.(التسميع بقراءة اللحان) صيغة مبالغة، وماء يغتفر إذا كان لحنه قليلا كما
يدل له مفهوم المبالغة ( والمصِّف) اسم فاعل (وليحذر الشيخ أن يروى حديثه
بقراءة لحان أو مصحف ، فقد روينا عن الأصمعى قال : إن أخوف ما أخاف
على طالب العلم) أى على الحديث، أو ما خرج به من الأدلة (إذا لم يعرف النحو
أن يدخل فى جملة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((من كذب على متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار)) زاد زين الدين: لأنه لم يكن يلحن ، فمهما رويت عنه ولحنت فقد
كذبت عليه صلى الله عليه وسلم، قال زين الدين (وروين نحو هذا عن حماد بن
سلمة) فانه قال لانسان: إن لحنتَ فى حديثى فقد كذبت علىّ فانى لا ألحن ،
وكأن حماد إمامًا فى ذلك، وروى أنه شكده بعضهم إلى الخليل بن أحمد فقال:
سألته عن حديث هشام بن عروة عن أبيه فى جل رعِفَ فانتهرلى وقال : أخطأت
إنما هو مرعف- بفتح العين - فقال الخليل: صدق، أتلقى هذا الكلام أبا أسامة?
وه مماذكر أنه سبب تما سيبويه العربية

- ٣٩٤ -
قلت: وإنما قال الأصمعى ((أخاف) ولم يجزم لأن مَنْ لم يعلم بالعربية
وإن لحن لم يكن متعمداً الكذب
( وروى الخطيب عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يتعلم العربية كمثل
رجل عليه برنس وليس عليه رأس ) فى القاموس: البرأس بالضم قلنسوة طويلة
أو كل نوب رأسُهُ منه ،دراعة كان أو جبة أو قمطراً (وروى) الخطيب ( أيضاً
عن حماد بن سلمة قال : مثل الذى يطلب الحديث ولا يطلب النحو مثل حمار
عليه مخلاة ولا شعير فيها ) نظمه من قال
مثلوا طالب الحديث ولا يحسن نحواً ولا له آلات
كحاز قد علقت لَيْسَ فيها مرن شعير برأسه مخلاة
(فسبب السلامة من اللحن يكون بتعلم النحو) أى تعلم قدر يعرف به الأعراب
( وأما السلامة من التصحيف فسببها الأخذ من أفواه أهل العلم لامن الكتب،
فقلما سلم من التصحيف من أخذ العلم من الصحف من غير تدريب المشايخ)
كأنه مأخوذ من المدرّب من الابل، وهو المخرج المؤدب ، قد ألف الركوب،
وتعود المشى فى الدروب، كما فى القاموس، ويقال: لا تأخذ القرآن من مصحف ولا
- العلم من مصحفى، وإلى من روايته من الكتب أشار من قال:
ومن بطون كراريس روايتهم لو ناظروا باقلاً يوماً لما غَلَبوا
والعلم إن فاته إسناد مسنده كالبيت ئيس لمستقفٌ ولا طُنُبُ
واعلم أنه ذكر الزين هاهنانوعا أهمله المصنف وهو إصلاح اللحن والخطأ (٢)
قال الزين :
وإن أتى فى الأصل لحن وخطا فقيل يرويه كما جا غلطا
فان كان فى الأصل رواه كما تلقاه من غير إصلاح ، وهذا قول جماعة ،
وذهب جماعة من المحدثين أنه يصلح ذلك اللفظ ، وهو قول الأكثر، فإن كان
اللحن يختلف به المعنى فاتفقوا على أنه يعربه ، وإن كان لا يختلف فالأرجح أنه
(١) قد فصلنا آراء العلماء فى هذه المسألة (ص ٣٧٤)

- ٣٩٥ -
يعربه ، واختار ابن عبد السلام أنه لا يروى اللفظ الملحون والمصحف إذا كان
سماعه به، لأنه إذا أعربه فالذى سمعه غير معرب، وإن لحن فالنبي صلى الله عليه
وآله وسلم لم يقله إلا معربا، فان كان فى كتاب شيخه أو سماعه ملحونا قالوا:
فالصواب بقاؤه كذلك وكتب فى الحاشية كذا ، والصواب كذا ، انتهى، وقد
أطال هنا زين الدين
مسألة
( السماع على نوع من الدهش) بمهلة مفتوحة وهاء مفتوحة وشين معجمة،
فى القاموس: دهش كفرح فهو دَهِشِ: تحير وذهب عقله من ذهل أوْ وَله (إذا سمع)
الراوى الحديث (من الشيخ من حفظه فى حال المذاكرة فعليه ) أى الراوى ( بيان
ذلك، بقوله ((حدثنا مذاكرة)» ونحو ذلك، لأنهم يتساهلون فى المذاكرة، والحفظُ
خَوَّان، ولهذا كان أحمد) بن حنبل (يمنع من رواية ما يحفظه إلا من كتابه ، وقد
منع عبد الرحمن بن مهدى وابن المبارك وأبو زرعة الرازى أن يحمل عنهم
فى المذاكرة شىء)
٥٣
مسألة
مسـ
[ فى بيان العالى والنازل ، وأنواعهما ]
( العالى (١) ) أى الاسناد العالى، وهو: الذى قَلَّت الوسائط فى سنده ،
(١) قد خص الله تعالى هذه الأمة المحمدية بالاسناد المتصل إلى نبيها صلى
الله عليه وسلم ، قال أبو على الجيانى: ((خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة
٠

- ٢٩٦ --
٠٠٠
٠٠.
٠.٠٪
.. ،
...
٠٠
٠٠٠
أشياء لم يعطها أحدا من قبلها: الاسناد، والأنساب، والأعراب)) والأسناد
من الدين بلا تردد فى ذلك من أحد ، وهو سنة من السنن المؤكدة ، قال
عبد الله بن المبارك: (( الأسناد من الدين، لولا الاسناد لقال من شاء بما
شاء ))اهـ، وقال سفيان الثورى: ((الاسناد سلاح المؤمن)) وقال سفيان بن
عيينة: ((حدث الزهرى يوما بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال: أترقى
السطح بلا سلم !! )) اهـ، والرغبة فى على الاسناد طريقة مرغوب فيها، ونهج
كان السلف يتزاحمون على سلوكه : فقد كان أصحاب ابن مسعود برحلون من
الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر بن الخطاب رضى الله عنه ويسمعون
منه، وقال الطومى: ((قرب الاسناد قربة إلى الله تعالى)) ولأجل ذلك اتفق
أئمة الحديث على طلب الرحلة فى سبيل على الاسناد، وعلى أنه أفضل من النزول
فيه، إلا أن بعض أهل النظر قد ذهب إلى تفضيل النزول فى الاسناد مستدلا
بان الاسناد كما نزل زاد عدد رجاله ، وكلما زادعدد رجالهزاد الاجتهاد فيه،
فتزيد المشقة، فيعظم الأجر، ولكنهم لم يفطنوا إلى مقصود المحدثين من علو
الاسناد، فان المحدثين إنما رغبوا فى العلو طلبا لتحقق المعنى المقصود
من الزواية، وهو صحة المروى ، قال ابن الصلاح ((العلو يبعد الاسناد من
الخلل ، لأن كل واحد من الرجال يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو
عمداففى قلتهم قلة جهات الحال، وفى كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلى واضح»
ونحن نذكر لك هذا أقسام العلو تفصيلا، بعد إعلامنا إياك أن النزول نقيض
العلو ، وأن أقسام الندول بعدد أقسام العلو ، فنقول :
اعلم أن العلو خمة أقسام :
القسم الأول: العلو إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، بمعنى قلة عدد
الرواة التى بين المحدث وبينه صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا القسم أجل
الأقسام وأفضلها، بشرط أن يكون الاسناد صحيحاً نظيفاً خالياً ممن يتهم، فأما
إن كان مع الضعف فلا فضل فيه، لاسيما إن اشتمل على بعض الكذا بين المتأخرين
من ادعى السماء من الصحابة كابن هدية ودينار ونعيم بن سالم ويعلى بن
الأشدق، قالى الحافظ الذهبى: ((متى رأيت المحدث يفرح بعوالى هؤلاء
فاعلموا أنه عامى ))

- ٣٩٧ -
م
٠٠٠
القسم الثانى: العلو إلى إمام من أئمة الحديث المشهورين كابن جريج والزهرى
والأوزاعي ومالك وشعبة ومن أشبههم ، ولو كثر العدد بعد ذلك الامام إلى
النبى صلى الله عليه وسلم ، وهذا القسم يلى القسم السابق فى الأجلية والفضل،
بشرط الصحة والنظافة من الخلل أيضاً .
القسم الثالث: العلو إلى كتاب من كتب الحديث المعتمدة: كالصحيحين
والسين ومسند أحمد ونحوها ، وسمي ابن دقيق العيد هذا القسم على التنزيل
وهو على أربعة أنواع : الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصالحة
أما الموافقة فصورتها أن يروى المحدث حديثا موجودا فى أحد الكتب
باسناد لنفسه فيصل فى إسناده إلى شيخ مصنف الكتاب من غير طريق المصنف
ولو أنه رواه من طريق المصنف لزاد عدد رجال السند. قال الحافظ ابن حجر
(( مناله روى البخارى حديثا عن قتيبة عن مالك فلو رويناه من طريق
أبى العباس السراج عن قتيبة مثلا لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة، فقد
حصلت لنا الموافقة مع البخارى فى شيخه بعينه مع على الاسناد على الاسناد
إليه)) اهـ
وأما البدل فصورته أن يروى المحدث حديثا موجودا فى أحد الكتب
باسناد لنفسه فيصل فى إسناده إلى شيخ شيخ المصنف ، قال الحافظ ابن حجر:
((كأن يقع لنا ذلك الاسنادبعينه من طريق أخرى إلى القعنى بدلا من قتيبة»
اهـ ، والقعنى شيخ شيخ البخارى .
وأما المساواة فهى أن يتساوى عدد الاسناد من المحدث إلى آخر للسند
مع إسناد أحد المؤلفين، ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد وقعت له أحاديث بينه
وبين النبى صلى الله عليه وسلم فيها عشرة رجال، وقد وقع للنسائى حديث
عدد رجاله كذلك ، فتساوى ابن حجر مع النسائى فى عدد رجال الاسناد ،
وقد جمع الحافظ ابن حجر من هذا النوع عشرة أحاديث فى جزء صغير سماه
((العشرة العشارية)) قال ابن الصلاح: (( أما المساواة فهي أن يقل العدد فى
إسنادك، لا إلى شيخ مسلم وأمثاله ولا إلى شيخ شيخه ، بل إلى من هو أبعد
من ذلك: الصحابى أو من قار به ، وربما كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ٣٩٨ -
بحيث يقع بينك وبين الصحابى من العدد مثل ما وقع بين مسام وذلك الصحابى
فتكون بذلك مساويا لمسلم فى قرب الاسناد وعدد رجاله)) وقد كان هذا
النوع ممكن الوقوع فى عصر ابن حجر رحمه الله ومن داناه ، أما اليوم بعد
طول العهد وتعدد الأجيال فقد أصبح من غير الممكن الحصول عليه
وأما المصالحة فهى أن يروى المحدث حديثا باسناد لنفسه فيقع عدد رجال
إسناده زائدا عن عدد رجال مؤلف الكتاب، ويكون عدد الزائد رجلا واحدا
فيكون المحدث كأنه قد قابل صاحب الكتاب فروى عنه، وسمى هذا النوع
بهذا الاسم لأن العادة جرت فى الغالب بالمصافة بين من تلاقيا . وهذا النوع
أيضا غير ممكن الوقوع فى عصرنا هذا.
والقسم الرابع من أقسام العلو : أن يكون سبب العلو تقدم وفاة الراوى
وإن تساوى السندان عددا. قال الخليلى: « قد يكون الاستاد يعلو على غيره
بتقدم موت راويه وإن كانا متساويين فى العدد)) ١ هـ، وقال النووى: (( فما
أرويه عن ثلاثة عن البيهقى عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبى بكر بن
خلف عن الجاكم، لتقدم وفاة البيهقى على ابن خلف)) اهـ. وربما اعتبر العلو
بتقدم وفاة الراوى مطلقا من غير مقارنته بآخر. وقد اختلف العلماء فى حد
ذلك: فحكى عن بعضهم أن مداه خمسون سنة. قال ابن الصلاح: ((روينا عن
أبى على الحافظ النيسابورى قال: سمعت أحمد بن عمير الدمشقى - وكان من
أركان الحديث - يقول: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو))
وحكى عن آخرين أن حد التقادم ثلاثون سنة. قال ابن الصلاح : ((وفيما تروى
عن أبى عبد الله ابن منده الحافظ قال: إذا مر على الاسناد ثلاثون سنة فهو
عال )) ١ هـ.
القسم الخامس من أقسام العلو : أن يكون سببه قدم السماع ، فان سمع
شخصان من شيخ واحد، ولكن سماع أحد مهما سابق على سماع الآخر، ويتأكد
ذلك، فى حق من اختلط شيخه أو خرف، وربما يكون المتأخر أرجح ، بأن
يكون تحديثه للأول قبل بلوغ درجة الاتقان والضبط ويكون تحديثه الثانى
بعد بلوغه برجتهما ، وسيأتى أن ذلك من قبيل العلو المعنوى قريبا.
٠

؟
- ٣٩٩ -
أو قدم سماع روايته وزمانه ( والنازل ) وهو يقابله .
واعلم أنه طوى المصنف من كلام الزين آداب المحدث وآداب طالب الحديث
وهو نحو من كراس فى القطع الكامل مننا وشرحً(١)
:
ثم اعلم أن أصل الأسناد من حيث هو خصيصة خاصة من خصائص هذه
الأمة ، وسنة بالغة من السنن المؤكدة ، وروى السخاوى عن محمد بن حاتم بن
المظفر أنه يقول: إن الله أكرم هذه الأمة وفضلها وشرفها بالاسناد، وليس لأحد
من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، وإنما هو صحف فى أيديهم، وخلطوا بكتبهم
أخبارهم ، فليس عندهم تمييز بين مانزل من التوراة والانجيل وبين ما الحقوه
بكتبهم من الأخبار عن غير الثقات ، وهذه الأمة إنما ينص الحديث عن الثقة
المعروف فى زمانه المشهور بالصدق والأمانة والضبط عن مثله حتى تذتهى أخبارهم
ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ والأضبط والأطول مجالسة يميزونه
ممن كان أقل مجالسة ، ثم يكتبون الحديث من أكثر من عشرين وجهً، حتى
يهذبوه من الغلط واخلل ، ويحفظون حروفه ويعدونها عداً فهذا من أعظم نعم الله
على هذه الأمة ، فنستوزع الله شكر هذه النعمة.
قال المصنف ( استحب أكثر أهل الحديث الأسناد العالى) قال أحمد بن
حنبل: طلب الاسناد العالى سنة ممن سلف ، وقال محمد بن أسلم الطوسى: قرب الاسناد
قرب أو قربة إلى الله تعالى، وقال الحاكم: طلب الأسناد العالى سنة صحيحة، وحكى
حديث أنس فى مجىء الأعرابی إلی النبى صلى الله عليه وسلم وقال : يامحمد ،أنانا
رسولك فزعم كذا- الحديث ، قالوا : فلو كان طلب العلو فى الاسنادغير مستحب
والنزول ضد العلو، وهو خمسة أقسام أيضا: كل قسم من أقسامه يقلبل قسما
من أقسام العلو، وبيانها واضح مما سبق .
(١) قد أوفينا الكلام على هذين الموضوعين فيما سبق قريبا من أجل ذلك
:

- ٤٠٠ -
لأنكر عليه سؤله عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره به .
الرسول، وفيه احتمالات أخر لا يتم معها به الاستدلال لما ذكر (ولم يحك الحاكم
اختلافا فى تفضيل العلو(١) ) لماذكر (و) لكنه (حكى الخطيب فى ذلك اختلافا)
وحكاه قبله ابن خلاد عن بعض أهل النظر أنه قال : الأسناد النازل أفضل
(مبناه على أن الاسناد النازل أكثر مشقة لكثرة رجاله والعناية بمعرفة عدالتهم)
لأنه يجب على الراوى معرفة عدالة من يروى عنه وتعديله، والاجتهادُ فى أحوال
رواة النازل أكثر قطعا ( قال ابن الصلاح : وهو مذهب ضعيف الحجة قال ابن
دقيق العيد : لأن كثرة المشقة) التى علاوا بها أفضلية النازل ( ليست مطلوبة
لنفسها، ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهى الصحة أولى، انتهى) قال
ابن دقيق العيد : ولا أعلم وجها جيدا لترجيح العلو إلا أنه أقرب إلى الصحة وقلة
(١) إنما يكون النزول أضعف من العلو ويفضل العلو عليه إذا لم يحصل
للسند النازل شىء يجبر مافيه من النزول ، فأما إن احتفت به خواص فقد
تبلغ به درجة أرقى من درجة السند العالى . فلو أن سنداً نازلا كان رواته
أحفظ وأضبط أو أفقهمن رجال السند العالى لم يكن عند أحدشك فى أفضلية
السند النازل. قال الحافظ السلفى: ((الأصل هو الأخذ عن العلماء، فتزولهم
أولى من العلو عن الجهلة ، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو
العالى فى المعنى عند النظر والتحقيق)) اهـ وقد سمى العلماء السند النازل الذى
اختص بنحو ماذكر ((العلو المعنوى)) فالعلو عندهم نوعان: علو في المعنى وهو
هذا، وعلو فى الظاهر ، وهو الذى قدمنا ذكره وذكر أقسامه .. ولا بن حبان
البستى رحمه الله تفصيل فى حكم ذلك وتفضيل أحد الاسنادين على الآخر.
وحاصله أنه إذا روى حديث باسنادين أحدهما نازل وروانه أكثر ضبطاً وأشد
إتقانا وأعلم بالسنة وفقهها، والثانى عال ولكن روانه أقل فى الضبط والاتقان
والفقه من رواة النازل، فلايصح لك أن تطلق القول بأن النازل حينئذ أفضل
وأرجح، كما ذكر غيره من العلماء، بل إن أردنا بالنظر متن الحديث فالاسناد
النازل الذى رواته أفقه أفضل من الاسناد العالى الذى رواته جهلة، وإن أردنا
بالنظر الاسناد فالعالى أولى وأفضل. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.