النص المفهرس
صفحات 361-380
- ٣٦١ - ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ولا فى أواخر هاففيه قولان: أولهما : أنه يضرب على الثانى منهما، لأن الأول قد وقع فى مركزه صحيحا ، وثانيهما أنه يضرب على أقلهما حسنا وجودة خط سواء أكان الأول أم كان الثانى . ثم أعلم أنه إذا أراد الكاتب أن يكتب كتابا قد روى بروايات متعددة كصحيح البخارى مثلا ، كان عليه أولا أن يكتب فى صلب كتابه إحدى هذه الروايات ويستمر عليها من أوله إلى آخره ، ثم يكتب الأخرى فىحولاشى النسخة وهوامشها، وقد اختلف العلماء فى طريقة بيان ذلك: فمنهم من ذهب إلى كتابة كل رواية وذكر صاحبها فى آخرها كاملا أو برمز يبينه الگاتب فى أول الكتاب أو آخره على ما سبق بيانه ، ومنهم من ذهب إلى كتابة الروايات بمداد آخر يخالف المداد الذى كتبت به النسخة، وقد فعل ذلك أبو ذر الهروى من المشارقة وأبو الحسن القابسى من المغاربة وكثير من المشائخ وأهل التقييد ، فان كان فى نسخة الأصل زيادة عن إحدى الروايات عام عليها. ثم تحدثك عن الرموز التى اصطلح المحدثون على كتابتها بدل ألفاظ الرواية وإنك لتجد هذه الرموز فى عامة كتب الحديث المروية بالأسانيد، وبيان ذلك أنهم اختصروا كلمة ((حدثنا)) على ثلاثة أوجه الأول: كتبوها (ثمنا)) فحذفوا الحاء والدال، والثانى كتبوها (نا)) فزادوا حذف الناء، والثالث: كتبوها (دثنا) فاكتفوا بحذف الحاء، وممن صنع الأخير أبو عبد الله للظاكم وأبو عبد الرحمن السلمي والحافظ أحمد البيهقى، وقد ذكر ابن الصلاح أنه رأى خطوطهم وفيها ذلك، وقد ذكر السيوطى أن كلمة (( حدثنى)) تقاسٍ فى الاختصار على ((حدثنا)) فتكون ((ثنى)) أو ((فى)) أو ((دثنى)) واختصروا كلمة (أخبرنا)) على أربعة أوجه: الأول: كتبوها ((أنا)) فحذفوا الحاء والياء والراء، والثانى: كتبوها ((أرنا)) فاكتفوا بحذف الحاء والباء، والثالثة: كتبوها (أبنا) فحذفوا الخاء والراء، والرابع: كتبوها ((أخنا» فحذقوا الباء والراء. واختصروا كلمة ((قال)) فكتبوها نانا فقط، ثم منهم من مجمع - ٣٦٢ - بينهما وبين لفظ التحديث مختصرا أيضا فيكتبها ((قئنا)) أو ((قثنى)) متصلتين وبعضهم يجمعهما منفصلتين هكذا ((ق ثنا)) أو ((ق ثى)) وهذان الوجهان من الاصطلاح المتروك، نص على تركه الحافظ العراقى، ولذلك ذكر السيوطى أن ترك كتابة القاف أجود من ذكرها ... وقد تجد فى كتب الحديث حرف الحاء مكتوبا فى أثناء الكلام هكذا (ح) ، وإنما يكتبونها بين إسنادين روى متن الحديث بكل واحد منهما، وقد قال ابن الصلاح فى شأنها (( لم بأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها)) اهـ والعلماء فى بيان العبارة التى اختصرت منها خلاف: فذهب قوم إلى أنها مقتطعة من كلمة ((صح)) التى تكتب عند الكلام الصحيح من جهة روايته ومعناه ويخشى على قارئه أن يقع فى شك من أمره، فكأنهم خافوا أن يتوهم القارىء أن حديث الاسناد الأول قد سقط فعلموا له بهذه العلامة ، وقد كان الحافظ الصابونى وأبو مسلم الليثى وأبو سعد الخليلى يكتبون فى مكانها ((صح)) كاملة فدل عملهم هذا على اقتطاع الحاء منها ، وذهب جماعة إلى أن الحاء مقتطع من كلمة (الحديث) أى: كأنه يقول ((إلى آخر الحديث)) وقد كان بعض علماء المغاربة يقرأون فى مكان الحاء إذا وصلوه كلمة (الحديث) واختار الإمام النووى أنها مأخوذة من التحويل ، أى تحول الحديث من إسناد إلى آخر ولكاتب التسميع آداب ينبغي مراعاتها، وحاصل ما ذكروه أنه بعدسماع الكتاب عن الشيخ ينبغى للراوى أن يكتب ذلك على النسخة فى أى مكان منها، وكونه في أول النسخة أفضل، ولكن لا بأس بكتابته آخرها ، هذا شرع فى الكتابة كتب البسملة وتلفظ بها ، ثم يكتب من بعدها اسم الشيخ ذاكرا ننتبه وكنيته، ثم يذكر سند الشيخ إلى مؤلف الكتاب ، فان كان يروى أحاديث عن شيخه فى غير كتاب مؤلف ذكر السند ومتنه عقيبه هم يكتب التاريخ الذى حصل فيه السماع ، وينبغى أن يعد السامعين واحدا فواحدا ويضبط أسماءهم وكناهم وأنسابهم : يضبط ذلك بنفسه ، أو بثقة غيره، ويكتب أسماء الطلاب الذين سمعوا معه، ولا يصح له أن يسقط ذكر - ٣٦٣- جماعة ( ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدرى وآخرون من الصحابة) بل قالوا: نحفظ عنهم حفظَ قَلْبٍ كما أخذوه عنهم حفظاً (والتابعين) منهم الشعبى والنخعى ( لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((لا تكتبوا عنى شيئاً غير القرآن، ومن كتب عنى شيئاً غير القرآن فليمحه ، أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد ) وفى رواية أنه استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فى كتب أحدهم لغرض من الأغراض الفاسدة ، وينبغى أن يكون هذا الكاتب ثقة معروف الخط ، ولا أس أن يكتب الطالب سماعه لنفسه بخط نفسه إن كان ثقة ، بولا يضر متى كان كاتب التسميع ثقة ألا يكتب الشيخ تصحيحه على هذا التسميع وكل أحد من أهل الحديث وغيره كان سماع الغير مثبتا فى كتابه فانه الزمه أن يعيره هذا الكتاب إذا كان السماع قد كتب بخط صاحب الكتاب أو كتب بخط غيره مع رضاه به ، فان كان السماع قد كتب على نسخة كتابه بغير خطه وبغير رضاه لم يلزمه ذلك، وإنما يسن ، قال ابن الصلاح : « قد تعاضدت أقوالهم فى ذلك ، ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا ثبت فى كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه ، وقد كان لا يمين لى وجهه ، ثم وجهته بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته ، وإن كان فيه بذله ماله ، كما يلزم لمتحمل الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعى إلى مجلس الحكم)) اه، وينبغي لمن استعار الكتاب لذلك أن يسرع إلى ردد ولا يبطئء على مالكه إلا بقدر حاجته ، قال ابن شهاب الزهرى ((إياك وغلول الكتاب، قيل: وما غلولها ؟ قال: حبسها عن أصحابها)) وقال أبو على الفضيل بن عياض ((ليس من أفعال أهل الورع ولا من أفعال العلماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيسكت عليه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه)) ثم على هذا المستعير إذا نسخ الكتاب ألا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد العرض والمقابلة . وقد أطلنا الحديث فى هذا الموضوع، لأن المؤلف اختصر القول فيه اختصارا على غير عادته فى الكتابة حيث يشبع الموضوعات بحثا وأخذا وردا ، ولأن من أغراضنا أن نبين مبلغ عناية سلف هذه الأمة بنقل حديث رسولها ، وحرصهم الشديد على ضبطه سماعا وكتابة وتصحيحا ومقابلة حتى يبلغوه إلى من بعدهم سليما غير مشوب وواضحا غير ملتبس ، جزاهم الله أفضل الجزاء . ے - ٣٦٤ - الحديث فلم يأذن له ( وجوزه) أى كتب الحديث ( وفعله جماعة من الصحابة ، .مهم على وابنه الحسن وعمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر فى رواية والحسن) وقال البلقينى فى محاسن الاصطلاح : أعلى من روى عنه ذلك من الصحابة عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ، روی عن عمر أنه قال: قيدوا العلم بالكتابة، ونحوه عن عثمان (وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبدالعزيز، وحكاه القاضى عياض عن أكثر الصحابة والتابعين قال ) القاضى (ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف) بناء على وقوع الاجماع بعد الخلاف والاعتداد به، وهى مسألة خلاف فى الأصول ( ومما يدل على الجواز ) أى فى عصره صلى الله عليه وسلم فضلا عما بعده ماذكره زين الذين من (قوله صلى الله عليه وآله وسلم فى الحديث الصحيح ((ا كنبولأبى شاهٍ)) )بالشين المعجمة وهاء منونة فى الوقف والدرج على المعتمد ، وهو أمر منه صلى الله عليه وآله وسلٍ بكتب خطابته التى سمعها أبو شاهٍ يوم الفتح من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلب أن تكتب له ، فأمر صلى الله عليه وسلم بكتابتها له، قال ابن عبد البر فى الاستيعاب: إن أبا شاهٍ رجل من أهل اليمن حضر خطبة النبى صلى الله عليه وبا فى تحريم مكة، فقال أبو شاهٍ: أ كتب لى يا رسول الخطبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((1 كتبوا لأبى شاهٍ)) قال ابن عبد البر: وهومن ثابت الحديث، وأما قول البلقيني ((يجوز أن يدعى أنها واقعة عين)) فقد نظره السخاوى ، وكأن وجهه أن الأصل التشريع العام ، ومن الأدلة على الجواز ما فى صحيح البخارى من حديث ((ايتونى بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاب الحديث) (و) من الأدلة على جوازها (ما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو) ابن العاص (قال: كنت أكتب كل شىء سمعته من رسول الله، وذكر الحديث وفيه أنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اكتب) وفى لفظ ((قلت: يارسول الله، أكتب ما أسمعه منك فى الغضب والرضا؟ قال: نعم ، فأنى لا أقول إلاحقًاً)) وكانت تسمى صحيفته تلك الصادقة ، رواه ابن سعد وغيره (وفى صحيح -- ٢٦٥ -- البخارى من حديث أبى هريرة أن عبدالله بن عمرو كان يكتب) فانه قال أبوهريرة: ما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب. ( قلت : وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتساب الصدقات لأبى بكر الصديق، وهو فى صحيح البخارى) قلت: وكتب صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وملك مصروعمن وغيرهم ( وكتب لعمرو بن حزم الديات والزكوات كما قدمنا فى الوجادة ، وكتب على عليه السلام صحيفة كانت معلقة فى سيفه فيها أسنان الابل ومقادير الديات ، وهو صحيح أظنه فى صحيح البخارى) هو كما ظنه رحمه الله، وأوله فيه «ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما فى هذه الصحيفة)) (وبالجملة فلو تركت الكتابة فى الأعصار الأخيرة لكان ذلك سبيلا إلى الجهل بالشريعة وموت كثير من السنن) بل قد كتب عمر بن عبدالعزيز فى عصره إلى أهل المدينة ((انظروا ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه، فانى خشيت دروس العلم وذهاب العلماء)) وعن الشافعى إن هذا العلم يندُ كما تندُّ الابل، ولكن الكتب له ◌ُمَّة، والأعلام عليه رعاة، وبالجملة فقد استقر الأمر والاجماع على جواز الكتابة ، قال الحافظ ابن حجر: لا يبعد وجوبها على من خشى النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم ، ونحوه قول الذهبى : إنه يتعين من المائة الثالثة وهلم جرا ، وأول من دوّن الحديث الزهرى بأمر عمر بن عبد العزيز، وبعث به إلى كل أرض له عليه سلطان . (وقد اختلف فى الجواب عن حديث أبى سعيد) الدال على النهى عن الكتابة (والجمع بينه وبين أحاديث الاذن) فى الكتابة، كحديث أبى شاه فأجيب بجوابات ثلاثة ، الأول [ ما أفاده قوله ] ( فقيل إن النهى منسوخ بها ، وكان النهى فى أول . الأمر لخوف اختلاطه) أى الحديث (بالقرآن ) أى بسبب أنه لم يكن قد اشتد إلف الناس بالقرآن ، ولم يكثر حفاظة والمتقنون له ، فلما ألفه الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته وحسن تناسب فواصله وغايته صارت لهم ملكة يميزونه بها - ٣٦٦ - من غيره، فلم يخش اختلاطه بعد ذلك، فإذا قال ( فلما أمن ذلك أذن فيه) وهذا الجواب جنح إليه ابن شاهين، فإن الاذن لأبي شاه كان فى فتح مكة ، قال الحافظ : وهو أى هذا الجمع أفْرَ بُهَا (و) الثانى (قيل: إن النهى فى حق من وثق بحفظه) وهذا كماقال ثعلب: إذا أردت أن تكون عالما فا كسر القلم (والاذن لمن لم يثق، و) الثالث ( قيل: النهى عن كتابة الحديث مع القرآن فى صحيفة واحدة، لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معه ) قال الحافظ ابن حجر: ولعل ماقرىء فى الشاذ فى قوله ((مالبثوا حولا فى العذاب المهين)) (١) قلت: هذه قراءة ذكرها ابن خلكان لابن شنبوذ، وذكر غيرها فى شواذه، وذكر لها .قصة ، فلا يصح لتمثيل به، إذ الكلام فيما كان يكتبه الصحابة (قواعن ذلك) عن خلط كتابة القرآن بتأويله فى صحيفة (لظرف الاشتباه، والله أعلم) مسألة (وينبغى) استحبابا مؤكداً، بل عبارة بن خلاد وعياض تقتضى الوجوب، وعبارة ابن الصلاح ((ثم إن على كنبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبطه - إلى آخره)» فأفادت عبارته الوجوب (الطالب الحديث العناية فى تجويد كتابته بأعجام ) أى بالنقط ( ما يلتبس منه ) لو ترك إعجامه، والاعجام: إزالة العجمة، وذلك بالنقط ونحوه ، فيميز اخاء المعجمة من الحاء المهملة ، والذال المعجمة من الدال المهملة، كما فى مثل ((عليكم بمثل حصى الخذف)) فيعجم كلا من الخاء والذال بالنقط ، وروى عن الثورى أنه قال: الخطوط المعجمة كالبريد المعلمة، قال: وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع إشكاله (لاسيما إعجام أسماء الرواة) كخباب بالمعجمة وأبى الجوزاء بالجيم والزاى وأبى الحوراء بالحاء المهملة والهراء ( ويعرف) عطف على العناية: أىو ينبغى له أن يعرف (ما اصطلح عليه أهل الحديث فلهم اصطلاحات فى تخريج الساقط ) قال زين الدين: إنهم (١) كلمة (حولا)) ليست فى القراءات المشهورة - ٣٦٧ - 13 يسمون ما سقط من أصل الكتاب فألحق فى الحاشية أو بين السطور اللحق - بفتح اللام والحاء معا - قال : وأما كيفية ما يسقط من الكتاب فلا ينبغى أن يكتب بين السطور لأنه يضيقها ويعكس ما يقرأ، خصوصا إِن كانت السطور ضيقة متلاصقة ، والأولى أن يكتب فى الحاشية ، فان كان السقط من وسط السطر فينبغى أن يخرج له إلى جهة اليمين ، لاحتمال أن يبقى فى بقية المسطرسقط فيخرج له إلى جهة الشمال، ثم أطال فى هذا البحث بآداب قد أعرض عنها الكتاب فى هذه الأزمنة (والتخريج) أى صفة التخريج، قال الزين ((أما صفة التخريج للساقط)) فقال القاضى عياض: وأحسن وجوهها ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعدا إلى تحت السطر الذى فوقه ، ثم ينعطف إلى جهة التخريج فى الحاشية انعطاقاً يشير إليه (والتمريض والتضبيب) قال الزين: التمريض هو كتابة صورة ض هكذا فى الحرف الذى يشار إلى تمريضه ، وقال القاضى عياض فى الالماع : شيوخنا من أهل المغرب يتعاملون أن الحرف إذا كتب عليه صح أن ذلك علامة لصحة الحرف ، فوضع حرف كامل على حرف صحيح، وإذا كان عليه صاد ممدودة دون حاء كان علامة أن الحرف [غير] مستقيم، وأما التضبيب فهو بمثناة فوقية مفتوحة فضاد معجمة فموحدة بعدها مثناة تحتية فموحدة ، وهو عطف تفسيرى للتمريض، فانه عبارة عن الصورة التى قالها القاضى عياض، فانه قال: إن ذلك علامة على أن الحرف [لا] يستقيم إذا وضع عليه حرف غير تام ليدل نقص الحرف على اختلال الحرف، قال: ويسمى أيضاً ذلك الحرف ضبة أى أن الحرف مقفل لايتجه لقراءة كما أن الضبة مقفل بها (والكشط والمحو والضرب) قال الزين : لما تقدم إلحاق الساقط ناسب تعقيبة بابطال الزائد ، فاذا وقع فى الكتاب شىء زائد ليس منه فانه ينبه عليه: إما بالكشط، وهو الحك، وإما بالمحو بأن يكون الكتاب فى لوح أورق صقيل جداً فى حال طراوة المكتوب وقد أطال زين الدين فى هذه الثلاثه فى شرحه (والعمل فى اختلاف الروايات والاسناد بالرمز) أى إذا كان الكتاب مرويا بروايتين فأكثر فى نسخة -٣٦٨- واحدة فالعمل أن يبنى الكتاب أولا على رواية واحدة ، ثم ما كان من رواية أخرى ألحقها فى الحاشية أو غيرها مع كتابة اسم راويها معها أو الاشارة إليه أى بالرمز إن كان زيادة، وإن كان الاختلاف بالنقص أعلم على الزائد أنه ليس فى رواية فلان باسمه أو الرمز إليه ، وأما الرمز فى الاسناد فهو ماجرت عادة أهل الحديث باختصار بعض ألفاظ الأداء فى الخط دون النطق ، فإنهم يقتصرون من حدثنا على ((ثنا)) وربما اقتصروا على الضمير فقط فقالوا ((نا)) وربما اقتصروا على [حذف] الحاء فقط فكتبوا ((دثنا)) قال ابن الصلاح: إنه رآه فى خط الحاكم وأبى عبدالرحمن السلمى والبيهقى، ومن ذلك (أخبرنا)) اقتصر وافيها على الألف والضمير أعنى ((أنا)) وربما لم يحذف بعضهم الراء فيكتب ((أرنا)) وبعضهم يحذف الخاء والراء ويكتب (( أبنا)) وقد فعله البيهقى وطائفة من المحدثين، قال ابن الصلاح: وليس يجيد ، ومما جرت به عادة أهل الحديث حذف ((قال)» فى أثناء الاسناد فى الخط والاشارة إليه بالرمز، فرأيت فى بعض الكتب المعتمدة الاشارة إليها بقاف ، فبعضهم يجمعها مع أداة التحديث فيكتب ((قتنا)) يريد (( قال حدثنا)) وبعضهم يفردها فيكتب ((ق ثنا)) وهذا اصطلاح متروك، قال ابن الصلاح : جرت العادة بحذفها خطا، قال: ولا بد من ذكرها حال القراءة لفظا، ومما جرت به عادتهم عند الانتقال من سند إلى سند، وذلك أنه إذا كان للحديث إسنادان فأكثر وجمعوا بين الأسانيد فى متن واحد أنهم إذا انتقلوا من إسناد إلى إسناد آخر كتبوا بينهما حاء مفردة مهملة صورة (( ح)» والذى عليه عمل أهل الحديث غر, أن ينطق القارىء بها كذلك مفردة ، واختاره ابن الصلاح، ونقل كلاما كثيرا فى ذلك ( وكتابة التسميع ) قال الخطيب فى كتاب الجامع: يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ الذى سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه ، قال : وصورة ما ينبغى أن يكتب : حدثنا أبو فلان فلان بن فلان بن فلان الفلانى قال : حدثنا فلان، ويسوق ما سمعه من الشيخ على لفظه، قال: وإذا كتب الطالب - ٣٦٩ - الكتاب المسموع فإنه ينبغى أن يكتب فوق صدر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ وقت السماع، قال: وإن أحب كتب ذلك فى حاشية أول ورقة من الكتاب ، فكلاهما قد فعله شيوخنا، قال ، وإن كان سماعه للكتاب فى مجالس عديدة كتب عند انتهاء السماع فى كل مماس علامة البلاغ، ويكتب فى الذى يليه التسميع والتاريخ والتقطيع كما يكتب فى أول الكتاب ، فعلى هذا شاهدت أصول جماعة من شيوخنا مرسومة (وقد ذكروا فى هذا النوع آداباً كثيرة وفوائد حسنة أو دعوها هذا النوع من كتب على الحديث، وإنما اختصرتها لطول الكلام فيها ، واعتمادى على ما يتعلق به التحليل والتحريم غالباً) وقد ذكرنا مماذكروه محل الحاجة ۔ * * ٥٢ ٠٠ مسألة [ فی بیان صفات راوی الحديث، وآدا به ] ( صفة رواية الحديث(١)، وآدابه) قال زين الدين ( اختلفوا فى الاحتجاج (١) نرى أن نحدثك حديثاً مستفيضاً عن صفية رواية الحديث، التعلم مقدار حرص سلفنا الصالح رضى الله عنهم وأثابهم خير المثوبة على هذه الصناعة الشريفة التی یثبت بها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم تحدثك - بعد ذلك - حديثاً آخر مستفيضاً عن الآداب التى رأوها كاللازم فى راوى الحديث وفى روايته أما الكلام عن رواية الحديث واستقراء ما يتعلق بها فنقول : قد تشدد قوم فى الرواية فبالغوا فى تشددهم، وتساهل قوم فقصروا (٢٤ - تنقيح ٢) - ٣٧٠ - جتساهلهم: فمن كان مذهبه التشديد قد منع أن يروى أحد إلا ما يحفظه ويتذكره، ومن هؤلاء مالك بن أنس وأبو حنيفة وأبو بكر الصيدلانى الشافعي فلقد روى الحاكم من طريق ابن عبدالحكم عن أشهب ، قال : سئل مالك : أيؤخذ العلم ممن لايحفظ حديثه، وهو ثقة؟ فقال : لا، قيل : فان أتى بكتب فقال : سمعتها ، وهو ثقة ؟ قال : لا يؤخذ عنه ، أخاف أن یزاد فى حديثه بالليل ، يريد أن يزيد بعض الناس فى كتابه وهو لا يعلم . وهذا مذهبشديد قد استقر العمل بين المحدثين على خلافه ، ولعلك لو تتبعت رواة الصحيحين لم تجد نصفهم ممن يحفظون رواياتهم ، ومن المتساهلين ابن لهيعة: كان الرجل يأتيه بالكتاب فيقول : هذا من حديثك ، فيحدثه به مقلدا له ، والصواب الذى عليه الجمهور التوسط بين الافراط والتفريط : فلو روى الراوى من كتابه الذى قابله بالشروط التى سبق بيانها فى الفصل السابق فازروايته مقبولة سواء أكان كابه لم يخرج من يده أم كان قد غاب عنه،متى كان الغالب على ظنه سلامته من التغيير والتبديل ، خصوصا إذا كان من اليقظة والتنبه بحيث لا يخفى عليه التغيير، والأعمى إذا كان لا يحفظ ما يسمعه فاستعان بثقة فى كتابة سماعه وضبطه وحفظه من التغيير واحتاط لذلك إلى حين القراءة عليه صحت روايته، وكذلك البصير الأمى ، وقد منع روايتهما غير واحد من العلماء واختلف العلماء فى الراوى الذى يريد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولاهى مقابلة به ولكنها سمعت على شيخه الذى سمع هو عليه أو كان فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى أو كتبت عن شيخه واطمأنت نفسه إليها، هل تجوز له الرواية من هذه النسخة أولا? ذهب عامة المحدثين إلى أنه لا يجوز له أن يروى منها ، وقطع ابن الصباغ بعدم الجواز، وذهب أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرسانى إلى الجواز، وقال الخطيب: ((الذى يوجبه النظر التفصيل وهو أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هى التى سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها عنه إذا سكنت نفسه إلى صحتها وسلامتها، وإلا فلا)) اهـ وذهب ابن الصلاح إلى تفصيل آخر فقال: ((إذا كانت له إجازة عامة عن شيخه لمروياته - ٣٧١ - أو لهذا الكتاب جازت له الرواية من النسخة ، فإن لم تكن له الاجازة العامة لم تجز، وإذا كان فى النسخة سماع شيخ شيخه أو مسموعه على شيخ شيخه احتاج أن تكون له إجازة عامة من شيخه ويكون لشيخه إجازة مثلها من شيخه )) انتهى كلامه بمعناه ونذكر لك هنا مسألتين: المسألة الأولى: حكم ما إذا وجد الراوى حديثه فى كتابه مخالفاً لما يحفظه، المسألة الثانية: حكم الرواية بالمعنى أما عن المسألة الأولى فنقول: إذا وجد الحافظ الحديث فى كتابه مخالفاً لما يحفظه يفصل فى أمره: فان كان قد حفظ الحديث من الكتاب اعتمد ما فى الكتاب ولم يرجح حفظه عليه، فان الانسان عرضة للنسيان ، وإن كان قد حفظ من فم الشيخ ، فإن لم يعره شك فى حفظه كان عليه أن يعتمد حفظه، وإن كان بحيث بخامره الشك اعتمد الكتاب دون الحفظ، فتلخص لك أنه يعتمد حفظ فى مسألة واحدة ويعتمد كتابه فى مسألتين، وقد استحسن المحدثون له أن يجمع فى تحديثه بين ما يحفظه وما يجده فى كتابه ، فيقول (( الذى أحفظه كيت وكيت وفى كتابى كيت وكيت )) فانه حينئذ يخرج من العهدة بيقين. وكذلك كان يفعل شعبة رحمه الله، وإذا كان حفظه مخالفاً لحفظ شخص آخر موثوق به لزمه كذلك أنيجمع بين الذى يحفظه هو والذى يحفظه الثقة الآخر، فيقول ((حفظى كيت وكيت، وقال فلان كيت وكيت)) ليبرأ إلى الله من العهدة ، وكذلك فعل الثورى وغيره ... وأما عن المسألة الثانية فنقول: أجمع العلماء على أن الراوى إذا إيكن عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها خيراً بما يحيل معانيها بصيراً بمقادير التفاوت بينها، فانه لا تجوزله الرواية بالمعنى، لم يتعر عليه أن يؤدى نفس اللفظ الذى سمعه لا يخرم منه شيئاً ولا يبدل لفظاً بلفظ، واختلفوا فى جواز الرواية بالمعنى إذا كان الراوى عالماً بصيراً، ولهم فى ذلك أقوال أشهرها ستة: القول الأول - وهو قول طائعة من المحدثين والفقهاء والأصوليين: منهم ابن سيرين وثعلب ، وأبوبكر الرازى، ويروى عن ابن عمر - لا يجوز أيضاً إلا باللفظ الذى سمعه ، والقول الثانى - وهو قول يروى عن مالك، ويروى عن الخليل ابن أحمد أيضاً - يجوز ذلك فى غير الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم - ٣٧٢ - فأما فيها فلا يجوز. والقول الثالث - وهو قول جمهور السلف والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة - تجوز الرواية بالمعنى فى الأحاديث المرفوعة وغيرهاإذا قطع بأن اللفظ الذى يروى به يؤدى المعنى الذى سمع داله، وذلك هو الذى تشهد به أحوال الصحابة والسلف، وتدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، وقد استدل هؤلاء للجواز بحديث رواه الطبرانى فى الكبيرورواه ابن منده فى معرفة الصحابة، عن عبد الله بن سليمان الليثى قال: ((قلت يا رسول الله، إنى أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أُؤديه كما أسمع منك: يزيد حرفا، أو ينقص حرفا، فقال: إذا لم تحلوا حراماً ولم تحرموا حلالا و أصبتم. المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال : لولا هذا ما حدثنا . ومن أُنْوى ما يحتجون به إجماع المسلمين على جواز شرح الشريعة للأعاجم بألسنتها المختلفة لمن عرف ذلك، فإذا جاز بغير العربية فانه أحرى أن يجوز بها ، قاله شيخ الإسلام ابن حجر ، والقول الرابع - وهو قول الماوردى - إن كان الراوى، ذاكراً اللفظ الذى سمعه لم يجز أن يغيره، وإن لم يكن ذا كراً إياه جاز لأنه تحمل اللفظ والمعنى وقد عجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر، لاسيما أن تركه قد يكون كتما الأحكام، والقول الخامس - وإليه ذهب الخطيب - يجوز إبدال لفظ بلفظ آخر مرادف له، والقول السادس: إن كان المطلوب. بالحديث عملا لم يجز، وإن كان المطلوب به علما كالعقائد جاز، لأن المعول قى العلم على معناه لا لفظه واعلم أن هذا الخلاف لا يجرى فى ثلاثة أنواع: النوع الأول : ماتعبد بلفظه كالتشهد والقنوت ونحوهما ، صرح به الزركشى، والنوع الثانى : ماهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم التى افتخر بالعام الله عليه بها، ذكره السيوطى - فى التدريب، والنوع الثالث: ما يستدل بلفظه على حكم لغوى، إلا أنيكون. الذى أبدل اللفظ بلفظ آخر عربيا يستدل بكلامه على أحكام العربية ، ذكره جمهور النحاة واعلم أيضا أن هذا الخلاف لايجرى فى الكتب المصنفة، فانه لا يجوزد فيها إبدال لفظ بلفظ آخر وإن كان مرادفا له ، لأن الرواية بالمعنى إنما رخص) - ٣٧٣ - فيها من رخص حين كان الحرج شديداً على الرواة فى ضبط الألفاظ ، وهذا غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب ، وأيضاً فانه إن جاز لك تغيير اللفظ فلا يجوز لك تغيير التأليف واعلم أيضا أنه ينبغي لمن يروى بالمعنى أن يقول عقيب روايته الحديث ((أو كما قال)) ونحو ذلك من الألفاظ، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك مع أنهم أعلم الناس بمعانى الألفاظ ، وذلك مخافة الزلل ، لأنهم يقدرون ما فى الرواية بالمعنى من الخطر، روى أحمد وابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود أنه قال يوما ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ثم اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه ثم قال ( أو منله ، أو نحوه، أو شبیه به)) و کذلك يحسن للقارىء الذى اشتبهت عليه لفظة أن يقول بعدها ((أو كما قال)) ومما يحسن التعرض له هنا حكم اختصار الحديث برواية بعضه وترك بعضه الآخر ، ولها موضعان: الموضع الأول: عند الرواية ، والموضع الثانى: فى . الكتب المصنفة بأن يعمد المؤلف إلى تقطيع الحديث ويضع كل قطعة منه فى الباب الذى يستدل بها على مسائله، واعلم أن العلماء قد اتفقوا على أنه إذا كان بعض الحديث متصلا بعضه الآخر بحيث يختل بحذف بعضه فانه لا يجوز للراوى أن يختصره ، فان لم يكن الحديث بهذه المنزلة فقد اختلفوا فى جواز اختصاره : فمنعه بعضهم مطلقا، بناء على منع الرواية بالمعنى، إذا لم يكن الراوى أو غيره قد رواه تمامه قبل هذه المرة، فان كان هو أو غيره قد رواه تاما من قبل جازله اختصاره ، وأجازه بعضهم مطلقا، وصحح النووى جوازه للعارف، قال: ((والصحيح التفصيل وجوازه من العارف إذا كان ماتركه غير متعلق بما رواه بحيث لايختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوزناها بالمعنى أم لا)) اهـ، وكل هذا إذا ارتفعت منزلة الراوى عن أن تلصق به تهمة فأما من رواه مرة تاما فخاف إن رواد بعدها ناقصا أن يتهم بالزيادة أو النسيان أو الغفلة أو قلة الضبط، فانه لا يجوز له اختصاره، وكذلك إن رواه أولا ناقصا ثم أراد روايته تاما وكان ممن لا تجل منزلته عن النظنن به واتهامه كان - ٣٧٤ - ٠ له العذر فى ترك روايته تاما . وأما تقطيع الحديث فى الأبواب بحب الاحتجاج به فى المسائل فقد قال النووى والسيوطى ((هو إلى الجواز أقرب، ومن المنع أبعد ، قال الشيخ ابن الصلاح: ولا يخلو من كراهة، وعن أحمد ينبغي ألا يفعل ، حكاه عنه الخلال، وما أظنه يوافق عليه، فقد فعله الأئمة مالك والبخارى وأبوداود والنسائى وغيره)) اهـ وينبغي لطالب العلم، وبخاصة الذى يطلب علم الحديث، أن يتعلم من النحو واللغة المقدار الذى يسلم معه من اللحن والتصحيف، قال شعبة: ((.ن طلب الحديث ولم يبصر العربية كان كرجل عليه برنس وليس له رأس)) وقال حماد ابن سلمة: ((مثل الذى يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها )) وطريق طالب الحديث إلى السلامة من التصحيف أن يأخذ عن أفواه أهل المعرفة والضبط لا أن يأخذ من بطون الكتب، وإذا وقع فى روايته لحن أو تحريف فقد اختلف العلماء فيما يفعله حينئذ: فذهب ابن سيرين وعبدالله بن سخبرة وأبو معمر وأبو عبيد القاسم بن سلام إلى أنه برويه على الخطأ كما سمعه، قال ابن الصلاح: ((وهذا غلو فى اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى))اهـ وذهب الأكثرون من المحدثين منهم ابن المبارك والأوزاعى والشعبى والقاسم بن محمد وعطاء وهمام والنضر بن شميل إلى أنه يرويه على الصواب لاسيما فى اللحن الذى لايختلف المعنى به ، وهذا الرأى هو الصواب الذى اختاره النووى وتبعه السيوطى على اختياره، واختار ابن عبدالسلام أنه يترك الخطأ والصواب جميعاً، وقد حكاه عنه ابن دقيق العيد ، فأما الصواب فانه يتركه لأنه لم يسمعه وهو إنما يروى ماسمعه، وأما الخطأ فانه يتركه لأنه يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقله، فالتخلص منه أولى مخافة أن يقع تحت قوله عليه الصلاة والسلام ((من كذب على - الحديث)) واختلفوا فى جواز إصلاح الكتاب وتغيير ماوقع فيه من اللحن : فأجازه بعضهم، والصواب عند جمهرة المحدثين تقريره فى الأصل وإبقاؤه على حاله ، ولكن يضبب عليه ويبين الصواب فى الحاشية ، وقد تقدم ذكر ذلك ، وهذا أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة، فقد يأتى من يظهر له وجه صحته، ولوفتح ه ٠ ٠ - ٣٧٥ - باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل له، ثم إذا أراد أن يقرأه فماذا يصنع ؟ الذى رجحه النووى وتبعه عليه السيوطى أنه يقرؤه على الصواب ثم يقول ((وقع فى روايتنا - أو عند شيخنا، أو من طريق فلان - كذا)) وله أن يقرأ ما فى الأصل أولا ثم يذكر الصواب، لكن الأول أولى، وأحسن أوجه الاصلاح ما كان بما جاء فى رواية أخرى أو حديث آخر ، فان الذى يفعل ذلك يأمن من التقول على الرسول ، وإن كان الاصلاح بزيادة كلمة سقطت من الأصل نظر، فان كانت زيادتها لا تغير معنى الأصل فلا بأس بالحاقه فى الأصل من غير تنبيهه على سقوطه، وذلك كلفظة (ابن) وقد سأل أبو داود أحمد بن حنبل فقال وجدت فى كتاب حجاج ((عن جريج)) أيجوز لى أن أصلحه ((ابن جريج)) قال أرجو أن يكون هذا لا بأسبه، وإن كان الساقط يغير معنى الأصل ذكر الأصل مقرونا بالبيان ، فان علم أن بعض الرواة قد أُسقطه وحده وأن من فوقهمن الرواة أتىبه فله أن يلحقه فى نفس الكتاب، لكن عليه أن یزید كلمة«یعنی)» وقد فعل الخطيب ذلك ، إذ روى عن أبى عمر بن مهدى عن المحاملى بسنده إلى عروة عن عمرة يعنى عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى إلى رأسه فأرجله، قال الخطيب: قال ابن مهدى ((عن عمرة قالت: كان الخ)) فألحقنا به ذكر عائشة إذ لم يكن منه بد، وعلمنا أن المحاملى كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا اهـ، وقد كان وكيع يقول: أنا أستعين فى الحديث بيعنى ، هذا إذا علم أن شيخه رواه له على الخطأ ، فأما إن رواه فى كتاب نفسه وغلب على ظنه أن السقط من كتابه لا من شيخه فالمتحه حينئذ إصلاحه فى كتابه وفى روايته عند تحديثه به، ومثل ذلك إذا درس فى كتابه بعض السند أو المتن بسبب تقطع أو بال فانه يجوز له استدراكه من كتاب غيرء إذا عرف صحته ووثق به واطمأنت نفسه إلى أن هذا هو الساقط ، وقد فعل ذلك نعيم بن حماد ، ومن المحدثين من منع ذلك ولو كان معروفاً محفوظاً، حكاه الخطيب عن أبى محمد ابن مامى ، ويندب له أن يبين حال الرواية وإذا كان الحديث عند الراوى عن شيخين فأكثر وقد اتفقوا فى المعنى - ٣٧٦ - ولكن ألفاظهم مختلفة فله أن يجمع شيخيه أو شيوخه فى الاسناد بأسمائهم ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهم، فيقول مثلا( حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان)) أو يقول ((هذا لفظ فلان)) ووقع لمسلم رضى الله عنه التعبير عن مثل هذه الحال بقوله ((حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبوسعيد الأشج كلاهما عن أبى خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد - إلخ)) فان لم يخص أحد شيوخه بنسبة اللفظ إليه بل أنى ببعض لفظ هذا وببعض لفظ ذاك فقال ((أخبرنا فلان وفلان قالا حدثنا - إلخ)) مثلا فان قال مع ذلك ((ونقارب لفظهما)) أو ((والمعنى واحد)) فان الذين يجوزون الرواية بالمعنى يجوزون ذلك، ومن لم يجوزوا الرواية بالمعنى يأبون قبوله، فان لم يقل ((وتقاربا فى اللفظ)) ولا شبهه فقد قال النووى فى حكم ذلك (( لا بأس به أيضا على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به البخاري وغيره )، ١هـ وإذا روى الراوى كتابا مصنفا عن عدة شيوخ وقابل هذا الكتاب على أصل واحد من هؤلاء الشيوخَ ولم يقابله على أصول الأشياخ الباقين ، ثم أراد أن يرويه ويذكر جميعهم فى الاسناد ناسبا اللفظ لواحد، بأن يقول فلان وفلان وفلان واللفظ لفلان ، فهل يجوز له ذلك ? ذكر السيوطى أن هذا العمل يحتمل الجواز ويحتمل المنع، وذلك لأن فيه جهتين كل واحدة منهما تحتمل حكما من الحكمين؛ فان ما يورده فى روايته قد سمعه بنصه من نسب إليه التلفظ به ، وهذه تحتمل الجواز ، والثانية أنه لعدم مقابلته على أصول الباقين من الأشياخ لا علم عنده بكيفية رواياتهم ، فهذه تسبب المنع ، حكى ذلك العراقى والنووى ولم يرجحا واحدا من الاحتمالين ، وفصل البدر بن جماعة فذكر أنه إن كانت طرق الأشياخ متباينة بأحاديث مستقلة لم يجزذلك وإن كان اختلافها وتفاوتها فى ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط جاز وليس للراوى أن يزيد فى السند بذكر نسب شيخ شيخه أو وصفه إلا بأن يقول ((هو فلان بن فلان)) أو يقول (( يعنى فلان بن فلان)) ونحو ذلك، هذا إذا لم يكن شيخه قدذكرنسب شيخه أو أو صافه فى أول الكتاب - - ٣٧٧ - أو الجزء تم اكتفى بعد ذلك بذكر اسمه مجردا عن النسب والنعوت طلبا للاختصار، فان كان قد ذكر ذلك فى أوله فانه يجوز للراوى أن يذكره فيا بعد، حكى ذلك الخطيب عن الجمهور ، والذى استحسنه السيوطى تبعا لقوم ونسبوه لأحمد وابن المدينى وأبى بكر الأصفهانى أنه فى هذه الحال أيضا لا يزيد إلا مع قوله (( يعنى)) أو نحوه كما قدمنا، وذلك كأن يقول (حدثنا فلان عن فلان یعنی ابن فلان )» أو نحوه وقد جرت عادة المحدثين على أن يحذفوا كلمة ((قال)) فيما بين رجال السند من الكتابة طلبا للاختصار ، فعند الرواية يحسن قولها نطقا، وذكر ابن الصلاح أنه لابد منها، وربما جاء فى الاسناد («قرىء على فلان أخبرك فلان) أو ((قرىء على فلان حدثنا فلان)) فعلى القارىء فى هذه الحال أن يقرأ ((قرىء على فلان قيل له: أخبرك - إلخ)) فيزيد كلمة ((قيل له)) ويقرأ الثانى (( قرىء على فلان قال: حدثنا فلان)) وما أشبه ذلك ، وجعل ابن الصلاح من ترك ذلك مخطئا ، وهل تصح مع الترك روايته؟ الذى ذكره ابن الصلاح فى فتاويه وجزم به النووى فى شرح مسلم وحكاه السيوطى فى ألفينه أن الرواية صحيحة مع الترك. وإذا روى الراوى نسخة أو كتابا إسناد أحاديثها كلها واحد كنسخة همام بن منبه عن أبى هريرة التى رواها عبدالرزاق عن معمر عنه، فهل يجب على الراوى كلما انتهي من حديث أن يذكر مع الذى بعده السند أو يكفيه أن يذكر السند فى أول حديث ثم يقول بعد ذلك فى كل حديث ((و به إليهقال۔ إلخ)) أو نحو ذلك؟ اختلف العلماء فى هذا: فذهب بعض أهل التشديد إلى أنه لابد من ذكر السند كاملا مع كل حديث ، وذهب جمهرة العلماء إلى أن ذكر السند مع كل حديث جائزلا واجب ، هذا إذا روى النسخة كلها ، أما إذا أراد أن يروى بعض أحاديث هذه النسخة منفردا عن باقيها - مع علمك أن روايته بسنده لكل النسخة لا بعضها - فهل يجوز له ذلك أولا؟ ذهب الأكثرون ومنهم وكيع ويحيى بن معين والاسماعيلى إلى جوازه ؛ لأن جميع - ٣٧٨ - ٠ أحاديث النسخة معطوف على الأول فالسند المذكور مع الأول فى حكم المذكور فى كل حديث ، ولأن هذا الصفيع لا يزيد بحال عن تقطيع المتن الواحد فى أبواب متعددة، وقد أجازه الجمهور على ما سبق بيانه ، وحكي عن الأستاذ أبى إسحاق الاسفرايينى أنه لا يجوز ، وللخروج من هذا الخلاف رأى المحدثون أن من أراد فعل ذلك حسن له أن يبين حال روايته كما فعله الامام مسلم فى روايته من نسخة همام بن منبه حيث قال (( حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمرعن همام بن منبه قال : هذا ماحدثنا أبو هريرة - وذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أدنى مقعد أحدكم فى الجنة - الحديث)) ولم يلتزم ذلك البخارى رحمه الله ، بل ولا تستطيع أن تجدله طريقة معينة فى مثل هذه الحال ، بل تجده أحيانا فعل مثل مافعل مسلم، وتجده تارة أخرى يقتصر على الحديث الذى يريده، ولعله إنما قصد بذلك بيان أن كل واحد من هذين الفعلين جائز سائغ، وقد ذكر السيوطى أن بعض المحدثين يذكر الاسناد فى أول الجزء الذى رويت أحاديثه بسند متحد ثم يذكر هذا الاسناد مرة أخرى فى آخر الجزء، وذكر أن هذا الصفيع لا يفيده ، وغرضه نفى إفادته الخروج من خلاف الذين أوجبوا ذكر الاسناد مع كل حديث ، فأمانفى الافادة بالكلية فممنوع ؛ لأنه يفيدتأ كيدا واحتياطا ويتضمن إجازة بالغة من أعلى أنواعها . ونتعرض هنا لذكر مسألتين ، وحكم كل واحدة منهما، أما المسألة الأولى خاصلها أن من المحدثين من يقدم متن الحديث على سنده كأن يقول ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت وكيت أخبرنا به فلان - إلخ الاسناد)) ومنهم من يقدم بعض السند ويؤخر بعضه ويجعل المتن بينهما كأن يقول: « ثنانافع عن ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم كيت وكيت حدثنا به أحمدعن الشافعي عن مالك عن نافع)) وذلك الصنع جائز، وإذا تحمله أحد الرواة على هذا الوجه ثم أراد أن يرويه فهل يجب عليه أن يرويه مقدماومؤخرا كما سمعه أويجوز له روايته على المهيع المعتاد عند جمهرة المحدثين بتقديم السند كنه -٣٧٩ - ٠ · C وتأخير المتن ? اختلف العلماء فى ذلك، والراجح عند الكافة جوازه، وقال الامام النووى: إن الجواز هو القول الصحيح، وقد حكى الحافظ ابن حجر رحمه الله أن تقديم الحديث على السند قد صنعه الامام أبو بكر محمد بن إسحاق خزيمة السلمى فى صحيحه كثيراً، ولكنه إنما كان يصنع ذلك فى الأحاديث التى يجد فى سندها مقالا: فيبتدىء بالحديث ثم بعد الفراغ منه يذكر السند، . وحكي الحافظ ابن حجر عن ابن خزيمة أنه قال فى هذا الشأن : إن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون فى حل منه؛ لأنه أراد أن يبين بعمله هذا رأيه فى سند الحديث ، فبروايته على غير الوجه المذكور يفوت غرضه ، وقد أمر السيوطى فى ألفيته باتباع طريقه وعدم الخروج عنها فى أحاديثه تلك ... المسألة الثانية: إذا سمع الراوى حديثا ، فهل يجوز أن يرويه بتقديم بعض متنه على بعض ؟ الأصح أنه جائز أيضا إذا لم يكن المقدم ارتباط بالمؤخر، والقول بجواز ذلك محكى عن الحسن والشعبى وآخرين . ثم اعلم أن من المحدثين من يروى حديثا ما بسند ما ثم بعدذلك يذكر سنداً آخر لهذا الحديث، وإذا انتهى من السند قال ((نحوه)) أو قال ((مثله)» وتجد فى عامة أبواب صحيح مسلم كثيرا من ذلك ، وهذا الصنع جائز لاشىء فيه ، ولكن إذا أراد الراوى عنه رواية الحديث فهل يجوز له أن يذكر فى روايته له السند الثانى مع المتن المذكور فى السند الأول أو لا يجوز له ذلك؟ للعلماء فى ذلك أربعة مذاهب: المذهب الأول - وهو الذى اختاره ابن الصلاح وروى عن الخطيب أن شعبة كان يذهب إليه - عدم جواز ذلك مطلقاً ، والمذهب الثانى: إن كان الراوى يثق بأن الشيخ ضابط منحفظ يذهب إلى تمييز الألفاظ وعد الحروف جاز له أن يرويه بالسند الثانى مطلقا، ويحكي هذا المذهب عن الثورى، والمذهب الثالث: إن كان الشيخ قد قال ((مثله)) جاز لمن يروى عنه أن يضع السند الثانى للمتن المذكور مع السند الأول ، وإن كان الشيخ قد قال ((نحوه )) لم يجزله ذلك، ويحكي هذا القول عن ابن معين، ومن هنا أخذ الحاكم أبو عبد الله رحمه الله الفرق بين كلمة ((مثله)) - ٣٨٠ - : وكلمة ((نحوه)) حيث قال: ((إن مما يلزم الحديثى من الضبط والاتقان أن يفرق بين أن يقول مثله أو يقول نحوه ؛ فلا يحل له أن يقول مثله إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان على مثل معانيه)) . وقد استحسن السيوطى رحمه الله هذا الفرق . والمذهب الرابع - وهو الذى اختاره الخطيب - أن على الراوى إذا أراد أن يضع المتن المذكور على السند الثاني أن يذكر السند الثانى ثم يقول ((مثل حديث قبله متنه كيت وكيت)) فتكون صورة روايته هكذا (( ثنا فلان نافلان ثنا فلان نافلان مثل حديث ذكر قبله متنه ... لخ)). وههنا مسألة أخرى حاصلها أن من المحدثين من يذكر سنده كاملا إلى حديث فاذا وصل متن الحديث ذكر بعضه وقال بعد ذلك ((الحديث)) أوقال ((ذكر الحديث)) أو قال ((الحديث بطوله)) أو ما أشبه ذلك، وهذا الصنيع جائز لاضرر فيه. ولكن هل يجوز لمن تحمله عنه أن يذكر إسناده ثم يذكر المتن كاملا من رواية شيخ آخر؟ للعاماء فى ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول : لا يجوز له ذلك، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والقول الثانى: إذا كان كل من الشيخ والراوى عنه عارفين متن الحديث الذى ذكر الشيخ سنده إليه جاز للراوى عنه إتمامه ، وإلا فلا ، وممن قال بهذا القول أبو بكر الاسماعيلى، والقول الثالث: إن كان الشيخ قد أجاز الراوى عنه صح له إتمام الحديث ، وتكون روايته له من قبيل الرواية بالاجازة لا بالسماع ، غير أنها إجازة قوية، وإن لم يكن قد أجازه لم يصح لهذلك، وهو تخريج لابن الصلاح ويجب على الراوى عند من منع الاتمام أن يذكر فى روايته للحديث عبارة تدل على حال تحمله، بأن يقول (( ثنا فلان عن فلان ( إلى آخر الاسناد ) وقال: وذكر الحديث، وهو كيت وكيت)) وهذا الصنيع مستحن عند القائلين بالجواز لا واجب . وإذا قال الشيخ فى تحديثه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ... إلخ)) فهل يجوز المراوى عنه أن يبدل لفظ ((رسول الله)) بقوله ((أن النبى))