النص المفهرس
صفحات 301-320
- ٣٠١ - ٠٠٠ ٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، وهو الذى جرى عليه عملياً أكثر المحدثين؛ وعلى هذا بكون قول أحدهم ((أخبرنى)) معناه أنه قرأ على شيخه ذلك، ومعنى قول أحدهم ((حدثنى)) أنه سمع ذلك من لفظ الشيخ ، ويتفرع على هذا أن من يروى حديثاً من كتاب مصنف لا يجوزله أن يبدل التحديث بالأخبار ولا العكس ، وكذا إن روى عن شيخ يرى التفرقة بين التحديث والأخبار على نحو ما يذهب إليه أهل هذا المذهب الثالث، على هذا أطبقت كلمة المحدثين ، أما إذا روى عن شيخ لايرى التفرقة بين التحديث والاخبار المطاقين فهل يوغ له أذ يبدل أحدهما من الآخرأولا يجوز ?ذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك حينئذ سائغ جائز، لأنه لا يزيد عن كونه إبدال لفظ بما يرادفه، ونقل عن الامام أحمد بن حنبل أنه لا يجوز، يروى عنه أنه قال «اتبع لفظ الشيخ فى قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا، ولا تعدوه )). الوجه الرابع: إذا قرأ التلميذ على الشيخ أو قرى، على الشيخ وهو يسمع والشيخ مصغ لقراءة القارىء فاهم له غير منكر عليه، ولكنه لم يتلفظ بلفظ يدل على إقراره هذه القراءة ، فهل يكفى هذا المقدار فى صحة السماع أولا ? ذهب جمهرة المحدثين والفقهاء والأصوليين إلى أن هذا المقدار كاف فى صحة السماع وجواز الرواية بنحو (أخبرنا فلان)) عملا بالقرائن الظاهرة، وذهب بعض الظاهرية إلى أنه لابد من إقرار الشيخ مطلقاً، قال ابن الصلاح ((وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازى وأبو الفتح سليم الرازى وأبو نصر بن الصباغ من الفقهاء الشافعية، قال أبو نصر: ليس له أن يقول حدثنى أو أخبرنى ، وله أن يعمل بما قرىء عليه وإذا أراد أن يروى عنه لزم أن يقول: قرأت عليه - أو قرىء عليه - وهو يسمع، وفى حكاية بعض المصنفين للخلاف فى ذلك أن بعض الظاهرية اشترط إقرار الشيخ عند تمام السماع بأن يقول القارىء للشيخ: وهو كما قرأته عليك، فيقول الشيخ: نعم، والصحيح أن ذلك غير لازم، وأن سكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارىء، اكتفاء بالقرائن الظاهرة)) اهـ وقد استحب كثير من المحدثين أن يجيز الشيخ الذى أسمع تلاميذه جزءاً - ٣٠٢ - ٠٠٠ .. ٠٠٠ أو كتابا، بجميع ذلك الجزء أو الكتاب، جبراً لما عسى أن يقع فى أثناء إسماعه من خلل بسبب تكلم بعض السامعين مع بعض أو إسراع من القارىء أو خفاء فى صوته أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لنقص فى السماع، وإذا بذل الشيخ خله لبعض تلاميذه حسن أن يقول((سمع منی هذا الكتاب وأُجزتله روايته عنى)) حتى قال أبو محمد بن عتاب الأندلسى: لاغنى فى السماع عن الاجازة وأول من أجاز من العلماء بعد السماع أبو المطاهر إسماعيل بن عبدالمحسن الأنماطى وإذا كانت حلقة الشيخ كبيرة، وكان عدد تلاميذه کثیرا ، وكان صوته لا يبلغ آخرهم جاز أن يتخذ له مبلغا منهم يسمع منه ثم يسمع بقية التلاميذ ، قال أبو مسلم النقفى لسفيان بن عيينة: إن الناس كثير لا يسمعون ، فقال: أسمعهم أنت . وقد اختلف المحدثون فى الذى يكون فى آخر الصفوف ولايُسمع صوت الشيخ نفسه، وإنما كان يسمع صوت المبلغ عنه: هل يجوز له أن يروى عن الشيخ عينه أولا يجوز إلا أن يروى عن المبلغ عن الشيخ؟ ذهب المتقدمون من المحدثين إلى أنه يجوز له أن يروى عن الشيخ متى كان الشيخ سامعا لما يقوله المبلغ، لأن هذا المبلغ فى حكم من يقرأ على الشيخ ويعرض الحديث عليه، واستحبوا فى هذه الحالة أن يبين الراوى فى وقت أدائه أن سماعه من المبلغ ، وقد فعل ذلكابن خزيمة وغيره فقد كان يقول فى رواياته (أنبأنا فلان بتبليغ فلان)» وحكم السماع عن المبلغ عن الشيخ كحكم من يسأل جاره من التلاميذ عما تلفظ به الشيخ ولم يسمعه، قال الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعى مع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضا عما قال، ثم يرويه وماسمعوه منه. وذهب الحافظ أبو عمرو .. بن الصلاح والامام النووى إلى أنه لا يجوز له فى مثل هذه الحال أن يروى عن الشيخ، وروى خلف بن تميم قال : سمعت من الثورى عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أستفهم جليسى ، فقلت الزائدة، فقال لى : لا تحدت عنه إلا بما تحفظ بقلبك وسمعت أذنك ، قال : فألقيتها كلها ، وكان أبو نعيم لا يعجبه ذلك ولا يرضى لنفسه . - ٣٠٣ -- (ويسميها أكثر المحدثين عرضاً) قال زين الدين: بمعنى أن القارى يعرض على الشيخ ذلك ، سواء قرأت ذلك على الشيح من كتابه أو سمعته يقراءة غيرك، من كتاب أومن حفظه أيضاً، وسواء كان الشيخ حافظً لما عرضت أو عرض غيرك عليه أو غير حافظ له ( وسواء أمسك الشيخ أصله بنفسه أو ثقة غيره خلافا لبعض الأصوليين) فيما إذا لم يمسك أصله بنصه، وهو القاضى أبو بكر الباقلانى، فانه حكى القاضى عياض عنه أنه تردد فيه وأكثر ميله إلى المنع وإليه نحا الجوينى، يعنى إمام الحرمين ، قال القاضى: وأجازه بعضهم وصححه، وبهذا عمل كافة الشيوخ وأهل الحديث ، وقال ابن الصلاح: إنه المختار، وقوله (ثقة)) احترازعما إذا كان الممسك للأصل لا يعتمد عليه ولا يوثق به ، فذلك السماع مردود ، غير معتد به (وأجمعوا على صحة الرواية بالعرض) قال ابن الصلاح: كما يعرض القرآن على المقرى وقال هنا ((أجمعوا)) وإن خالف فى صحته من يأتى أي كره فانهم كما قال المصنف ١٠ وردوا ما رووا فى ذلك من الخلاف عن أبي عاصم النبيل) وذلك أنه كان لا يرى- يعني أبا عاصم - الرواية بالعرض، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيبانى المصرى أحد الأثبات، قال الذهبى: أجمعوا على توثيق أبى عاصم، وقد قال عمر بن سعد: والله ما رأيت مثله ( و) ردوا مارووا عن أبى (عبد الرحمن بن سلام الجمحى) فانه لم يكتف بذلك، فانه حكى أبو خليفة عنه أنه سمعه يقول: دخلت على مالك وعلى بابه من يحجبه وبين يديه ابن أبى أويس يقول له: حدثك نافع ، حدثك الزهرى ، حدثك فلان، ومالك يقول: نعم، فلما فرغ قلت: يا أبا عبد الله ، عوضنى ما حدثت بثلاثة أحاديث تقرؤها على ، فقال: أعراقى أنت ? أخرجوه عنى ، انتهى واعلم أن قول المصنف إنهم ردوا قوليهما لم يردوه إلا بقولهم إنه لا يعتد بخلافهما ولا يخفى ضعف هذا الرد ، إذ المسألة تحتمل النظ والخلاف - ٣٠٤ - (ورجحه مالك وأبو حنيفة وغيرهما على السماع من لفظ الشيخ) الذى هو أعلى رتب الأخذ والتحمل قلت: والذى فى شرح الألفية أن مالكا يقول بالتسوية كأهل القول الثانى قال السخاوى : والتسوية هی المعروفة عن مالك ، قال : وذ کر ابن فارس عن مالك والخطيب فی الکفایة کقول أبى حنيفة، فانه روی السلمانی من حديث الحسن بن زياد قال : كان أبو حنيفة يقول: قراءتك على المحدث أثبت وأو كد من قراءته عليك، إنه إذا قرأ عليك فانما يقرأ ما فى الصحيفة، وإذا قرأت عليه فقال حدث عنى ماقرأت فهو تأكيد، وهذا هو القول الأول فى المسألة والثانى قوله ( والجمهور على أنهما سواء) قال الزين : ذهَبَ مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والبخارى إلى التسوية بينهما قلت : قد قدم المصنف أن أرفعهما السماع من لفظ الشيخ وأسنده إلى الجمهور ثم عد العرض رتبة ثانية وهنا قال عن الجمهور إنهما سواء ومثله قال الزين فى ألفيته إن السماع من لفظ الشيخ أعلى وجوه الأخذ عند الأكثرين، ولكنه لم يقل فى القول بالتسوية إنه قول الجمهور، فلم يناقض عبارته، وفى شرح السخاوى أن مالكاً كان يأبى أشدّالأباء على المخالف، ويقول: كيف لا يجزئك هذا فى الحديث ويجزئك فى القرآن والقرآن أعظم ، ولذا قال بعض أصحابه : صحبته سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد، بل يقرؤه عليه ، وقال إبراهيم بن سعد: ياأهل العراق لا تدعون تنطعكم ، العرض مثل السماع والثالث قوله ( وذهب جمهور أهل الشرق إلى ترجيح السماع منه )من لفظ الشيخ (على القراءة) عليه المسماة بالعرض، قال السخاوى: لكن محله مالم يعرض عارض يصير العرض أولى ، وذلك بأن يكون الطالب أعلم وأضبط ونحوذلك كأن يكون الشيخ فى حال القراءة عليه أوعى وأضبط وأيقظ منه فى حال قراءته هو ، وحينئذ فالحق أن ما كانفيه الأمن من الخطأ والغلط أ كثر كان أعلى رتبة، وأعلاهافيما يظهر أن يقرأ - ٣٠٥ - . الشيح بأصله وأحد السامعين مقابل بأصل آخر، ليجتمع فيه للفظ والعرض، انتهى قلت : وأخذوا فى العرض القراءة على الشيخ ، وهى بأن يأخذ التلميذ لفظ مايروى ، فلا يسمى مجرد المقابلة لما يمليه الشيخ عرضاً إلا أن يريدوا أو يقرأ السامع أيضًاما قرأه الشيخ وإذا روى من تحمل بالعرض ما يحمله فلم فى ذلك عبارات: ( وأجود العبارات فى العرض أن تقول: قرأت على فلان، إن كان هو الذى قرأ عليه ، وإلا قرىء عليه وأنا أسمع) عبارة ابن الصلاح: أجودها أن تقول: قرأت على فلان أو قرىء على فلان ، وأنا أسمع فأقر به ، فهذا شائع من غير إشكال ( ودون هذه العبارة) أن يقول (حدثنا أو أنبأنا فلان بقراءتى عليه إن كان هو القارىء وإلا قال قراءة عليه وأنا أسمع ) وإنما كانت دون الأولى لايهامها أولا قبل التقييد أنه شافه الشيخ وأسمعه ما رواه عنه ( أو) يقول ( قال فلان قراءة عليه أو نحو ذلك ) مما يقيد أنه رواه بالعرض (حتى استعملوه) أى هذا التركيب ( فى الانشاد قالوا أنشدنا فلان قراءة عليه، أو بقراءفى عليه ( ولم يستثنوا مما يجوز فى القسم الأول إلا سمعت) فقالوا: لا يقال فى الرواية فى هذا القسم سمعت بل يختص بالقسم الأول (وجوزه بعضهم) كالسفيانين ومالك حكاه عنهم القاضى عياض، وهو كما قال ابن دقيق العيد تسامح خارج عن الوضع ليس لهوجه، قال: وربما قرنه بعضهم بأن قال سمعت فلاناً قراءة عليه (والصحيح الأول) وصححه الباقلانى، واستبعد ابن أبى الدم الخلاف، وقال: ينبغى الجزم بعدم الجواز، لأن سمعت صريح فى السماع لفظا ( وأما إطلاق) الأخذ بالعرض عند روايته لما أخذه باطلاقه (حدثنا وأخبرنا من غير تقييد بالقراءة فاختلفوافيه على) ثلاثة (أقوال) الأول المنع ، وهو مذهب أحمد بن حنبل والنسائى وخاق من أهل الحديث ، وقال الباقلانى: إنه الصحيح والثانى الجواز، وهو مذهب الزهرى والثورى وأبى حنيفة ومعظم أهل الكوفة ( . - تنقيح " ) ٠٠ J - ٣٠٦ - والحجاز، و( ثالثها) التفصيل، وهو (منع) إطلاق (حدثنا وجواز أخبرنا) وهو مذهب ابن وهب والشافعي ومسلم وأكثر أهل الشرق (وهو الشائع الغالب على أهل الحديث) عبارة ابن الصلاح: الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف ، وخير مايقال فيه إنه اصطلاح كما قال المصنف ( وكأنه اصطلاح للتمييز بين النوعين) قراءة الشيخ والعرض عليه ، وقال ابن دقيق العيد: حدثنا فى العرض بعيد من الوضع اللغوى، بخلاف أخبرنا فهو صالح لما حدث به الشيخ ولما قرىء عليه فأخبر به ، فافظ الأخبار أعم من التحديث ، فيكل حديث إخبار، ولا ينعكس ، وهنا تفريعات ثمانية ذكرها الزين بلفظ تفريعات ( وإذا قرأ القارى وسكت الشيخ) بعد قول الطالب أخبرك فلان كما قاله فى شرح الألفية ، وكان يجسين من المصنف نقييده به، حال كون الشيخ (غير منكر مع إصغائه وفهمه ولم يقر باللفظ ) وذلك بأن يقول الشيخ عند تمام السماع عليه بعد أن يقول له القارىء: هَو كما قرأت عليك ? فيقول: نعم ( كفى ذلك) فى العرض من غير إقرار الشيخ لفظا (عند جمهور الفقهاء والمحدثين والنظار) قال ابن الصلاح: وسكوت الشيخ على الوجه المذكور نزل منزلة تصريحه بتصديق القارىء، أى اكتفاء بالقرائن الظاهرة ، قال السخاوى : قلت : وأيضاً فسكوته خصوصاً بعد قوله ((هل سمعت)) فيما ليس بصحيح موهم للصحة ، وذلك بعيد عن العدل، لما يتضمن من الغش وعدم النصح ، وهذه المسألة مما استثنى من قول الشافعى: لا ينسب إلى ساكت قول (وشرطه) أى الأقرار باللفظ (بعض الظاهرية) وحكاه الخطيب عن بعض أصحاب الحديث (وبه ) أى بقول بعض الظاهرية (عمل جماعة من مشايخ أهل الشرق وقطع به) بالمنع من الرواية حتى يصرح بالأقرار باللفظ ( جماعة من الشافعية) أبو الفتح سليم الرازى وأبو إسحاق الشيرازى وابن الصباغ إلا أنه ( قال ابن الصباغ: له أن يعمل بما قرأ عليه) ولم يقر به (وإذا / - ٣٠٧ - روى عنه فليس له أن يقول حدثنى ولا أخبرنى، بل يقول) فى الرواية ( قرأت عليه أو قرىء عليه وهو يسمع، وصححه) أى قول ابن الصباغ (الغزالى ) قال الزين : وما قاله ابن الصباغ من أنه لا يطلق فيه حدثنا ولا أخبرنا هذا الذى صححه الغزالى ( وحكاه الآمدى عن المتكلمين ، وصححه ، وحكى الآمدى تجويزه) أى إطلاق الرواية ( عن الفقهاء والمحدثين، وصححه ابن الحاجب، وحكى عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة) هذه عبارة زين الذين بلفظها فى شرح الألفية، وفى مختصر ابن الحاجب مالفظه: وقراءته عليه من غير نكيرولاما يوجب سكوتا مطلقاً على الأصح، ونقله الحاكم عن الأئمة الأربعة ، قال عضد الدين فنقول : وأما قراءته على الشيخ من غير أن ينكر الشيخ عليه ولا يجد أمر يوجب السكوت عنه من إكراه أو غفلة أو غيرهما من المقدرات المانعة عن الأفكار فقد اختلف فى أنه هل يعمل به أولا? فمنعه بعض الظاهرية ، والصحيح أنه معمول به ، إلى أن قال : فنقول عند الرواية : حدثنا أو أخبرنا قراءة عليه ، وهل يقول حدثنا وأخبرنا مطلقامن غير ذكر القراءة ? قال الحاكم: القراءة إخبار، عهدة على ذلك مشايخنا، ونقل ذلك عن الأئمة الأربعة (وإن أشار الشيخ) زاد الزين برأسه أو بأصبعه ( بالاقرار ولم يتلفظ فجزم صاحب المحصول بأنه لا يقول ) الراوى عنه ( حدثنى وأخبرنى ولا سمعت ، قال الزين: وفيه نظر) كأن وجهه أنه إذا جاز أن يقول ذلك مع سكوته كما سلف فمع إشارته بالأولى (واستحبوا الاجازة من الشيخ لتلميذه) عقب السماع، خوفا من الغفلة اليسيرة عن الكلمة والكلمتين ، فان تحقق السهو ولم تحصل إجازة بطل السماع فى القدر المشكوك فيه، لأنه لا رواية إلا مع علم بالتحديث أو الظن، لا مع الشك (وقال زين الدين ) نقلا منه عن ظاهر صنيع المحدثين إنه ( يعفى عن القدر اليسير كالكلمة والكلمتين ) إلحاقاً منهم للأقل بالأكثر، والمغلوب بالغالب ، قال السخاوى : بل توسعوا أكثر من ذلك حتى صار الملاحظ إبقاء سلسلة الأسناد ، بحيث كان - ٣٠٨ - يكتب السماع عن المزى وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القارى وللصبيان الذين لا يضبط أحدهم ، بل يلعبون غالباً ولا يشتغلون بمجرد السماع ، حكاه ابن كثير (وإذا لم يسمع) التلميذ ( كلام الشيخ واستفهم) التلميذ عن كلام شيخه (من عنده) من السامعين (فأخبره لم يروه) أى ما استفهم عنه (عن الشيخ إلا بواسطة من حدثه) فان الذى أخبر به قد صار شيخاً له فيما أخبره به ونزل به درجة عن السماع (وجوزه بعضهم) كأنه نظر إلى اتحاد المجلس (والصحيح خلافه ) كما عرفت. ( وأما المستعلى فهو بمنزلة القارى على الشيخ فاذا سمع المستعلى ما يقول المعلى فلمن سمع المستعلى أن يروى عن المعلى ويقيد ذلك بذكر الاملاء كالقراءة) قال السخاوى : هذا هو الذى عليه العمل عند أ كابر المحدثين الذين كان يعظّم الجمع فى مجالسهم جداً ويجتمع فيه الفئام من الناس ، بحيث يبلغ عددهم ألوفاً مؤلفة ويصعد المستملى على الأماكن المرتفعة ، ويتلقون عن المشايخ ما يملون هذا فيما يكون فيه السماع لا من وراء حجاب إذ هو الأصل ( ويجوز السماع) إذا كان يحدث من لفظه بصوت وهو يعرف الصوت (من وراء حجاب مع معرفة الصوت أو تعريف ثقة به) أى بصوته فيما إذا حدث بلفظه أو بحضوره فيما إذا قرىء عليه صح السماع (لقوله صلى الله عليه وسلم «كلوا واشر بواحتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) قال السخاوى: وقد يناقش فيه بأن الأذان لا قدرة لسماع الشيطان لألفاظه فكيف بقوله وذلك من الحجة لنا أيضاً، ثم ذكر ما أفاده قوله (ولأن أزواح النبى صلى الله عليه وسلم كن يحدثن من وراء حجاب وينقلى عنهن من يسمع ذلك) من غير نكير إجماعاً ١ - ٣٠٩- مسألة (الثالث) من أقسام التحمل (الاجازة) هى مصدر وأصلها إجواز تحركت (١) الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وحذفت إحدى الألفين ، إما الزائدة وإما الأصلية ، على الخلاف بين سيبويه والأخفش وفى مأخذها أقوال: قيل من التجوز، وهو التعدى ، كأنه عدّى روايتهحتى أدخلها إلى المروى عنه، وقيل: من المجاز ، كأن القراءة والسماع هى الحقيقة وما عداها مجاز، وقيل: من الجواز، بمعنى الاباحة ، فانه أباح الجيز من أجازه أن يروى عنه وأذن له فى ذلك (١) أصل إجازة إجواز على وزان إكرام وإعلام ، فالوا ومتحركة وما قبلها ساكن، نقلت حركة الواو، التى هى الفتحة، إلى الساكن الصحيح قبلها فصارت الجيم الساكنة أصالة متحركة بالفتحة المنقولة إليها من الواو، وصارت الواو المفتوحة أصالة ساكنة لسلب حركتها ، فيقال: تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قلبها الآن، فقلبت الواو ألفا، فصار فى الكلمة ألفان: ألف الأفعال كالألف انتى بعد الراء فى إكرام وبعد اللام فى إعلامٍ ، وألف منقلبة عن حرف أصلى التى انقلبت عن الواو للعلة السابق بيانها، وإلى هذا الحد من التصريف اتفق علماء العربية ، ثم اختلفوا فيما وراء ذلك : هل الأولى حذف الألف المنقلبة عن الواو لأنها جزء كلمة ولأن إعلال الكلمة حدث فيها والاعلال يجرى على الاعلال ولأن الألف الأخرى مأتى بها لغرض الدلالة على الصيغة ؟ أم الأولى حذف الألف الأخرى الزائدة لأنها هي التى عندها يتعذر الغطق، إذ سكون الألف الأولى لا يستثقل ولا يتعذر إلا بعد أن تأتى الثانية : أما أن الأولى يدل بها على الصيغة فانها ليست وحدها الدالة على الصيغة بل الهمزة التى فى أول الكلمة تشركها فى الدلالة على الصيغة، فاذا حذفت الألف بقيت الهمزة مؤذنة الصيغة ودالة عليها ومشيرة إليها ؟ هذا هو موطن الخلاف وأيا ما كان فتى حذفت الألف وجب تعويض تاء عنها فى آخر الكلمة، وهذا يفعل فى مصدر الفعل الذى على مثال أكرم إذا كان أجوف نحو أقام وأجاب وأهاد واناب، تقول: إقامة وإجابة وإعادة وإنابة . -٣١٠ - واعلم أنهم اختلفوا فى مرتبة الأجازة والمصنف بنى على كلام الزين أنها رتبة ثالثة ، وأن العرض أقوى منها ، وقيل: هى أقوى منه، لأنها أبعد من الكذب وأنفى عن التهمة وسوء الظن والتخلص عن الرياء والعجب ، قاله أبو تقاسم عبد الرحمن بن منده ، وقال بقى بن مخلد ومن تبعه: إنهما سواء ، وبه قال ابن خزيمة ، فقال : المناولة والاجازة عندى كالسماع الصحيح ( وهى أنواع كثيرة) عدها زين الدين تسعة أنواع ( أصحها (١) أن يجيز العالم (١) الطريق الثالث من طرق التحمل: الاجازة، والبحث عن هذا الطريق فى عدة مواضع : الموضع الأول فى بيان معنى الاجازة اصطلاحا وبيان مأخذ لفظها من حيث اللغة، فأما معناها فى الاصطلاح فهي عبارة عن ((إذن الشيخ فى الرواية عنه إما بلفظه وإما بخطه، بما يفيد الاخبار الاجمالى عرفا)) وأما مأخذها فيحتمل أنها ما خوذة من قولهم (( أجاز فلان المكان )) بمعنى جازه واجتازه، وذلك إذا خلفه وراء ظهره وتعداه إلى غيره ، ويحتمل أنها مأخوذه من قولهم (( أجاز فلان فلانا بكذا)) إذا أباحه له وصيره جائزا بعد أن كان محظوراعليه وكونها مأخوذة من المجازوهو واحد ماذكره الشارح ههنا لا داعى أه ، لأن المجاز من المعنى الأول الذى ذكرناه وهو معنى عرفى لقوم معينين فلا داعى إلى التطفل على موائدهم، واللغة أصل الجميع، وقال أبو عمروبن الصلاح ((روينا عن أبى الحسن أحمد بن فارس الأديب المصنف أنه قال : معنى الاجازة فى كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذى يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه : استجزت فلانا فأجازنى، إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك ، كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه إياه. قلت: فللمجيز .- على هذا - أن يقول : أجزت فلانا مسموعاتى أومروياتی، فیعديه بغير حرف جر ، منغير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك، ويحتاج إلى ذلك من يحمل الاجازة بمعنى التسويغ والاذن والاباحة ، وذلك هو المعروف ، فيقول: أجزت لفلان رواية مسموحاتى ، مثلا، ومن يقول منهم : أجزت له .... وعانى، فعلى سبيل الحذف الذى لا يخفى نظيره، والله أعلم)) أهـ كلامه، قال العبد الضعيف: وكلة الحذف وقعت فى الأصل محرفة ((الخلاف)) ولا معنى لهذا اللفظ، فأًصاحناه -- ------ سے - ٣١١ - ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠ .. إلى ما ترى، يريد به أنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأصل العبارة : أجزت له رواية مسموعانى . والموضع الثانى - فى بيان أركان الاجازة، وهى أربعة: مجيز، وهو الشيخ، ومجاز وهو الراوى عنه. ومجاز به وهو الكتاب أو الجزء ونحوهما، وصيغة وهى العبارة الدالة على الأذن الموضع الثالث- فى حكم جواز الرواية بالأجازة. واعلم أن العلماء يختلفون فى جواز الرواية بالاجازة. ولهم فى ذلك أربعة أتوال: الأول: لا يجوز لأحد أن يروى بالاجازة عن شيخ من الشيوخ . وإلى هذا ذهب جماعة من المحدثين منهم شعبة وإبراهيم الحربى وأبو نصر الوائلى، وجماعة من فقهاء الشافعية منهم أبو بكر الحجندى وجماعة من فقهاء الحنفية منهم أبو طاهر الدبوسى وهو رواية عن الشافعى وأبى حنيفة ومالك. وزعم أصحاب هذا القول أن الشيخ إذا قال لتلميذه: أجزت لك أن تروى منى مالم تسمعه منى. فكأنه قال له: أجزت لك أن تكذب على ، ولا شك أن الشرع لا يبيح ذلك. والقول الثانى يجوز لمن أجيز بشىء من الحديث أن يعمل به فى حد نفسه، ولكن لا يجوز له أن يرويه، وإلى هذا ذهب أبو عمروالأوزاعي من المحدثين . والقول الثالث يجوز لمن تجمل بالاجازة أن يروى ما تحمله ويحدث به. ولكن لا يجوز له أن يعمل به، وإلى هذا ذهب بعض أهل الظاهر، وحبر قول غريب لأن تجويز روايته معناه أنه يحمل غيره على العمل به فاذا كان هو لا يجوزله أن يعمل مع أنه قد صار أصلا فكيف يجوز له أن يرويه ليحمل غيره على العمل به، وإذا كان لا يستلزم أن يعمل غيره به فما فائدة الرواية إذن؟ والقول الرابع: يجوز المراوى أن يروى ما تحمله بالأجازة وأن يعمل بمقتضاه، وهو قول الجمهور من أهل الحديث وغيرهم من الفقهاء والأصوليين، وذكر كثير من العلماء أم الحق، وادعى قوم الاجماع عليه، لكن دعوى الإجماع غير مسلمة بعد الذى ثقلناه لك من الخلاف الموضع الرابع- فى بيان منزلة الاجازة وهل فى أفضل من السماع أو بمنزلته أو دونه ? نقل العلامة الزركشي عن بعض المحققين أنه ذهب إلى أن الاجازة أُعلى منزلة من السماع، ونقل عن أحمد بن ميسرة المالكى أن الاجازة على وجهها خير من السماع الردىء، ونقل عن عبد الرحمن بن أحمد بن بقى بن مخلد ٥ ٣١٢ :- ٠.٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠ ٠٠. أنه وأباه وجده يرون الاجازة مساوية للسماع . وكان عبد الرحمن يقول: الاجازة عندى وعند أبى وجدى كالسماع . وذهب جمهور المحدثين إلى أن الأجازة بالنظر إلى المتقدمين أدنى رقبة من السماع . وأما بالنظر إلى المتأخرين فهى مساوية فى الرتبة والمنزلة للسماع، وحد المتقدين أنهم من وجدوا إلى منتهى القرن الثالث الهجرى، وحد المتأخرين أنهم من وجدوامن مطلع القرن الرابع الهجرى بعد أن دونت السنن وقام العلماء بجمعها وضبطها واشتهرت مصنفاتهم فيها ، وإلى هذا نذهب الموضع الخامس مما يتعلق بمبحث الأجازة - فى بيان أنواعها ومراتب هذه الأنواع وحكم كل نوع منها، والأشهر أن أنواع الاجازة ثمانية : النوع الأول: إجازة خاص بخاص، وحاصلها أن يعين الشيخ الشخص المجاز والكتاب أو الجزء الذى أجازه به، كان يقول ((أجزت فلان بن فلان أن يروى عنى صحيح البخارى)) أو يقول ((أجزتك كتاب كذا)) وهذا النوع أعلى أنواع الاجازات النوع الثانى : إجازة خاص بعام ، وحاصلها أن يعين الشيخ الشخص المجاز ولا يعين ما أجازه به من المكتب أو الأجزاء أو الأحاديث، كأن يقول ((أجزتك جميع مسموعانى)) أو (( أجزتكم جميع مسموعاتى)) النوع الثالث : إجازة عام بعام ، وحاصلها أن يعمم الشيخ فى الذين : أجازهم ويعمم أيضا فى الكتب أو الأحاديث أو الأجزاء التى أجاز بها ، كأن يقول ((أجزت لكل أهل العصر جميع مروياتى)) أو يقول ((أُجزت جميع المسلمين بجميع مروياتى)) أو نحو ذلك، وهذا النوع على ضربين : أحدهما: أن يكون العموم منحصرا فى طائفة معينة كأن يقول ((أجزت أولاد فلان)) أو ((أجزت طلبة العلم فى الأزهر)) أو ((أجزت طلبة العلم فى الحرم المكى)) وثانيهما: لا يخص به طائفة معينة محصورة كما مثلنا أول الأمر، فأما الضرب الأول من ضربى هذا النوع فقد ذكر الحافظ السيوطى أنه صحيح من غير توقف لأحد من العلماء فيه ، وقال القاضى عياض: ما أظنهم اختلفوا فى جوازذلك ولا رأيت منعه لأنه محصور موصوف، وأما الضرب الثانى من ضربى هذا النوع فان للمتأخرين من المحدثين - وهم الذين صححوا الاجازة - فيه خلافا ٦ - ٣١٣ - ٠٠ .. ٠٠٠ فذهب ابن الصلاح إلى تصحيح القول القائل بان الرواية بهذا الوجه مردودة قال: ((ولم نر ولم نسمع ممن يقتدى به أنه استعمل هذه الاجازة فروي بها، ولا عن الشرذمة المتاخرة الذين سوغوها، والاجازة فى أصلها ضعف، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضغفا كثيرا لا ينبغى احتماله)) اهـ. وذهب إلى صحة الرواية بهذا الوجه جماعة منهم الخطيب والقاضى أبو الطيب وابن رشد وابن خيرون ، واعتمده النووى وابن الحاجب والشرف الدمياطى النوع الرابع من الاجازة : أن يجيز الشيخ شخصاً معينا بكتاب مجهول أو يجيز شخصا مجهولا بكتاب معين، فهذا النوع كما ترى من بيان حقيقته ضربان: فمثال الضرب الأول - وهو إجازة المعين بالمجهول - أن يقول الشيخ ((أجزت فلان ابن فلان - أو أجزتك - بجميع مروياتى)) ومنه أنى يقول ((أجزت فلانا - أو أجزتك ـ بكتاب السنن)) إذا كان الشيخ يروى كتبا متعددة كل واحد منها أسمه السنن، فان كان لا يروى إلا كتابا واحدا بهذا الاسم كانت الاجازة من النوع الأول، وهو إجازة المعين بالمعين، ومثال الثانى من ضربى هذا النوع أن يقول الشيخ ((أجزت محمدا بصحيح مسلم)) ولا يبين أى المحمدين هو، وهذا الضرب من الاجازة باطل، فان سمى من يجيزه جـ - ٣١٤ - فيصبح المجاز معينا، فان قال الشيخ (أُجزت محمد بن على إن شاء)) فقد ذكر الحافظ السيوطى أن الأصح حينئذ الجواز، إذ لا جهالة فى الاجازة حينئذ ، ومتى حصلت المشيئة فقد انقضى التعليق النوع السادس من الاجازة: الاجازة المعدوم، كقول الشيخ ((أجزت من يحدثه الله تعالى من الولد لفلان بن فلان)) وقد اختلف العلماء فى صحة هذا النوع من الاجازة ، فذهب القاضى أبو الطيب وابن الصباغ الشافعيان إلى بطلانه، وقال الإمام النووى فى تعضيد ما ذهبا إليه ((وهو الصحيح الذى لا ينبغى غيره)» وذهب الخطيب الحافظ إلى إجازة هذا النوع من الاجازة وقال : إن أصحاب مالك وأصحاب أبى حنيفة أجازوا الوقف على المعدوم وإن لم يكن أضله موجودا، وحكى القول بصحته عن ابن الفراء الحنبلى وابن عمروس المالكي ، ونسب القاضى عياض القول بصحة هذا النوع من الاجازة إلى معظم الشيوخ ، وذهب الحافظ السيوطى إلى التوسط بين القول بصحة هذا النوع والقول ببطلانه ، ورأى أنه إذا كانت الاجازة للمعدوم تبعا لموجود كقول الشيخ ((أجزتك ومن يولد لك)) صحت ،وإلا فلاتصح وقد جعل النووى - تبعا لابن الصلاح - الاجازة للطفل داخلة فى هذا النوع ، وأفردها القطب القسطلانى والحافظ العراقي بنوع ، وزاد العراقى فيه الاجازة للكافر وللحمل ، فأما الاجازة للطفل الذى لا يميز فهى صحيحة على الصحيح الذى قطع به القاضى أبو الطيب والخطيب البغدادى ، ولا يعتبر فى الطفل المجاز سن معين ولا غيره، وذهب بعض العلماء إلى أن إجازة الطفل غير المميز لا يجوز ، قال ابن الصلاح ((كان الذين صححوا إجازة الطفل غير المميز رأوه أهلا للتحمل بهذا النوع ليؤدى به بعد حصول الأهلية للأداء حرصا على بقاء الاسناد)) اهـ. وكأن الذين ذهبوا إلى بطلان إجازة الطفل غير المميز رأوا انعدام أهليته بمنزلة انعدام ذاته ، ولهذا عد بعض العلماء إجازة الطفل من نوع إجازة المعدوم ، فكأن المعدوم عندهم أعم من أن يكون معدوما حقيقة وهو الذى لا وجود له وأن يكون معدوما على سبيل المجاز - ٣١٥ - ٠٠. ٠٠٠ ... ... .. ٠٠٠ وذلك بأن تكون أهليته غير موجودة، ويؤيد هذا الذى ذكرناه أن الخطيب - وهو الذى صحح إجازة الطفل غير المميز - قد ذهب أيضا إلى أن إجازة المجنون صحيحة ليؤدى فى حالة إدراكه وتعقله قال ((الاجازة إباحة المجيز للمجاز له أن يروى عنه، والاباحة تصح للعاقل وغيره)) وأما الاجازة للكافر - وهو أيضا من المعدوم بانعدام الأهلية - فقد قال الخطيب ((ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الاجازة نفكافر ، إلا أن شخصا من الأطباء يقال له محمد بن عبد السيد سمع الحديث فى حال يهوديته على ابن عبد الله الصورى، وكتب اسمه فى الطبقة مع السامعين. وأجاز الصورى لهم وهو من جملتهم ، وكان ذلك بحضور المزى، فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقرعليه ثم هدی الله هذا الیهودی للاسلام وحدث وسمع منه أصحابنا )) اهـا. النوع السابع من أنواع الاجازة : أن يجيز الشيخ بما لم يتحمله هو بأى نوع من أنواع التحمل من سماع أو إجازة أو غيرها، كأن يقول للتلميذ ((أجزتك صحيح البخارى)) مثلا فى حين أنه لم يتحمل صحيح البخارى أصالة وهذا النوع باطل عند المحققين من المحدثين ، قال القاضى أبو الوليد يونس ابن مغيث ((يعطيك ما لم يأخذ)) وقال عياض («إنه يجيز مالا خبر عنده منه ويأذن بالتحديث بما لم يحدث به، ويبيح ما لا يعلم)) وشبهه ابن الصلاح باذن فى بيع ما لا يملك، قال ((النوع السادس من أنواع الاجازة إجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله أصلابعد، ليروي، المجازله إذا تحمله المجيز بعد ذلك . أخبرنى من أخبر عن القاضى عياض بن موسى من فضلاء وقته بالمغرب قال : هذا لم ر من تكلم عليه من المشايخ، ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه، ثم حكى عن أبى الوليد يونس بن مغيث قاضى قرطبة أنه سئل الاجازة بجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد، فامتنع من ذلك، فغض السائل ، فقال له بعض أصحابه: ياهذا يعطيك ما لم يأخذه ؟ هذا محال. قال عياض: وهذا هو الصحيح. قلت: ينبغي أن يبنى هذا على أن الاجازة فى حكم الاخبار بالمجاز جملة أو هى إذن ، فان جعلت فى حكم الاخبار لم تصح هذه الاجائزة، إذكيف يخبر بما لا خبر عنده منه؟ وإن جعلت إذنا انبنى هذا على الخلاف - - ٣١٦ -- فى تصحيح الأذن فى باب الوكالة فيما لم يملكه الآذن المؤكل بعد ، مثل أن يوكل فى بيع العبد الذى يريد أن يشتريه ، وقد أجاز ذلك بعض أصحاب الشافعى، والصحيح بطلان هذه الاجازة ، وعلى هذا یتعین علی من یرید أن يروى بالاجازة عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته مثلا- أن يبحث حتى يعلم أن ذلك الذى يريد روايته عنه مما سمعه قبل تاريخ هذه الاجازة أو بعده؟ وأما إذا قال الشيخ ((أجزت لك ما صح ويصح عندك من مسموعاتى)) فهذا ليس من هذا القبيل، وقد فعله الدارقطنى وغيره، وجائز أن يروى بذلك عنه ما صح عنده بعد الاجازة أنه سمعه قبل الاجازة، ويجوز ذلك وإن اقتصر على قوله ما صح عندك، ولم يقل: وما يصح، لأن المراد: أجزت لك أن تروى عنى ما صح عندك ، فالمعتبر إذن فيه صحة ذلك عنده حالة الرواية . والله أعلم . النوع الثامن من أنواع الاجازة: إجازة المجاز، كقول الشيخ لتلميذه ((أجزتك مجازاتى)) أو ((أجزتك كل ما أجاز فيه العلماء)) وقد اختلف أهل الحديث فى صحة هذا النوع من الاجازة ، فذهب الحافظ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأماطي إلى أن هذا النوع من الاجازة غير مقبول ، من قبل أن الاجازة ضعيفة فى ذاتها ، فإذا اجتمع إجازة على إجازة لم تزدد إلا ضعفا ، والصحيح الذى عليه عمل جمهرة المحدثين جواز هذا النوع ، وبالجواز قطع جمع منهم الحافظ الدار قطنى وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسى ، وقد فعله الحاكم أبو عبد الله ، وادعى ابن طاهر الاتفاق على جواز هذا النوع، وقد والى الحافظ أبو الفوارس بين ثلاث إجازات، ووالى الرافعى فى أماليه بين أربع إجازات ، ووالى قطب الدين الحلبى فى تاريخ مصر بين خمس إجازات ، ووالى شيخ الاسلام الحافظ ابن حجر فى أماليه بين ست إجازات، قال ابن الصلاح ((منع ذلك بعض من لا يعتد به من المتأخرين، والصحيح الذى عليه العمل أن ذلك جائز، ولا يشبه ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكل ، ووجدت عن أبى عمرو السفاقسى الحافظ المغربى قال : سمعت أبانعيم الحافظ الاصفهاني يقول: الاجازة على الاجازة قوية جائزةاهـ - ٣١٧ - كتاباً معيناً لرجل معين) فيعين المجاز له والمجاز به ( فيقول: أجزت لك أن تروى عنى كتاب فلان) قال زين الدين: إنه حكى القاضى عياض الاتلق على جواز هذا النوع (ودون هذا أن يجيز) الشيخ (لرجل معين جميع مسموعاته من غير تعيين) للمجاز به، وهذه الثانية، والثالثة قوله (ودون هذا الن يجبر جميع مسموعاته لجميع الموجودين من المسلمين) لعدم تعيين الأمرين ماً ولا أحدهما، والرابعة قوله ( ودون هذه أن يجبز ذلك) أى جميع مسموعاته (لجميع المسلمين الموجودين والمعدومين ) ووجه تأخرها عما قبلها ظاهر، واختار الخطيب صحتها، قال : إِذا أجاز لجميع المسلمين صحت الأجازة ، وكذلك الحافظ ابن منده ، فانه وههنا أمور لا بد أن. تنبهك إليها: فالأول أن المحدثين استحسنوا الاجازة إذا كان المجيز عالما والمجاز من أهل الفن المهرة الحاذقين، لأنها توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها ، قال عيسى يق مسكين: الاجازة رأس مال كبير ، ولم يشترطوا فى صحتها ذلك، بلى رأوه حسنا وذهب جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر إلى اشتراط كون المجيز عالما بمايجيزه وكون المجاز من أهل العلم أيضا، وحكى ذلك عن الإمام مالك رضى الله عنه الأمر الثاني: إذا أجاز الشيخ تلميذه كتابة فانه ينبغى له أن يتفقظ بالاجازة فان اقتصر على الكتابة ولم يتلفظ بما يدل عليها مع كونه قاصداً الاجازة صحت، وتكون الاجازة حينئذ أدنى رتبة من الملحوظ بما يدل عليها ، فان كتب عبارة الاجازة وهو لا يقصد بما يكتبه الاجازة فقد قال ابن الصلاح: غير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة فى باب الرواية التى جعلت فيه. القراءة على الشيخ مع أنه لم يتلفظ بما قرىء عليه إخبارا منه بذلك. الأمر الثالث: لا يشترط فى صحة الاجازة قبول المجاز، كما صرح به البلقيني، ويتفرع على هذا أنه لو أجاز الشيخ أحد تلاميذه فرد التلميذ هذه الإجازةلم يكن رده مانعا له من أن يروى ما أجازه به بعد ذلك الرد من غير تجديد إجازة ولم يكن رجوعه مانعا التلميذ من أن يروى ما أجازه به قبل الرجوع وبعده من غير تجديد إجازة، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - ٢١٨ - أجاز لمن قال لا إله إلا الله، وإليه ذهب الحافظ السلفى فانه كتبمن الاسكندرية فى بعض مكاتباته إجازة لأهل بلدان عدة منها بغداد وواسط وهمدان و إصبهان وزنجان ، قال القاضى عياض : إِن الاجازة العامة للمسلمين من وجد منهم ومن لم يوجد ذهب إليها جماعة من مشايخ الحديث، قال زين الدين: وأنا أتوقف عن الرواية بها (ولها صور غير هذه) قد قدمنا لك عن الزين أن صورها تسع فهذه منها أربع (وفى كل منها) أى من هذه المذكورة أو من المحذوفة (خلاف) [والقائلون بكل صورة أكثر من القائلين بما دونها] وادعى الباجى أنه لاخلاف فى جواز الرواية بالأجازة من سلف هذه الأمة وخلفها، قال زين الدين : إن حكايته الأجماع غلط ، وقال ابن الصلاح : إنه باطل . قلت : تقدم عن القاضى عياض أنه فى الأولى من الصور. (والذى اعتمد عليه من أجازها اختلفوا) فى معناها اختلافا فرع عنه اختلاف آخر (فمنهم من قال: هى خبر جملى، وكل ما جاز فى الأخبار الجملية جاز فيها فمن هنا) أى من حيث كونها خبراً جملياً ( قال بعضهم) أى بعض من أجاز الأجازة (لانجوز لغير معين ولا لمعدوم لأن الأخبار لا يكون إلا لمعين موجود مشافهة أو مكاتبة) فلم يجيزوا إلا القسم الأول منها، وهو حيث تعين المجاز له (ومن أجاز ذلك فى حق المجهول ) كأجزت لأهل مصر مثلا (والمعدوم) وحده كأجزت لمن سيوجد أو مع الموجودين (احتج) من يقول بجواز ذلك ( بأنه يجوز أن يقول أخبرنا الله فى كتابه بكذا كما يقول أمرنا بكذا وإن كنا وقت الأخبار والأمر غير موجودين ولا معينين ) قال المصنف (وهذا) الدليل(ضعيف لوجهين : الأول أنه لو جاز لنا القياس على هذا ) أى على قولنا أخبرنا الله بكذا (لجاز لنا أن نروى عمن لم يجز لنا من المحدثين، فان جواز قولنا أخبرنا الله لا يتوقف على أن الله أجاز لنا الرواية عنه) قلت: لم لا يقال إنه قد ثبت أنه قال صلى الله عليه وسلم (( ليبلغ الشاهد الغائب)) وقال ((بلغوا عنى ولو آية)» وهو . - ٣١٩ - خطاب للأمة الموجودين أولمن شافه منهم بأن يبلغوا عنه ما أني به من عند الله من كتاب وسنة ، فهذه إجازة منه صلى الله عليه وسلم فى الأبلاغ عنه ماجاء به، فهو يروى القرآن عن جبريل عن الله تعالى ، ثم أمرنا بابلاغه ، فإذا عرفت فقولنا أخبرنا الله بكذا مستنداً إلى هذا الأمر الذى هو إجازة وزيادة ، وغايته أن يكون قولنا أخبرنا الله بكذا خبراً مرسلا لأسقاطنا الواسطة ، ولا يلزم أيضًا أن يكون إخباره صلى الله عليه وآله وسلم لنا عن الله بالقرآن وبالأحاديث القدسية التى بلغها إليه الملك خبراً مرسلا، لأنه من الأخبار المعلوم صدقها ، فإذا وجب قبول خبره صلى الله عليه وسلم لأجل المعجزة ، فليس كالأخبار المرسلة فى الروايات ، لأن المخبر هنا معصوم عن الكذب رواية عن غيره وقولا عن نفسه وصل خبره بذلك الواسطة وهو جبريل أو غيره من الملائكة أولا وقد صرح صلى الله عليه وآله وسلم فى بعض رواياته عن الله تعالى بذكر جبريل، والأكثر حذفه ، وإذا تقررهذا فلا يتم قول المصنف إنه لا يتوقف قولنا أخبرنا الله تعالى على أنه أجاز لنا الرواية عنه ، بل قد أجاز لنا تعالى الرواية عنه على لسان رسوله حيث قال: (( هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)) فانه معطوف على الأميين أو على ضمير مفعول « يعلمهم)) فالصحابة معلّمون له صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة ، والكل إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم عن الله كما تقرر أن الحق أن السنة وحى، وهى المراد بالحكمة فى الآية ، ثم أمرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلموا من يأتى بعدهم ويبلغوهم الكتاب والحكمة ، ثم هلم جرا إلى انقضاء دار التكليف، وكل ذلك إخبار عن الله بالأجازة منه صلى الله عليه وآله وسلم وهى أمره لهم بالابلاغ ، فأخباره صلى الله عليه وسلم عن ربه كله بالاجازة عنه تعالى، فإن أمره تعالى له صلى الله عليه وآله وسلم باخباره لنا عنه أوامره ونواهيه - ٣٢٠ - وكلامه هو عين الاجازة له بالا بلاغ ، غايته أنه تعالى أوجب عليه ذلك الابلاغ كما أوجب صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة الابلاغ عنه وعن الله، فقولنا أخبرنا الله بكذامرسل ، بل المراد أخبرنا مَنْ عَلَّمنا كلام الله عن رسول الله عن جبريل عن الله ، ومن علمنا بينهم وبين من علمهم وسائط لا ينحصرون، لكن الاخبار المتواترة كالقرآن والواجبات الخمسة ونحوها لا ينظر فيها إلى الرواة ولا إلى صفاتهم وإلا فالكل رواية ، فليتأمل فانه قد يقال: إن انقسام الرواية إلى مرسل وغيره إنما هو فى الأحاديث لافى المتواترات لأنه قد يقال أول رتبه آحاد إلا أن يقال التصديقي بالمعجزة صير قبول الخبر ضروريا من صاحبها ، وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والضرورة هى العلة فى قبول الأخبار المتواترة فهى كالتواتر وأقوى منه فى أول رتبة ، فلينظر فلم تجدهذا البحث لأحد، وإنما هو من فتح الله وله الحمد، کله (ولو جاز ذلك) عن الله ( لجاز لنا أيضاً أن نروى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم بغير واسطة) يقال عليه سؤال الاستفسار ، وهوما معنى بغير واسطةهل يختلف عليه فهذا ليس باخبار عنه لغة قطعا ، وإن أريد بغير واسطة أى بغير راو لنا عنه فنحن إنماطريق ما يبلغنا عنه التعليم، أماللقرآن فمن أفواه حفاظه أو من خطوط الثقات من حفاظه والكل واسطة، وتعليمهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو السنة، ولا تبلغنا إلا من أفواه الرواة أو من خطوط ثقاتهم النقلة ، والكل إبلاغ لنا ورواية، فاذا نقلناعن الله تعالى أمراً وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سنة فهي لاتكون إلا بواسطة قطعاً ، ولا يشترط أن يقول لنا المبلغ: اروواعى لأنه قد أمرنا الشارع بالرواية عنه والابلاغ بحيث لوقال لنا من علمنا قد حجرتكم عن الرواية عنى لكان كلاما لاغيا وكان به آ ثما ، وإذا عرفت وجوب الرواية عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وآ له وسلم كل ماصح لك من كتاب وسنة وأنك لاتحتاج فيه إلى إجازة أصلا .