النص المفهرس

صفحات 261-280

- ٢٦١ -
ولا يعرفون هذا الشأن إنما سمعوا فى الصغر واحتيج إلى علو سندهم فى الكبر،
فالعمدة على من قرأ لهم وعلى من أثبت صفات السماع لهم، انتهى ( قلت :
هذا الذى يرجع إليه أهل الحديث هو بعينه الذى بدأ به أهل البيت عليهم السلام)
أى الزيدية منهم ، فانه قد عد المصنف فى العواصم عمدة من علماء أهل البيت
ليسوا على مذهب الزيدية بل فى كل فرقة من فرق الأئمة الأربعة علماء من أهل
البيت مذاهبهم على طريقة من هم بين أظهرهم (وهو قبول المراسيل من العدول الثقات
الأمناء) وذلك لأن هؤلاء الرواة من المتأخرين صرح أئمة الحديث بأنه ليس
الاعتماد عليهم، بل على المحدثين المفيدين ، وإذا كان الاعتماد عليهم لم يكونوا
رواة ، فالذى يروى من طريقهم مرسل وإن كان موصولاً صورة ( ولكن لا بدمن
تقييد المراسيل بما تقدم فى بابها ، والله أعلم) حيث قال: فان المتأخرين من
المحدثين وافقوا على قبول المراسيل، وهو مانص على صحته ثقة عارف بهذا الشأن
لارتفاع العلل الموهية للمراسيل عن هذا النوع ، إلى آخر كلامه هنالك
- ٤٧ -
مسألة
[ فى ذكر مراتب التعديل]
من علوم الحديث ذكر (مراتب التعديل) مصدر عُدَّله نسبه إلى العدالة مثل
فسقه ( قال زين الدين : هذه الترجمة معقودة لبيان ألفاظهم فى التعديل التى
يدل تغايرها على تباين أحوال الرواة فى القوة، وقد رغب ابن أبى حاتم) هو الامام
أبو محمد عبد الرحمن بن الامام أبى حاتم محمد بن إدريس الرازى ( فى مقدمة

- ٢٦٢ -
كتاب الجرح والتعديل طبقات ألفاظهم فيها فأجاد وأحسن ) كما قاله ابن الصلاح
(وقد أوردها ابن الصلاح وزاد فيها ألفاظاً أخذها من كلام غيره) أى غير ابن
أبى حاتم (قال زين الدين: وقد زدت عليها ألفاظً من كلام أهل هذا الشأن غير
متميزة بقلت) أى لا يميزها عن غيرها بقوله قلت ( ولكننى أوضح ما زدته
عليها هنا إن شاء الله تعالى) انتهى كلام الزين .
( ثم قال: مراتب التعديل أربع، أو خمس) وقال السخاوى : ست ،
وسأوضح مازاده
(فالمرتبة الأولى العليا من ألفاظ التعديل ، ولم يذكرها ابن أبى حاتم ولا ابن
الصلاح فيما زاده عليه ، وهو أن يكرر لفظ التوثيق المذكور فى هذه المرتبة الأولى
إما مع تباين اللفظين ) مع تقارب المعنى ( كقولهم ثبت) بسكون الموحدة الثابت
القلب واللسان والكتاب ، وأما ثبت بالفتح ففيما يثبت فيه للمحدث مسموعه
مع أسماء المشاركين له فيه ، لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره (حجة
أو ثبت حافظ ، أو ثقة ثَبْت، أو ثقة متقن) هو الضابط الجيد الضبط ، فلابد
حينئذ مما يدل على العدالة ، فإذا قال ثبت أفاد ذلك وزيادة ، فان معناه ما تطمئن
به النفس وتقنع به، فيثبت عندها، أى لا تطلب عليه مزيداً، إذ ذلك لا يكون
إلا لمن جمع مع الضبط العدالة، قال فى القاموس: «ثبته عرفه حق المعرفة والاثبات
الثقات)) انتهى، وفى النهاية: الثبت بالتحريك الحجة والبينة ،وحينئذ يكون من
الرتبة التى قبلها (أو نحو ذلك) كقولهم كأنه مصحف، هذا مع اختلاف اللفظين (أو
مع إعادة اللفظ الأول) بعينه ( كقولهم ثقة ثقة) تأكيد لفظى لزيادة التقرير (أو
نحوها) وذلك لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الحاكى
عنه قال السخاوى: وعلى هذا فمازاد على مرتين مثلا يكون أعلى منهما كقول
ابن مهدى ثقة ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث ، قال : وأكثر ماوقفنا عليه
١

- ١٦٣ -
من ذلك قول ابن عيينة: حدثنا عمروبن دينار، وكان ثقة ، سبع مرات ، وكأنه
سكت لانقطاع نفسه
(فهذه المرتبة أعلى العبارات فى الرواة المقبولين ، كما قاله الحافظ أبو عبدالله
الذهبى فى مقدمة كتابه ميزان الاعتدال ) فانه قال: فأعلى العبارات فى المقبولين
ثبت حجة إلى آخر ماهنا ، وقال السخاوى: إن أعلاها كما قاله شيخه الحافظ ابن
حجر الاتيان بصيغة أفعل كأن يقال: أوثق الناس، أو أثبت الناس ، أونحوهما،
کقولحسان ابن هشام : حدثنى أصدق من أدركت من البشر محمد بن سیرین،
لما تدل عليه هذه الصيغة من الزيادة، وألحق بها شيخنا ((المنتهى فى الثبت » ثم
يليه ما هو المرتبة الأولى عند بعضهم كقولهم: فلان لا يسأل عن مثله، ثميليه ماهو
المرتبة الأولى عند الذهبي والزين، انتهى
قلت : الذى فى مقدمة التقريب للحافظ ، أنه جعل أفعل وتكرير الصيغة
مرتبة واحدة هى أول المراتب
واعلم أنه جعل الحافظ ابن حجر أول المراتب كونه صحابيا فانه قال :
وباعتبار ماذكرته انحصر لى الكلام على أحوالهم فى ثنى عشرة ، فأولها الصحابة
والثانية من أكد مدحه إما بأفعل كأوثق الناس، إلى آخر كلامه، فأول المراتب
توثيقاً كون الراوى صحابياً، وظاهر هذا أن كونه صحابياً قد تضمن أنه ثقة
حافظ ، فصفة الصحبة قد تكفلت بالعدالة والضبط ، وهذا لا إشكال فيه بالنظر
إلى العدالة على أصل أئمة الحديث، ولكن بالنظر إلى الضبط والحفظ لا يخلو عن
الاشكال، إذ الحفظ وعدمه من لوازم البشرية لا ينافى الصحبة ، بل لا ينافى النبوة
فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه نسى فى صلاته وغيرها ، فكيف يجعل كون
الراوى صحابياً أبلغ من الموصوف بأوثق الناس ونحوه ، والصحبة لا تنافى النسيان
وعدم الحفظ ، بل قد ثبت فى صحيح البخارى نسيأن عمر لقصة التيمم وتذكير
عمار له بها، ولم يذكر ، بل قد ثبت أنه قال صلى الله عليه وسلم : رحم الله فلانا

- ٢٦٤ -
لقد ذكرنى البارحة آية كنت أنسيتها، وقدورد علينا سؤال فى هذا الشأنوكتبنا
فيه رسالة ، وأطلنا فيها البحث ، ولم أعلم من تنبه لذلك
(المرتبة الثانية، وهى التى جعلها ابن أبى حاتم الأولى، وتبعه على ذلك ابن
الصلاح، قال ابن أبى حاتم : وجدت الألفاظ فى الجرح والتعديل على مراتب
شتى) جمع شتيت كمرضى ومريض (فاذا قيل للواحد) من الرواة (إنه ثقة أو متقن
فهو محتج بحديثه، قال ابن الصلاح: وكذا إذا قال ثبت أو حجة) فكل هذه
الألفاظ من المرتبة الأولى، وهذه الصفات قد تضمنت العدالة والحفظ ، فأما إذا
أفرد الحفظ والضبط فلاتتضمن العدالة كما يشير إليه قوله ( وكذا إذا قيل فى العدل
إنه حافظ أو ضابط) إذ مجرد الوصف بكل منهما غير كاف فى التوثيق، بل بين.
المعدل و بينهما عموم وخصوص من وجه لأنه لا يوجد بدونهما ، و یوجد ان بدونه
. ويوجد الثلاثة ، ويدل لذلك أن ابن أبى حاتم سأل أبا زرعة عن رجل فقال له:
هو صدوق، وكان أبو سليمان بن داود الشاذ كونى من الحفاظ الكبار إلا أنه كان
يتهم بشرب النبيذ وبالوضع، حتى قال البخارى : إنه أضعف عندی من کل
ضعيف، ورؤى بعد موته فى النوم فقيل له : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لى،
قيل له : بماذا ؟ قال: كنت فى طريق أصفهان فأخذنى مطر وكان معى كتب ولم
أكن تحت سقف ولاشىء فانكببت على كتبى حتى أصبحت ، وهذا المطر، فغفر
الله لى بذلك فى آخرين، انتهى. قال السخاوى: ومجرد الوصف بالاتقان كذلك» ..
قياساً على الضبط ، سوى إشعاره بمزيد الضبط
(قال الخطيب: أرفع العبارات أن يقال: حجة أو ثقة) فالحجة والثقة
مستويان عنده، وفى كلام ابن أبى داود حين سأله الآجرى عن سليمان بن بنت
شرحبيل فقال: ثقة يخطى كما يخطى الناس، فقال الآجرى: فقلت: هو حجة)،
قال: الحجة مثل أحمد بن حنبل، وكذا قال ابن أبى شيبة؛ أحمد بن عبد اله
.ابن يونس: ثقة وليس بحجة، وقال فى مد بن إسحاق: ثقة وليس بحجة ، وفى ابن

- ٣٦٥
أو يس : صدوق وليس بحجة
(المرتبة الثالثة قولهم: ليس به بأس، أولا بأس به) فان قيل : إنه ينبغى أن
يكون لا بأس به أبلغ من ليس به بأس ، لعراقه ((لا)) فى النفى ، أجيب بأن فى العبارة
الأخرى قوة من حيث وقوع النكرة فى سياق النفى، فساوت الأولى فى الجملة ( أو
صدوق) على صيغة المبالغة، لا (محل للصدق)) فيأتى أنها دونها (أو مأمون، أو
خيار) من الخير ضد الشر، ومن ذلك الوصف لسيف بن عبيدالله أنه من خيار
الخلق كمافى أصل حديثه من سنن النسائي (وجعل ابن أبى حاتم وابن الصلاح هذه
المرتبة الثانية ، لاالثالثة ( واقتصرا فيها على قولهم: صدوق، أولا بأس به،: أدخلا
فيها قولهم : محاء الصدق، وقال ابن أبى حاتم: من قيل فيه ذلك فهو ثمن يكتب
حديثه وينظر فيه) قال ابن الصلاح: لأن هذه اللفظة لا تشعر بشريطة الضبط فينظر
حديثه الخبير حتى يعرف ضبطه (وأخرت هذه اللفظة) وهى «محله الصدق» ( إلى
المرتبة التى على هذه تبعاً لصاحب الميزان) فانه هكذا صنع، وهذه اللفظة دالة على
أن صاحبها محله ومر تبته مطلق الصدق ، فهى دون صدوق، لا نهوصف بالصدق
على طريقة المبالغة، ولذا جعل صدوق من المرتبة الثانية ، ومحله الصدق من الرابعة
( والمرتبة الرابعة قولهم: محله الصدق، أورَوَوْا عنه، أو إلى الصدق ماهو)
يعنى ليس ببعيد عن الصدق ، وقال البقاعى: معناه عند أهل الفن أنه غير
مدفوع عن الصدق ، وتحقيق معناها فى اللغة أن حرف الجر يتعلق بما يصلح النعلق
به ، وهو هنا قريب، فالمعنى فلان قريب إلى الصدق ، ويحتمل أن تكون مانافية
وحينئذ يجوز أن يكون المعنى ما هو قريب منه، فيكون نفياً لما أثبتته الجملة لأ ولى
فتفيد مجموع العبارة التردد فيه .
قلت : بل المعنى على هذا: فلان قريب إلى الصدق ، وهى الجملة الأولى ،
ما هو قريب ، وهى الثانية، فتفيد تناقض الجملتين لا التردد ، فلا ينبغي حمل
كلامهم على هذا الإحتمال
٠

-٢٦٦ -
قال: ويحتمل ماهو بعيد فيكون تأ كيداً للجملة الأولى
قلت : هذا متعین
قال : ويحتمل أن تكون استفهامية، فكأنه قيل هو قريب إلى الصدق ، ثم
سأل عن مقدار القرب ، فقال : ماهو ? قليل أو كثير
قلت: هذا يبعده السياق، لأن القائل ((إلى الصدق ماهو)) هو الذى عدل
من وصف فكيف يسأل غيره عنه، فأولى التوجيهات هو الأول ، ومعنى ماهو
أن تكون مانافية، وهو اسمها ، وخبرها [محذوف] أى ماهو بعيد عن الصدق،
والجملة تأ کید لما قبلها
(أو شيخ وسط ، أو وسط أو شيخ أو صالح الحديث أو مقارب الحديث
بفتح الراء ) ومعناه حديثه يقارب حديث غيره (وكسرها) ومعناه أن حديثه
مقارب لحديث غيره من الثقات ، وبالكسر ضبطت فى الأصول الصحيحة من
كتب ابن الصلاح المقروءة عليه، وكذا ضبطها النووى فى مختصريه وابن
الجوزى (كما حكاه القاضى أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى) وبهما ضبطه
ابن دحية والبطليوسى وابن رشد فى رحلته ، قال: ومعناه يقارب الناس فى حديثه
زیقاربونه ، أى ليس حديثه بشاذولامنكر ( أو) يقال فيه ( جيد الحديث) من
الجودة ( أو حسن الحديث، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله تعالى ) بخلافه
إذا لم يقيد بالمشيئة، فانه من الثالثة كما عرفت (أو أرجو أنه ليس به بأس، واقتصر
ابن أبى حاتم فى المرتبة الثالثة من كلامه على قولهم: شيخ ، وقال: هو بالمنزلة التى
قبلها يكتب حديثه وينظر فيه ، إلا أنه دونها، واقتصر) ابن أبى حاتم (فى المرتبة
الرابعة على قولهم: صالح الحديث ، وقال: إن من قيل فيهذلك يكتب حديثه للاعتبار)
قال ابن الصلاح: وإن لم يستوف النظر المعرف بكون ذلك المحدث فى نفسه
ضابطاً مطلقاً واحتجنا إلى حديث من حديثه ونظر نا هل له أصل من رواية غيره
كما تقدم من بيان طريقة الاعتبار فى محله
١

-٢٦٧ --
(ثم ذكر ابن الصلاح من ألفاظهم) أى أئمة الحديث ( فى التعديل على غير
ترتيب قولهم : فلان روى عنه الناس ، فلان وسط ، فلان مقارب الحديث،
فلان ما أعلم به بأساً، قال : وهو دون قولهم : لا بأس به ) فانه جزم فيها بنفى البأس
وهنا ينفى علمه، والفرق بين الأمرين واضح
(وأما يميز الألفاظ التى زدتها) الأولى أن يقدم قبل هذا (قال الزين)) لأن
هذا كلامه وليس فى عبارة المصنف إشعار به ( على كتاب ابن الصلاح فهى المرتبة
١
الأولى بكالها، وفى الثالثة مأمون وخيار، وفى الرابعة إلى الصدق ماهو وشيخ
وسط ووسط وجيد الحديث وحسن الحديث وصويلح وصدوق إن شاء اللهآمالى
وأرجو أنه لا بأس به ، وهو نظير ما أعلم به بأساً، إذ الأولى) وهى وأرجو (أرفع
لأنه لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء لذلك، وقد روى عن) الامام يحيى (بن
معين أنه إذا قال الرجل ليس به بأس فهو ثقة ، وإذا قال هو ضعيف فليس بثقة
ولا يكتب حديثه) ولما كان هذا خلاف ماسلف عن ابن أبى حاتم جمع ابن الصلاح
بينهما كما نقله عنه المصنف بقوله (وقال ابن الصلاح: إنه) أى ابنمعين (حكم هذا
عن نفسه لا عن غيره، بخلاف ماذكرهابن أبى حاتم ، يعنى فانه نسبه إلى أهل الحديث)
وأجاب الزين بغير هذا كما أفاده قوله ( وقال زين الدين : ولم يقل ابن معين إن
قولى ليس به بأس مثل قولى ثقة حتى يلزم منه التساوى بين اللفظين ، إنما قال :
إن من قال فيه هذا فهو ثقة) وليس لفظ الثقة يطلق على مرتبة معينة، بل كما قال
( والثقة مراتب ، فالتعبير عنه بأنه ثقة أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن
اشتركا فى مطلق الثقة ، وعن عبد الله بن إبراهيم) فى شرح السخارى عبدالرحمن
ابن إبراهيم دحيم، وهو الذى كان فى أهل الشام مثل ابن أبى حاتم فى أهل
الشرق ( مثل كلام يحيى بن معين) قال أبو زرعة: قلت لعبد الرحمن: ماتقول
فى على بن حوشب الفزارى؟ قال: لا بأس به ، قال: قلت : ولم لا تقول ثقة
ولا تعلم إلا خيراً ؟ قال: قلت لك إنه ثقة (و) روى (عن عبد الرحمن بن مهدى

- ٢٦٨ -
مثل ما تقدم فى الفرق بين العبارتين) وذلك أنه سأله عمرو بن على الفلاس حين
روى عن أبى جلدة - بالجم وسكون اللام - وهو خالد بن دينار التميمى (فانه
قيل) أى قال له الفلاس (فى رجل) هو أبو جلدة ( أ كان فقة ؟ قال: كان صدوقا،
وكان مأموناً ، وكان خيراً ، وفى رواية وكان خياراً ) ثم قال (الثقة شعبة وسفيان)
الثورى، وفى بعض الروايات عن ابن مهدى بدل سفيان مسعر يصرح بأن
حجيته ثقة على كل من صدوق وخيار ومأمون التى كل منها من مرتبة ليس به
بأس ، ولا يخدش فيه قول ابن عبد البر: كلام ابن مهدى لامعنى له فى اختيار
الألفاظ ، إذ أبو جادة ثقة عند جميعهم كما صرح به الترمذى، حيث قال : هو
ثقة عند أهل الحديث، فإن هذا لا يمنع الاستدلال المشار إليه ، قاله السخاوى
(وعن أحمد بن حنبل أنه سئل عن عبد الوهاب بن عطاء: هل هو ثقة ؟ فقال المسائل:
أندرى ما الثقة ؟ إنما النقة يحيى بن سعيد القطان، وكان ابن مهدى فيما ذكر أحمد
ابن سنان ربما جرى ذكر حديث الرجل فيهضعف ، وهو رجل صدوق ، فيقول:
رجل صالح الحديث) فيجعله منحطا عن رتبة ليس به بأس
ولما فرغ من مراتب التعديل أخذ فى بيان مراتب التجريح ، فقال
٠٠٠
(٤٨)
( مسالة )
[فى مراتب الجرح]
( مراتب التجريح - هى خمس مراتب ، وجعلها ابن أبى حاتم أربعا وتبعه ابن
الصلاح وساقها المصنف كالزين فى التدلى من الاعلى إلى الأدنى، مع أن العكس-
كما فعله ابن أبى حاتم وابن الصلاح - كان أنسب، لتكون مراتب القسمين منخرطة
فى سلك واحد ، بحيث يكون أولها الأعلى من التعديل وآخرها الأعلى من التجريح

- ٢٦٩ -
(الأولى) من المراتب الأربع (وهى أسرؤها أن يقال: فلان كذاب أو يكذب
أو يضع الحديث، أو وضاع الحديث، أو وضع حديثاً، أو دجال) وذكر السخاوى
عن شيخه الحافظ ابن حجر أنه جعل المرتبة الأولى مادل على المبالغة لأ كذب
الناس، وإليه المنتهى فى الوضع، وهو ركن الكذب، قال: فهذه المرتبة الأولى،
ثم يليها كذاب إلى آخر ماسرده المصنف .
قلت: والذى فى مقدمة القريب أنه جعل المرتبة الثانية عشر من أطلق عليه
اسم الكذب والوضع هذا لفظه، وهى أول المراتب هنا، وفى النخبة وشرحها
الطعن يكون بعشرة أشياء الى أن قال: وهذا ترتيبها على الأشدة الأشد فى موجب الرد
لأن الطعن إما بكذب الراوى، ثم قال : وهو الموضوع، فجعل الوصف بالكذب
أول المراتب بأى عبارة كان .
( وأدخل ابن أبى حاتم والخطيب بعض ألفاظ المرتبة الثانية فى هذه المرتبة،
قال ابن أبى حاتم : إذا قالوا متروك أو ذاهب الحديث أو كذاب فهو ساقط لا يكتب
حديثه، وقال الخطيب: أدون العبارات أن يقال كذاب ساقط الحديث ، قال
الزين) بعد نقله لهذا الكلام (وقد فرقت بين هذه الألفاظ تبعاً لصاحب الميزان
يعنى الحافظ الذهبى فانه جعلهما من الثانية )
(المرتبة الثانية) وألفاظها ( فلان منهم بالكذب، أو الوضع، فلاز ساقط،
وفلان هالك، وفلان ذاهب، أو ذاهب الحديث، أو متروك، أو متروك الحديث،
أو تركوه، أو لا يعتبر به أو بحديثه ، أو ليس بثقة، أو ليس بالثقة، أو غير ثقة ولا
مأمون، أو نحو ذلك، وفيه نظر، وسكنوا عنه ) قال الزين: وهاتان العبارتان
للبخاری فیمن ترکوا حديثه
(المرتبة الثالثة : فلان رد حديثه، أو ردوا حديثه، أو مر دود الحديث ، أو
ضعيف جدا ، أو واه بمرة) قال الحافظ ابن حجر: أى قولا واحداً لاتردد فيه (أو
طرحوا حديثه، أو مطروح الحديث، وارم به) وفلان ليس بشىء، أولا شىء، أو

- ٢٧٠ -
لا يساوى شيئا، أو نحو ذلك ) قال زين الدين بعد سرده لهذه الألفاظ ( وكل من
قيل فيه ذلك من) أهل (هذه المراتب الثلاث لا يحتج به، ولا يعتبر، ولا يستشهد به)
انتهى، قال المصنف ( ونلحق بذلك فائدة، وهى أن الحافظ ابن حجر ذكر فى
مقدمة شرح البخارى فى ترجمة عبدالعزيز بن المختار البصرى أنه ذكر ابن القطان
الفاسى بالفاء نسبة إلى فاس ( أن مراد ابن معين بقوله فى بعض الرواة ليس بشىء
يعنى أن أحاديثه قليلة جداً) فلا يكون إطلاق ذلك اللفظ جرحا
( المرتبة الرابعة : فلان ضعيف ، أو منكر الحديث، أوواه ، أو ضعفوه ،
أولا يحتج به ، وقال الحافظ بن حجر فى ترجمة يزيدبن عبد الله بن خصيفة )
ضبطه الحافظ فى التقريب بمعجمة ثم مهملة ، وقال: إنه ثقه ( الكندى: إن أحمد
بن حنبل يطاق على من يغرب) أى يأتى بالغرائب ( على أقرانه فى الحديث أنه
منكر الحديث، قال: عرف ذلك بالاستقراء من حاله ، قال: وابن خصيفة احتج
به مالك والأئمة كلهم ، مع قول أحمد ذلك فيه ) فاصطلاح أحمد غير اصطلاح
غيره ، فينبغى أن يتنبه له ( وكذا قال) الحافظ ( إن مذهب البردنجى ) تقدم
لنا ضبطه ( أن المنكر هو الفرد، وإن تفرد به ثقة ، فلا يكون قوله فى الراوى إنه
منكر الحديث جرحاً، ذكره فى ترجمة يونس بن القاسم الحنفى المانى)
( المرتبة الخامسة: فلان يقال فيه، أو ضعف، أوفيه ضعف، أوفى حديثهضعف
أو فلان تعرف وتنكر، أو ليس بذاك، أو ليس بذك القوى ، أو ليس بالقوى،
أو ليس بالمتين ، أو ليس بحجة ، أو ليس بعمدة، أو بالمرضى ، أو للضعف ماهو)
هى مثل قوله ((إِلى الصدق ماهو » واللام بمعنى إلى ( أو فيه خلاف، أو طعنوا فيه
أو مطعون فيه ، أو سىء الحفظ ، أو لين ، أو لين الحديث، أو فيه لين ، أو
تكلموا فیه، ونحو ذلك) قال ابن المدينى بعد سرده لما ذكر (وكل) مبتدأ مضاف
إلى (من ذكر فى المرتبة الرابعة أو الخامسة فانه) خبر كل ، وأدخلت الفاء كما
عرف فى النحو ( يخرج حديثه للاعتبار) وتقدم بيانه

- ٢٧١ -
(قال ابن أبى حاتم: إذا أجابوا فى رجل أنه لين الحديث فهو ممن يكتب حديثه
وينظرفيه اعتباراً) وهو من أهل المرتبة الخامسة كما عرفت (وإذا قالوا ليس بقوى)
فهو من أهل المرتبة الرابعة ( فهو بمنزلته ) بمنزلة لين الحديث فى كتابة حديثه إلا
أنه دونه ( وإذا قالوا ضعيف فهو دون الثانى) أى دون قولهم ليس بقوى، لا يطرح
حديثه ، بل يعتبر فيه
(قال) زين الدين (وقد تقدم فى كلام ابن معين ماقد يخالف هذا من أن منقال
فيه ضعف فليس بثقة لا يكتب حديثه ، وتقدم أن ابن الصلاح أجاب عنه بأنه
لم يحكمه عن غيره من أهل الحديث) كماسلف، وسأل حمزة السهمى الدار قطنى:
أيش تريد) أصله أى شىء نخفف ووصل ( إذا قلت فلان لين ؟ قال : لا يكون
ساقطاً متروك الحديث ، ولكن مجروحاً بشىء لا يسقط عن العدالة)
قال الزين ( وأما تمييز مازدته من ألفاظ الجرح على ابن الصلاح فهى: فلان
يضع، ووضاع، ودجال، ومتهم بالكذب ، وهالك ، وفيه نظر، وسكتوا عنه ،
ولا يعتبر به، وليس بالثقة ، ورد حديثه، وضعيف جداً، رواه بمرة ، وطرحوا
حديثه ، وارم به، ومطرح، ولا يساوى شيئاً، ومنكر الحديث، رواه، وضعفوه،
وفيه مقال ، أو ضعف، ويعرف وينكر، أى يأتى مرة بالمناكير ومرة بالمشاهير،
فينبغى أن ينظر حديثه ولا يؤخذ ما رواه مسلماً، وهوقريب من قولهم فى التوثيق:
مجله الصدق وما معها من ألفاظ المرتبة الرابعة، وليس بالمتين، وليس بحجة ، وليس
بعمدة ، وليس بالمرضى ، وللضعف ماهو، وفيه خلاف ، وطعنوا فيه، وسئء
الحفظ، وتكلموافيه ، فهذه لم يذكرها ابن أبى حاتم ولا ابن الصلاح، وهى موجودة
فى كلام أئمة هذا الشأن ) انتهى كلام زين الدين
ثم ذكر المصنف فوائد لم يذكرها الزين وهى خلاصة ماساقه فقال: ( ويلحق
به فوائد - الأولى : أن أهل المرتبتين الرابعة والخامسة من أهل الديانة والصدق
والعدالة، وإنما تكلم عليهم لشىء فى حفظهم ) فعلى هذا كل تلك العبارات مراد
بها خفة الضبط لاغير ( ولهذا لا يكذبون كأهل المرتبة الأولى، ولا يتهمون بذلك،
+نار
!

- ٢٧٢ -
ولا يترك حديثهم، ولا يقال فى واحد منهم ليس بثقة) فكل هؤلاء هم أهل المرتبة
الثانية من مراتب التعديل لكن لا يخفى أن أهل الثانية من قيل فيه متقن ثبت
حافظ ضابط حجة ثقة ، وهذه الألفاظ تنافى عبارات أهل الرابعة والخامسة،
إذ هى ضعيف منكر الحديث ضعفوه ونحوها، وكأنه أشار بقوله (فتأمل) إلى هذا، فان
أهل المرتبة الرابعة والخامسة أرفع من أن يقال فى أحدهم ليس بثقة كمن ذكرنا
من أهل المرتبة الثانية من مراتب التجريح.
(الفائدة الثانية: أن أهل المرتبة الثالثة من مراتب التجريح أرفع من أن يقال
لأحدهم ليس بثقة ولا يتهمون بالكذب مع أن حديثهم مردود ومطروح لقولهم
فيها فلان ردوا حديثه، أو مردود الحديث، أوضعيف جداً، فيهذا تعرف أن أهل
المرتبة الثالثة أيضا ممن لا يكذب ولا يتهم بذلك) الكذب، ولا ينزل إلى من
يوصف بأنه غير ثقة لترقمه عن تعمد ذلك، ولكنهم أهل وهم كثير حكم برد
حديثهم لأجل ذلك فقط، فعلى هذا قولهم فلان ليس بشىء أو لاشىء أولا يساوى
شيئا يعنى أنه كثير الوهم، وإنما قلت ذلك لأن التهمة والحكم بسفى الثقة هو حكم
أهل المرتبة الثانية حيثقالوا فيهم: فلان متهم فلان ليس بثقة، وكل ماحكم به على
أهل مرتبة لم يحكم به على من هو أرفع منها وإلا لتداخلت المراتب وضاع التقسيم
( الفائدة الثالثة: أنك لا قصف أهل مرتبة بصفة من فوقهم ولا ) تصفهم
بصفة (من دونم) وذلك لأن لأهل كل مرتبة أحكاماً وأوصافا تختص بها
(ولا تقول فى الكذاب) أى فيمن وصفوه بذلك (إنه متهم بالكذب، لأن الأولى
تفيد أنه معروف به، والثانية تفيد نفى ذلك) وإنا عنده مجرد تهمة (ولا تقول
فى الكذاب متروك الحديث، إلا أن تشك فى أنه كذاب وتحقق أنه متروك)
لأنه من أهل المرتبة الثالثة على غير قول ابن أبى حاتم، وكذاب من أهل الأولى على قوله
(فان قلت : أليس الكذاب متروك الحديث ؟ قلنا : بلى) أى متروك
الحديث (ولكن قد صار ترك الحديث عبارة عمن لم يعرف بأنه كذاب) فقد فرق

- ٢٧٣ -
العرف بينهما وإِن تصادقا فى الحكم، وهو ترك حديث كل منهما (كما أن
الكذاب ضعيف غير قوى ، ولا يقال فيه ذلك) أى أنه منهم بالكذب (لأنه
يفيد أنه عدل صدوق، ولكنه يهم فى حديثه) كما يفيده إطلاق متهم عليه ( فان
أحببت أن تقول كذاب متروك الحديث فلا بأس لأن الابهام قد ارتفع ) بالجمع
بين الوصفين
(فان قلت : أى فرق بين متر وك الحديث ومردود الحديث ، حتى توصف
أهل المرتبة الثانية بالمتروك وأهل الثالثة بالمردود؟ قلت: لافرق بينهما فى اللغة،
ولكن أهل العرف من المحدثين جعلوا بينهما فرقا) فالفرق عرفى لالغوى (فالمتروك
يطلق على من ترك لجرح فى دينه، أو تهمة بالكذب ، والمردود يطاق على من
لم يتعمد ذلك، ولا يتهم به ، ولكن كثر خطؤه حتى لم يقبل، ولا يكتب حديثه
ولا يعتبر به) كما مر فى حقيقته ، فمرتبة المردود أدنى من مرتبة المتروك
(الفائدة الرابعة - أن أهل المرتبة الرابعة والخامسة من المجروحين) ممن قيل
فيه ضعيف أو منكر الحديث أوواه أو فيه مقال أو ضعف (هم أهل المرتبة الرابعة
من المعدلين ) وهو من قيل فيه: محله الصدق أورووا عنه أو نحوه (لما تقدم
فى كل واحد منهم أنه يكتب حديثه للاعتبار) كما تقدم عن ابن أبى حاتم أنه قال:
كل من كان من أهل المرتبة الرابعة والخامسة فانه يكتب حديثه للاعتبار (ولكنهم
جين يقصدون رفعهم عمن لا يعتبر به ولا يكتب حديثه يوردون الأدنى من ألفاظ
التعديل) نحو محله الصدق (وحين بريدون حطهم عمن يحتج به فى الصحيح
يوردون الأعلى من عبارات التجريح) فيقولون ضعيف أو منكر الحديث ( فهم
أهل صدق وديانة ، ولكنهم ضعفاء بالنظر إلى من فوقهم فى الاتقان من الحفاظ
وهم لأجل صدقهم وتوسط خطئهم بين الكثرة المردودة والندرة التى لاحكم لها
صالحون لا بأس بهم ، إذا وجد لهم متابع أو شاهد بالنظر إلى من دونهم من
البكذابين والمتروكين و) بالنسبة إلى (من كثر خطؤه فرد حديثه) هذا على قواعد
( ١٨ - تنقيح ٢)

- ٢٧٤ --
المحدثين، وقد تقدم هذا للمصنف فى بحث الحسن ، وتقدم مافيه فتذكر (وأماعلى
قواعد كثير من الفقهاء وأهل الأصول فيجب قبولهم من غير اعتبار متابع ولاشاهد)
لما تقدم من قبولهم من كثر صوابه على خطئه
(الفائدة الخامسة - لم يذكر زين الدين المجهول فى مراتب التجريح، وإن
كان قد ذكره فيمن يرد حديثه ، ولا بد من ذكره فيها) أى فى مراتب التجريح،
إذ قدرد حديثه، وحيث لابد من ذكره ( فاما أن يجعل مرتبة منفردة أو يلحق
بأهل الثالثة،لأنه عند أهل الحديث ممن لا يقبل حديثه ، وإن كان بعض من سماه
مجهولا يوجب قبوله كما تقدم) تحقيق ذلك فى بحث الحسن
( الفائدة السادسة - إن أكثر هذه العبارات فى التجريح غير مبينة
السبب ) فهى من باب الجرح المطلق ( فتكون غير مفيدة للجرح ) الموجب.
لاطراح الرواية ( ولكن) تكون ( موجبة الريبة والوقف) فى قبول من قيلت فيه
ورده (فى غير المشاهير بالعدالة والأمانة فلا تؤثر فيهم) ولما ورد على هذا ما تقرر
فى الأصول من أن الجرح مقدم على التعديل قال فى جوابها ( ولا يغتر مغتر بأن
الجرح مقدم على التعديل) فانهم وإن أطلقوا العبارة فى ذلك (فذاك الجرح المبين
السبب) لأن مالم يبين سببه فلا يتحقق أنه جرح يوجب الرد (على أن المختار فيه)
أى فى مبين السبب (هو مامر من التفصيل) يريد قوله (( وأما إن بين السبب نظرنا
فى ذلك السبب وفى العدل الدى ادعى عليه ونظرنا أى الجوائز أقرب)) إلى آخر
كلامه (فاذا لم يكن) الجرح (مبين السبب فهو مقبول) فيمن اشتهر بالعدالة أصلا
أو غير مقبول فى الرد جزءاً، بل يوجب توقفنا (على الصحيح فضلا عن أن يقدم
على التوثيق المقبول، وأقل الأحوال أن يكون موضع ترجيح ، لأنه يحتمل) مع
إطلاقه (أن الجارح جرح الراوى بما لو ظهر لنالم تجرح به، كما يحتمل أن الراوى جرح
بمالم يعلم به من عدل) وهذا الاحتمال هو الذى أوجب الوقف لاالرد مطلقاً ولا القبول
( فان قلت : فأى هذه الألفاظ جرح مبين السبب ؟ قلت : ليس فيها

-- ٢٧٥ -
صريح فى ذلك ، ولكن أقربها إلى ذلك قولهم : وضاع ، ويضع الحديث،
ثاتها مستعملة فيمن عرف بتعمد الكذب إما باقراره أو ما يقوم مقامه ، ويليهما
فى الدلالة على التعمد: متهم بالوضع) ونقدم أنه من الرتبة الثانية من رتب الجرح،
وكذاب من الأولى، ولما كان كذلك قال (وأما كذاب فقد اختلف عرفهم فيها
اختلافا لايحصل معه طمأنينة أن من قيلت فيه متعمد الكذب لأن كثيراً منهم
يقولون ذلك فى حق صالحين كثر خطؤهم فى الحديث) ليسوا ممن يتعمد الكذب
(وهذا موضع صعب ، فان الخطأ الموجب لعدم القبول مختلف فيه صعب المأخذ
كما تقدم) تحقيق مراد المصنف (وقواعد الأصوليين تقتضى أنه يجب قبوله، لأنه
مسلم عدل حتى يظهر ما يوجب جرحه، والذى يوجب جرحه عند جماهير النظار
هو استواء حفظه ووهمه ، أو ترجح وهمه على حفظه، وتحقيق ذلك أو ظنه مدرك
خفى، والله أعلم) بل لا يكاد يقف عليه إلا علام الغيوب
(الفائدة السابعة - أن هذه الألفاظ الجارحة ) إسناد مجازى: أى الجارح
قائلها ( إذا صدرت مع اختلاف الاعتقاد) بين الجارح والمجروح كفريقى
الأشعرية والمعتزلة ( أو) صدرت (من الأقران) جمع قرن بكسر القاف وهو المثل
(المتنافسين) المتحاسدين (أو) صدرت (عند الغصب) من الجارح على من يجرحه
( أو نحو ذلك من الأسباب ، فان كان ذلك الجرح صادراً عمن ذكر (فينبغى أن
تكون دلالتها) أى الألفاظ الجارحة (على الجرح أضعف) من دلالتها عليه عند
صدورها من غير من ذكر (فان ذلك) أى الاختلاف ونحوه (من أسباب الجرح
المجرد عند كثير منهم) أى من الجارحين (فاذا انضم إليه) أى إلى ماذكر ( أقل شىء
مما ينجبر) به فلا يوجب قدحا (لولا مخافة العقيدة انتهض) أى أقل شىء مما ينجبر
لو اتفقت العقيدة (سبباً للذم) من الجارحين (ومثيراً للوصم) - بالصاد المهملة -
الغيب (وقد يستحل بعضهم ذم الرجل لأجل بدعته) أى يجعل ذمه حلالاً كأنه
ليحذر الناس عن اتباعه على بدعته ( غير قاصد بذمه لتضعيف حديثه
١
-

- ٢٧٦ -
إلا أنه لا يعزب عنك أنه قد أخذ فى رسم العدلة أن " يكون معها
بدعة ، فالمبتدع حديثه مردود ، فكيف يقال : لا يقصد تضعيف حديثه بذكر
بدعته ( فؤخذ ألفاظ التجريح فى ذلك الذم فيرد حديثه لأجلها ) لأجل ألفاظ
التجر یح،واستدا لماذكر بقوله(ولقد تركوا حديث داود بن على الاصيهانى الظاهری)
قال الخطيب فى تاريخه : كان ورعا ناسكا زاهداً، وفى كتبه حديث كثير، لكن
الرواية عنه عزيزة جداً، وقال أبو إسحاق: مولده سنة اثنتين ومائتين، وأخذ العلـ
عن إسحاق وأبى ثور وكان زاهدا متقللا، وكتب ثمانية عشر ألف ورقة، وقال
أبو إسحاق : كان فى مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر، وإنما تركوا الرواية
عنه (لأجل قوله بأن القرآن محدث) قال الذهبي: أراد داود الدخول على الامام
أحمد فمنعه، وقال: كتب إلى محمد بن يحيى الذهلى فى أمره أنه زعم أن القرآن
محدث، فلا يقربنى ، فقيل: يا أباعبد الله إنه ينتفى من هذا وينكره ، فقال: محمد
ابن يحيى أصدق منه ( وتطابقوا على تركه حتى عزت الرواية عنه مع مافى كتبه من
الحديث الكثير وعبروا عنه بأنه متروك) لم أجد هذا التعبير عنه فى الميزان ،
و کأً نه فى غيره
قلت : وإذ قد عرفت أنهم شرطوا فى العدالة عدم البدعة، وقد عرفت أن
الحق أن القول بأن القرآن قديم أو محدث بدعة ، فردهم حديث داود جارٍ على
ما قَعَّدوه فى العدالة، لكن يلزمهم رد من قال إنه قديم كما قررناه فى محل آخر
(وهذا ) أى قولهم فى داود إنه متروك ( يفيد أنه من أهل المرتبة الثانية ) من
مراتب التجريح (أو هو أرفع من ذلك) لا أعرف لزيادتها وجها ، إلا عند من
يرد المتأول المستحق للرد، والمختار للمصنف وغيره من المحققين عدم ده كماعرفت
(والظاهر أنه) أى داود ( لم يذهب إلى التجسيم ولاغيره من الكبائر) أى المعدودة
كبيرة فى الاعتقاد وإن لم تكن من كبائر الذنوب (لأنهم لم ينقموا عليه إلا كلامه
فى القرآن أماشنع) جمع شنيعة (مسائلة الفروعية فليست مما يجرح به) وإن كان
الصحيح أنه أخطأ فى بعضها قطعاً، فذلك الخطأ لا ينتهض فسقاً لأنها مسائل
:
٠

- ٢٧٧ -
ظنية ، ولا تفسيق إلا بقاطع، فقد علم أنهم لم يتركوه إلا لقوله ((القرآن محدث))
(وأكبر) بالباء الموحدة ( من هذا قول بعضهم فى عمرو بن عبيد عابد شيوخ
الاعتزال الذى ليس فى زهده وورعه مقال والذى تضرب بعبادته الأمثال : إنه
كذاب) هو مقول قول البعض ، قال الذهبي فى الميزان فى ترجمة عمروبن عبيد :
قال أيوب ويونس؛ يكذب، وقال حميد: كان يكذب على الحسن ، وقال
ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلا أنه أحدث ما أحدث ، فاعتزل
مجلس الحسن هو وجماعة فسموا المعتزلة، قال : وكان يشتم الصحابة ويكذب فى
الحديث وَهُمًّا لا تعمدا، قال الفلاس: عمرو متروك صاحب بدعة ، وحدث عنه
الثورى أحاديث، قال : سمعت عبد الله بن سلمة الحضرمى يقول: سمعت عمرو بن
عبيد يقول : لو شهد عندى على عليه السلام وطلحة والزبير وعثمان رضى الله عنهم
على شراك فعل ما أجزت شهادتهم، انتهى (وما كان عمرو ممن يطرح عليه فى مثل هذا،
وإن كان يَهمُ فى الحديث كثيرا أو قليلا) فقد وهم، والوهم لا يوجب الرمى
الكذب ، إلا أن ابن حبان قد قیدذلك بقوله وهما لا تعمدا (فقد وهم فيه )أى
الحديث ( أبو حنيفة وضعفه كثيرون) لم يترجم لأبى حنيفة فى الميزان ، وترجم
له النووى فى التهذيب ، وأطال فى ترجمته، ولم يذكره بتضعيف ( وحملوا ألفاظ
تضعيفه) أى أبى حنيفة، كأنهم لم يأتوا بعبارات خاصة كما أتوابها فى عمرو بن عبيد
(وما أظن عمرو) بن عبيد ( كان فى دون مرتبة أبى حنيفة فى الحفظ والاتقان، والله
أعلى) وإذا كان كذلك فما الحامل على القدح فى عمرو إلا المخالفة فى العقيدة.
(قال الذهبي فى ترجمة أحمد بن عبد الله بن أبى نعيم الأصبهافى ما لفظه: كلام الأقران
بعضهم فى بعض لا يعبأ بـ) فى القاموس: ما أعبأ بفلان: ما أبالى به ( ولاسيما
إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصم الله، وما
علمت أن عصراً من الأعصار يسلم أهله من ذلك، إلا الأنبياء عليهم السلام
والصديقين . فلو شئت لسردت من ذلك كراريس. انتهى. وأنت إذا رمت

- ٢٧٨ -
١
النظر فى كتب الرجال وتأملت ما ذكرت لك عرفت أنه الحق إن شاء الله تعالى).
قلت : قد عيب على الذهبى ما عابه على غيره. قال ابن السبكى فى الطبقات نقلا
عن الحافظ صلاح الدين العلائى، ما لفظه: الشيخ شمس الدين الذهبى لا أشك فى
دينه وورعه وتحريه فيما يقول . ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن
التنزيه . حتى أثر ذلك فى طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه. وميلا قويا إلى
أهل الاثبات . فاذا ترجم أحداً منهم أطنب فى محاسنه . وَتغافل عن غلطاته .
وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كالغزالى وإمامه الجوينى لا يبالغ فى وصفه. ويكثر
من قول من طعن فيه . وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها . وكذا يفعل فى أهل
عصرنا. وإذا لم يقدر على التصريح يقول فى ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك،
وسببه المخالفة فى العقيدة ، انتهى . .
قال ابن السبكى : وقد وصل - يريد الذهبى - من التعصب وهو شيخنا
إلى حد يسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين ، والذى
أفتى به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبى فى ذم أشعرى ، ولا مدح حنبلى :
قلت : لا يخفى أن الصلاح العلائى وابن السبكى شافعيان حادان أشعريان .
وأن الذهبى إمام كبير الشأن حنبلى الاعتقاد شافعى الفروع. وبين هاتين الطائفتين.
الحنابلة والأشعرية فى العقائد فى الصفات وغيرها تنافر كلى ، فلا يقبلان عليه بعين
ما قالاه فيه .
وقال ابن السبكى : قد عقد ابن عبد البربابا فى حكم قول العلماء بعضهم فى
بعض، بدأ فيه بحديث الزبير « دب فيكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء»
وقال ابن السبكى : وقد عيب على ابن معين تكلمه فى الشافعى وتكلمه فى مالك
وابن أبى ذؤيب وغيره. وأقول: إذا كان الأمر كما سمعت فكيف حال الناظر فى
كتب الجرح والتعديل . وقد غلب التمذهب والمخالفة فى العقائد على كل طائفة .
حتى إن طائفة تصف رجلا بأنه حجة ، وطائفة أخرى تصفه بأنه دجال ، باعتبار
٠

- ٢٧٩ -
اختلاف الاعتقادات والأهواء ، فمن هنا كان أصعب شىء فى علوم الحديث الجرح
والتعديل، فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد بعد قول ابن السبكى: إنه لا يقبل
الذهبى فى مدح حنبلى ولا ذم أشعرى، وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه،
ولكن الحق أنه لا يقبل على الذهبى ابن السبكى لما ذكره هو، ولما ذكره الذهبي
من أنه لا يقبل الأقران بعضهم على بعض .
واعلم أن مرادهم بالأقران المتعاصرون فى قرن واحد ، والمتساوون فى العلوم،
وعلى التقديرين فانه مشكل ، لأنه لا يعرف حال الرجل إلا ممن عاصره ، ولا يعرف
حاله من بعده إلا من أخبار من قارنه إن أريد الأول ، وإن أريد الثانى فأهل
العلم هم الذين يعرفون أمثالهم، ولا يعرف ذا الفضل إلا أولو الفضل، فادا عرفت
هذا فالأولى إِناطة ذلك بمن علم أن بينهما منافسة وتحاسناً ، فيكون ذلك سبباً
لعدم قبول بعضهم فى بعض ، لالكونه من الأقران ، فانه لا يعرف عدالته ولا
جرحه إلا من أقرانه ، وأعظم ما فَرَّقَ بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها،
فقول المصنف فيما نقله عن الذهبى ((ولاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب
أولحسد)) هو الذى ينبغى أن يناط به القبول والرد، وقوله ((وأنت إذا رمت
النظر فى كتب الرجال)» الأحسن ((إذا نظرت وتأملت ماذكرت لك عرفت أنه
الحق إن شاء الله تعالى)) وقد حققنا هذا البحث تحقيقاً شافياً فى رسالتنا ((ثمرات
النظر ، فى علم الأثر» والحمد لله .
(الفائدة الثامنة - قد تقرر فيمن يرد حديثه أن جمهور أهل الحديث علي
رد المبتدع الداعى إلى بدعته) قال فى النخبة وشرحها: إن البدعة إما أن تكون
بكفر أو بفسق، فالأولى لا يقبل صاحبها الجمهور، والثانى يقبل مالم يكن داعية
إلى بدعته ، لأن تزيين مذهبه قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على
ما يقتضيه مذهبه فى الأصح ، والأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروى ما يقوى
بدعته فيرد ( فعلى هذا يجوز أن يجعلوه من أهل المرتبة الثانية، ويقولوا فيه متروك
١

-٢٨٠ -
وهالك أو نحو ذلك ، فلا يخفى عليك موضع ذلك من كتب الجرح والتعديل ،
فانهم قد يطلقون ذلك على من ينتقدونه مبتدعا، وليس كذلك ) أى ليس فى
نفس الأمر مبتدعا، بل فى اعتقادهم ( وقد يطلقونه على من يوافقهم على بدعتهم،
ولكن لا يوافقهم على أنها كبيرة وقد يطلقونه على من يوافقهم على تكفيره) إن كانت
بدعته تقتضى تكفيره ( أو تفسيقه) إن كانت تقتضيه ( ولكن) هذا وإن وافقهم
على تكفير من ذكر أو تفسيقه ( لا يوافقهم على الفرق الذى اصطلحوا عليه ، وهو
رد الداعية من المبتدعة دون غيره) من المبتدعة (مع اشتراكهم) أى الداعية وغيره
(فى القول بالبدعة) وإِنما افترقا فى الدعاء إليها وعدمه (و) اشترا كهما (فى التدين
والتورع عن المحرمات وفى اعتقاد تحريم الكذب ولعلهم إنما تركوا داود الظاهرى
لقوله بحدوث القرآن ودعايته إلى مذهبه ومناظرته عليه، والله أعلم) قد قدمنا رواية
الذهبي فى الميزان عن داود أنه أنكرة له بحدوث القرآن ولم يذكر مناظرته عليه
( فان قلت: ما الفرق بين الداعية وغيره ) من المبتدعة (عندهم) فانهم فرقوا
بينهما قبولا ورداً ( قلت: ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئاً) قد قدمنا عن ابن حجر
ذكر تعليل رده قريباً (ولكنى نظرت فلم أجدغير وجهين: أحدهما : أن الداعية
شديد الرغبة فى استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه ، فربما حمله عظيم الرغبة
فى ذلك على تدليس أو تأويل كما زعموا أن عمرو بن عبيد أفتى بمسألة فقال: هذه
من رأى الحسن ) فى الميزان فى ترجمة عمرو : قال الشافعى : عن سفيان أن عمرو
ابن عبيد سئل عن مسألة فأجاب عنها وقال: هذه من رأىالحسن، يريد نفسه،.
وليس هذا ما يفيده قوله ( فسئل الحسن عنها فأنكرها ، فقيل لعمرو فى ذلك ،
فقال: إنما قلت من رأبى الحسن ، ينى من رأى نفه ) وهذا مثال تدليس
الداعية، إلا أنه لا يعرف أن فيها تقوية لمذهبه إلا لو ذكر المسألة (وأما)
المبتدع (غير الداعية فليس له من الحرص) على الرواية بتلك الصفة ( ما يلجئه
إلى هذا) إذ لا حامل عليه ( الوجه الثانى) من الوجهين اللذين وجدهما المصنف
-