النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ - سواء كان المكذوب فيه أو غيره ، ولا يكتب عنه شىء، ونحتم جرحه أبداً ، فهم قال الامام : تقبل توبته بينه وبين الله، وعدم قبوله مطلقاً هو (كما قال غير واحد من أهل العلم منهم) الامام (أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدى) وهو صاحب الشافعى، وشيخ البخارى، واسمه عبد الله بن الزبير ، ونقله الخطيب فى الكفاية ، والحازمى فى شروط الستة عن جماعة، والذهبى عن رواية ابن معين وغيره . واعلم أنه ينتحق بتعمد الكذب فى هذا الحكم من أخطأ ثم أصر على خطئه وصمم بعد بيان ذلك له مما يوثق بعلمه، مجرد عناد ، قال السخاوى: وأما من كذب عليه فى فضائل الأعمال معتقداً أن هذا لا يضرفه عرف ضرره وتاب بصحة توبته وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم ، وأنا أقول : إن كانت الاشارة فى قوله ((هذا كله)» لقول أحمد والصيرفى والسمعانى فلا والله ماهو بمخالف ولا بعيد، والحق ما قاله أحمد تغليظا وزجرا، وإن كانت الاشارة لقول الصيرفى بناء على أن قوله ((بكذب)) عام فى الكذب فى الحديث وغيره فقد أجاب العراقى بأن مراد الصير فى ما قاله أحمد : أى فى الحديث ، لامطلقا، بدليل قوله (( من أهل النقل)) وتقييده بالمحدث فى قوله أيضا فى شرح الرسالة (( وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول: تععدت الكذب، فهو كاذب فى الأول، ولا يقبل غيره بعد ذلك)) ... وقد وجدت فى الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفى والسمعانى ، فقد ذكروا فى باب اللعان أن الزانى إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد ذلك إبقاء ثلمة عرضه ، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا. وذكروا أنه لوقذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد ، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحدا من أول مرة ، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك ، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا ، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلاشك، ولم أر أحدا تنبه لما حررته، ولله الحمد)) اهـ كلامه (١٦ - تقيح ٢) - ٢٤٢ - فالظاهر كما قال بعض المتأخرين قبول روايته، وكذا من كذب دفعاً لضرر يلحقه من عدو، قال الصيرفى: وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول (( تعمدت الكنب )» فهو كاذب فى الأول - أى الخبر الذى رواه واعترف بالكذب فيه - ولا يقبل خبره بعد ذلك ، أى مؤاخذة له باقراره ، قال النووى : ولم أر للقول بعدم قبوله دايلا، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجراً بليغاً عن الكذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، لعظم مفسدته ، فانه يصير شرعا مستمراً إلى يوم القيامة ، ثم قالٍ: وهذا الذى ذكره الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية ، والمختار القطع بصحة توبته فى هذا: أى فى الكذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، قال : فهذا هو الجارى على قواعد الشرع، وقد أجمع على صحة رواية من كان كافراً فلم، قال: وأجمعوا على قبول شهافته والرواية فى هذا ، وكذا قال فى الارشاد : هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذاهب غيرنا، انتهى. وقال الذهبي: ن من عرف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحصل لنا ثقة بقوله (فى تبت)) يعنى كما قبل فى مسألة المعترف بالوضع، قلت: وما كان يحسن من المصنف ذكر المسألة من دون ذكر دليلها ، ويأتى له فصيل فيها ( وأما الكذب فى حديث الناس وغيره من أسباب الفسق فتقبل رواية التائب منه، ومن ذكر هذه المسألة أبو بكر الصير فى الشافعى) فانه ذكر فى كتبه .. فى الأصول أنه لا يعمل بذلك الخبر ولا بغيره من روايته (وزاد أيضا أن من ضعفنا خبره لم تجعله قويا، وذكر أبو المظفر السمعانى أن من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه) لأنه صار محل ريبة ( قلت : كلامهم فى رد الكذب فى الحديث ولو بعد إظهار النوبة قوى فيما يتعلق) من الأحاديث (بالمصالح ، لئلا يتوصل الكذابون بإِظهار التوبة إلى قبول أباطيلهم) هذا فى التضعيف بالكذب (وأما من ضعف من أجل حفظه) وهو الذى زاده - ٢٤٣ - الصيرفى ( ثم قوى حفظه وهو من أهل الديانة والصدق فلا وجه لقول الصيرفى إنا لا نجعله قويا، والله أعلم) قلت : كمالا وجه ارد رواية الكذاب فى الحديث بعد صحة توبته، إذ بعد صحتها قد اجتمعت فيه شروط الرواية ، فالقياس قبوله ( المسألة الثانية: من روى عن ثقة فكذبه الثقة، والمسألة مشهورة فى الأصول ) وذلك أنه قد تعارض كلام الراوى والمروى عنه ، فذلك صرح بالرواية وهو ثقة ، وشيخه صرح بكذبه عليه ، فإذا قال المصنف (والصحيح فيها . أنها موضع اجتهاد (١)) إذ لكل جهة ترجيح : أما الراوى فلكونه منبتاً، (١) قال الخطيب الحافظ ((باب ذكر الحكم فيمن روى عن رجل حديثا. فش المروى عنه فأنكره - مثال ذلك ما أخبرنا القاضى أبو بكر أحمد بن " الحسن الحميرى، قال: أنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسى ، قال : ثنا محمد ابن يحى الذهلى ، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال : ثنا حماد بن زيد، قال : قلت لأيوب: هل سمعت من أحد مثل قول الحسن فى (( أمرك بيدك)) قال لا ، ثم قال : اللهم إلا شيئا کاز حدثنا به قتادة عن كثير - هو ابن أبى كثير مولى ابن أبى سمرة - عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم، بمثله، فقدم علينا كثير ، فأتيته فسألته عنه، فقال : ما حدثت بهذا قط، ف تيت قتدة فذكرت ذلك له، فقال: نسى. وأخبرنى أبو بكر محمد بن المؤمل الأنبارى، قال: أنا الحاكم أبو حامد أحمد بن الحسين بن على الهمذانى، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الدغولى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ،: ثنا على بن الحسن، قال: ثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، قال : استدانت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثلثمائة درهم ليس عندها وفاؤها فنهيتها عن ذلك ، فقالت : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من ادان دينا يريد أداءه أعانه الله عليه . قال ابن قهزاذ: ثنا يحيى الحمانى قال ٠٠ ۔ - ٢٤٤ - ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن حصين ، قال أبو بكر: أتيت حصينا أسمع منه هذا فقال: أنا لم أحدث الأعمش بهذا، قال: فرجعت إلى الأعمش فأخبرته، فقال: كذب، والله لقد حدثنى. ثم ذكر عن القاضى أبى بكر محمد ابن الطيب أنه قال: إن قال قائل: ماتقولون فيمن أنكر شيخه أن يكون حدثه بما رواه عنه؟ قيل: إن كان إنكاره لذلك إنكار شاك متوقف وهو لايدرى هل حدثه به أم لا فهو غير جارح لمن روى عنه ولا مكذب له ، ويجب قبول هذا الحديث والعمل به، لأنه قد يحدث الرجل بالحديث وينسى أنه حدث به وهذا غير قاطع على تكذیب من روى عنه ، وإن كان جحوده للرواية عنه جحود مصمم على تكذيب الراوى عنه وقاطع على أنه لم يحدثه ويقول : كذب على . فذلك جرح منه له ، فيجب أن لا يعمل بذلك الحديث وحده من حديث الراوى، ولا يكون هذا الافكار جرحا يبطل جميع ما يرويه الراوى لأنه جرح غير ثابت بالواحد ، ولأن الراوى العدل أيضا بجرح شيخه ويقول قد كذب فى تكذيبه لى وهو يعلم أنه حدثنى، ولو قال : لا أدرى حدثته أولا، لوقفت فى حاله . فأما قوله : أنا أعلم أنى ما حدثته، فقد كذب ، وليس جرح شيخه له أو لى من قبول جرحه لشيخه ، فيجب إيقاف العمل نهذا الخبر ويرجع فى الحكم إلى غيره ويجعل بمثابة مالم يرد، اللهم إلا أن يرويه الشيخ مع قوله: إني لم أحدثه لهذا الراوى ، فيعمل بروايته دون راويه عنه. قلت : ولأجل أن النسيان غير مأمون على الانسان فيتبادر إلى جحود ما یروی عنه و تكذیب الراوی له . قال العبد الضعيف غفر اللهله ولوالديه : وتلخيص هذا الكلام بعبارة مضبوطة أن يقال: إذا روى الراوى العدل الثقة حديثا ما عن شيخ معين عدل ثم سئل الشيخ عن هذا الحديث وتحديثه الراوى به نجوابه على ثلاثة أضرب : الضرب الأول ان یقول الشیخ : لا أُذکر إن کنت حدثته بهذا الحديث أم لا، والضرب الثانى : أن يقول الشيخ : لقد حدثت بهذا الحديث لكنى لم أحدث هذا الراوى بخصوصه به، والضرب الثالث: أن يقول الشيخ - ٢٤٥ - ٠٠ إنه كاذب وأنا أعلم يقينا أنى لم أحدثه به ، فأما الضرب الأول فحكمه أن الحديث صحيح وأنه يجب العمل بمقتضاه، لأن الشيخ لم يقطع بكذب الراوى ولا نفى جواز أن يكون حدثه به، وأما الضرب الثانى فحكمه أنه يجب العمل بمقتضى هذا الحديث، ولكن لا من طريق الراوى عن الشيخ ، بل على أنه من رواية الشيخ لا من رواية الراوى عنه، لأن الشيخ يثبت روايته لهذا الحدیث، ولكنه ینفی أن یکون هذا الراوى قد سمع منه، وهو قاطع بذلك، والفرض أنه عدل ثقة مأمون ، وأما الضرب الثالث فحكمه أنه يوقف العمل بهذا الحديث إن كان لا طريق له سوى هذا الراوى وهذا الشيخ ، فان كانت له طريق أو طرق أخرى كان العمل للطريق الأخرى، ولا يكون هذا التكذيب قادحا فى الراوى ولا فى شيخه، لكون النسيان غير مأمون على الانسان، فيجوز أن يكون قد حدثه حقيقة ولكنه نسى أنه كان فى جملة تلاميذه فبادر إلى جحود مانسبه إليه وقال ابن الصلاح: ((إذا روى ثقة حديثا ورجع المروى عنه فنفاه، فالمختار أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال ((ما رويته)) او ((كذب على )) أو نحو ذلك ، فقد تعارض الجزمان ، والجاحد هو الأصل ، فوجب رد حديث فرعه ذلك ، ثم لا يكون ذلك جرحا له يوجبه ود باقى حديثه لأنه مكذب لشيخه أيضا فى ذلك، وليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه، فتساقطا، أما إذا قال المروى عنه (( لا أعرفه)) أو ((لا أذكره)) أو نحو ذلك ، فذلك لا يوجب رد رواية الراوى عنه، ومن روى حديثا ثم فسيه لم يكن ذلك مسقطا للعمل به عند الجمهور من أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، خلافا لقوم من أصحاب أبى حنيفة، صاروا إلى إسقاطه بذلك وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل - الحديث)) من أجل أن ابن جريج قال : لقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه ، وكذا حديث ربيعة الرأى عن - ٢٤٦ - وأما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به مع احتمال نسيانه ( فينظر فى أيهما أصدق وأحفظ وأكثر جزما وأقل ترددا، وكذلك أيهما أكثر) من الكثرة بالمثلثة (الفرع) وهو الراوى (أو الأصل) وهو شيخه ( فقد يدعى الواحد على الجماعة فيكذبونه ، والجماعة على الواحد فيكذبهم ، فاذا استوفيت طرق الترجيح ) المعروفة فى الأصول وغيرها مما يقود إليه المقام (حكم بالراجح) وقال التاج السبكى عدالة كل واحد منهما متيقنة ، وكذبه مشكوك فيه ، واليقين لا يرفع بالشك ، فتساقطا، يعنى فيقبل الخبر، وهو اختيار أبى المظفر السمعانى، وبه قال أبو الحسن القطان ، وقد عرفت ما حققه النووى ، والمصنف جنح إلى الترجيح مستدلا بقوله (فأنهما خبران متعارضان، فيجب استعمال طرق الترجيح) المعروفة (بينهما سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وآلهوسلم ((قضى بشاهد ومين)) فان عبد العزيز بن محمد الدراوردى قال: لقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه )) ١ هـ قال السيوطي : وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ماحدثوا بها وكان أحدهم يقول: حدثنى فلان عنى عن فلان بكذا. وصنف فى ذلك الخطيب ((أخبار من حدث ونسى)) وكذلك الدار قطنى ، من ذلك مارواه الخطيب من طريق حماد بن سلمة عن أنس قال : حدثنى عنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ((كان يكره أن يجعل فص الخاتم-الحديث)) وروى من نطريق بشر بن الوليد ثنا محمد بن طلحة حدثنی روح أنی حدثته بحديث عن زيند عن مرة عن عبد الله أنه قال: إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مہلکا کم، وفی طریق الترمذى صاحب الجامع: حدثنا محمدبن حميد حدثنا جرير قال حدثنيه على بن مجاهد عنى- وهو عندى ثقة - عن ثعلبة عن الزهرى قال : إنماكره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن . ومن طريق إبراهيم فمهفر ، ثنا سفيان بن عيينة حدثنى وكيع أنى حدثت عن عمرو بن دينار عن عكرمة من صياصيهم قال : من حصونهم. اهـ كلامه - ٢٤٧ - كسائر الأخبار المتعارضة) و إلى الترجیح مال الفخر الرازى ، وقال: إن الرد إنما هو عند التساوى ، فلو رجح أحدهما عمل به (ولا يلزم جرح واحد منهما) بكذيبه الآخر ، أما تكذيب الشيخ فواضح ، وأما تكذيب الفرع له فلان جزمه بكونه حدثه يستلزم تكذيبه فى دعواه أنه كذب (لاحتمال النسيان) من الأصل (والقطع بالتأويل ، فقد يقول) الأصل ( لو كان لذكرت ، ونجعل هذا دليلا قاطعاً) على كذب الفرع ( وهو موضع النزاع ) لأن الفرع يقول إنه نسى، والأصل يزعم أنه لم ينس ( والغالب فى هذه المسألة سقوط الحديث بالتعارض) بين الأصل وفرعه ( ولكن هذا الغالب لا يوجب إسقاط الحكم النادر إذا قويت القرائن بنسيانه وغلب فى الظن صدق الراوى عنه) فان النظر إلى القرائن والترجيح بها لا بد منه . (وهذا كله) من الحكم المذكور ( إذا كذبه) أى كذب الأصل فرعه ( أما إذا قال أُنْسِيت) بالبناء للمجهول ( ولم يقتطع بتكذيبه صدق) أى الفرع فى روايته، قال السخاوى : فان جزم بالرد بدون تصريح كقوله (( ما رويت هذا، أو ما حدثت به قط، أو أنا عالم أننى ما حدثتك، أو لم أحدثك)) فقد سوى ابن الصلاح تبعاً للخطيب وغيره بينهما أيضاً، وهو الذى مشى عليه شيخنا فى توضيح النخبة لكن قال فى الفتح: الراجح عندهم - أى المحدثين - القبول، وتمسك بصنع مسلم حيث أخرج حديث عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس (( ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالتكبير» مع قول أبى معبد لعمرو (( لم أحدثك بَّه)) فانه دل على أن مسلما كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان الناقل عنه عدلا ، وكذا صحح الحديث البخارى وغيره ، وكأنهم حملوا الشيخ فى ذلك على النسيان ، ويؤيده قول الشافعى فى هذا الحديث بعينه : كأنه نسى . (وقيل هذا) أى تصديقه إذا لم يصرح بتكنتييه ( مذهب جمهور الفقهاء - ٢٤٨ - والمحدثين وأهل الأصول) قال السخاوى: وصححه غير واحد منهم الخطيب وابن الصلاح وشيخنا ، بل حكى فيه اتفاق المحدثين ، لأن الفرض أن الراوى ثقة جزما ، فلا يطعن فيه بالاحتال، إذ المروی عنه غير جازم بالنفى ، بل جزم الراوى فيه وشكه قرينة لنسيانه ( خلافا لبعض أصحاب أبى حنيفة) فقالوا بوده (وحكاه ابن الصباغ فى العدة عن أصحاب أبي حنيفة) كلهم، لكن قال السخاوى: فى التعميم نظر ، إلا أن يريد المتأخرين منهم . قلت : ونسبه فى شرح مسلم الكرخى ، ولكنه قال الكيا الطبرى إنه لا يعرف لهم فى مسألتنا بخصوصها كلام، إلا أنه أخذ لهم ذلك من ردهم حديث ((إذا نكحت المرأة بدون إذن وليها فنكاحها باطل)) لأنه جعله ابن الصلاح من أمثلة من حدث فنسى . قلتُ : قال ابن الصلاح: إن الحنفية ردوا حديث سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إذا فكحت المرأة - الحديث)) من أجل أن ابن جريج قال: لقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه ، انتهى ( وأما إذا روى الشيخ ذلك الخبر لغير هذا الذى كذ به الشيخ أو روى عنه ثقة آخر، قُبِل، كذا ذكره الزين، قلت: إذا كان إنما أنكر رواية ذلك الفرع عنه، ولم ينكر أنه يروى الحديث أو أنه رواه لغيره قبل ذلك منه ) لعدم الريبة فى الشيخ ( وإلا) أى وإلا ينكر الشيخ رواية الفرع فقط، بل أنكر الحديث نفسه ( لم تقبل من الشيخ روايته إذا وقعت قبل الأفكار، ولا رواية غيره عنه قبله أيضاً لأن الاضطراب يقدح فى الحديث كما تقدم ، وهذا أشدمن الاضطراب ) إذ هو قبول للحديث مع الريبة فى الرواة (إلا أن يحكم بقبول الجميع ويجعلها) أى روايات الشيخ وفرعه (توابع يقوى بعضها بعضاً فقبولها قوى ، أما إذا استفاد) الشيخ الحديث الذى أنكر التحديث به (بعد) أى بعد - ٢٤٩ - إنكاره ( فرواه وروى عنه) عن فرعه ( فلا إشكال ) لأنه حدث به بعديقين لحمله له من الثقة، وكأنه يشير إلى مثال معروف المسألة وهو ما رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه من رواية ربيعة بنعبد الرحمن عن سهيل بنأبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ((قضى باليمين مع الشاهد» زاد أبو داود فى رواية أن عبد العزيز الدرَاوَزْدى قال: ذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرنى ربيعة - وهو عندى ثقة - أنى حدثنه إياه ولا أحفظه ، قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله، ونسى بعض حديثه ، فكان سهيل بعد يحدث عن ربيعة عن أبيه ، وزاد أبو داود أيضاً من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة قال : فلقيت سهيلا فسألته عن قصة الحديث فقال : ما أعرفه، قلت : إن ربيعة أخبرنى به عنك ، قال: إن كان ربيعة أخبرك عنى فىثبه عن ربيعة على . وقد كره جماعة من العلماء التحديث عن الأحياء من العلماء (١) لأن النسيان (١) كره جماعة من أكابر العلماء التحديث عن الأحياء، وعللوا ذلك بأن - الانسان معرض للنسيان فيبادر إلىجحود ما روى عنه وتكذيب الراوى،وقيل: إذاكرهوا ذلك لاحتمال أن يتغير الراوى عن الثقة والعدالة بطارئ، يطرأ عليه يقتضى رد حديثه المتقدم، وممن كره ذلك الامام الشافعي وشعبة ومعمر، قال العراقى: وما عللوا به كراهة الشافعى الرواية عن الأحياء حدس وظن غير موافق لماأراد الشافعى، وقد بين الشافعى مراده بذلك كما رواه البيهقى في المدخل باسناده إليه أنه قال: لا تحدث عن حى، فان الحي لا يؤمن عليه النسيان، قلله لابن عبد الحكم حين روى عن الشافعي حكاية ، فأذكرها ، ثم ذكرها . وقد روى الخطيب باسناد له عن ابن عون أنه قال: قلت الشعبى : ألا أحدثك ؟ قال: فقال الشعبى: أعن الأحياء تحدثنى أم عن الأموات ؟ قال: قلت : لا ، بل عن الأحياء. وروى بسند إلى ابن عبد الحكم أنه قال: ذكرت الشافعى يوما ٠ - ٢٥٠ - غير مأمون على الانسان، فيبادر إلى جحود ماروى عنه) قال السخاوى : لكن قد قيد هذه الكراهة بعضُ المتأخرين بما إذا كان له طريق آخر غير طريق الحى، أما إذا لم يكن له سواها وحدث فلا معنى للكراهة ، لما فى الامساك من كتم العلم، وقد يموت الراوى قبل المروى عنه فيضيع العلم، وهذا حسن ، إذ المصلحة محققة والمفسدة مظنوتة، وكذا بحسن تقييد ذلك بما إذا كانا فى بلدواحد ، أما إذا كانا فى بلدتين فلا، لاحتمال أن يكون الحامل له على الانكار النفاسة ، وقد حدث عمرو بن دينار عن الزهرى بأشياء ، وسئل الزهرى عنه فأنكره، فاجتمع بالزهرى فقال: أليس يا أبا بكر قد حدثتنى بكذا ، ، فقال : ما حدثتك به، ثم قال: والله ما حَدَّثْتَ به وأنا حى إلا أنكرتُهُ حتى توضع أنت فى السجن ، انتهى ، قلت : إذا صحت هذه عن الزهری فهی قادحة فیه . (روى ثمن الشعبى أنه قال لابن عون: لا تحدثنى عن الأحياء) رواه عن الشعبى الخطيب فى الكفايه بأسناده إليه ( وعن معمر أنه قال لعبد الرزاق : إن قدرت أن لا تحدث عن رجل حى فافعل) رواه عنه أيضاً الخطيب فى الكفاية (وعن الشافى أنه قال لابن عبد الحكم) واسمه محمد بن عبد الله (إياك والرواية عن الأحياء، وفى رواية البيهقى) فى المدخل (قال ) الشافعى لابن عبد الحكم (لا تحدث عن الحى ، فان الحى لا يؤمن عليه النسيان ، قاله) الشافعى لابن عبد الحكم ( حين حكى عنه حكاية فأنكرها ثم ذكرها) قال السخاوى: وذلك فيما روينا فى مناقبه والمدخل كلاهما للبيهقى من طريق أبى سعيد الخصاص عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت من الشافعى حكاية فمكيتها عنه فنميت إليه أنكرها، قال: فاغتم أبى لذلك غماً شديداً ، وكنا نجله، فقلت له: بحديث وأنا غلام ، فقال: من حدثك به ؟ فقلت : أنت، فقال: ماحدثتك به من شىء فهو كما حدثتك ، وإياك والرواية عن الأحياء - ٢٥١ - أنا أذكره لعله يتذكر، فمضيت إليه ، فقلت : يا أبا عبد الله، أليس تذكر يوم كذا وكذا فى الاملاء، فوقفته عن الكلمة، فذكرها ثم قال: يا محمد ، لا تحدث عن الحى ، فان الحى لا يؤمن عليه أن ينسى، انتهى (المسألة الثالثة: من أخذ أجرة على الرواية اختلفوا) أى أئمة الحديث (فيه)(١) (١) روى الخطيب بسنده عن محمد بن الحجاج أنه قال: كان رجل يسمع من حماد بن سلمة ، فركب بحر الصين فقدم ، فأهدى إلى حماد فقال له حماد : اختر: إن شئت قبلتها ولم أحدثك أبدا ، وإن شئت حدثنك ولم أقبل الهدية، فقال : لا تقبل الهدية وحدثنى ، فرد الهدية وحدثه . وروى باسناده عن إبراهيم بن محمد الصيد لانى أنه قال : كنا فى مجلس إسحق بن راهويه غساله مسلمة بن شبيب عن المحدث يحدث بالأجر ، فقال : لا يكتب عنه . يروى باسناده عن سليمان بن حرب أنه قال: لم يبق أمر من أمر السماء إلا الحديث والقضاء، وقدفسدا جميعا: القضاة يرشون حتى يولوا، والمحدثون بأخذون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجر، وروى باسناده عن أحمد بن حنبل أنه سئل: أيكتب عمن يبيع الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. وروى باستاده عن أبى حاتم الرازى أنه سئل عمن يأخذ الأجر على الحديث فقال: لا يكتب عنه وروى باسناده عن شعبة أنه قال : لا تكتبوا عن الفقراء شيئا فانهم يكذبون لكم ، وأنه قال : اكتبوا عن زياد بن فخران فانه رجل مومر لا يمكذب وقال لعلى بن عاصم: عليك بعمارة بن حفصة فانه غنى لا يكذب ، قال على : فقلت : كم منغنى يكذب ثم روى باسناد له عن عكرمة قدم علىطاوس فحمله على نجيب منه متتون .دينارا وقال: ألا أشترى علم هذا العبد بستين دينارا. وروى باسناده عن عبيد الله بن أبى زياد أنه قال : كان مجاهد إذا أتاه الذين يتعلمون منه يقول لأحدهم : اذهب فاعمل لى كذا ثم تعال أحدثك، وروى باسناد له إلى جعفر ابن خالد أنه قال: كنا تختلف إلى أبى نعيم الفضل بن دكين القرشى مكتب - ٢٥٢ - عنه الحديث فكان يأخذ منا الدراهم الصحاح، فإذا كان معنا دراهم مكسرة يأخذ عليها صرف. وروى باسناد له أن يعقوب بن إبراهيم كان لا يحدث بحديث رواه فى البول فى الماء الراكد إلا أن يأخذ عليه دينارا ، وروى أن أبا عبد الرحمن النسائي سئل عن على بن عبد العزيز المى؛ فقال: قبح الله على بن عبد العزيز ، ثلاثا ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن أتروى عنه؟ فقال: لا، فقيل له : أكان كذابا؟ فقال: لا، ولكن قومه اجتمعوا ليقرأوا عليه شيئا ؛ وبروه بما سهل ، وكان فيهم إنسان غريب فقير لم يكن فى جملة من بره ؛ فأبى أن يقرأ عليهم وهو حاضر حتى يخرج، أو يدفع كما دفعوا، فذكر الغريب أن ليس معه إلا قصعته فأمره باحضار القصعة ، فلما رآها حدثهم. قال العبد الضعيف غفر الله له ولوالديه: فهذان فريقان من حملة الحديث ورجالاته الذين عنهم أخذ، وعليهم قرىء ، وقد اختلف الفريقان فى جواز أخذ الأجرة على التحديث ، فقال أحدهما : لا يجوز للمحدث أن يأخذ أجرا على تحديثه، لأنه إن أخذ الأجر خيف أن يتزيد فى الحديث ليطول به الثرمن ويكثر الآجر، ويمثل هذا الفريق فى روايات ابى بكر الحافظ : حماد بن سلمة ، وإسحاق بن راهويه، وسليمان بن حرب ، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازى، وشعبة، وفى الأثر الذى رواه عن شعبة التعليل لهذا الحظر بأن الذى يأخذ الأجر يقضى به الأمر إلى محبة استمرار ذلك فيكذب وقال الفريق الآخر يجوز أخذ الأجرة على التحديث، لأن المحدث قد يكون فقيرا وله غيال تجب عليه مؤنتهم وانقطاعه للتحديث يؤدى إلى ترك الكسب لهم، ويمثل هذا الفريق فى رواية أبى بكر الخطيب: عكرمة وطاوس ومجاهد وأبو نعيم الفضل بن دكين ويعقوب بن إبراهيم وعلى بن عبدالعزيز المكى، والذى تختاره أنه يجب أن يفرق بين من يكون له ما يمون نفسه وأهله منه، ومن لا يكون له ذلك ، فان كان المحدث ذا يسار وهو لا يحتاج إلى أخذ الأجرة وجب عليه أن يحدث بغير أجر ، وإذا كان لا يجد ما يعيش منه لم يكن له بد من أن يأخذ الأجر إذا انقطع للتحديث ، - ٢٥٣ - أى فى قبول من أخذ أجرة على التحديث (منهم من لم يقبله، وهو مذهب أحمد) ابن حنبل ( وإسحاق) بن راهويه (وأبى حاتم الرازى) قالوا (لأنه يخرم من مروءة الانسان، وإن استحله) الأخذ: أى رآه حلالا لأنه قد تقدم فى رسم العدالة أنه لا بد من السلامة عما يخرم المروءة فمن خرمها فليس بعدل (بخلاف أخذ الأجرة على القرآن ) أى على تعليمه، قالوا: لأن هناك العادة جارية بأخذ الأجرة فلا يخرم مروءة الآخذ، قالوا (و) لأن (الظن يساء بفَاعل ذلك) أى وقد أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازى بجواز أخذ الأجرة لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث، ويشهد لصحة ما ذهب إليه أبو إسحاق رحمه الله تجويز الشرع أن يأخذ الوصى الأجرة من مال اليتيم إذا كان الوصى فقيرا وقد اشتغل بحفظ مال اليقيم عن الكسب ، ولا يرجع اليقيم عليه بعد البلوغ بما أخذ ، والقرآن الكريم شاهد عدل على صحة ذلك . قال ابن الصلاح رحمه الله : من أخذ على التحديث أجراً منع ذلك من قبول روايته عند قوم من أئمة الحديث ، وروينا عن إسحاق بن إبراهيم أنه سئل عن المحدث يحدث بالأجر فقال: لا يكتب عنه، وعن أحمد بن حنبل وأبى حاتم الرازى نحو ذلك ، وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين وعلى بن عبد العزيز المكي وآخرون فى أخذ العوض على التحديث. وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه، غير أن فى هذا من حيث العرف خرما المروءة ، والظن يساء بفاعله، إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفى ذلك ، كمثل ما حدثنيه الشيخ أبو المظفر عن أبيه الحافظ أبى سعيد السمعانى أن أبا الفضل محمد بن ناصر السلامى ذكر أن أبا الحسين بن النقور فعل ذلك لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى أفتاه بجواز أخذ الأجرة على التحديث لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسبَ لعياله، والله اعلم)) اهـ كلامه . وأحب أن أنبهك هنا إلى أن خلاف هؤلاء العلماء حاصل فى أخذ المحدث العوض عن التحديث من تلاميذه الذين ينقطع هولهم . فأما أن يأخذ المحدث من بيت مال المسلمين ما يقوم بحاجاته وحاجات من تجب عليه نفقتهم جزاء احتباسه لذلك فليس بموضوع خلاف بينهم . والله أعلم. - ٢٥٤ - فاعل قبض الأجرة على الرواية ، قال الخطيب: وإنما منعوا ذلك تنزيهاً للراوى عن سوء الظن به ، فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده وادعائله مالم يسمع، لأجل ٤٠ كان يعطى، ولذا بالغ شعبة فيما يروى عنه ، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئاً فإنهم يكذبون (قال الزين: إلا أن يقترن بذلك عذر ينفى ذلك عنه) أى سوء الظن وخرم المروءة ( كماروى عن أبى الحسين بن النقود) ضبط بالنون والقاف آخره راء ( أنه فعل ذلك) أى أخذ الأجرة على الرواية ، (لأن أصحاب الحديث منعوه عن التكسب لعياله ، فأفتاه بجواز ذلك فى هذه الحال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى) فهذا مع العذر، وَأمامع عدمه فتقدم من منع ذلك (ومنهم من رخص فيه) أى فى أخذ الأجرة (منهم أبونعيم الفضل بن دكين ) بالدال المهملة مضمومة ( شيخ البخارى) روى عنه فأكثر، وروى عنه الامام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن المبارك ، وخاق . وكان أبو نعيم من أحفظ الناس وأشدهم إتقانا ، وثقه الأئمة ، وكان يأخذ العوض على التحديث، بحيث أنه كان إذالم يكن معهم دراهم صحاح بل مكسورة أخذ صرفها، ذكره البخارى ومنهم عفان أحد الشيوخ الحفاظ الأثبات شيخ البخارى أيضا، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله (( يعنى أحمد بن حنبل)) يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما ، وكنا نلقى من الناس فى أمرهما مالله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد ، أو كثير أحد، يقل ما قاما به: عفان ، ونعيم، يعنى بقيامهما عدم الاجابة فى المحنة ، وتكلم الناس فيهما من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديثُ وقد عد السخاوى جماعة أخذوا على التحديث ، قال ابن حزم : سمعت أبا نعيم يقول: يلوموننى على الأخذ ، وفى بيتى ثلاثة عشر وما فى بيتى رغيف. - ٢٥٥ - (المسألة الرابعة : رد أهل الحديث من عرف بالتساهل فى السماع كالنوم) أى كمن ينام هو أو شيخه (فى حال السماع (١)) ولا يبالى بذلك . ولذا قال (سواء صدر من الشيخ أو من التلميذ ، فانه قدح فيمن صدر عنه ، ثم اعتد بذلك السماع من غیر مییزلما سمعه مما نام عندسماعه) وذلك لأنه يثبت ما سمع ولا يضبطه ، رد أهل الحديث روايته (ومثل من روى الحديث من غير أصل مقابل على أصله أو أصل شيخه) مع كونه هو أو القارىء أو بعض السامعين غير حافظ ، كما يأتى فى بابه . ومن ذلك من كان يحدث بعد ذهاب أصوله واختلاج حفظه كابن لهيعة فيما حكاه هشام بن حسان (٢) (١) قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ((لا تقبل رواية من عرف بالتساهل فى سماع الحديث أو إسماعه : كمن لا يبالى بالنوم فى مجلس السماع، وكمن يحدث لا من أصل مقابل صحيح ، ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين فى الحديث، ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير فى حديثه . جاء عن شعبة أنه قال : لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ، ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو فى رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح . وكل هذا يخرم الثقة بالراوى وبضبطه)) اهـ كلامه وذكر الامام النووى عبارة ابن الصلاح هذه بحروفها تقريبا ، ثم زاد بعدها قوله ((قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدى وغيرهم : من غلط فى حديث فبين له فأصر على روايته سقطت رواياته ، وهذا صحيح إن ظهرأنه أصر عناداً أو نحوه)) اهـ، زاد الحافظ السيوطى على ذلك قوله ((وكذاقال ابن حبان : قال ابن مهدى لشعبة: من الذى نترك الرواية عنه؟ قال : إذا تمادى فى غلط مجمع عليه ، ولم يتهم نفسه عن اجتماعهم على خلافه، قال العراقى وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالما عند المبين له وإلا فلاحرج إذا)) اهـ، وهذا لا يخرج عما ذكره المؤلف هذا، كما أن ما ذكره المؤلف لا يخرج عنه (٢) روى هذه الواقعة الخطيب الحافظ فى الكفاية باسناده قال : أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدرى قال: أنا أبو أحمد محمد بن أحمد ابن الغطريف بن القاسم العبدى بجرجان، قال : ثنا أبو الحسن القافلانى - ٢٥٦ - .. قال : تنا الرمادی قال : ثنا نھیم۔۔ یعنی ابن حماد - قال : سمعت يحيى بن حسان يقول : جاء قوم ومعهم جزء فقالوا : سمعناه من ابن لهيعة ، فنظرت فهذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة ، فجئت إلى ابن لهيعة فقلت هذا الذى حدثت به ليس فيه حديث من حديثك ولا سمعتها أنت قط، فقال ما أصنع؟ جیونی بکتاب ويقولون : هذا من حديثك، فأحدثهم به ، قال الخطيب قلت : وكان عبد الله بن لهيعة سىء الحفظ، واحترقت كتبه وكان يتساهل فى الأخذ، وأى كتاب جاءوا به حدث منه، فمن هذا كثرت المناكير فى حديثه. وروى باسناد له عن يحيى بن سعيد أنه قال : قال لى بشر بن سرى: لو رأيت ابن لهيعة لم تحمل عنه حرفا. وروى باسناد له عن أبى بكر محمد بن الطيب قال: ومن عرف بوضع حديث واحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رد خبره وبطلت شهادته ، ومن عرف بكثرة السهو والغفلة وقلة الضبط رد خبره، ويرد خبر من عرف بالتساهل فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يردخبر من تساهل فى الحديث عن نفسه وأمثاله، وفيما ليس بحكم فى الدين . ثم روى باسناد له إلى أحمد بن واضح المصرى أنه قال : كان محمد بن خلاد الاسكندرانى رجلا ثقة ولم يكن فيه اختلاف حتى ذهبت كتبه ، فقدم علينا رجل يقال له أبو موسى فى حياة ابن بكير ، فذهب إليه - يعنى إلى محمد بن خلاد - بنسخة ضمام بن إسماعيل ونسخة يعقوب بن عبد الرحمن فقال : أليس قد سمعت النسختين ؛ قال نعم ، قال: فحدثى بهما ، فقال : قد ذهبت ولا أحدث بهما ، فما زال به هذا الرجل حتى خدعه وقال له : النسخة واحدة ، فحدث بهما ، فكل من سمع منه قديما قبل ذهاب كتبه فحديثه صحيح ، ومن سمع منه بعد ذلك فليس حديثه بذاك)) اهـ كلام الخطيب . قال العبد الضعيف غفر الله له ولوالديه: ويلحق بهذا أيضاً أن علماء الحديث رضى الله تعالى عنهم كرهوا أن يروواعن أهل المجون والخلاعة ، وكانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل نظروا إلى صلاته وإلى سمنه وهيأته ، روى عن العباس بن محمد أنه قال: سمعت يحيى بن معين . وذكرت له شيخاً كان يلزم سفيان بن عيينة، يقال له : ابن مناذر - فقال يحيى : أعرفه، کان ٠ - ٢٥٧ - قال : جاء قوم ومعهم جزء قال! سمعناهمن ابن لهيعة، فنظرت فلم أجد فيه حديثاً واحداً من حديثه، فأتيته فأعلمته بذلك ، فقال: ما أفعل يجيئونى بكتاب فيقولون هذا من حديثك، فأحدثهم به ، قال السخاوى: والظهر أن الرد بذلك ليس على الاطلاق، وإلا فقد عرف به أئمة من الجماعة المقبولين، وكأنه لما انضم إليهم من الثقة وعدم الاتيان بما لا ينكر ( وكذا) رد (من عرف بقبول التلقين ) الباطل مما يقنه إياه ، والتلقين فى اللغة: التفهيم ، وفى العرف : إلقاء كلام إلى الغیر ( فى "الحديث) أى إسناداً أو متناً، وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة ( وهو أن يلقن الشىء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه) فلا يقبل ، لدلالته على صاحب حديث، وكان يتعشق ابن عبد الوهاب النقفى ، ويقول فيه الأشعار ويشبب بالنساء ، فطردوه من البصرة ، وكان يرسل العقارب إلى المسجد الحرام حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد بالليل فى المواضع التي يتوضأ الناس منها حتى تسود وجوه الناس ، ليس يروى عنه رجل فيه خير، وكان أبو داود السجستانى يقول: أنا لاأحدث عن أبى الأشعث، يعنى أحمد بن المقدم، فقال له عبد الله الأهوازى: لم ? فقال: لأنه يعلم المجان المجون ! كان مجان البصرة يصرون صرو الدراهم ويطرحونها على الطريق ، ويجلسون ناحية ، فاذا مر رجل بصرة أراد أن يأخذها صاحوا به ((ضعها)) فيخجل الرجل، فعلم أبو الأشعت المارة بالبصرة أن يهيئوا صرراً كصرره ويضعوا فيها زجاجا فاذا مروا بصررهم فأرادوا أن يأخذوها فصاحوا بهم فليطرحوا صرر الزجاج وليأخذوا صرر الدراهم، ففعلوا ذلك ، قال أبوداود: فانا لاأحدث عن،لهذا، وأمثال هذا كثير يدل على شدة التحوط الذى ذهب إليه رواة الحديث رضى الله عنهم ، ولعل السر فى هذا أن من كانمزاحا ماجناً لايؤمن أن يجره المزاح والمجون إلى التساهل فى الكلام وبعض الأفعال، وعلى الجملة رأوا أنه يجب فيمن ينقل أمور الأحكام عن صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه أن يكون قد أفاد من الاتصال بالحديث روحا تنشأ عنها ملكة نفسانية تبعثه على أن يكون عمله كله فى الله ولله، والله أعلم . (١٧ - تنقيح ٢) : - ٢٥٨ - مجازفته وعدم تثبته ، وسقوط الوثوق بالمنصف به ( كموسى بن دينار) فى الميزان : قال على : سمعت يحيى القطان قال : دخلت على موسى بن دينارأنا وحفص ، فجعلت لا أريده على شىء إلا لقنته ، وقال أبو حاتم: مجهول ، وقال الدارقطنى : ضعيف (ونحوه ، وكذلك) ردوا (حديث مَنْ كثرت المناكير والشواذفى) الروايات من ( حديثه) قال ابن الصلاح فى وجه رده: وذلك لأنه يخرم الثقة بالراوى وضبطه ( كما قال شعبة : لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ) أى النادر وجوده فى الرواة ( وكذلك قيل له) أى لشعبة ( من الذى يترك الرواية عنه ؟ قال: إذا أكثر من الرواية عن المعروف بما لا يعرف، أو كبر غلطه) وقال القاضى أبو بكر الباقلانى فيما حكاه الخطيب عنه: من عرف بكثرة الغفلة والسهو وقلة الضبط رد حديثه، قال السخاوى: وأما من لم تكثر شواذه ولا منا كبره أو كثر ذلك مع تمييزه له وبيانه فلا يرد ( وكذلك ردوا حديث من عرف بكثرة السهو إذا لم يحدث عن أصل صحيح ، وأما من أصر على غلطه بعد البيان فورد عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدى وغيرهم أنها تسقط روايته، ولا يكتب عنه) لأن إصراره على الغلط يبطل الثقة بقوله ( قال ابن الصلاح: وفى هذا نظر) قال السخاوى . وكأنه لقوله قد لا يثبت عنه ما قيل: إما لعدم اعتقاده علم المبين له، وعدم أهليته، أو لغير ذلك ( وهو غير مستنكر إلا إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك ، وقال ابن مهدى لشعبة : من الذى تترك الرواية عنه ؟ فقال: إذا تمادى على غلط مجمع عليه، ولا يتهم نفسه عند الاجتماع) أى اجتماع الحفاظ ( على خلافه) أى خلاف ما رواه (أو رجل يتهم بالكذب ، وقال ابن حبان: إن من تبين له خطأه وعلم) بخطئه (فلم يرجع عنه وتمادى) فى ذلك (كان كذاباً بعلم صحيح) قال التاج التبريزى: لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل ، وأما إذا كان عن جهل فأولى بالسقوط، لأنه ضم إلى جهله إنكاره الحق ، وكان هذا فيمن يكون فى نفسه جاهلا مع اعتقاده على من أخبر. ١ - ٢٥٩ - (المسألة الخامسة - قال زين الدين ما معناه: أعرض الناس فى هذه العصور المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط ) التى شرحت فيما مضى فى الراوى وضبطه فلم يتقيد وابها فى عملهم ( لعسرها وتعذر الوفاء بها) بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها كما أشار إليه بقوله ( فيكتفى فى أهلية الشيخ كونه مسلما بالغاً عاقلا غير متظاهر بالفسق وما يخرم المروة) زاد لزين ((ظاهرا)) والمراد بكونه مستور الحال فهذا فى العدالة (ويكفى فى اشتراط ضبط الراوى بوجود سماعه مثبتاً بخط ثقة غير منهم وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد سبق إلى نحو ذلك) أى ما قاله الزين ، الحافظ الكبير أبو بكر (البيهقى، لما ذكر توسع مَن توسع فى السماع من بعض محدثى زمانه الذين لايحفظون حديثهم ، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك) أى وجه الإكتفاء بما ذكر، وكأنه نقل كلام البيبقى بمعناه وعبارة ابن الصلاح بلفظ «ووَّجه ذلك يعنى البيهقى بأن الأحاديث التی قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دنت فى الجوامع التى جمعها أئمة الحديث ، ولا يجوز أن يذهب على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها ( لتدوين الحديث فى الجوامع التى جمعها أئمة الحديث ، قال ) البيهقى (فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم) أى الأئمة الجامعين للأحاديث التى عرفت عندهم (لم تقبل منه) لأنه يبعد أن لا يأتى أحد من الأمة فى كتبهم (ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذى يرويه) حال كونه ( لا ينفرد بروايته) بل رواه غيره (فالحجة قائمة بحديثه من رواية غيره ) فان قيل فما فائدة السماع منه جوابه قوله ( والقصد بروايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا يحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة ) وهى سلسلة الاسناد بلفظ التحديث والاخبار (التى خصت بها هذه الأمة) فانه لم يكن ذلك فى الأمم الماضية (شرفا) خبر ليبقى على أنه فعل ناقص على قول أو مفعول له أو حال من الكرامة (لنبيناصلى - ٢٦٠ - الله عليه وسلم) تبقى أخباره على هذه الطريقة التى لا إنقطاع فيها، قلت: ولا يعزب عن ذهنك أن المصنف قد سرد فى آخر بحت المرسل هذه الفائدة وزاد عليها فائدتين، فتذكر ( وكذا الاعتماد فى روايتهم على الثقة المفيد لهم لاعليهم) والحاصل أنه لما كان الغرض أولا معرفة التعديل والتجريح وتفاوت المقامات فى الحفظ والأتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل. التشديد بمجموع تلك الصفات ، ولما كان الغرض آخراً هو الاقتصار فى التحصيل على مجرد وجود السلسله السندية اكتفوا بما مر ذكره وتقريره (وهذا كله توصل من الحفاظ إلى حفظ الأسانيد، إذ ليسوا من شرط الصحيح إلا على وجه المتابعة فلولا رخصه العلماء لما جازت الكتابة عنهم) لأنهم ليسوا على شرط من يكتب حديثه ( ولا) جازت ( الرواية إلا عن قوم منهم) انتهى كلام الحافظ البيهقى . (قال زين الدين: وهذا هو الذى استقر عليه العمل ، فال الذهبى فى مقدمة كتابه الميزان: العمدة فى زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم فى ضبط أسماء السامعين ، قال: ثم من المعلوم أنه لابد من صون المروى وستره) أى صائنا لعرضه ساترا لنفسه عن الأدناس وما يعيبه عليه الأكياس ، من الناس، كذا فسره البقاعى ، ويظهرلى أنه أراد صونه لكتاب سماعه بدليل قوله ، المروى وستره له عمن يغيره ويفسده والله أعلم. واعلم أنه ذكر هذا فى الميزان علة لقوله ((وكذلك من قد تكلم فيه من المتأخرين لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه أو على التوقف منه واتضح أمره من الرواة، والعمدة إلى آخره)). ثم قال : والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس ثلثمائة ، ولو فتحت على نفسى تليين هذا الباب لما سلم منى إلا القليل، إذ الأكثرلا يدرون مايرو و