النص المفهرس
صفحات 201-220
-٢٠١ - المبتدع اذا لم يكن ممن يستحل الكذب فى نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه ، سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن، وعزا بعضهم هذا إلى الشافعى لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور الموافقيهم، وقال قوم: تقبل روايته إذا لم يكن داعية، ولا تقبل إذا كان داعية إلى بدعته، وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء، وحكي بعض أصحاب الشافعى رضى الله عنه خلافا بين أصحابه فى قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته، وقال: أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم فى عدم قبول روايته. وقال أبو حاتم بن حبان البستى أحد المصنفين من أئمة الحديث : الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أ متنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافا. وهذا المذهب الثالث أعد لها وأولاها، والأول بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فان كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، وفى الصحيحين كثير من أحاديثهم فى الشواهد والأصول، والله أعلم» ا هـ كلامه . والذى نريد أن نوجه النظر إليه أن ابن الصلاح رحمه الله فرض الخلاف فى المبتدع الذى لم يكفر ببدعته، وأنه فرض أن الذى يكفر ببدعته مردود الرواية اتفاقا، ألا ترى إلى قوله فى مطلع المسألة ((اختلفوا فى قبول رواية المبتدع الذى لا يكفر فى بدعته)) ثم ألا ترى إلى قوله فى الاحتجاج المذهب الأول القائل برد رواية المبتدع الذى هذه حاله ((وكما استوى فى الكفر المتأول وغير المنأول يستوى فى الفسق المتأول وغير المتأول)) ومثل هذا الكلام لا يقال فى الاحتجاج إلا أن يكون المفروض أن استواء التأول وعدمه فى الكفر متفق عليه بين المتناظرين لأن حاصله إلزام المناظر بمساواة حالة لا يقول بها بحالة أخرى يقول بها، ليكون كقولنا له: إما أن ترجع عما يذهب إليه من التسوية بين حالتى الكفر ، وإما أن تقول بمانذهب إليه من التسوية بين حالتى الفسق ، وهذا الذى ذكرنا هنا هو مافهمه أهل الأصول من كلام الفقهاء والمحدثين، وستسمعه حين يفضى بنا القول إلى كلامهم ، وهو مخالف كل المخالفة مابنى المصنف فى هذا الكتاب الأمر فى هذا الموضوع عليه، حيث تحدث - ٢٠٢ + حدينا طويلا عن المبتدعين الذين يقال عنهم فساق التأويل ، ثم تحدث حديثا خاصا عمن مماهم كفار التأويل، ولم يذكر فى الحديث الثاني اتفاق على ردروايتهم بل يكاد يجنح إلى أن روايتهم مقبولة بما يقرب من الاجماع، وهذا بعض مادعانا إلى أن وجهك إلى ما يؤخذ من قول ابن الصلاح فى هذا الموضع، إلى أن نبادر فنقرر لك أنه كلام علماء الأصول، وسنوجه نظرك إليه متى جاء. وقال العلامة النووى والحافظ السيوطي، وفى كلام النووی وحده النص الصريح على ماوجهها إليه نظرك فى كلام ابن الصلاح ، مانصه ((من كفر بدعته - وهو كما فى شرح المهذب المجسم ومفكر على الجزئيات ، قيل: القائل بخلق القرآن، فقد نص عليه الشافعى ، واختاره البلقيني، ومنع تأويل البيهقي له بكفران النعمة بأن الشافعى قال ذلك فى حق حفص الفرد لما أفتى بضرب عنقه، وهذاراد للتأويل - لم يحتج به بالاتفاق ، قيل : دعوى الاتفاق منوعة، فقد قيل : إنه يقبل مطلقا، وقيل: يقبل إن اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب المحصول وقال شيخ الإسلام : التحقيق أنه لايرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعى أن مخالفتها مبتدعة تبالغ فتكفر ، فلو أخذ ذلك على الاطلاق لا ستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن لذى ترد روايته من أنكرأمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك - وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه - فلا مانع من قبوله، ومن لا يكفر فيه خلاف: قيل لا يحتج به مطلقا، ونسبه الخطيب لمالك، لأن فى الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، ولأنه فاسق ببدعته وإن كاز منأولا فيرد كالفاسق بلا تأويل، كما استوى الكافر المتأول وغيره . وقيل: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب فى نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه ، سواء كان داعية أم لا، ولا يقبل إن استحل ذلك، وحكى هذا القول عن الشافعى، حكاه عنه الخطيب فى الكفاية، لأنه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، قال الخطيب: وحكى هذا عن ابن أبى ليلى والثورى والقاضى أبى يوسف. وقيل: يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعنه، ولا يحتج به -٢٠٣ -- إن كان داعية إليها، أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتقويتها على ما يقتضيه مذهبه،، هذا القول هو الأظهر الأعدل وقول الكثير أو الأكثر من العلماء، وضعف القول الأول باحتجاج صاحبى الصحيحين. غيرهما بكثير من الممتدعة غير الدعة كعمران بن حطاز ودا ودبر الحصين، قال الحاكم: وكتاب مسلم ملان من الشيعة ، وقد حكى ابن حبان الاتفاق على رد الداعية وقبول غيره بلا تفصيل، وفيد جماعة قول غير الداعية بما إذا لم يرو ما يقوى بدعته، صرح بذلك الحافظ أبو إسحاق الجوزجاني شيخ أبى داود والنسائى فقال و كتابه معرفة الرجال: ومنهم زائغ عن الحق أى عن السنة صادق اللهجة فليس فيه حيلة إلاأن يؤخذ من حديثه ما لا يكون مكرا إذا إيقر به بدعته وبه جزم شبخ الاسلاء فى النخبة وقال فى شرحها: ما قاله الجوز جاني منجه، لأن العلة التى رد لها حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروى يوافق مذهب المبتدع ولم يكن داعية . وقد ذكر العراقى أنه اعترض على هذا المذهب - وهو القول بقبول حديث المبتدع مالم يكن داعية - بأن الشيخين البخارى ومسلم، قد احتجا بالدعاة أيضا، فاحتج البخارى بعمران بن حطان وهو من الدعاة واحتجا بعبد الحميدين عبد الرحمن الخمانى ، وكان داعية إلى الارجاء ، وأجاب بأن داودقال: ليس فى أهل الأهواء أصح حدينا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حصان وأباحان الأعرج. قال: ولم يحتج مسلم بعبد الحميد، بل أخرج له فى المقدمة، وحد وثقه ابن معين)) اهـ المقصود من كلامه قال فخر الاسلام الحنفى: «وأما صاحب الهوى فإن أصحابنا عملوا بشهادتهم إلا الخطابية، لأن صاحب الهوى إنما وقع فيه لتعمقه، وذلك يصده عن الكذب، فلم يصلح شبهة ، إلا من تدين بتصديق المدعي إذا كان ينتحل نحلته فيتهم بالباطل والزور مثل الخطابية، وكذلك من قال الالهام حجة مج ألا تقبل مهادته أيضا، وأما فى السنن فقيل: إن المذهب المختار عندنا ألا تقبل رواية من انتحل الهوى والبدعة ودعا الناس إليه ، على هذا أئمة الفقه والحديث كلهم، لأن المحاجة والدعوة إلى الهوى سبب داع إلى التقول فلا يؤتمن على - ٢٠٤ - حديثرسولاللهصلى الله عليه وسلم، ولیس کذلك الشهادة فی حقوق الناس ، لأنذلك لا يدعو إلىالتزوير می ذاكالباب فلمترد شهادته ، اذا صح هذا كان صاحب الهوى بمنزلة الفاسق فى باب السنن والاحاديث)) اهـ والذى يخطر العبد الضعيف غفر الله له أن كلام فخر الاسلام يكاد يكون صريحا فى أن أهل الأهواء تقبل روايتهم ذالم يكن الراوى داعية من دعاة مذهبهم، ويدل لهذا من كلامه قوله ((المذهب المختار عندنا ألا تقبل رواية من انتحل الهوى والبدعة ودعا الناس إليه)) ثم قوله فى تعليل ذلك ((لأن المحاجة والدهوى إلى الهوى حيب داع إلى النقول)) فقول شيخ مشايخنا تعقيبا على هذا الكلام « وحاصل كسلامه أن أصحاب البدع لا تقبل روايتهم، وأن أصحاب الهوى كلهم منتحلون البدعة داعون إليها فلا تقبل روا يتهم فى أمر دينى أصلا)» كلام لا يتجه للعبد الضعيف ولا يستطيع أن يأخذ به وإن قرره شيخ مشايخه قال العلامة صاحب الكشف: (( الانقطاع لقصور و نقصان فى ناقل الحديث أربعة أنواع: أحدها خبر المستور ، وهو الذى لم يعرف عدالته ولافسقه . وثانيها خبر الفاسق ، وهو المسلم الذى صدرت عنه كبيرة أو واظب على صغيرة على ما قيل، وثالثها خبر المعتوه، وهو الناقص العقل من غير جنون، والمغفل . الذى لافطنة له، والمساهل، وهو الذى لا يأخذ فى الأمور بالحزم، وجعل جميع ماذكرنا قسما الاستواء أحكامم . والرابع خبر صاحب الهوى ، وهو المخطىء فى الأصول المعاند بعد تبين الحق لدعاء هواه إلى خلاف العقل)) ثم قال فى فى بيان أحكام النوع الرابع مانصه: ((الهوى: ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع، واحترز به عماأ بيح فى الشرع من الشهوات وذلك لأن القوى مما يذم عليه الشخص ويهان به ، ونفس الاستلذاذ بالشهوات قد كان موجودافى الأنبياء عليهم السلام مع براءتهم عن الهوى وعصمتهم عنه، فعلم أنه لابد من قيدمن غير داعية الشرع، واعلم أن من اتبع الهوى من يجب إكفاره كغلاة المجسمة والروافض وغيرهم ، ويسمي الكافر المتأول، ومنهم من لا يجب إكتفاره، ويسمي الفاسق المتأول. واختلف فى القسم الأول: فذهب مے - ٢٠٥ - جماعة من الأصوليين إلى أن شهادة من كفرفى هواه مقبولة، وكذا روايته، لأنه إذا لم يخرج عن أهل القبلة - وكان متحرجا معظمها للدين غير عالم بكفره. يحصل ظن الصدق فى خبره، فيقبل كخبر المسلم العدل وذهب أكثرهم إلى ودهما، لأن الكافر ليس بأهل للشهادة ولا للرواية، وكونه متأولا ممتنعا عن المعصية غير عالم بكفره لا يجعله أهلا لهما ، فان كل كافر منأول ، إذ اليهود لا يعلمون بكفرهم، وتورعه عن الكذب كتورع النصر انى فلا يلتفت إليه، بل هذا المنصب لايستفاد إلا بالاسلام، كذا ذكر الغزالى . واختلف فى القسم الثانى أيضا : فذهب القاضى أبو بكر الباقلانى ومن تابعه إلى رد شهادته وروايته جميعا، لأن الفسق فى العمل مانع من القبول فالفسق فى الاعتقاد أولى، لأنه أقوى، أقصى ما فى الباب أنه جاهل بفسقه، لكن جهله بفقه فق آخر انضم إلى فسق، فكان أولى بالمنع ، ولم يكن عذرا . وذهب الجمهور إلى قبول شهادة الفاسق ، وإنما لم يقبل لتهمة الكذب ، فانه لما تعاطى محظور دينه - مع علمه بحرمته - دل ذلك على جرأته على الكذب فيقدح فى الظن بصدقه ، فأما الفسق من حيث الاعتقاد فلا يدل عليه، لأنه إنما وقع فيه اغلوه فى الاحتراز عن المحظور حيث قال بكفر من ارتكب الذنب أو بخروجه من الايمان به ، فهذا الاعتقاد يحمل على التحرز عن الكذب أشد الاحتراز، لا على الاقدام عليه ، فكان هذا الفسق نظير تناول متروك التسمية عمدا، أو شرب المثلث على اعتقاد الاباحة، ولا يصير به مردود الشهادة، إلا قوما من الروافض يسمون الخطابيه، نسبة إلى أبى الخطاب محمد بن أبى وهب الأجدع فان شهادتهم لاتقبل لأنهم يتدينون بتصديق المدعى إذا حلف عندهم أنه محق، ويقولون: المسلم لا يحلف كاذبا، فاعتقاده هذا يمكن تهمة الكذب فى شهادته كذا فى المبسوط، وذكر فى التهذيب لمحبى السنة ((وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ، فإنهم يرون الكذب كفرا، فربما يسمع ممن يوافقه فى الاعتقاد إن لى على فلان كذا، فيشهد على موافقة قوله، لما يرى أنه لا يخبر بالكذب، إلا لو قال فى شهادته : أقر فلان لفلان بكذا، أو يقول: رأيت فلانا أقرض عدد -- ٢٠٦ - فلانا، أو قل فلانا أو تكوه، فنقبل شهادته، وكمن تدين بتصديق المدعى من قال بالالهام-أى من اعتقد أن الالهام حجة موجبة للعلم فلا تقل شهادته أيضا، لأن اعتقده ذلك يمكن تهمة الكذب، فربما قدم على أداء الشهادة بهذا الطريق ، والالهام: ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل من غير استدلال بدليل ولا نظر فى حجة ، هذا الذى ذكرناه حكم الشهادة، فأما رواية هذا القسم - وهو الفاسق المأول - لدولة على الاطلاق عند عص من قبل شهادتهم لما ذكرنا من انتهاء قيمة الكذب، فان من احترز عن الكذب على غير الرسول كان أشد تحرزا من الكذب عليه، لأنه أعظم جناية فتقبل روايته، كما تقبل شهادته، وعند بعضهم قبل إذا لم يكن داعيا للناس إلى هواه ولا يقل إذا كان كمال، بخلاف الشهادة حيث قل على كل حال ، وهو مذهب عامة أهل الفقه والحديث، فان الامام الحافظ أبا عبد الله محمد بن عبد الله النيسابورى دكران روايت المبتدعة وأهل الأهواء مقبولة عند أكثر أهل الحديث إذا كانوافيها صادقى، فقد حدث محمد بن إسماعيل البخارى و الجامع الصحيح عن عبادين يعقوب، وكان الامام أبو بكر محمد بن إسحاق يقول: حدثنا الصدوق فى روايته المتهم فى دينه عباد بن يعقوب، وقد حقج البحارى أيضا فى الصحيح محمدين زياد وجرير بن عثمان، وقد اشتهر عنهما النصب)، واتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج بأبى معاوية محمد بن حازم وعبيد الله بن موسى ، وقد اشتهر عنهما الغلو، وأما الامام مالك بن أنس فانه يقول : لا يؤخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواهولا من كذاب. يكذب على رسول اللهصلى الله عليه وسلم،وذكر أبو الحسين البصرى فى المعتمد أن الفسق فى الاعتقاد إذا كان صاحبه متحرجا فى أمعانه لا يمنع من قبول الحديث لأنمن تقدم قبل بعضبم حديث بعض بعد الفرقة، وقبل التابعون حديث الفريقين، قال: وكذا الكفر بأوبل إذا لم يخرج من أهل القبلة وكان منحرجا لأن الظن بصدقه غير زائل. وكثير من أصحاب الحديث قبلوا رواية الحسن وقتادة وعمرو ابن عبيد مع علمهم بمذهبهم وإكمارهم من يقول بقولهم ، فأما من يظم عنه العناد فى مذهبه مع ظهوره عنده فانه لايقبل حديثه كما لا يقبل حديث الفاسق - ٠٧ ٢. بأفعال الجوارح، وذكر أبو اليسر أن المبتدع إن كان من يكفر لا يقبل خبره، " وإن كان ممن لا يكفر فان كان ممن يعتقد جواز وضع الأحاديث على رسول. الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل خبره أيضا لتوم الكذب كالكرامية فانهم يعتقدون جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب، وإن لم يكن ممن يعتقد جواز الوضع - وكان عدلا - يقبل خبره ، لرجحان صدقه على كدبه، فثبت بما ذكرنا أن الصحيح في رواية المبتدع هو التفصيل)) اهـ وقال الآمدى: (( الفاسى المتأول الذى لا يعز فسق نفسه لا يخلو ما أن يكون فقه مظنونا أو مقطوعا به، فان كان مظنونا كفق الحنفى إذا شرب النبيذ فالظهر قبول روايته وشهادته، وقد قال الشافعىرضى الله عنه : اذا شرب الخنفى النبيذ أحد، وأقبل شهادته، وإن كان فقه مقطوعا به فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فلا نعرف خلافا فى امتناع قول شهادته كالخطابية من الراقصة لأنهم يرون شهادة الزور لموادقبهم فى المذهب، وإن كان الثانى كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار وقتلوا الأطفال والنسوة فهو موضع الخلاف: فمذهب الشافعى وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة، وهو اختيار الغزالى وأبى الحسين البصرى وكثير من الأصوليين، وذهب القاضى أبو بكر والجبائى وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع قبول شهادته وروايته وهو المختار . وقد احتج النافون بحجة ضعيفة، وذلك أنهم قالوا: أجمعنا على أن الفاسق لوكان عالما بفسقه لم يقبل خبره، فإذا كان جاهلا نفسقه معتقدا أنه ليس بفاسق فقد انضم إن فسقه فسق آخر وخطيئة أخرى وهى اعتقاده فى الفسق أنه ليس بفسق، فكان أولى ألا يقبل خبره، ولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق ، وكان متحرجاً متحرزا فى دينه عن الكذب وارتكاب المعصية، كان إخباره مغلبا على الظن صدقه ، بخلاف ما إذا علم أن ما يأتى به فسق ، فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية وعدم تحرزه عن الكذب، فافترقا)) احكلامه - ٢٠٨ - ونوجه نظرك إلى أن المحقق الآمدى جعل وضع المسألة فى فساق التأويل الذين لا يعلمون فسق أنفسهم ، ومعنى هذه العبارة أنهم لا يرون الذى يأتون به فسقا ولا يحكمون على أنفسهم بأنهم فساق ، بل يرون أنفسهم جارين على منهج الشرع آخذين بما دعاهم الرسول إلیه ، بلإن منهم من یری نفسه أشد استمساكا بالشرع من يتهمه بالفسق ، وقد حكي المحقق الآمدى الأقوال ونسبها إلى القائلين بها، ولم يذكر فى المسألة كفرا ولا نسب ذلك إلى أحد ، فكن على ذكر من ذلك حتى تسمع كلام غيره من علماء الأصول . وقال جلال الدين المحلى فى شرحه على جمع الجوامع: ((ويقبل مبتدع لا يكفر ببدعته يحرم الكذب ، لأمنه فيه مع تأويله فى الابتداع ، سواء دعا الناس إليه أم لا، وقيل : لا يقبل مطلقا لا بتداعه المفسق له، وثالث الأقوال : قال الامام مالك: يقبل إلا الداعية أى الذى يدعو الناس إلى بدعته لأنه لا يؤمن فيه أن يضع الحديث على وفقها . أما من يجوز الكذب فلا، كفر ببدعته أم لا، وكذا من يحرمه وكفر ببدعته كالجسم عند الأكثر لعظم بدعته، والامام الرازى وأتباعه على قبوله ، لأمن الكذب فيه)) ١ هـ كلامه بحروفه . وقال جمال الدين الأسنوى الشافعى فى شرح منهاج البيضاوى (( فان كان الكافر يصلى لقبلتنا كالمجسم وغيره . إن قلنا بتكفيره - ففيه خلاف: قال فى المحصول : الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته، وإلا فلا ، وتبعه عليه المصنف ، واستدل له بأن اعتقاد حرمة الكذب بمنع من الاقدام عليه، فيغلب على الظن صدقه ، لأن المقتضى قد وجب، والأصل عدم المعارض، وقال الماضى أبو بكر والقاضى عبد الجبار : لاتقبل روايته مطلقاً، قياساً على المسلم الفاسق والكافر المخالف، بجامع الفسق والكذب، ونقله الآمدى عن الأكثرين، وجزم به ابن الحاجب، والجواب أن الفرق بين هذا وبين الفاسق أن هذا لايعلم فسق نفسه ويجتنب الكذب لتدينه وخشيته ، بخلاف الناسق، ٠ - ٢٠٩ - والفرق بينه وبين الكافر المخالف أن الكافر المخالف خارج عن ملة الاسلام فلا تقبل روايته، لأن ذلك منصب شريف يقتضى الاعزاز والاكرام)) اهـ كلامه بحروفه، فأنت ترى أن ظاهر كلامه يدل على أن الأصوليين بعداتفاقهم. على تكفير المبتدع بالتجسيم مثلا مختلفون فى قبول روايته، فالامام الرازى وأتباعه كالبيضاوى يرون الاحتجاج برواية من يرى حرمة الكذب من كفار التأويل، والقاضى أبو بكر والقاضى عبد الجبار يردان رواية كافر التأويل مطلقاً . وقال شيخ شيوخنا: ((وتحقيق ذلك المقام أن المبتدعة الذين هم من أهل قبلتنا يصلون بصلاتنا ويأكلون ذبيحتنا قسمان : قسم بدعته جلية - وهى البدعة التى لم تكن عن شبهة قوية معتبرة شرعا، بحيث لم تكن عذراً شرعا لادنيا ولا أخرى، ومنهم المجسمة القائلون بأن الله تعالى جسم الأجسام ويعتقدون ذلك بدون أن يصرحوا بالتزام ما يلزم هذه العقيدة، ولكن هذه من لوازمها الكفر، فمن قال إن لازم المذهب مذهب أو ادعي أن اللزوم بين ، قال بتكفير هذا المبتدع، وهؤلاء اختلفوا فيمن يرى تحريم الكذب من هؤلاء ، ففريق قبل روايته لما قالوه من أن تجنبه الكذب لتدينه وهو الامام وأتباعه ، وفريق قال : لا يقبل مطلقاً لكفره ، قياساً على المسلم الفاسق والكافر الذى لا يصلى إلى قبلتنا، وفريق آخر لا يقول بكفره ، وهؤلاء قبلوا روايته متى كان يرى تحريم الكذب ، وهؤلاء والذين قبلوا روايته مع قولهم بكفره سواء فى قبول الرواية إذا كان يرى تحريم الكذب ، وبذلك كان هذا القول بهذا الاعتبار قول الأكثر . وأما الآمدى ومن تبعه والامام مالك ومن تبعه ومعظم الحنفية فعلى عدم قبول رواية صاحب البدعة الجلية مطلقاً ، سواء قيل بتكفيره كما يقول القاضيان ، أو لم يقل بتكفيره كما يقول جمهور أهل السنة، بناء على ماهو الصحيح من أن لازم المذهب ليس بمذهب، فالمبتدع الذى يلزم بدعته الكفر وهو يصلى إلى قبلتنا ليس كافرا ، وبهذا (١٤ - تنقيح ٢ ) - ٢١٠ -. الاعتبار كان القول بعدم قبول الرواية قول الأكثر كما نقله الآمدى)) اهـ ثم قال - بعد أن سرد أقوال كثير من العلماء لانرى إيرادها هنا بعد الذى أتينا به من نصوص أئمة المحدثين والأصوليين - مانصه: ((منتهي ماتمسك به القائلون برد رواية المبتدعة البدعة الجلية - سواء قيل بكفره أولا - أو البدعة غير الجلية، يرجع إلى أنه صار بذلك متهما ، وأنه متی دعا الناس إلى بدعته لا يؤمن فى ذلك أن يضع الحديث على وفقها ، وكذلك إذا لم يدع صار فاسقاً باتيانه محذور دينه فى زعمه. ونقول أولا: إن هذا خلاف المفروض لأن المفروض أنه يحرم الكذب مطلقاً، على الناس كافة وعلى الله جل شأنه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم خاصة ، خصوصاً إذا كان يرى الكذب على الله ورسوله كفراً، لأنه من الكبائر وهويرى أن ارتكاب الكبيرة كفر، وعلى فرض أنه متهم ، فغايته أن يكون متهما بوضع الحديث الموافق لبدعته، والكلام فيما هو أعم ، ولا نسلم مع اعتقاده ذلك أن يضع حديناً ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سواء وافق بدعته أو خالفها ، لأن المفروض أنه متمسك ببدعته بدليل شرعى وأنه مسلم يعتقد أنه لاحجة فى غير كلام الله وكلام رسوله الثابت عنه بطريق التواتر أو الآحاد الصحيحة، ألا ترى إلى ما نقله السيوطى فى شرح التقريب من أن الشيخين احتجا بالدعاة، فاحتج البخارى بعمران بن حطان وهو من الدعاة، واحتجا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الجمانى وكان داعية إلى الأرجاء ، وما أجاب به العراقى عن ذلك بأن أبا داود قال : ليس فى أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان وأبا جسان الأعرج ، قال: ولم يحتج مسلم بعبد الحميد، بل أخرج له فى المقدمة، وقد وثقه ابن معین - فلا یفید فی رد ما نقله السیوطی ولا يدفعه، بل یکاد یسامه، وعلى كل حال فلو رددنا الروايات بمثل هذا لم نقبل رواية قط، إلا ممن أجمع الكل على أنه غير مبتدع، ولا يوجد من الرواة من هو كذلك، - ٢١١ - لما نقله السيوطى عن الحافظ ابن حجر من أننا لو أخذنا ذلك على الاطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، ولاقائل به، خصوصا وقدصرحوا بأن هذا التكفير لا يقصد به حقيقته، وإنما يقصد كل واحد منهم التنفير من .. مذهب خصمه ليس غیر، ومن ذلك نعلم أن الحق قبول روایة کل منکانمن أهل القبلة يصلى بصلاتنا ويؤمن بكل ماجاء به رسولنا مطلقا، متى كان يقول بحرمة الكذب ، فان كل من هو كذلك لا يمكن أن يبتدع بدعة إلا وهو متأول فيها مستند فى القول بها إلى كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه. وسلم بتأول رآه باجتهاده، وكل مجتهد مأجور وإن أخطأ . نعم إذا كان ينكر أمراً متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه كان كافرا قطعا، لأن ذلك ليس مجلا للاجتهاد ، بل هو مكابرة فيما هو متواتر من. الشريعة معلوم من الدين بالضرورة، فيكون كافرا مجاهرا، فلا يقبل مطلقا حرم الكذب أولم يحرمه. وأما البدعة غير الجلية التى لم يكن فيها مخالفة لدليل شرعى قاطع واضح كنفى زيادة الصفات، فيقبل صاحبها شهادة ورواية، وذلك لأن القرآن إنما جاء فيه أنه تعالى عالم قادر ، وهكذا ، وأما أنه تعالى عالم بعلم أو قادر بقدرة، وأن العلم والقدرة هما نفس الذات أو صفتان قائمتان بالذات زائدتان عليها، فالقرآن ساكت عن ذلك، فهذه البدعة ليست إنكار أمر واضح قاطع فى الشرع ، فلا توجب الفسق . قال فى مسلم الثبوت: إلا أن دعا إلى هواه، وعللوه بان الداعى إلى الهوى مخاصم لا يؤمن عن الاجتناب عن الكذب أو لا يحرمه . فان كان يحرمه خصوصا على الله ورسوله فكونه يدعو إلى بدعته الجلية أو غيرها أو لا يدعو فلايمكنه أن يتجر أعلى الكذب خصوصا إذا كان ممن يرى الكفر بارتكاب الكبائر التى منها الكذب على الله ورسوله فإنه يتباعد عن ذلك تباعده عن الكفر. وكونه مخاصمها لغيره فيما يتعلق ببدعته شىء، وكونه يكذب على الله ورسوله شىء آخر. فانه إن خاصم فيما يكون دليله سمعيا فاحترازه عن الكذب يلزمه ألا يسعدل إلا بما يصح ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالطريق المعروف عند أئمة الحديث)) اهـ كلامه - ٢١٢ - التأويل مطلقا، كفارهم وفساقهم ، وادعوا على ذلك إجماع الصحابة ، وذلك فى كتب الزيدية ظاهر لا يدفع ، ومكشوف لا يتقنع» . أقول : والذى ذهب إليه شيخ مشايخنا، وجعله الحق فى هذه المسألة - هو ما كان عليه عمل السلف الصالح من علماء هذه الأمة الذين لم يحملهم التعشب ضد مخاليفهم على تكفيرهم أو التنفير منهم، روى أبوبكر الخطيب باسناده إلى على بن المدينى أنه قال: قلت ليحيى بن سعيد القطان : إن عبد الرحمن بن مهدى قال: أنا أترك من أهل الحديث كل من كان رأسا فى البدعة ، فضحك يحيى بن سعيد فقال : كيف يصنع بقتادة ؟ كيف يصنع بعمر بن ذر الهمدانى ? كيف يصنع بابن أبي رواد وعديحيى قوما أمسكت عن ذكرهم. ثم قال يحيى: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرًا. وروى بسند آخر إلى على بن المديني أيضا أنهقال: لو تر کت أهل البصرةحالالقدر ولو تر کت أهل الكوفةلذلكالرأى-یعنی التشيع- خربت الكتب . وفسر قوله خربت الکتب بذهابالحديث.وروى باسناده إلى أحمد الواسطى أنه قال لعبد الرحمن بن مهدى : سمعتك تحدث عن رجل أصحابنا يكرهون الحديث عنه، قال: من هو ؟ قلت: محمد بن راشد الدمشقى قال: ولم ؟قلت : كان قدريا. فغضب وقال: ما يضره. وروى باسنادله أن الحسين ابن إدريس سأل محمد بن عبد الله بن حماد الموصلى عن على بن غراب، فقال : كان صاحب حديث بصيرا به . قلت: أليس هو ضعيفا؟ قال : إنه كان بتشيع . ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعدألا يكون كذوبا للتشيع أو للقدر ، ولست براوعن رجل لايبصر الحديث ولا يعقله ولو کان أفضل من فتح، یعنی الموصلی .وروی باسناد لهعن سفيان أنه قال : كان ابنأبى لبيد من عباد أهل المدينة ، وكان ثبتا ، وكان يرى ذلك الرأى ، يعنى القدر . وروی باسناد لهأنه قیل لیحیی بن معين: إن أحمد بن حنبل قال : إن عبيد الله بن موسى يرد حديثه للتشيع. فقال: والله الذى لا إله إلا هو ، عبد الرازق أغلى فى ذلك منه مائة ضعف ، ولقد سمعت من عبد الرازق أضعاف أضعاف ماسمعت من عبيد الله. - ٢١٣ - (قال الأمير على بن الحسين فى كتاب اللمع حكاية عن المؤيد بالله فى كفار أهل التأويل ما لفظه: فعلى هذا شهادتهم جائزة عند أصحابنا، انتهى ، وهذا اللفظ) يعنى لفظ أصحابنا ( يقتضى العموم) لأنه من صيغ العموم (ذكره غير واحد من أهل العلم) أى من أن النكرة إذا أضيفت اقتضت العموم (وقد خالف فى ذلك ) أى فى قبول كفار التأويل (السيد الامام أبوطالب، وروى الخلاف فيه عن الناصر رضى الله عنه على تفصيل يآتى إن شاء الله تعالى، وقد ذكرت هذه المسألة فى كتاب العواصم) فى الجزء الأول منه ( واستوفيت الأدلة وما يرد عليها) وعقد أيضا فصلا لقبول فساق التأويل، وذكر خمسا وثلاثين حجة على قبولهم ، منها آيات قرآنية نحو قوله («فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) الآية. وأطلق أهل الذكر فدل على قبول خبر من كان من أهله، ولو كان فاسق تأويل ، وهى الحجة الخامسة عشرة فيما عده، والسادسة عشرة قوله تعالى: ((فمن جاء هموعظة من ربه فانتهى فله ما سلف )) وقوله تعالى (( فاما يأتمنكم منى هدى)) وهذا عام لكل ما جاء عن الله، سواء كان فى القرآن أو على لسان رسوله ، وحديث المتأولين مما جاء عن الله وعن رسوله، الحجة السابعة عشرة قوله «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير)) ذمهم الله تعالى بعدم الاستماع، وهو مطلق فى كل ماجاء عن الله من معلوم ومظنون ، فخرج الجمع على رده، وبقى المختلف فيه ، إلا ما خصه دليل ، ثم ساق فى العواصم من الآيات الدالة بعمومها على قبول أخبار المتأولين، ومن الأحاديث مافيه مَقْنَع للناظر، وسكون القلب لقبول أخبارهم للمناظر ، فلا أطيل، فقد أطال وأطاب، وخرج من الايجاز إلى الأطناب ووشحه بفوائد وفرائد لا توجد إلا فيه، ولم تخرج إلا من فيه، جزاه الله خيراً (ونقلت ألفاظ أهل المذهب بنصها من كتب كثيرة) قال فى العواصم: إن السيد - يريد شيخه على بن محمد بن أبى القاسم الذى جعل العواصم جواباً على رسالته - لم يذكر عن أحد من العشرة أنه يقبل خبر المتأولين إلا عن المؤيد بالله - ٢١٤ كأنه لا يعرف هذا القول منسوباً إلى غيره، وما هذا عمل المنصف، ثم ذكر ما أشار إليه قريباً عن اللمع الذى لايزال السيد بالتدريس فيه مشتغلا ، وفيه ما لفظله : والأظهر عند أصحابنا أن شهادته جائزة، ثم نقل كلام القاضى حسن النحوى والفقيه على الوشلى وغيرهما مما يلاقى مانقله عن اللمع، وأطال فى ذلك (وأنا أشير هنا إلى نكت كافية إن شاء الله تعالى. فأقول: المتأوّلون أقسام. الأول: من لا يكفر ولا يفسق ببدعته): أى المنأول الذى لا يكفر ولا يفسق ببدعته (كالمعتزلة عند الزيدية)، لأنهم عندهم مُبتدعون متأوّلون. (قال القاضى شرف الدين حسن بن محمد النحوى رحمه الله فى تذكرته) فى فقه الزيدية ( إن المخالف فى الارجاء) أى القائل به ، وهو القائل بأنها لا تضر مع الايمان معصية ( كذلك لا يكفر ولا يفسق ، وكذلك القاضى فخر الدين عبد الله ابن حسن الدوارى، ذكرأنه لا يكفر ولا يفسق، وكذلك الحاكم) المحسن ابن كرامة الجشمى (فى شرح العيون، وذكر الفقيه حميد) المعروف بالشهيد (فى عمدة المسترشدين معنى ذلك ، وذكر الحاكم فى شرح العيون ، والفقيه حميد فى العمدة ، والقاضى) عبد الله الدوّارى ( فى تعليق الخلاصة أن المرجئة صنفان : عدلية ، وغير عدلية . وقال الحاكم فى الشرح، فى فصل عقده فيما أجمع عليه أهل التوحيد والعدل : إن اسم الاعتزال صار فى العرف لمن يقول بنفى التشبيه والجبر ، وافق فى الوعيد أو خالف ، وافق مسائل الأمامة أو خالف . وكذا فى فروع الكلام ، ولذا تجد الخلاف بين الشيخين ) ؛ أبى على ، وأبى هاشم ، (والبصرية، والبغدادية) من المعتزلة (يؤيد الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين انتهى بلفظه، وإنما لم يفسق من خالف فى الامامة) كالمعتزلة فانهم فساق تأويل عند الهدوية بمخالفتهم فى الامامة والأرجاء)، وقدمنا لك أنه القول ((بأنه لا يضر مع الايمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة)). قال المصنف: إن الارجاء ليس بكفر ولا فسق عندأهل المذهب ، نص عليه القاضى شرف الدين -٢١٥ - فى تذكرته، والحاكم فى شرح العيون . وقال الشيخ مختار فى المجتبى، ما لفظه: لم يكفر شيوخنا المرجئة، لأنهم يوافقونهم فى جميع قواعد الاسلام ، لكنهم قالوا : عنى الله بآيات الوعيد الكفرة دون بعض الفسقة، أو التخويف دون التحقيق، وأنه ليس بكفر، انتهى. (والأعواض وتفضيل الملائكة) على الأنبياء ( وسائر فروع الكلام، لأن الأدلة السمعية القاطعة لم ترد بذلك) ولا دليل إلا السمع على ذلك (وقد بينت ذلك فى العواصم) وأنه لا تفسيق إلا بقاطع، والعقل لا مدخل له هنا، والسمع لم يرد فيه دليل على تفسيق من ذكر. ( القسم الثانى) من أقسام المتأولين: (من فسق بتأويله ولم يكفر، وقد روى الاجماع على قبوله من طرق كثيرة ثابتة عن جلة من الأئمة والعلماء. نذكر منها) أى من طرق رواية الاجماع على ذلك (عشر طرق) وزاد فى العواصم الحادية عشرة والثانية عشرة، إلا أنه قد داخلها فيما سرده هنا. ( أحدها) وهى الأولى (طريق الامام المنصور بالله) عبد الله بن حمزة (فانه ادعى الاجماع على ذلك ) أى على قبول رواية فساق التأويل ( فى كتابيه) الأول الذى ألفه فى أصول الفقه وسماه (صفوة الاختيار، و) الثانى كتابه فى الفقه الذى سماه ( المهذب ، ولكن فى الصفوة بالنص الصريح والاحتجاج الصحيح) فانه قال فيه بعد ذكر خبر الفاسق : حكى شيخنا الحسن بن محمد عن الفقهاء بأسرهم والقاضى وأبى رشيد أنه يقبل ، إلى أن قال : وهو الذى تختاره، والذى يدل على صحته إجماع الصحابة على قبوله، وإجماعهم حجة على ما يأتى بيانه ( وفى المهذب ما يقتضى مثل ذلك ) فانه قال فيه ما لفظه: وقد ذكر أهل التحصيل من العلماء جواز قبول أخبار المخالفين فى الاعتقادات ، وروى عنهم المحققون بغير منا كرة، ذكره فى كتاب الشهادات محتجاً به على قبول شهالانهم ، قال فى العواصم: والدليل على أنه ادعى الاجماع فى المقام من وجوه: أولها وهو أقواها: أنه احتج على جواز الشهادة بالقياس على الأخبار، ولم يحتج على قبولهم الأخبار، قال: لأن - ٢١٦ - الأخبار نوع من الشهادة ، ويجرى مجراها فى بعض الأحكام ، فاحتج بأن المحصلين ذهبوا إلى ذلك بغير منا كرة، وأراد بالمحصلين العلماء، وأنه لم يناكر الآخرون ، ولفظه صالح لافادة دعوى الاجماع فى اللغة من غير تعف الطريق . ( الثانية: طريق الامام يحيى بن حمزة، ذكره فى الانتصار فى كتاب الأذان مرة) فانه قال: وأما كفار التأويل- وهم المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج- فقد اختلف أهل القبلة فى كفرهم، والمختار أنهم ليسوا بكفار، لأن الأدلة فى كفرهم تحتمل احتمالات كثيرة، وعلى الجملة من حكم بكفرهم أو إسلامهم قضى بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهادتهم، وقال فى كتاب المعيار ما لفظه : إن الاجماع منعقد على قبول رواية الخوارج مع ظهور فسقهم وتأويلهم، قلت: ماخلا. الخطابية ، هكذا كلامه فى كتاب المعيار ( وفى كتاب الشهادات مرة ثانية) فانه قال : ومن كفر المجبرة والمشبهة قبل أخبارهم وأجاز شهادتهم على المسلمين. وعلى بعضهم، ونا كحوهم ، وقبروهم فى مقابر المسلمين ، وتوارثوا هم والمسلمين ( الطريق الثالثة: طريق القاضى زيد، ذكرها فى كتاب الشهادات من شرحه المعروف، ورواها عنه الأمير الحسين فى التقرير) فانه قال فيه ما لفظه : وفى. الوافى لا بأس بشهادات أهل الأهواء، إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه وقبول يمينه تخريجاً ، قال القاضى زيد: وذلك لأن الاجماع قد حصل على قبول. خبرهم ، فجاز أن تقبل شهادتهم ، هذا كلام القاضى زيد ، قال فى العواصم بعد نقله: وكلام زيد يعم الكفار والفساق (الرابع) من طرق رواية الاجماع (طريق الفقيه عبد الله بن زيد، ذكرها فى الدرر المنظومة) فانه قال عند ذكره كافر التأويل وفاسقه: والمختار أنه يقبل خبرهما. متى كأنا عدلين فى مذهبهما ، إلى أن قال: والذى يدل على صحة مذهبنا أن الصحابة أجمعت على ذلك ، و إجماعهم حجة (الخامس: طريق الأمير الحسين بن محمد، ذكرهافى كتاب شفاء الأوام) - ٢١٧ - فى كتاب الوصايا فى باب ما يجوز من الوصية ومالا يجوز، فانه قال: فأما الفاسق. من جهة التأويل فلسنا نبطل شهادته فى النكاح، ونقبل خبره الذى تجعله أصلا للأحكام الشرعية ، باجماع الصحابة على قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام ، وإجماعهم حجة (السادس: طريق الشيخ أبى الحسين محمد بن على البصرى، ذكرهافى كتاب المعتمد) فانه قال : وعند جل الفقهاء أن الفسق فى الاعتقادات لا يمنع من قبول الحديث، لأن من تقدم قد قبل بعضهم حديث بعض بعد الفرقة ، وقبل التابعون رواية الفريقين من السلف (السابع) من طريق رواية الاجماع (طريق الحاكم أبى سعيد المحسن بن محمد: ابن كرامة ، ذكرها فى شرح العيون ) فانه قال فيه ما فظه: الفاسق من جهةً. التأويل يقبل خبره عند جماعة الفقهاء ، وهو قول أبى القاسم البلحى وقاضئ القضاة ابن رشيد، ووجهه ماقاله الفقهاء إجماع الصحابة والتابعين ، لأن الفتنة وقعت وهم متوافرون وبعضهم يحدث عن بعض، مع كونهم فرقا وأحزاباً، من غير نكير الطريق (الثامنة التاسعة: طريق الشيخ أبى محمد الحسن بن محمدبن الحسن الرصاص وحفيده، والشيخ أحمد بن محمد بن الحسن، ذكرها حفيده فى الجوهرة لنفسه) فانه قال فيها مالفظه: واختلف فى قبول الفاسق من جهة التأويل، فذهب الفقهاء بأسرهم إلى أنه يقبل خبره ، إلى أن قال : ووجه ماقاله الفقهاء إجماع الصحابة" على قبول خبر فاسق التأويل ، فان الفتنة لما وقعت فى الصحابة ودارت رحاها وشبت لظاها كان بعضهم يحدث عن بعض ويسند الرجل إلى من يخافه کمایسندإلى من يوافقه من غیر نکیر من بعضهم عنی بعض فى ذلك، فكان إجماعاً، انتهى (و) ذكرها (فى) كتاب (غرر الحقائق) عن مسائل الفائق (عن جده) الحسن بن محمد بن الحسن، فانه قال: حكى رضى الله عنه قبوله عن الفقهاء ، ٠- ٢١٨ -- إلى قوله: ووجه القول الأول - أى القول بالقبول - إجماع الصحابة ، وساق فى ذلك نحو ماذ کره قريبا الطريق (العاشر: طريق ابن الحاجب، ذكرها فى المنتهى) فانه قال فى الاستدلال للقابل خبر الفاسق المنأول مالفظه: قالوا أجمعوا على قبول خبر قلة عثمان رضى الله عنه (فهذه الطرق تقوى صحة الاجماع) عن الصحابة (لصدورها) أى الطريق (عن عدد كثير مختافى المذاهبوالأغراض متباعدى البلدان والأزمان وأكثرهم) أى رواة الاجماع (من أهل الورع الشحيح) فلايجوز أن أحدهم ينقل ملا يعلم ( وجميعهم من أهل المعرفة التامة ) فلا يجوز أنه يجهل الخلاف عن الصحابة ولو كان موجوداً فى المسألة (وليس يظن بواحد منهم أنه يقول ما يعلم ، لاسيماوقد ادعواهم وأكثرهم العلم بذلك) أى بوقوع إجماع الصحابة (كما ثبتت ألفاظهم فى كتاب العواصم) فانه صرح الشيخ الحسن الرصاص بقوله: أما أنهم أجمعوا فعلوم من أحوالهم ، وقال أبوطالب فى المجزى: إن القائلين بقبول أخبار المتأولين قالوا: لأن المعلوم من أحوالهم - أى الصحابة - أنهم كانوا يراعون فى قبول الشهادة والأخبار الاسلام، إلى قوله: وإنهم كانوا مجمعين على التسوية بين الكل، إلى آخر كلامه، قال المصنف بعد نقله: وهذه حكاية عن أبى طالب عن جميع الفقهاء أنهم ادعوا العلم بالاجماع (على أن السيد أبا طالب ذكر عنه فى اللمع أن كل من قبلهم ادعى الاجماع) من الصحابة على قبولهم (وقال رضى الله عنه فى المجزى) كتابه فى الأصول (إن الفقهاء كلهم ادعوا العلم بثبوت هذا الاجماع) قد قدمنا نصه قريباً (وتوقف عليهم فى ثبوت الاجماع ولم يجزم برده، بل قال: إن حجة من قبلهم الاجماع وحجة منردهم القياس على الفاسق المصرح) أى غير المتأول، كان روايته ورد يها النص فى قوله تعالى: ((إن جاءكم فاسق بنبأ)) الآية ( قال: فان صح الاجماع فلا معنى للقياس) أى لا يقدم على الاجماع لقوة الاجماع - ٢١٩ - (ونوقف فى ثبوت الاجماع) ولذا قال ((فان)) وأتى بكلمة إن دون إذا زيادة فی ثبوت التوقف واعلم أن ابن الحاجب - وتبعه من أخذ من كتابه كصاحب الغاية -احتجوا الردرواية فاسق التأويل بالآية المذكورة، وليس استدلالا صحيحا، ولذا قال أبو طالب: إن دليل الرد القياس على المصرح، وذلك لأن الآية وردت فى فاسق التصريح لأنها نزلت فى الوليد بن عقبة فى قصة بنى المصطلق وكذبه عليهم بأهم أرادوا قتاله، والقصة معروفة، وفقه إما بكذبه أو بشر به الخمر، ولا يقال العام لا يقصر على سببه ووقوعه، لأنا نقول: هو عام فى فساق التصريح دون فساق التأويل، إذ لا وجود لهم عند نزول الآية ، ولأنه لا يطلق اللفظ إلا على ما كان فى عرف اللغة ، وعرف اللغة لم يكن فيه إطلاق الفاسق على المنأول ، وقد أورد المصنف على استدلال ابن الحاجب بالآية على رد رواية فاسق التأويل سبعة عشر إشكالا سردهافى العواصم، لأن على بن محمد بن أبى القاسم الذى رد عليه المصنف بالعواهم نقل دلیل ابن الحاجب مستدلا به (وهاهنا فائدة، وهى أن أحداً من الأئمة لم يدع الأجماع على رد الفساقى المتأولين ، وإنما ادعى الإجماع على قبولهم) كما عرف (فقطع بثبوته طائفة من العلماء) وقد عرفت أنهم الأكثر (وشك فى ثبوت الاجماع) على قبولهم ( آخرون) وهم الأقل (فهذا الكلام فى فساق التأويل) قبولا ورداً مسألة - (وأما كفار التأويل) أى وأما الحكم فى قبول رواية كفار التأويلى وردها (فالمدعون للاجماع على قبولهم أقل من أولئك) أى الذين ادعوه فى فسائقى التأويل (فى معرفتى، فالذى عرفت من طرق دعوى الأجماع على قبولهم أربع طرق عنى أربعة من ثقات العلماء وكبرائهم، وهم الامام يحيى بن حمزة فى) كتاب (الانتصار) فى باب الأذان ، نصا صريحا، قال المصنف فى العواصم إنه قال: وأما كفار التأويلى - وهم المجبرة والمشبهة، والروافض، والخوارج - فهولا، اختلف أهل القبلة فى كفرهم، ٠ ٠ - ٢٢٠ - والمختار أنهم ليسوا بكفار، لأن الأدلة بكفرهم تحتمل احتمالات كثيرة، وعلى الجملة فمن حكم باسلامهم أو كفرهم قضى بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهادتهم، وقدتقدم هذا (و) الثانى (المنصور بالله) عبد الله بن حمزة (فى) کتاب (المهذب، عموما ظاهرا) وقد قدمنا لفظه وبيان عمومه ( و) الثالث (الفقيه عبد اللهبن زيد فى الدرر نصاً صريحاً) تقدم أيضاً نصه بلفظه (و) الرابع (القاضى زيد فى الشرح والتقرير نصاً صريحاً) تقدم أيضاً لفظه، لأن التقرير ليس للقاضى زيد، بل للامير الحسين وإنما نقل عنه الأمير فى التقرير ذلك كما تقدم للمصنف قريباً، فالمراد أنه نص عليه فى الشرح نصاً صريحاً ، ونقله عنه فى التقرير ( وقد تقدم قول المؤيد بالله رضى الله عنه أن ذلك مذهب أصحابنا، هكذا على العموم من غير استثناء ) الكلام فى الناقلين من طرق الاجماع على قبول كفار التأويل لا فى القائلين لذلك، فهو الذى تقدم ، وكأنه يريد أنه لا يقول إنه مذهب أصحابنا إلا استناداً إلى إجماع أصحابه (ولكن قاضى القضاة) عبد الجبار بن أحمد ( ذكر أن كفار التأويل لا يقبلون بالاجماع) فهذا خلاف ما رواه غيره (وقال الشيخ أحمد) بن محمد الرصاص ( إنه روى عن أبى طالب قريب من الاجماع، يعنى على ردهم، والجواب) عن التعارض فى النقلين (أن تلك الدعوى) أى دعوى الاجماع على قبولهم (أرجح بالكثرة) فان رواتها خمسبة، قال فى العواصى: والترجيح يحصل بزيادة واحد فكيف أربعة، وهذا الترجيح بكثرة العدد (و) تترجح أيضا (الزيادة) فى رواتها ( فى الفضل والعلم وعدم الابتداع عند من يوافقهم فى المذهب ) فانهم غير مبتدعين عنده ، لقول بعدم قبول المتأول . قلت : وقد يعارض بأنهم مبتدعون عند من يخالفهم ، وليس اعتبار مذهب من يوافقهم بأولى من اعتبار مذهب من يخالفهم. وإما أن هذا إشارة إلى كلام السيد على بن محمد بن أبى القاسم صاحب الرسالة المردود عليها بالعواصم ، فانه قال: إن رواية العدل المنزه عن البدع مقدمة على رواية المبتدع ١