النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٨١٠ - ٠٠ ٠٠٠ ٠٠ قوم له بذلكمن حاله ، ولعله أن يكون قد نزل الوحي فى ذلك الوقت بتصديقه وبالجملة ليس عندنا طريق إلى العلم بأن النبى صلى الله عليه وسلم اقتصر فى قبوله خبر هذا الأعرابى على ظاهر إسلامه، على أن بعض الناس قد قال : إن النبى صلى الله عليه وسلم قد قبل خبره لأنه أخبر به ساعة إسلامه، وكان فى ذلك طاهراً من كل ذنب بمثابة من علم عدالته وإسلامه عدالة له ، ولو تطاولت به الأيام لم يعلم بقاؤه على طهارته التى هى عدالته واحتجوا أيضاً بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قد عملوا بأخبار النساء والعبيد ومن تحمل الحديث طفلا وأداه بالفاً واعتمدوا فى العمل بالأخبار على ظاهر الاسلام ولمن ينكر ماذهبوا إليه أن يقول: ليس هذا الذى ذكر تم بصحيح، ولا نعلم الصحابة قد قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه، وهذه صفة جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من النسوة اللاتى روين عنه وكل متحمل للحديث عنه صبياً ثم رواه كبيراً ، كل عبد قبل خبره فى أحكام الدين ، والذى يدل على صحة هذه الدعوى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس فى إسقاط نفقتها وسكناها لما طلقها زوجها ثلاثا مع ظهور إسلامها واستقامة طريقها وقال حين رد خبرها : ماكنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لاندرى أحفظت أم نسيت، وكذلك غيره من الصحابة روى عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الاسلام، فلم يطعن أحد عليهم فى ذلك الفعل ولاخولفوا فيه، فدل على أنه مذهب لجميعهم، إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه لوجب بمستقر العادة نقل قوله إلينا. وقد حدثوا أن رجلا أثنى على رجل عند عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال له عمر: هل صحبته فى سفر قط ! قال: لا، قال : هل ائتمنته على أمانة قط؟ قال: لا، قال: هل كانت بينك وبينه معاملة فى حق؟ قال: لا، قال: اسكت، فلا أرى لك علماً به ، أظنك - والله - رأيته فى المسجد يخفض رأسه ويرفعه. وكان أبو عاصم النبيل يقول: مارأيت الصالح - ١٨٢ - قال فى الكشاف: أم لم يعرفوا محمداً وصحة نسبه وحلوله فى سطة (١) هاشم وأمانته وصدقه وشهامته وعقله واقسامه بأنه خير فتيان قريش ، والخطبة التى خطبها أبو طالب فى نكاحه خديجة بنت خويلد کفی برُغائها منادياً(٢) انتهى ، يكذب فى شىء أكثر من الحديث . فلما كان الظاهر كثيرا ما ينبنى على التصنع والتزوير . وكانت رواية الحديث المشتمل على أحكام الدين خليقة بالتثبت والاختبار لمن تؤخذ عنه - رأى الاكثرون من علماء الحديث ألا يكتفى بالعدالة الظاهرة فى راوى الحديث، بل لابد من اختبار حال الراوى وتتبع أفعاله حتى يحصل لمن يأخذ عنه العلم أو الظن القريب من العلم بأن هذا الرجل عدل وأن باطنه يوافق ظاهره، فأما حسن السمت والتزبى بزى الصالحين وإطراق الرأس بين الناس ورفع الرأس وخفضه فى المساجد ، فهذه وحدها لاتدل على تحقق العدالة، والذين يتصنعونها ويراءون بها أخطر على الدين والدنيا من كثير ممن يعلنون الفسق ويجاهرون به ، نعوذ بالله السميع العليم من شرأنفسنا ومن شر الشيطان الرجيم . (١) سطة - بكسر السين، بزنة عدة وصفة - أى وسط، والوسط : خيار الشىء، وعليه يفسر قولهم ((خير الأمور الوسط)) وفسروا به قوله تعالى (وكذلك جعلنا كم أمة وسطا) بدليل قوله جل شأنه : ( كنتم خير أمة) ويقال : فلان وسط فىقومه، وفلان وسيط فيهم ، وقوم وسط ، وقوم أو ساط كل ذلك معناه الخيار ، وقال زهيربن أبى سلمى المزنى: همُ وَسَطِ يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلَتْ إحدى الليالى بمُمْظَمِ وقال الراجز : * وَقَدْ وَسَطْتُ مَالكا وحَنْظَلاَ * ومن هذه البابة سموا خير حبة فى العقد (واسطة العقد) و((واسطة القلادة)) (٢) قوله (( كفى برغائها مناديا)) هذا مثلى يضرب حجة على من ادعى عدم العلم ، وأصله أن رجلا راكبا على ناقة وقف على أهل بيت ، فرغت ناقته، قلم - ١٨٣ - (وفى هذا إشارة إلى ما فى فطر العقول من الشك فىخبر من لا يعرف بما لا یوجب رجحان خبره) إذ الآية سيقت مساق الانكار عليهم، لانكارهم له عليه السلام لعدم معرفته، ومعناه تقرير معرفتهم إياه، وأنه لاوجه لانكاره، وليس المراد إنكار ذاته، بل إنكارهم رسالته وإخباره عن الله سبحانه كما يرشد إليه العنوان بقوله ((رسولهم)» (وقد تكرر فى كتاب الله تعالى ذم العمل بالظن) كما قال تعالى: ((إن يتبعون)) ((وما يتبع أكثرهم إلا ظنا)) ((إن الظن لا يغني من الحق شيئاً)) ((ذلكم ظنكم الذى ظنفتم بربكم أرداكم)) (والظن فى اللغة الشك المستوى الطرفين) فى القاموس: الظن خلاف اليقين، وهى عبارة قاضية بأنه يطلق على المستوى الطرفين ، وعلى الظق الراجح، إذ الكل خلاف اليقين (ويجب حمل الآيات) الدالة على ذم الظن (عليه) أى على مستوى الطرفين (جمعاً بينها وبين الآيات التى تدل على حسن العمل بالظن الراجح) قلت: إلا أنه لا يخفى أنه لا يتم حملها عليه إلا بعد ثبوت أن الظن الراجح أحد ما يطلق عليه الظن لغة، كما نقلناه عن القاموس ، وأما عبارة المصنف فهى قاضية أن الظن لغة منحصر فى مستوى الطرفين ، فلابد من تقدير يطلق على الشك أيضاً، إذالآيات الدالة على حسن العمل بالظن كقوله ((وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)» فانه لا يعلم الغائب عنه أنه شطره إلا بالظن ، ومثل قوله تعالى «فان علمتموهن مؤمنات)» إذ يخرج إليه أحد إلا بعد حين، ثم حين خرجوا أخذوا يعتذرون إليه بأنهم لم يعلموا بوقوفه ويلومونه قائلين: لو ناديت، فقال: كفي برغائها مناديا! وقال الميدانى فى مجمع الأمثال (٢ /٧٤ بولاق) ما نصه ((قال أبوعبيد: هذا مثل مشهور عند العرب ، يضرب فى قضاء الحاجة قبل سؤالها، ويضرب أيضاً لارجل تحتاج إلى نصرته أو معونته فلا يحضرك ويعتل بأنه لم يعلم، ويضرب من يقف بباب الرجل فيقال: أرسل من يستأذن لك، فيقول: كفى بعلمه بوقوفى ببابه مستأذنا لى، أى قد علم يمكانى فلو أراد أذن لى» اهـ -- ١٨٤ -- ليس معهم إلا ظن إيمانين، وغيرها من الآيات (ويوضح ذلك ) أى أن المذموم هو الظن بمعنى الشك (أنه وصف الذين ذمهم باتباع الظن بالأفك والخرص الذى هو تعمد الكذب) قال تعالى ((إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)) فالوصف بالخرص دال على أنه ليس عندهم ظن راجح، قلت: ويدل على استعماله لغة فى الراجح قوله تعالى ((إن نظن إلا ظناً، وما نحن بمستيقنين)) فنفيهم اليقين دال على أن عندهم ظناً راجحاً ويحتمل الشك كما قدمناد عن القاموس (وأيضاً فن الظاهر الواضح) الراجح (أن اتباع الظن الراجح من أمارات الانصاف) لأنه أخذ بالأرجح والأحوط (ومن اتبعه كان باتباع العلم أولى وأحرى، ثم إن عبادة الحجارة ليست مظنونة ظنا راجحا فتأمل ذلك) قات: أما عند عبادها فالظاهر أنهم لم يعبدوها إلا وعندهم ظن راجح باستحقاقها العبادة وكأنه وجه أمره بالتأمل (وحكى الله عز وجل عن سليمان قوله فى الهدهد ((قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين))) فانه عليه الصلاة والسلام توقف فى خبر الهدهد ، ولم يجزم بصدقه ولا كذبه ، لكونه مجهول الحال عندسليمان، ولا يقال: هذا من أحكام خطاب الطير فلايستدل به هنا، لأنا نقول : قد أشار المصنف إلى جوابه بقوله (هذا مع قوله تعالى ((إلا أمم أمثالكم))) بعد قوله ((وما من دابة فى الأرض ولاطائر يطير بجناحيه)) الآية، فدلت على أن الأحكام واحدة، للمماثلة، فانه ظاهر فى أن الماثلة فى التكليف، لافى مجرد الحيوانية مثلا، إذ هو معلوم، ولأنه يشعر به قوله «ثم إلى ربهم يحشرون)» لا يقال : سلمنا أنهم أمثالنا فى التكليف فانه يشترط إيمان المخبر، ومن أين لنا أن الهدهد مؤمن ، لأنا نقول: من قوله (وفى قصة الهدهد ما يدل على إيمانه، حيث أنكر عليهم عبادة الشمس من دون الله) وأثبت الالهية له تعالى بقوله فى صفته «الذى يخرج الحبء فى السموات والأرض)) وأثبت له العلم بكل شىء حيث قال ((ويعلم ما تخفون وما تعلنون)» ووحده وأثبت له العرش فى قوله «الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، فأن السياق قاض أنه من لامه، وهذه معاقد الايمان وأمهات قواعد التوحيد (وفى الآية أيضادليل - ١٨٥ على إعلال الحديث بالريبة) وذلك لتوقفه عليه الصلاة والسلام حتى يبحث فيطن. صدقه أو كذبه (وقد تقدم فى أول المسألة إشارة إلى مذهب أئمة الزيدية فى حقها المسألة ، وهى معروفة فى كتبهم الأصولية، وإنما نذكر هنا كلام المحدثين لعدم وجوده فى غير هذا الفن، ولمعرفة عرفهم إذا قالوا فى بعض الرواة ((إنه مجهول))) ولهم فيه تقاسيم لا تعرف إلا فى هذا الفن، وقد ألم بها المصنف رحمه الله (فنقول) أى إذا عرفت ماسقنا فنقول : (قال المحدثون: فى قبول رواية المجهول خلاف، وهو) أى المجهول (على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول الحال ظاهراً وباطناً، ومجهول الحال باطناً) فهذه ثلاثة أقسام : (الأول) وهو (مجهول العين، و) حقيقته (هو من لم يروعنه إلا راو واحد، وفيه) أى فى الحكم فيه خمسة (أقوال) الأول أن (الصحيح الذى عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لا يقبل) ويأتى تحقيق الدليل عليه، واختيار خلافه، (والثانى أنه يقبل مطلقا، وهو قول من لم يشترط فى الراوى غير الاسلام) [زاد الزينوا كثفى فى التعديل بواحد ويأتى نصرة هذا القول] (والثالث) التفصيل وهو (إن كان) الراوى ( المنفرد بالرواية عنه لا يروى إلا عن عدل قبل مثل أبن. مهدى ويحيى بن سعيد القطان ومالك ومن ذكر بذلك) أى بأنه لا يروى لإعن عمل معهم، وإلا لم يقبل. والرابع) تفصيل أيضاً، إلا أنه على غير الطريقة الأولى، وهو أن الراوى ( إن كان مشهوراً فى غير العلم بالزهد) ومثلوه بمالك بن دينار (جم النجدة) أى الغلبة ومثلوه بعمر وبن معدي كرب (قبل. وإلا) يشتهر بشىء منذلك (فلا) يقبل (وهو) أى هذا التفصيل الآخر (قول ابن عبد البر كما سيأتى، والخامن) تفصيل على غير الطريقين الأولين ، وهو أنه (إن زكاه) أى الذى لم يرو عنه إلا راو واحد (أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل ، وإلا) يزكمه أحد (فلا) وإن روى عنه عدل (وهو اختيار أبى الحسن بن القطان فى ) كتليو -- ١٨٦ - المسمى (بيان الوهم والابهام، قلت: و) القول (السادس إن كان) مجهول العين (صحابيا قبل) لما يأتى من القول بأن الصحابة كلهم عدول (وهو مذهب الفقهاء) أى الأربعة (وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال) لأنه عطف على المحدثين لا على بعض لما تقدم له من أن الجاحظ والنظام قدحا فى جماعة من الصحابة، وكذلك عمرو بن عبيد كماذكرناه (رواه عن المعتزلة ابن الحاجب فى) مختصر (المنتهى، واختاره الشيخ أبو الحسين) البصرى المنزلى (فى) كتابه المسمى (المعتمد) فى أصول الفقه بلى يأتى أنه فكل بعدالة أهل ذلك المصر جميعاً، وإن لم يكن صحابياً (والحاكم) المنزلى وهو المحسن بن كرامة (فى) كتابه (شرح العيون ، وسوف يأتى بيان هذه المسألة على التفصيل عند ذكر الصحابة) سيأتى تحقيقها فى أواخر هذا الكتاب، وسيصرح المصنف أن عدالة المجهول من الصحابة إجماع أهل السنة والمعتزلة والزيدية ( وقد عرفت أن حكاية المحدثين لهذا الخلاف ) فى قبول مجهول العين (يدل على أن مذهب جمهورهم أن من روى عنه عدل وعدله آخر غير الراوى فهو عندهم مجهول ) فان حقيقة المجهول حاصلة فيه، وهی تفرد الراوى عنه ، بل ظاهر كلامهم فى مجهول العين أنه لو ز كاه جماعة وتفرد عنه راو لم يخرج عن جهالة العين ، لأنه جعل حقيقته من لم يرد عنه إلا راو واحد، ولا حاجة إلى قوله ( بل هو عندهم مجهول العين ) إذا البحث فى ذلك ، وإنمادل حكاية الخلاف على ذلك ( لأنهم فى علوم الحديث حكوا قبول من هذه صفته ) وهى تفرد الراوى عنه والمزكى ( اختيارا لأبى الحسن بن القطان فقط ) كماسلف فى القول الجلس (وهذا ) أى الذى دل عليه كلام الجمهور (قول ضعيف، فمن عرفه ثقة وعدله ثقة ويروى عنه ثقة آخر) لا يخفى أن الكلام فيمن تفرد عنه ثقة ووثقه فة، فزيادة المصنف ((وعرفه ثقة)) لم يتقدم شرطيته، ولفظ المصنف فى مختصره « فان سمى المجهول أو انفرد واحد عنه فمجهول العين، والحق عند الأصوليين أنه إذا وثقه فتة الراوى أو غيره قبل خلافاً لأكثر المحدثين ، والقول أى الصحيح محمول الأصوليين)) انتهى (لا معنى لتسميته مجهولا) الذى فى مختصره أيضاً - ١٨٧٠ - ((ووجه قول المحدثين أنه يتنزل أى مجهول العين الموثق منزلة التوثيق المبهم، إذا كان اسم الرجل وعينه لم تثبت إلا من جهة من وثقه، فكأنه قال حدثني الثقة. وذلك غير مقبول عند أهل الحديث ، كما تقدم، والمصنف قد جعل قبوله محل تردد ، هذا كلامه فى توجيه ماذهب إليه أئمة الحديث فكيف يقول هنا ((لامعنى لتسميته مجهولا)) وقوله (لأنهم) أى أئمة الحديث ( لم يشترطوا العلم بعينه) أى الراوى (وبعدالته) قد طوى مقدمة الدليل وهى قوله لأنه أى التعديل من الثقة والرواية منه أومن غيره تفيد أن الظن بل التوثيق وحده يفيده، وهو يجب العمل بالظن هنا لأنهم لم يشترطوا - إلخ (ويوجبوا) عطف على لم يوجبوا ( أن يبلغ المخبرون بها) أى العدالة ( عدد التواتر) ايفيد العلم (ولو اشترطوا ذلك لم تساعدهم الأدلة عليه) فيكون شرطا بغير دليل فلا يلتفت إليه (فان أخبار الآحاد ظنية) يحتمل أنه يريد أن أدلة العمل بها ظنى، أو أنها فى دلالتها على الحكم الذى وردت فيه لا تفيد إلا ظن الحكم، وقوله (واشتراط مقدمات علمية) وهى تواتر عدالة الراوى (فى أمور ظنية) وهى أخبار الآحاد تفيد أنه يريد الوجه الأخير (غير مفيد) فلا يتم الاشتراط، لأنها لا تحصل إلا الظن، فأى فائدة لشرطية علمية المقدمات، فى ظنى النتائج ؟ (بل الذى تقتضيه الأدلة أنه لو وثقه واحد ولم يرو عنه أحد أو روى عنه واحد ووثقه هو بنفسه لخرج عن حد الجهلة ) وصار مظنون العدالة ، والعمل بالظن واجب (فقد نص أهل الحديث أن التعديل يثبت بخبر الواحد ) كما تقدم، إلا أنه قد يقال : إن ذلك فيمن قد عرف اسمه وإسلامه من غير جهة المعدل ، والمفروض هنا أنهما لم يعرفا إلا من جهته فى أحد التقادير، وكلامهم هنا على تقدير انفراد الراوى عنه وأن يكون هو المعدل ( هذا مع ما يعرض فى التعديل من المصانعة والمحاباة) وقد قبلتموه مع هذا المعارض (فكيف) لا تقولون يرد إلى الجهالة العينية (بالأخبار) من العدل (بالوجود) لمن عدله أو روى عنه أو عدله وروى عنه فان قول الثقة مثلا ((أخبرنى زيد بن عمرو)) مثلا أو قال ((وهو ثقةٍ» - ١٨٨ - أو وثقه غيره ولم تعلم رواية عن زيد هذا، ولاعرف اسمه ولا توثيقه إلا من كلام الراوی هذا مثلا عنه، فقدتضمن إخباراً بوجوده، لکنه غیر مراد للراوی وإنما هو لازم خبره، وإخباراً بأنه ثقة، فإلا يقبل خبره بوجوده ويقبل خبره بأنه ثقة؟ فكيف هذا الصنيع؟ هذا تقرير مراد المصنف، ولعلهم يقولون : إنا نقبل خبره بأنه ثقة إن عرفنا وجوده من غير طريق غيره، لاأنا عرفناهما معاً من طريقه فانه بمثابة قوله ((أخبر نى الثقة)) يكون تعديلا مبهما، ولذا قال المصنف فى مختصره عن الجماهير ((إذ لو اشهر أى الذى تفرد بالرواية عنه والتوثيق واحد لأمكن القدح فيه)) انتهى ، فان هذا مشعر بأن المانع عن قبول ماذكر هو الابهام المانع عن تحقيق حاله ، لا إنكار وجوده وعدم قبول خبر العدل فيه ، فانهم يقولون : نحن نقبل خبر الهدل بأنه موجود ونقبل خبره بأنه عدل عنده ، لكنا نريدمعرفة عينه من طريق غيره وشهرته لتجويز وجود جارح فيه، والحاصل أن هذه المسألة يمينها ملاقية لمسألة توثيق المبهم، وبه تعرف مافى قوله (فلم يعهد من عدل أنه يحتاج إلى اختراص وهود معدوم) أى یکنب فى خبره بأن المعدوم موجود ( فاذا قبل واحد فى توثيق الراوى وإسلامه فهو) أى الواحد ( فى القبول فى وجوده أولى وأحرى) أى فى قبولنا خبره بوجوده، قد عرفت أنهم قابلون الخبره بوجوده كقبولهم لوجود الثقة إذا قال العدل ((أخبرنى الثقة)) لكنهم يطالبون فى غير ذلك كماعرفت واعلم أن المصنف أجاب عن الجمهور فى مختصره بقوله « والجواب أن الضرورة إذا ألجأت إلى التقليد جاز بناء الاجتهاد عليه كالتقليد فى توثيق المعين وجرحه ، فأفاد كلامه أن جعل تفرد الراوى والموثق مزيلا للجهالة العينية ليس إلا من باب التقليد للضرورة، وأن تعديل مَنْ ليس بمجهول العين وجرحه أيضا من باب التقليد ، والذى تقدم له أن قبول خبر العدل ليس من باب التقليد، بل من باب الاجتهاد، لقيام الدليل على وجوب قبول خبره،والتزكية والجرح من باب الأخبار، إذ مفاذ قول المزكى ((فلان عدل)) أى آت بالواجبات تارك للمقبحات - - ١٨٩ - محافظ على المروءة، وقوله جرحاً ((هو فاسق لشربه الخمر مثلا)) الكل إخبار عدل يجب قبوله لقيام الأدلة على العمل بخبر العدل ، وليس تقليداً له كما سلف المصنف رحمه الله نظيره فى قول العدل ((هذا الحديث صحيح)) فانه قال: إنه خبر عدل ، وإن قبوله ليس من التقليد ، وإِن كان ناقض نفسه فى محل آخر ، وقد قررنا الصحيح من كلاميه والحاصل أن الدليل قد قام على قبول خبر العدل إما عن نفسه بأن يخبر بأنه ابن فلان ، أو أن هذه داره أو جاريته ، فهذا لا كلام فى قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية ، بل يقبل خبر الفاسق بذلك ، بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر ((لا إله إلا الله)) ويحقن دمه وماله وتعامله معاملة أهل الأيمان لأخباره بالتوحيد، وإن كان معتقداً لخلافه فى نفس الأمر كالمنافق ، وإن كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قبل أيضاً وإن كان عن صفة غيره بأنه عدل أو فاسق قبل أيضا ، إذالكل خبر عدل ، وقبول خبره ليس تقليداً له ، بل لما قام عليه من الدليل فى قبول خبره ، هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم ، ولنا فيه بحث أشرنا إليه فى أوائل حاشية ضوء النهار، والمرادهنا معرفة ما فى كلام المصنف من قوله ((إن الضرورة إذا ألجأت إلى التقليد جازبناء الاجتهاد عليه كالتقليد فى توثيق المعين وجرحه)، فانه قاض بأن كل من عمل بكلام العدول تزكية وجر خاًفانه مقلد، ومعظم الاجتهاد على ذلك، فهذا من المصنف كالرجوع إلى القول بأنه قد انسد باب الاجتهاد فى الأخبار لانبنائه على التقليد، وهو خلاف ما ألف لأجله العواصم وغيرها من كتبه ( وقد أشار ابن الصلاح إلى مثل ماذكرته فى أن ارتفاع الجهالة فى التوثيق بالواحد تقتضى أن ترتفع جهالة العين بالواحد ) قد عرفت مافيه فانهم يقولون : مجهول العين من لم يعرفه العلماء ولم يعرف حديثه إلا من جهة واحدة ، وقبولهم توثيق الواحد إنما هو فيمن عرفت عينه وجهلت عدالته ( ولم يردوا عليه ذلك بحجة ، وإنما ردوا عليه بكون ذلك عرف المحدثين، وقد نص جماعة من كبار - ١٩٠ - المحدثين على هذا العرف، منهم) أبو بكر (الخطيب) سيأتى لفظه قريباً (ومحد ابن يحيى الذهلى) كان لأحسن تقديمه على الخطيب كما فعله الزين لأنه السابق برهذه، فانه قال: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة (وحكاه الحاكم عن البخارى ومسلم) لكزرد ابن الصلاح ذلك فقال : قد خرج البخارى فى صحيحه عن مرداس الأسلمى، ولم يرو عنه غير قيس بن أبى حازم، ومسلمعن ربيعة بن كعب الأسلمى ولم يرو عنه غير أبى سلمة ، وذلك مصير منهما إلى خروجه عن هذه الجهالة برواية واحد ، انتهى ، فدل على خلاف ماحكاه الحاكم عن الشيخين . وقد تعقب الشيخ محيى الدين النووى كلام ابن الصلاح فقال: الصواب ماذكره الخطيب، فهو لم يقله عن اجتهاده ، بل نقاله عن أهل الحديث، ورد الشيخ عليه بما ذكره عجب، لأنه شرط فى المجهول أن لا يعرفه العلماء ، وهذان معروفان عند أهل العلم، بل مشهوران ، فردس من أهل بيعة الرضوان، وربيعة من أهل الصفة ، والصحابة كلهم عدول، فلاتضر الجهالة بأعيانهم لوثبت ، وأجيب عنه بأن هذا مسلم فى حق الصحابة ، والكلام أعم (وذكر الذهبى ما يقتضى ذلك) من عدم ارتفاع الجهالة فى رواية الواحد ( فقال: زينب بنت كعب بن عجرة مجهولة لم ير و عنها غير واحد) وصف كاشف لقوله مجم لة ، إذا عرفت هذا ( فعلى هذا لا يكون قولهم فى الراوى إنه مجهول جرحاً صحيحاً) الأحسن صريحاً (عند مخالفيهم) أو نقول بأن رواية لواحد تزيل الجهالة (بل نقف حتى نبحث) فعلى هذا يكون من الجرح المطلق، ولذا قلنا («الأحسن أن يقول صريحاً)) إلا أنه غير خاف عليك أن القدح بجهالة العين معناها أنه لم يرو عنه إلا واحد ممن يكتفى به فى إزالة جهالة العين لامعنى لتوقفه ، بل نقبله ، إذ قد ثبتت عدالته من جهة هذا الواحد الراوى عنه أوغيره ، وكأنه يريد أنه يقف -- ١٩١ -- حتى يعرف عدالنه إذا لم يكن قد عرفها ( ويكون هذا من جملة عبارات الجرح التى توجب الوقف، وإن لم يكن جرحاً فى الرجل فهو قدح فى قبول روايته) أى موجب للتوقف فيها . (وقال) أبو بكر ( الخطيب) فى الكفاية فى تعريف (المجهول عند أصحابه الحديث: كل من لم يشتهر بطلب العلم فى نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلامن جهة راو واحد ، وقال الخطيب : أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عنه اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم ، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه) وإن انتفت عنه الجهالة ( قلت : فزاد الخطيب فى التعريف لعرفهم أمرين لادليل عليهما: أحدهما: اشتهار المجهول بطلب العلم ومعرفة العلماء لذلك منه ، وثانيهما. أن يكون الراويان عنه من المشهورين بالعلم) فى قوله ( فى أقل ماترتفع به الجهالة فهذا ) أى مازاده الخطيب (يزيدك بصيرة، فى عدم قبول حكمهم بجهالة : الراوى) فلا يقبل قولهم ((هذا مجهول العين)) لأنهم تعنتوا فى حقيقته وأتوا بشرائط غير صحيحة، لعدم الدليل عليها (لأن العلم على الصحيح ليس من شروط الراوى) لأنه قبل العلماء رواية من ليس من العلماء كأعراب الصحابة رضى الله عنهم ( ولو كان) العلم ( شرطً فيه لم يقبل كثير من الصحابة والأعراب ) لايقال: الصحبة كافية فى القبول ، لأ نانقول : قدشرطتم العلم فى الراوى (فلم تكن الصحية لمجردها تفيد العلم، وقد ثبت أن ذلك ) أى العلم (لا يشترط فى الشهادة ، وهى آكد من الرواية ، فإذا لم تشترط فى الراوى فأولى أن لا تشترط فيمن روى عنه) أو من روى عنه راو أيضاً ( القسم الثانى) من أقسام المجهول. ( مجهول الحال فى العدالة فى الظاهر. والباطن مع كونه معروف العين ) برواية عدلين عنه ( وفيه) أى فى قبوله ثلاثة (أقوال: الأول: أنه لا يقبل، حكاه ابن الصلاح وزين الدين) ناسباً له إلى ابن الصلاح ( عن الجماهير) وذلك لأن نحقق العدالة فى الراوی شرط ، ومن. - - ١٩٢ ١ جهلت عدالته لا تقبل روايته (والثانى يقبل) مجهول عدالة الباطن والظاهر (مطلقاً) مكن غير تفصيل ( وإن لم تقبل رواية مجهول العين ) لأن معرفة عينه هنا أغنت عن معرفة عدالته (والثالث ) التفصيل ، وهو أنه ( إن كان الراويان عنه ) اللذان بهما عرفت عينه (لا يرويان إلا عن عدل قبل ، وإلا فلا) هكذا سرد هذه الأقوال ابن الصلاح، ونقلها عنه زين الدين، ولم يذكرا دليلا عنهم كما خيله المصنف . فى (القسم الثالث) من أقسام المجهول (مجهول العدالة الباطنة) والعدالة الباطنة رعندهم هى ما يرجع إلى تزكية المزكين كما يأتى ( وهو عدل فى الظاهر ، فهذا يحتج زيه بعض من رد القسمين الأولين، وبه قطع الامام سليم بن أيوب الرازى، قال) فهو دليل القطع به (لأن الأخبار مبنية على حسن الظن بالراوى ، ولأن رواية الأخبار قد تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة فى الباطن، وتفارق) الرواية (الشهادة، فانها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك) أى معرفة العدالة الباطنة ، لأنهم يطلبون التزكية، فان وجدت عملوا (فاعتبرت فيها العدالة فى الظاهر والباطن ، قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأى فى كثير من كتب الحديث المشهورة عن غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم) اعلم أنهم شرطوا فى الراوى كونه عدلا ، ثم رسموا العدالة بالتقوى، وهى الاتيان بالواجبات واجتناب المقبحات مع عدم ملابسة بدعة ثم قالوا: يكفى تعديل الثقة لغيره بقوله عدل أو ثقة مثلا، ومعناه إخباره أنه على منه إتيانه بالواجبات واجتنابه المقبحات وعدم ملابسته لبدعة، وهذا الخبر مستند إلى مشاهدته لفعله وتركه، وهذه المشاهدة أمر ظاهر ، وأما معرفة باطنه فلا يعلمها إلا الله، فالمزكى غايته كالمعدل بلا زيادة، فشرط العدالة الباطنة شرط لادليل عليه ﴿﴿ إن أريد أن الخبرة تدل عليها فالخبرة لا بدمنها فى المعدل أيضاً، ثم رأيت المصنف فقد تنبه لهذا آخراً ولله الحمد ، ولعلهم لماسموا العدالة عن غير تزكية عدالة ظاهرة يسموا ما كان عن تزكية عدالة باطنة تسامحاً ، والتفرقة بين الأمرين، والله أعلم - ١٩٣ - (وأطلق الشافعى كلامه فى اختلاف الحديث أنه لايحتج بالمجهول ، وحكاه البيهقى عنه فى المدخل) قلت : ولفظ الشافعى فى كتاب اختلاف الحديث ((والظاهر فى المجهول هو من لاتعرف عدالته عن خبرة أو عينه)) كما يدل له قوله (ونقل الرویانی عن نص الشافعى فى الأم أنه لوحضر العقد رجلان مسلمان ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح :ما) أى بشهادتهما (فى الظاهر) وليس الخطاب إلا فى انعقاده فيه ( لأن ظاهر المسلمين العدالة) فالمسلمون عدول، وهى عدالة . يشهد بها إِسلامهم ، وهذا يوافق من يقول: الأصل فى المسلمين العدالة، وقوله الأول يخالفه، وكثيراً ما يأتى له فى المسألة قولان، وهذا منها (ذكره) الرويانى (فى البحر، نقل ذلك) عن الروياتى (زين الدين، ولما ذكر ابن الصلاح هذا القسم الأخير) وهو من عرفت عدالته ظاهراً لا باطناً ( قال: وهو المستور، فقد قال بعض أمتنا: المستور من يكون عدلا فى الظاهر، ولا تعرف عد الته باطناً ،انتهى) كلام ابن الصلاح (قال الزين) بعد نقله لكلام ابن الصلاح (وهذا الذى نقل كلامه آخراً هو البغوى، وتبعه عليه الرافعى، وحكى الرافعى فى الصوم وجهين فى قبول رواية المستور من غير ترجيح، وقال النووى فى شرح المهذب: إن الأصح قبول روايته، قال الزين: كلام الرافعى فى الصوم أن العدالة الباطنة هى التى يرجع فيها إلى أقوال المزكين) قد قدمنالك أن التعديل والتزكية إنما مدارهما على الخبرة الظاهرة ( قلت : ظاهر المذهب ) أى مذهب الزيدية (قبول هذا المسمى عندهم بالمستور ، بل قد نص على قبوله وسماه بهذه التسمية الشيخ أحمد فى الجودة) كما تقدم ( ولم أعلم أن أحداً من الشارحين اشترضه، والأدلة) فى قبول خبر الآحاد (تناوله، سواء رجعنا إلى) دليل (العقل، وهو الحكم بالراجح؛ لأن صدقه راجح) من حيت عدالته الظاهرة (أو) رجعنا (إلى) دليل ( السمع ، وهو قبولِ النبى صلى الله عليه وسلم لمن هو كذلك) أى معروف العدالة الظاهرة مجهول الباطنة ( كالأعرابيين فى الشهادة بالفطر من رمضان) يأتى تخريج حديثهما فى آخر (١٣ - تنقيح ٢) - ١٩٤ - البكتاب، وقد وسع المصنف الاستدلال المسألة فى الروض الباسم، وساق ثمانية أخبار، وتأتى المسألة آخر الكتاب (والأعرابى بالشهادة بالصوم فى أوله، وسيأتى طرق هذين الحديثين) فى آخر الكتاب عند ذكر عدالة الصحابة ، وهذا أوسع دائرة مما اختاره سليم الرازى، فانه إنما اختار ذلك فى الأخبار دون الشهادة كما عرفت ( ومما يدل على ذلكِ إرساله صلى الله عليه وسلم رسله كمعاذ وأبى موسى إلى اليمن ، وهما عند أهل اليمن مستوران وإن كانا عند من يخصهما فى أرضهما مخبورين) لا يخفى أنه يريد الاستدلال بقبول أهل اليمن لأخبارهما وهما مستوران عندهم ، وبأنه قد عرف صلى الله عليه وسلم ذلك ، فكان تقريراً منه ، ولكنه يقال : أهل اليمن الذين يقبلون أخبارهما أحدرجلين، إما كافر فلا يعتبر قبوله ولا عدمه ، وإما مؤمن وهو يقبل أخبارهما عن الشرائع، والمؤمن يعلم أنه لا يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبعث بالشرائع من يمانها عنه إلا وهو ثقة عدل فأحسن من هذا فى الاستدلال قوله ( أو رجعنا إلى إجماع الصحابة، فتدحكى الشيخ أبو الحسين وغبره قبولهم لأحاديث الأعراب) من المسلمين ( أو رجعنا إلى أهل البيت عليهم السلام فقد روى المنصور بالله رضى الله عنه والسيدأ بوطالب وأهل الحديث عن على عليه السلام أنه كان إذا اتهم لراوى استخلفه، فإذا حلف له قبله) وهذا يدل على أنه لم يعرف عدالله الباطنة ، قلت: ولا الظاهرة؛ إذ أوعلمها لما اتهمه كما يدل له قوله (( أنه حكى أبو الحسين إجماع الصحابة على قبول من عرفت عدالته الظاهرة )) وعلى عليه السلام رأس الصحابة (وهذا هو الغالب من مذاهب العترة والمعتزلة أهل الأصول) إلا أنه يقال: إذا كان كذلك فلا وجه لاشتراط التزكية والتعديل للراوى عندهم (وذكر محمد بن منصور) المرادى (صاحب كتلب علوم آل محمد أنه يرى قبول المجاهيل، ذكر ذلك فى كتابه المسمى بالعلوم) قلت : هذا مذهب له ، ولا ينازع فى مذهبه ( وقول المحدثين: إنه لابد من معرفة العدالة الباطنة مشكل، إِما لفظاً فقط ، أو لفظاً ومعنى ، فان أرادوا - ١٩٥ - مانص عليه الرافعى من أنهم عنوا بذلك مَنْ رجع فى عدالته إلى أقوال المزكين أشكل عليهم ذلك لفظاً، لأن هذا المعنی صحیح ، ونحن نقول به ، ولکن هده العبارة) أى قولهم عدالته الباطنة (ركيكة موهمة أنه لا بد من معرفة باطن الراوى وتعديل المزكين لا يوصل إلى ذلك، لأن المزكى إنما عرف الظاهر) كما قرر ناه آنفاً (ثم أخبرنا به، فقلد ناه فيه) فيه ما تقدم (فكيف لا نتحكم بالعدالة الباطنة إذا عرفنا ما عرف المزكى من غير واسطة خبره وتقليده) كما زعم القائل بذلك (وإذا عرف ذلك وجهلناه ثم أخبرنا به وقلد ناه حصلت العدالة الباطنة ) كما قالوه ( فأن قالوا المراد بالعدالة الباطنة ما كان عن خبرة) وهى التى تحصل العدل والمزكى (وبالظاهرة ما كان بمجرد الاسلام ، قلنا : من لم يعرف بغير مجرد الاسلام فقد تقدم فى القسمين الأولين من أقسام المجاهيل ، وهذا قسم ثالث قد ارتفع عنهما ولا يرتفع عنهما إلا بخبرة) لا يتم أن المراد بالعدالة الظاهرة ما كان بمجرد الاسلام ( فان قالوا) يست (العدالة الظاهرة ) مما عرفت بمجرد الاسلام، بل (ما تعرف بخبرة يسيرة توصل إلى مطلق الظن، والباطنة ماعرف بخبرة كثيرة توصل إلى الظن المقارب) العلم (وسموا الظن المقارب للعلم علماً) لا أدرى أى حاجة إلى زيادة هذا ، فإنهم لم يشترطوا العلم بالعدلة الباطنة، بل قالوا: لا بد من معرفة العدلة الباطنة ومعرفتها أغم من أن تكون بعلم أو ظن (دون مطلق الظن، تخصيصاً له ما هو أولى به) فان الظن المقارب هو الفرد الكامل من الظنون، ويسمى علما (فان مطلق الظن قد يسمى علماً، فكيف بأقواه ? قلنا: الظن فى القرة لا ينقسم إلى قسمين فقط) كما أفاد كلامكم، بل يذى إلى شىء معين (ولا يقف على مقدار ، ولا يمكن التعبير عن جميع مراءبه بالعبارة) وأيضاً فحم يختلفون فى الظنون اختلافا كثيراً (ومعرفة المزكى لكون ظنه مقارباً أو مطلقًا أو وسطاً بين المطلق والمقارب دقيقة عويصة) فانها أمور وجدانية ( وأكثر المزكين لم يعرف معانى هذه العبارات، بل ولاسمعها) فكيف يكلف بها ( وهى مولدة اصطلاحية ) لم تأت عن الشارع ١٩٦ - ولاعن أهل اللغة ( ولو كلف كل مزك أن يزكى على هذا الوجه) أى تزكية صادرة عن الظن المقارب (لم يفعل أو لم يعرف، ولم نزل التزكية مقبولة من قبل حدوث هذه الاصطلاحات ) فكيف تناط أمور شرعية بهذه الاصطلاحات الحادثة العرفية (والعدالة حكم منضبط يضطر إليها العامة) أى عامة الناس (فى الشهادة فى الحقوق والنكاح ورواية الأخبار وقبول الفتوى من المفتى وصحة قضاء القاضى) ومعنى اضطرارهم إليها أنهم يحتاجون إلى العدول فى هذه الأمور التى تعم بها البلوى، ولا بد أنهم عارفون بمعناها باعتبار ما يظهر لهم ( فتعليقها بأمر خفى غير منضبط) وهو الظن المقارب (بغير نص يدل على ذلك) التعليق (ولاعقل يحكم به غير مرضى) فانه لا يعلق حكم بأمر إلا بدليل يدل عليه، وإلا كان تحكما (بل) نقول: (مطلق الخبرة المفيدة للظن) مطلقا ( كافية ، وتزكية المزكى لا ميد غير ذلك ) أى الظن المطلق (إلا أن يكون المزكى من أهل هذا العرف) فلايزكى إلا عن ظن مقارب (فان قلنا مثل ذلك شرطنا فى المزكى أن يقول بمثل مقالتهم هذه، وهذا) شرط (بعيد) غير معروف عند الأصوليين وغيرهم، هذا تقرير إشكال عباراتهم لفظًا (وأما الوجه الثانى، وهو اختلال عباراتهم لفظاً ومعنى، فذلك ) أى بيان إشكالها (إن أرادوا أنها على ظاهرها ولم يتأولوها بالتجوز، وذلك) أى حمل كلامهم على الحقيقة (أن يقولوا) فى اسم ( العدالة الظاهرة: هى ماعرف بالخبرة الموجبة للظن، و) أن يقولوا فى اسم العدالة الباطنة (العدالة فى الباطن والظاهر) زاده استطراداً ( هى العدالة المعلومة بالقرائن الضرورية مثل عدلة المشاهير المتواترة عدالتهم مثل العشرة من الصحابه) الذين جمعهم المصنف فى قوله شعراً : للمصطفى خير صحب نص أنهمُ فى جنة الخلد نصاً زادهم شرفا هم طلحة وابن عوف والزبير مع أبى عبيدة والسعدان والْخُلَفَا (وعمائر بن ياسر) الذى شهد له النبى صلى الله عليه وسلم أنه ملىء إيمانا. (وسلمان الفارسى) الذى قال له النبى صلى الله عليه وسلم ((سلمان منا)) (وأبى - ١٩٧ - ذر) الذى شهد له النبى صلى الله عليه وسلم أنه أصدق مَنْ بينهما ( وأمثالهم من أهل ذلك الصدر) أى عصر الصحابة، ولا يخفى أن المحدثين قائلون أن الصحابة مطلقا ليس فيهم مستور، وقد تقدم الرد على ابن الصلاح من النووى حيث زعم أن مرداسا وربيعة بن كعب الأسلمى مجهولان، ماعرفته قريباً، نعم يتجه التمثيل بقوله ( ومثل زين العابدين) وهو على بن الحسين (وسعيد بن المسيب من التابعين ، والحسن البصرى، وأمتالهم، ومثل إبراهيم بن أدهم من المتعبدين، ومثل القاسم) بن إبراهيم الرسى (و) يحيى بن الحسين (الهادى) حفيده (من الأمة الهادين ، فلهم ) أى شارطى العدالة الباطنة (أن يقولوا: عدالة هؤلاء معلومة ظاهرا وباطنا، وليس ذلك) أى معرفة العدالة الباطنة (من قبيل علم الغيب، بل من قبيل العلم الصادر عن القرائن ، فانا نعلم أن القاسم رضى الله عنه لم يكن فى الباطن منافقا، بل) نجد (اعتقادنا جازما بصحة إسلامه) الأولى إيمانه (وفضله) ولما كان الجزم بعلم ما فى الاعتقاد باطنا مستبعدا إذ لا يحصل إلا بأخبار من الله تعالی ، كما قال تعالى فى عمار: ( إلا من أ کړه وقلبه مطمئن بالايمان» أشار المصنف بأنه ( قد قال أهل العلم بمثل هذا فى خبر الواحد إذا انضمت إليه القرائن، مثل الخبر) الآحادى ( يموت ولد رجل كبير مع بكاء ذلك الرجل بين الناس واستقامته لمن يعزيه وبكاء النسوان فى بيته واجتماع الناس للتعزية إليه وظهور الجنازة، ونحو ذلك) فان هذا خبر آحادى وقد أفاد العلم بموت ولد الرجل للقرائن المحتفة به (وكبار الأئمة والعلماء قد أخبروا عن أنفسهم بالعدالة) كقول بعضهم إنه ما عصى الله منذ عرف يمينه من شماله (وظهر عليهم من القرائن ) بصحة إخبارهم ( ما يوجب على ذلك) أى علمنا به، هذا تقرير مراده، إن أرادوه (فالجواب عليهم أن هذا يختل علم من وجهين : أحدهما أن الناس مختلفون فى صحة هذا) فليست المسألة اتفاقية ، كما يعرف من أصول الفقه ( وإن صح فهو علم ضرورى غير مستمر لكل أحد) بل قد يحصل لناس دون ناس (وهذا وقع فيه الخلاف، والتعبد ١ - ١٩٨ - بخبر الواحد يشمل الجميع) أى جميع المكلفين ممن يحصل له هذا العلم الضرورى وهم الأقل وغيرهم وهم الأكثر (وهذا) القول ( يؤدى إلى اشتراط أن يخلق الله العلم الضرورى بعدالة الراوى الباطنة، وهذا خلاف الاجماع، وثانيهما) أى وجهى الجواب ( أن العدالة فى الراوى تشتمل على أمرين أحدهما فى الديانة التى تفيد مجرد صدقه وأنه لا يتعمد الكذب) أما هذا فمحل النزاع كما لا يخفى (وثانيهما فى الحفظ، ولئن سلم لهم ذلك فى الديانة فلا يصح العلم الضرورى بأن الراوى لم يخط فى روايته من غير عمد، ولا قائل بذلك) يتأمل فى هذا (على أن البالغين إلى هذه المرتبة الشريفة هم الأقلون عددا، ولو اشترط ذلك أهل الحديث لم تتفق لهم سلامة إسناد غالبا) إذليس كل حديث يكون رجاله من ذلك الطبقة العالية (وقد نص مسلم ) فى أول صحيحه (على أنا لا نجد الحديث الصحيح عند مثل مالك وشعبة والثورى) الذين لا خلاف فى إمامتهم ديانة وحفظا، وإذا لم نجد مثلهم ( فلابد من النزول إلى مثل ليث بن أبى سليم وعطاء بن السائب ) وهم من طبقة غير ذلك الطبقة فى الأمرين ، إذا عرفت هذا ( فكن على حذر من تضعيف مَنْ يرى رد أهل العدالة الظاهرة لكثير من الرواة ، وتقطن لذلك فى كتب الجرح والتعديل) فانهم يردون كثيرا بجهالة باطنة ويسمونه مستوارا (والله أعلم). ٤٦ مسألة [ فى قبول رواية الفُسَّاق المتأولين] من علوم الحديث ( الكلام فى قبول أهل التأويل) من كُفَّاره وفُسَّاقه ۔۔۔ - ١٩٩ - وغيرهم، ورَدُّهم (الظاهر (١) من مذهب أئمة الزيدية قبول المتأولين على خلافٍ يسير وقع فى ذلك ) ولفظه فى الروض الباسم ((الظاهر من مذهب الزيدية قبول أهل (١) قد عرفت مما تقدم أنه يشترط لقبول الرواية الاسلام والعدالة، على معنى أنا لا نقبل الرواية التى يرويها الكاف فى حال كفره ، ولا نقبل الرواية التى يرويها الفاسق فى حال فسقه، وهذا أمر مجمع عليه بالنظ إلى السكاف الأصلى والفاسق المصرح بفقه، لايختلف أحد من أهل العلم أن رواية الكافر الأصلى والفاسق المصرح بفسقه مردودة عليه ، وقد اختلف العلماء فى بعض أهل القبلة من الذين لهم مقالات خاصة لا توافق ماعليه جمهور المسلمين: أهم كفار بهذه الأقوال أم فاق؟ أم ليسوا كفارابها ولا فساقة؟ ثم اختلفوا بعد ذلك: أنقل روايتهم لأنهم من أهل القبلة أم نردها إلحاقا لهم بالكفار الأصليين والفساق المصرحين بالفسق، أم تفرق بين من يكون من دعاة: ومن لا يكونمنهم، أو تفرق بين من يستحل الكذب منهم ومن لا يستحله، أو تقبل من يرى الكذب حراماوردغيره! العلماء فى هذا الموضوع كلام طويل الذيل عميق السيل،و نحن نرى أن نذكر لك أقوالهم واحداً فواحدا مع الاقتصار على كلام بعض أهل الحديث والأصول، ثم أعقب على ما يعن لنا التعقيب عليه لتكون على بينة فى هذه المسألة، فيقول: قال أبو بكر الخطيب فى الكفاية: ((اختلف أهل العلم فى السماع من أهل البدع والأهواء كالقدرية والخوارج والروافض، وفى الاحتجاج بما يروونه، فمنعت طائفة من السلف صحة ذلك لعلة أنهم كفار عند من ذهب إلى كفار المتأولين وفاق عند من لم يحكم بكفر متأول . وقال من ذهب إلى هذا المذهب : إن الكافر والفاسق بالتأويل بمثابة الكافر المعاند والفاسق العامد فيجب ألا يقبل خبرهما ولا تثبت روايهما. وذهبت طائفة من أهل العام إلى قبول أخبار أهل الأهواء الذين لا يعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة ، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى، فانه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لمن وافقهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبى ليلى وسفيان الثورى، وروى مثله عن أبى يوسف القاضى : / ٢٠٠-) وقال كثير من العلماء : تقبل أخبار غير الدعاة من أهل الأهواء، فأما الدعاة فلا يحتج بأخبارهم ، وممن ذهب إلى ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل . وقال جماعة من أهل النقل والمتكلمين: أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة وإن كانوا كفاراً وفساقاً بالتأويل)) اهـ كلامه . وخلاصته أن العلماء فى هذا الموضوع أربعة مذاهب : المذهب الأول : لا تقبل رواية أهل الأهواء مطلقاً، لأنهم إما كفار وإما فساق بما ذهبوا إليه، والكافر والفاسق ترد روايتهما، ويروى هذا القول عن الأمام مالك ابن أنس إمام دار الهجرة . والمذهب الثانى: يقابل هذا المذهب، وحاصله أن رواية أهل الأهواء مقبولة، أى إذا استوفت شروط القبول،ومرادهأنها لا ترد لكونهم خالفوا الجماعة، فان ردت لشىء آخر مما ترد به رواية من هو من جمهرة المسلمين فلا شىء فى ذلك، وهذا مذهب المتكلمين الذين لا يرون تكفير أحد من أهل القبلة . والمذهب الثالث : أن جميع أهل الأهواء ليسوا فى درجة واحدة ، بل منهم من يستحل الكذب لمن وافقه فى نحلته كالخطابية وهم فرقة من الروافض، ومنهم من لا يستحل الكذب ، فان كان ذو البدعة ممن يستحل الكذب رددنا روايته، لأننا لا نأمن أن يكون قد كذب فيها ، وإن لم يكن من بين هؤلاء قبلنا روايته إذا استوفت شروط القبول، وينسب هذا القول إلى الامام الشافعى رضى الله عنه وإلى ابن أبى ليلى وإلى القاضى أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ؟ والمذهب الرابع: أنا نفرق بين من كان داعية يدعو إلى بدعته ومن كان من دهماء أهل هذه البدعة ، فترد رواية من كان داعية، حذراً من أن يكون قد روى مارواه ليؤيد به بدعته فيجنح فيه إلى الكذب، ونقبل رواية الدهماء منهم إذا استكملت شروط القبول، وينسب القول بهذا إلى إمام أهل السنة أبى عبد الله أحمد بن حنبل . وقال أبو عمرو بن الصلاح: ((اختلفوا فى رواية المبتدع الذى لا يكفر فى بدعته : فمنهم من ره روايته مطلقاً لأنه فاسق ببدعته ، وكا استوى فى الكفر المتأول وغير المتأول يستوى فى الفسق المتأول وغير المتأول، ومنهم من قبل رواية