النص المفهرس
صفحات 161-180
: - ١٦١ - الأول: أن الجرح مقدم مطلقا وإن كثر المعدلون ، نقله الخطيب عن جمهور العلماء ، وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح، وصححه الأصوليون الامام فخر الدين والآمدى(١)، واستدلوا بأن مع الجرح زيادة على لم يطلع عليها المعدل، ولأن الجارح مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر خفى على المعدل الثانى : إن كان عدد المعدلين أ كثر قدم المعدلون ، ووجهه أن كثرة المعدلين تقوى حالهم وتوجب العمل بخبرهم ، وقلة الجارحين تضعف خبرهم، وتُقِّب بأنه خطأ لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون ولو أخبروا بذلك كانت شهادة باطلة على نفى الثالث: ماأشار إليه المصنف بقوله (والصحيح المختار الترجيح، وذلك لأن الجرح إما أن ينسب إلى من لايحتمله أولا) أى لا ينسب إلى من لا يحتمله (إن نسب إلى من لايحتمله من كبار الأئمة والعلماء والصالحين لم يقبل) ووجه عدم قبول خبره وهو ثقة قوله (لأن الخبر إنما يقبل من الثقة لرجحان الصدق) فيما أخبر به (على الكذب) ولما كان ترجيح صدقه علی کذبه دعوى، وإلا فان خبره (١) قال المحقق الآمدى ((إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو: إما أن يكون الجارح قد عين السبب ، أو لم يعينه ، فان لم يعينه فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه على ما لم يعرفه المعدل ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفى. وإن عين السبب بأن يقول تقديرا : رأيته وقد قتل فلانا ، فلا يخلو: إما أن لا يتعرض المعدل لنفى ذلك أو يتعرض لنفيه ، فإن كان الأول فقول الجارح يكون مقدما لما سبق، وإن تعرض لنفيه بأن قال : رأيت فلانا المدعى قتله حيا بعد ذلك، فههنا يتعارضان ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك ما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى )) اهـ كلامه بحروفه. (١١- تنقيح ٢) ٠٠ - ١٦٢ - يحتمل الأمرين على السواء، قال (وإنما يرجح صدق الثقة لما ظهر عليه من أمارات الخير) وهى ماشر طناه فيه من وجود صفات العدالة (فانا نستبعد صدورالكذب من الثقة) فهذا رجحنا صدق خبره ( فإذا جاء هذا الثقة ونسب إلى من هو أوثق. منه ماهو فى حق الأوثق أبعد من تجويز الكذب على ذلك الثقة) الرامى للأوثق (بمراتب عظيمة، فانا حينئذ إن قبلنا الثقة الجارح حملا له على السلامة فقد تركنا حمل المجروح الذى هو أوثق منه على السلامة) فإن قيل: قد قبلتموه من حيث إنه أرجح ، فكيف تردونه والأرجحية باقية؟ فقال (وإن قبلناه) فى جرحه لمن يحتمل ذلك (من أجل أنه أرجح فقد صار فى هذه الصورة) حيث جرح من لا يحتمل ذلك (مرجوحا) لرميه من هو أوثق منه ( ولو سلمنا أنه أرجح لم تكن هذه صورة المسألة المفروضة) إذ هى مفروضة فى من هو أوثق منه ( ومثال ذلك أن يقول من ثبتت عدالته بتعديل عدل أو عدلين لاسوى: إن زين العابدين على بن الحسين رضوان الله عليهم كان يتعمد وضع الحديث ، أو يأتى إحدى الكبائر المعلوم كبرها، أو يطرح مثل ذلك على غيره من التابعين أو الزهاد أو العلماء مثل سعيد بن المسيب ومالك والشافعى وإبراهيم بن أدهم ومن فوق هؤلاء أو قريب منهم بحيث يغلب على الظن أن الكذب إلى المتكلم عليهم أقرب فى الظن من صحة ما ادعى عليهم ، ومن ذلك كلام النواصب) كالخوارح وغيرهم (فى على عليه السلام، وكلام الروافض فى أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنه، وكلام) عمرو بن بحر (الجاحظ) المعتزلى (والنظام) من كبار المعتزلة (فى جماعة من كبار الصحابة رضى الله عنهم) قلت وكذلك عمرو بن عبيد، فانه قال الذهبي فى ترجمته فى الميزان : إنه قال : لو شهد عندى على وطلحة والزبير وعثمان رضى الله عنهم على شراك فعل ما قبلت شهادتهم ولما كانت القاعدة المعروفة عند أئمة الحديث والأصول أن الجارح أولى وإن كثر المعدل ينافى هذا الكلام ، قال المصنف: (وأما قولهم) فى الاستدلال على هذه القاعدة (إن الجارح أثبت مالم يعلم به المعدل) والمثبت أولى هنا لأنه على - ١٩٣ - مالم يعلمه غيره (فلا يرد هنا) إذ الدليل المذكور دليل تمارض الجرح والتعديل ، وليس الأمر هنا کذلك (لأنا هنا لم نعارض بین من جرح ومن عدل ، بل بین من جرح ومن هو معلوم العدالة الظاهرة مظنون العدالة الباطنة ظنا مقاربا أومعلوما) فى العبارة تسامح ( بالأمارات كجوع الجائع) فانه أمر باطنى قد نعلمه بالأمارات (بل لم نأخذ عدالة هذا الجنس من معدل حتى نعارض بينه وبين الجارح ، بل اضطررنا إلى العلم بها بالتواتر) ومن هنا تعلم أن القاعدة المعروفة إنما هى فيمن عرفت عدالته بأقوال المعداين وجرحه بجرحهم ، قال ابن السبكى: إن الجارح لا يقبل جرحه، ولوفسره ، فيمن غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فى الذى جرحه من تعُّصُب مذهبى ومنافسة دنيوية كما يكون من النظراء أوغير ذلك فنقول مثلا: لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذؤيب فى مالك وابن معين فى الشافعى والنسائى فى أحمد بن صالح، فإن هؤلاء أئمة صالحون صار الجارح لهم كالآتى بخبر غريب لوصح لتوفرت لدواعى على نقله، وكان القاطع قائما على كذبه فيما قاله . (وقد أحسن ابن الحاجب حيث قال فى كتابه فى الفروع فى هذا المعنى: ويسمع التجريح فى المتوسط العدالة باتفاق ، فقيد سماعه بالمتوسط دون أهل المرتبة الرفيعة) والمراد بالسماع العمل بما يسمع، وأما فى مختصره فى أصول الفقه فانه اختار تقديم الجارح من غير تقييد، فهذا الذى ذكره المصنف عنه فيمن لا يحتمل مانسب إليه من الجرح ، وأما من يحتمله فانه قد أشار إليه بقوله (وأما إن تعارض الجرح والتعديل فى من دون هذه الطبقة الشريفة ، بحيث يكون صدق الجارح أرجح وأقرب من كذبه، ويكون صدور الجرح من المجروح أرجح من كذب الجارح وأقرب) فهذان قسمان: الأول (فما أن يكون الجرح مطلقا) عن بيان السبب (أو) يكون(مبين السبب، إن كان مطلقا لم نحكم بصحته) وإن أورث ريبة وتوقفًاً (وبحثنا - ١٦٤ - عن حال المجروح، فان تبين) بالبحث (وترجح أحد الأمرين حكمنا به، وإلا وقفنا فى حاله كما تقدم) من كلام ابن الصلاح (لأن الجارح) هنا (وإن كان صدقه) أى الجارح ( أرجح) فانه لا ينافى توقفنا (فلم ندرما الذى ادعى) من جرحه (حتى نصدقه فيه) لأنه أتى بجرح مجمل يحتمل توقفنا فيه تصديقاً وتكذيباً، والقسم الثانى ما أفاده قوله (وأما إن بين) الجارح (السبب) الذى جرح به (نظرنا فى ذلك السبب وفى العدل الذى ادعى عليه، ونظرنا أى الجوائز) الأمور الجائز وقوعها فى حقه (أقرب) لنحكم به ( فان اقتضت القرائن والأمارات والعادة والحالة من العدادة ونحوها آن الجارح واهم فى جرحه) بجعله ماليس بجارح جارحا (أو كاذب) فى جرحه (أو غاضب ) على من جرحه ( رجح له الغضب عند سورته) بفتح المهملة وسكون الواو: شدته (قرينة ضعيفة فقال بمقتضاها ونحو ذلك قدمنا التعديل) عدم هوض. القادح على رفعه (وإلا) يحصل ماذكر (قدمنا الجرح، والمنازعون هنا إما أن يكونوا من الأصوليين أو من المحدثين ، إن كانوا من الأصوليين فالحجة عليهم أن نقول أنتم إنماقد متم الجرح المبين السبب لأنه أرجح فقط ، إذ كان القريب فى المعقول أن الجارح يطلع على مالم يطلع عليه المعدل) قطعاً إذلواطلع المعدل على الأمر الفادح وعدل مع علمه به عد غير عدل ، فلا يقبل تعديله ، والفرض خلافه ( وفى قبوله ) أى الجارح (حمل الجارح والمعدل على السلامة معاً) وتصديقهما معاً، لأن المعدل يقول مثلا: أنا لا أعلم فسقاً ولم أظنه، والجارح يقول : أنا علمت فسقاً ، فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبا ، وإذا حكمنا بصدقه كانا معاً صادقين (ولم يقدموا) الأئمة (الجرح لمناسبة طبيعية بين اسم الجرح الذى حروفه الجيم. الراو الحاوبين صدق من ادعاه) الجارح (وحينئذ) أى حين إذ عرفت هذا ( يظهر أن العبرة) يعنى فى تقديم هذا النوع من الجرح (بالترجيح، فان هذا الذى أوجب عندكم تقديم الجرح نوع من الترجيح) وهو رجحان الجمع بين صدق الجارح والمعدل ( فإذا انقلب الحال فى بعض الصور وقامت القرائن على أن التعديل أقوى 1 - ١٦٥ - فى ظن الناظر فى التعارض هل كان منكم أو من غيركم فيا يقتضى النظر هل يعمل بالراجح عنده فذاك الذى قلنا، أو بالمرجوح عنده فترجيح المرجوح على الراجح خلاف المعقول ، ولا منقول هنا يوجب طرح المعقول ) هذا إذا كانت المناظرة فى المسألة مع أهل الكلام والأصول ( وإن كان المخالف من المحدثين قلنا له) فى المناظرة ( أليس قد ثبت عندكم أن خبر الثقة بحديث معين مبين إذا أعل بعلل كثيرة أو علة واحدة يحصل معها) مع العلمة واحدة كانت أو متعددة ( للنقاد ظن قوى يوم ذلك الثقة ) فيما أخبر به، فليس كل ثقة يقبل خبره (فان ذلك يقدح فى خبره بأمر معين، فكذلك خبره بالجرح المبين) السبب (إنما هو خبر بأمر معين ، فاذا أعل بما يقتضى وقوع الوهم فيه أو العصبية أو القول عن الأمارات الضعيفة فإن ذلك يقدح فيه ) أى فى خبره بالجرح المبين السبب (ومن أمثلة ذلك على كثرتها قول مالك ) الامام المعروف (فى محمد بن إسحاق) صاحب السيرة ( إنه . دجال من الدجاجلة) هو مقول قول مالك (أى كذاب) قال يحيى بن آدم : ثنا ابن إدريس قال: كنت عند مالك فقيل له : إن ابن إسحاق قال: اعرضوا على حديث مالك فأنا بيطاره ، فقال مالك : انظروا إلى دجال من الدجاجلة ، ذكره الذهبى فى الميزان ( فان من هو فى مرتبة مالك فى الثقة) من الأئمة ( قد أثنوا على محمد بن إسحاق ) قال الذهبى فى الميزان: وثقه غير واحد و وهاه آخرون كالدارقطنى، وهو صالح الحديث، ماله عندى ذنب ، إلا ماقد حشا فى السيرة من الأشياء المنقطعة المنكرة والأشعار المكذوبة ، قال ابن معين : ثقة ، وليس بحجة ، وقال يحيى بن المدينى: حديثه عندى صحيح، وقال يحيى بن كثير: سمعت شعبة يقول : ابن إسحاق أمير المؤمنين فى الحديث (ومن تكلم) فى ابن إسحاق (فما تكلم عليه بشىء من هذا) أى من نسبة الكذب إليه ، قال محمد بن عبد الله بن نمير: رمى بالكذب، وكان أبعد الناس منه، وقال أبو داود: قَدَرَىٌّ ، وقال سليمان التميمى: كذاب، وقال وهيب : سمعت هشام بن عروة يقول: كذاب، وقال يحيى - ١٦٦ - القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب، قال له ابن أبى داود: وما يدريك أنه كذاب ؟ قال : قال هشام بن عروة : حدث عن امرأتى فاطمة بنت المنذر وأدخلت على وهى بنت تسع سنين وما رآها رجل حتى لقيت الله ، قال الذهبي: وما يدرى هشام بن عروة ، فلعله سمع منها فى المسجد ، أو سمع منها وهو صبى، أو أدخل عليها فحدثته من وراء حجاب، وأى شىء هذا وقد كانت كبرت وأسنت ( إنما تكلم عليه بالتدليس وشىء من سوء الحفظ ) قد عرفت مما نقلناه عدم صحة هذا الحصر (لكنه كان بينه وبين مالك وحشة) قال وهيب : سألت مالكا عن محمد بن إسحاق فاتهمه، وقال يحيى بن سعيد الأنصارى: أبان ومالك يجرحان ابن إسحاق ( ولعل ذلك بسبب الاختلاف فى الاعتقاد ، فقد كان محمد بن إسحاق يرى رأى المعتزلة فى بعض المسائل) تقدم كلام ابن نمير(١) أنه رمى بالقدر، وكان أبعد الناس منه، وقال أبو داود: قدرى معتزلى ( وكان مالك يشدد فى ذلك ، ثم إنه بلغ مالكا أن ابن إسحاق قال: اعرضوا على علم مالك فأنا بيطاره ) تقدم من رواها (فين بانه ذلك أغضبه فقال: إنه دجال أى كذاب) فقد قاله حال الغضب، فلا اعتبار به ( ومن الجائزات) على بعد ( أن یرید مالك) كذاب (فى اعتقاده ، أو فى حديثه الذى يهم فيه، على بعدهذه العبارة من إطلاقها على من .. م فى عرفهم ) فالحمل على ذلك بعيد جداً ( ولكن حال الغضب مع العداوة فى الدين يقع فيها مثل هذا: إما لمجرد غلبة الطبع، أو لمجرد أدنى تأويل) وعلى كل تقدير فلا يقبل ولا يعمل به، لأن الجرح إخبار عن حكم شرعى، وقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يحكم الحاكم وهو غضبان، والأصح عدم صحة حكمه فى حال غضبه كما قررناه فى سبل السلام . (١) الذى تقدم له ذكر أنه رمى ابن إسحاق بالقدر هو أبو داود، وسيذكره عقب هذا - ١٦٧ - (واعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح إنما يكون) تعرضاً (عند الوقوع فى حقيقة التعارض) إذ الكلام فى ذلك ، وهو ما يتعذر فيه الجمع بين القولين (أما إذا أمكن معرفة ما يرفع ذلك فلا تعارض البتة ، مثال ذلك أن يجرح هذا بفسق قد علم وقوعه منه، ولكن علمت توبته أيضاً، والجارح جرح قبلها) قبل التوبة فانه لا تعارض بين الجرح والتعديل على هذا ( أو يجرح بسوء حفظ مختص بشيخ أو بطائفة ، والتوثيق يختص بغيرهم ، أو سوء حفظ مختص بآخر عمره لقلة حفظ أو زوال عقل ، وقد تختلف أحوال الناس، فكم من عدل فى بعض عمره دون بعض، ولهذا كان السعيد من كان خير عمله خواتمه ، فاذا اطلع على التاريخ) أى تاريخ روايته وتاريخ اختلاطه ( فهو مخلص حسن ، وقد اطلع عليه فى كثير من رجال الصحيح جرحوا بسوء الحفظ بعد الكبر، والصحيح ) من أحاديثهم (روى عنهم قبل ذلك ) فلا تعارض (ثم ذكروا أى أئمة الحديث مسألة، وهى توثيق من لم يعرف عينه (١) ولم (١) قال الحافظ جلال الدين السيوطى فى التدريب ((وإذا قال حدثنى الثقة أو نحوه، من غير أن يسميه -لم يكتف به فى التعديل، على الصحيح، حتى يسميه لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لوسماه لكان من جرحه غیرہ بجرح قادح ، بل إن إضرابه عن تسميته ريبة توقع تردداً فى القلب، بل زاد الخطيب أنه لوصرح بأن كل شيوخه ثقات ، ثم روى عمن لم يسمه - لم نعمل بتزكيته ، لجواز أن يعرف - إذا ذكره- بغير العدالة، وقيل: يكتفى بذلك مطلقاً كما لو عينه، لأنه مأمون فى الحالتين معاً، فان كان القائل عالما أى مجتهداً كمالك والشافعي - وكثيراً ما يفعلان ذلك - كفى فى حق موافقه فى المذهب لا غيره عند بعض المحققين ، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجا بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روى عنه ذلك ، واختاره إمام الحرمين ورجحه الرافعى فى شرح المسند، وفرضه فىصدور ذلك - ١٦٨ - ٠٠ ٠٠ ٠ ٠٠ ٠٠٠ .... ٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ من أهل التعديل، وقيل: لا يكفى أيضاً حتى يقول: كل من أروى لكم عنه ولم أسمه فهو عدل، قال الخطيب : وقد يوجد فى بعض من أبهموه الضعيف الخفاء حاله كرواية مالك، عن عبد الكريم بن أبى المخارق)» اهـ كلامه. ومنه آعرف أن فى المسألة - على ما حكاه - أربعة مذاهب: الأول أن قول الراوى حدثنى الثقة لا يكفى فى التعديل مطلقا، والثانى: أن هذا القول يكفى فى التعديل مطلقا، والثالث: يكفى هذا القول فى التعديل إذا صدر عن عالم مجتهد - وهذا القول هو الذى حكى الشارح أن البرماوى حكاه وحكى تصحيحه عن إمام الحرمين، إلا أن فى كلام السيوطي زيادة تحديد هذا القول حيث خص كفايته ؟ن وافق العالم المجتهد فى مذهبه وهو كلام أهل هذا الفن ، والقول الرابع : مثل الثالث لكن بشرط أن يكون العالم المجتهدقد قال: كل من أُروى لكم عنه ولم أسمه فهو عدل، ولم يذكر الشارح هذا القول عن البرماوى أو غيره، فيتم به - مع ماذكره الشارح من الأقوال - خمسة أقوال فى هذه المسألة، فتدبر ذلك وتأمل فيه وقال ابن الصلاح (( لا يجزىء التعديل على الابهام من غير تسمية المعدل، فاذا قال حدثنى الثقة أو نحو ذلك مقتصراً عليه لم يكتف به فيما ذكره الخطيب الحافظ والصير فى الفقيه وغير هما، خلافا لمن اكتفى بذلك، وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالاجماع، فيحتاح إلى أن يسميه حتى يعرف، بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع فى القلوب ترددا فيه، فان كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك فى حق من يوافقه فى مذهبه على ما اختاره بعض المحققين، وذكر الخطيب الحافظ أن العالم إذا قال: كل من رویتعنه فهو ثقة و إنلم أسمه، ثم روی عمن لم یسمه، فانه یکون مزکیاله، غيرأنا لانعمل بتزكيته هذه، وهذا ماقدمناه)) اد. ومنه تعلم أن هذا القول الثالث الذى حكاه الشارح عن البرماوى قد سبق إليه إمام من أئمة هذه الصناعة هو ابن الصلاح، وعبارة الشارح تكاد توهم بأن هذا القول مما انفرد بحكايته البرماوى، وتعلم أيضا أن الصواب فى هذا القول تحديده بما بيناه فى التعقيب على كلام السيوطى السابق ، وهو أن قبوله وكفايته خاصان بمن يوافق العالم المجتهد فى المذهب ، للعلة التى ذكرها السيوطى نقلا عن ابن الصباغ - ١٦٩ - ٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠ .. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: «إذا قال العالم: كل من أروى لكم عنه وأسميه فهو عدل رضا مقبول الحديث، كان هذا القول تعديلا منه لكل من روی عنه وسماه ، و کان ممن سلك هذه الطريقة عبدالرحمن بن مهدی، أخبرتا بشر بن عبد الله الرومى قال: أنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا محمد ابن جعفر الراشدى، قال: ثنا أبوبكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يقول: إذا روى عبدالرحمن بن مهدى عن رحل فروايته حجة قال أبو عبد الله: كان عبدالرحمن أولا يتسهل فى الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعد ، كان يروى عن جابر - يعنى الجعفي - ثم تركه، وهكذا إذا قال العالم : كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه، ثم روى عمن لم يسمه فانه يكون •زكيا له، غير أنا لا نعمل على تزكيته، لجواز أن نعرفه إذا ذكره بخلاف العدالة فاما إذا عمل العام بخبر من روى عنه لأجله فان ذلك يكون تعديلا له يعتمد عليه، لأنه لم يعمل بخيره إلا وهو رضا عنده عدل، فقام عمله يخبره مقام قوله هـ عدل مقبول الخبر، ولو عمل العالم بخبر من ليس هو عنده عدلا لم يكن عدلا يجوز الأخذ بقبوله والرجوع إلى تعديله، لأنه إذا احتملت أمانته أن يعمل بخبر من ليس بعدل عنده احتملت أمانته أن يزكى ويعدل من ليس بعدل)) اهـ كلامه بحروفه، وفيه زيادة عما أثار المصنف والشارح الكلام فيه وهو حكم معمل الراوى بخبر من ثبتت عنده عدالته وحكم عمله بخبر من لم تثبت عنده عدالته)) ويقابل هذا مالو ترك العدل المرضى العمل برواية راو، وهل يعتبر ذلك جرحا من العدل الذى ترك العمل للراوى الذى روى الحديث المتروك العمل به أولا؟ قيل: لا يعتبر ذلك جـ حاله لأن ترك العمل بمقتضى ما رواه ليس سببه منحصرا فى عدم صحة الحديث، بل له أسباب أخر منها وجود رواية أخرى تعارض هذه الرواية مع أنه لاشك فى عدالة رواة هذه الرواية، وهاك نص الخطيب فى ذلك قال: ((إذا روى رجل عن شيخ حديثاً يقتضى حكما من الأحكام فلم يعمل به لم يكن ذلك جرحا منه للشيخ، لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر خبر آخر يعارضه أو عموم أو قياس ولكونه منوخا عنده أو لأنه يرى أن العمل - ١٧٠ - ٠٠ ... ٠٠ بالقياس أولى منه، وإذا احتمل ذلك لم نجعله قدجا فى راويه. ومثل هذا ما أخبرنا القاضى أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمى قال : ثنا أبو على محمد بن أحمد اللؤلؤى قال : ثنا أبوداود سليمان بن الأشعث قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه مالم يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، فهذارواهمالك ولم يعمل به، وزعم أنه رأى أهل المدينة على العمل بخلافه، فلم يكن تركه العمل به قدحا فى نافع، ومثله الحديث الآخر الذى أخبرنا القاضى أبو بكر أحمد بن الحسين الحرشى قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى الأنصارى قال: حدثنا إسماعيل - يعنى ابن أبى إدريس - قال: حدثنى أبى عن محمد بن مسلم أن سالم بن عبد الله أخبره. وسأله محمد عن كراء المزارع - قال: أخبر رافع بن خديج عبد الله بن عمر أن عميه - وقد كانا شهدا بدرا - أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، قال: فترك عبد الله كراءها، وقد كان يكريها قبل ذلك قال محمد: فقلت السالم: أنكريها أنت ؟ قال: نعم قد كان عبد الله يكريها، قال: فقلت : فأين حديث رافع بن خديج؟ قال: فقال سالم : إن رافعا قد أكثر عن نفسه))اه، وقال الحافظ السيوطي: «وعمل العالم وفقياه على حديث رواه ليس حكما منه بصحته ولا بتعديل رواته ، لا مكان أن يكون ذلك منه احتياطاً أو لدليل آخروافق ذلك الخبر، وصحح الآمدى وغيره من الأصوليين أنه حكم بذلك، وقال إمام الحرمين : إن لم يكن فى مسالك الاحتياط، وفرق ابن تيمية بين أن يعمل به فى الترغيب وغيره، وليست مخالفة العالم لحديث رواه قدحا منه فى صحنه ولا فى رواته، لامكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه ولم يكن ذلك قدحا فى نافع راويه . وقال ابن كثير: فى القسم الأول نظر إذا لم يكن فى الباب غير ذلك الحديث وتعرض للاحتجاح به فى فتياه أوحكمه أو استشهد به عند العمل بمقتضاه، قال العراقى: والجواب أنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث ألا يكون ثم دليل آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم - ١٧١- يسم ( مثل قول العالم الثقه: حدثنى الثقة ) فانه توثيق لمبهم غير معروف العين (أو) يقول (جميع من رويت عنه ثقة) قال الخطيب : إذا قال العالم كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم يسمه ، ثم روى عمن لم يسم ، فانه يكون مزكيا، غير أنا لا نعمل على تزكيته (واختاروا أنه لا يقبل) كما ذكره الخطيب وأبو بكر الصير فى وابن الصباغ من الشافعية وغيرهم ، وحكى ابن الصباغ عن أبى حنيفة أنه يقبل، واستدلوا على عدم القبول بقوله ( لجوازأن يعرف فيه جرح لو بينه) قالوا: بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددا فى قلب السامع، نعم قال الخطيب : إذا قال العالم («كل من أروى لكم عنه وأسميه فهو عدل تقى مقبول الحديث)) كان هذا القول تعديلا لکل من روى عنه وسماه ، هكذا جزم به الخطيب ، قال : وكان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدى، زاد البيهقى مالك بن أنس ومحي ابن سعيد القطان (وهذا) الذى ذهب إليه أئمة الحديث (ضعيف ، فان توثيق العدل لغيره) مبهما كان أو معينا (يقتضى رجحان صدقه) ولأنه يلزم على هذا تقديم الجرح المتوهم على التعديل الثابت ، وهو خلاف النظر (وتجويز وجود الجارح لو عرف هذا المعدل) أى لو تعين اسمه ( لا يعارض هذا الظن الراجح حتى يصدر) أى الجرح (عن ثقة) والفرض أنه لا جرح محقق ، بل مجوز (ولو كان التجويز) القادح ( يقدح لقدح مع تسميته، لأن التسمية لا تمنع من وجود جرح عند غير المعدل ) قد يقال: إنه مع التسمية قد فتح لنا باباً إلى معرفته والبحث عنه، ومع عدمها قد أغلق باب البحث ، إلا أنه قد يجاب بأنه لا حاجة إلى البحث عنه بعد التزكية (فان قالوا لما لم يعلم) أى فيمن سمى، والمراد لم يعلم جرحاً (حكمنا بالظاهر المفتى أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته ، بل ولا بعضها، ولعل له دليلا آخر واستأنس بالحديث الوارد فى الباب، وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس)) اهـ كلامه - ١٧٢ - حتى نعلم) خلافه (فكذلك هنا) أى فيمن أبهم ( لافرق بينهما، إلا أن طريق البحث غير ممكنة عند الابهام، وقد يمكن عند التسمية ، فيكون الظن بعد البحث عن المعارض) وهو وجود جارح فيمن سماه الثقة وعدله (وعدم وجدانه) أى المعارض وهو القادح ( أقوى) فإذا قلنا: يقبل فيمن سمى، لافيمن لم يسم (وهذا الفرق رکیك) وإن حصات قوة الظن کما ذکر (لأنا لم نتعبد بأقوى الظنون فی غیر حال التعارض ) فان الظن الحاصل عن توثيق العدل كاف لنا فى العمل عند عدم التعارض ( ولأن طلب المعارض فى هذه الصورة لا يجب ) كما سلف من قبول خبر العدل وكفاية الواحد فى ذلك (ولأن التمكن من البحث قد يتعذر مع التسمية) كماقد أشار إليه بقوله « وقد يمكن عند التسمية)) ( فيلزم طرح توثيق مَنِ الفرض أن قبوله واجب ) وهو الراوى الذى زكاه وسماه الثقة . (ويمكن نصرة القول الأول ) وهو عدم قبول تزكية المبهم ( بأن الخبر عن التوثيق كالخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم يمكن اختلاف أهل الديانة والأنصاف فيه) فلا بد من تعیین الراوى الموثق، ولا يقبل وثیقهمبهما (بخلاف الأخبار المحضة ) التى لا يتطرق إليها اختلاف باعتبار الديانة كأخبار زيد عن قيام عمرو، وإذا كان التوثيق ليس من باب الأخبار المحضة ( فلا يجوز للمجتهد التقليد فى التوثيق المبهم على هذا، وهو محل نظر، والله أعلم) . واعلم أن فى المسألة قولا ثالثاً حكاه البرماوى، قال: وهو الصحيح المختار الذى قطع به إمام الحرمين وجريت عليه فى النظم ، وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين ، أنه إن كان القائل بذلك من أئمة هذا الشأن العارف بما يشترط هو وخصومه فى العدل، وقد ذكر فى مقام الاحتجاج ، فيقبل. وقول رابع وهو التفصيل ، فإن عرف من عادته إذا أطلق ذلك أنه يعنى به معيناً، وهو معروف بأنه ثقة ، فيقبل ، وإلا فلا، حكاه البرماوى أيضاً عن حكاية شارح اللمع عن صاحب الارشاد ، والثالث قد أشار إليه الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها . 1 -١٧٣ - فائدة - قول الراوى [١] «أخبرنى من لا أنهم)» كما يقع فى كلام الشافعى رحمه الله كثيراً يكون دون («أخبر نى الثقة)). قل الذهبى: لأنه نَفَى التهمة ولم يتعرض لاتقانه ، ولا يكون حجة ، ورجح غير الذهبى أنه مثل قوله أخبرنى الثقة . ٤٥ آلة [ فى المجهول، وأنواع الجهالة، وأحكامها ] من علوم الحديث (الكلام فى المجهول) أى: الراوى الذى جهل عيناً أو حالا، والآخر قسمان [٢] ( قال تعالى: «أم لم يعرفا رسولهم فيهم له منكرون») (١) قال السيوملى: «لوقال نحو الشافعى: أخبر نى من لا أتهم، فهو كقوله: أخبر نى الثقة، وقال الذهبي: ليس بتوثيق لأنه نفي التهمة وليس فيه تعرض لا لاتقانه ولا لأنه حجة، قال ابن السبكى، وهذا صحيح ، غير أن هذا إذا وقع من الشافعى على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء فى أصل الحجة ، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ماذكره الذهبى، فمن ثم خالفناه فى مثل الشافعى، أمامن ليس مثله فالأمر كما قال. قال الزركشي: والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبى مع أن طوائف من خرل من أصحابنا صرحوا به، منهم الصير فى والماوردى والزويانى)) اهـ كلام السيوطي بحروفه، وفيه زيادة تحقيق لم يذكره الشارح (٢) القول فى هذا الموضوع يتعلق به من ثلاث جهات: الجهة الأولى ، فى تحديد المجهول العين، وبيان حقيقته، وبيان مابه ترتفع الجهالة عنه . والجهة الثانية: فى ذكر أقسام المجهول. والجهة الثالثة: فى بيان حكم كل قسم من أقسامه : أما عن الجهة الأولى فقد قال الخطيب الحافظ أبو بكر(( المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم فى نفسه ، ولا عرفه العلماء به، ومن -- ١٧٤ - ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد ، مثل عمرو ذى مر وجبار الطائى وعبد الله بن أغر الهمدانى والهيثم بن حاش ومالك بن أغر وسعيد بن ذى حدازوقيس بن كركم وخمر بن مالك ، هؤلاء كلهم لم يروعنهم غير أبى إسحاق السبيعى. ومثل سمعان بن مشنج والهزهازين ميزن، لا يعرف عنهما راو إلا الشعبى ، ومثل بكر بن قرواش وحلام بن جزل، لم يرو عنهما إلا أبو الطفيل عامر بن وائلة ، ومثل يزيد بن سحيم، لم يرو عنه إلا خلاس بن عمرو ، ومثل جرى ين كليب، لم يرو عنه إلا قتادة بن دعامة ، ومثل عمير بن إسحاق ، لم يرو عنه سوى عبد الله بن عوز، وغير من ذكرنا خلق كثير تتسع أسماؤهم. - وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك . أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم ، أنا إبراهيم بن إسماعيل القارى ، أنا أبوزكريا يحيى بن محمد بن يحيى ، قال: سمعت أبى يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة . قلت : إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك)) اهـ. وقال ابن الصلاح : ((ومن روى عنه عدلان وعيناه فقدارتفعت عنه الجهالة، ذكر أبو بكر الخطيب البغدادى فى أجوبة مسائل سئل عنها أن المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد ، مثل عمرو ذى مر وجبار الطائى وسعيد بن ذى حدان لم يرو عنهم غير أبى إسحاق السبيعى ، ومثل الهزهاز بن میزن لاراوى عنهغیر الشعبى ، ومثل جرى بن كليب لم يرو عنه إلا قتادة . قلت : قد روى عن الهزهاز الثورى أيضا. قال الخطيب : وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عن الرجل اثنان من المشهورين بالعلم، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. قلت : قد خرج البخارى فى صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد منهم مرداس الأسلمى لم يرو عنه غير قيس بن أبى حازم ، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لاراوى لهم غير واحد ، منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبى سلمة بن عبد الرحمن ، وذلك منهما مصير إلى أن الراوى قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه. والخلاف فى ذلك متجه فى - ١٧٥ - . ٠٠ ٥٠ .. التعديل نحو اتجاه الخلاف المعروف فى الاكتفاء بواحد فى التعديل، والله أعلم ))اهـ وقال الحافظ السيوطى مبينا خلاف ما بين الخطيب وابن الصلاح، ما نصه ((قال الخطيب فى الكفاية وغيرها: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولم يشتهر بطاب العلم فى نفسه ، ولا يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد ، وأقل مايرفع الجهالة عنه رواية اثنين مشهورين فأكثر عنه، وإن لم يثبت بذلك حكم العدالة ، ونقل ابن عبد البر عن أهل الحديث نحوه ، ولفظه: كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول، إلا أن یکونرجلا مشهورا فی غیر حمل العلم کاشتهارمالك بن دينار بالزهد وعمرو ابن معد يكرب بالنجدة . قال الشيخ ابن الصلاح رادا على الخطيب فى ذلك : وقد روى البخارى فى صحيحه عن مرداس بن مالك الأسلمي ، وروى مسلم فى صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمى ، ولم يرو عنهما غير واحد وهو قيس بن أبى حازم عن الأول وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن الثانى ، وذلك مصير منهما إلى أن الراوى قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه، قال: والخلاف فى ذلك منجه كالاكتفاء بتعديل واحد. والصواب نقل الخطيب، وقد نقله أيضا أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي وغيره ، ولا يصح الردبمرداس وربيعة، فانهما صحابيان مشهوران ، والصحابة كلهم عدول ، فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة ، قال العراقى : وهذا متجه إذا ثبتت الصحبة، ولكن بقى الكلام فى أنه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أولا تثبت إلا برواية اثنين عنه ، وهو محل نظر واختلاف بين أهل العلم، والحق أنه إن كان معروفا بذكره فى الغزوات أو فيمن وفد من الصحابة ونحو ذلك فانه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا راو واحد، ومرداس من أهل الشجرة وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد واحدعن كل واحد منهما، على أن ذلك ليس بصواب بالنسبة إلى ربيعة. فقد روى عنه أيضا نعيم المجمر وحنظلة بن على وأبو عمران الجوينى . قال : وذكر المزى والذهبى أن مردا ساروى عنه أيضا زيادبن علاقة، وهو وهم ، إنما ذاك مرداس بن عروة صحابى آخر كما ذكره البخارى وابن أبى حاتم وابن. - ١٧٦ - . ٠٠٠ ٠٠٠ حيان وابن منده وابن عبد البر والطبرانى وابن قانعٍ غيرهم، ولا أعلم فيه خلافا، قال العراقى: وإذا مشينا على أن هذا لا يؤثر فى الصحابة ورد عليه من خرح له البخارى أو مسلم من غير الصحابة ولم يرد عنهم إلا واحد . قال : وقد جمعتهم فى جزء مفرد، منهم عند البخارى جويرية بن قدامة، تفرد عنه أبو حمزة نصر بن عمران الضبعي ، وزيد بن رياح المدنى ، تفرد عنه مالك ، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابن المنذر. وعند مسلم جابر بن إسماعيل الحضرمى، تفرد عنه عبد الله بن وهب، وخباب صاحب المقصورة، انفرد عنه عامر بن سعد . اهـ. قال شيخ الإسلام (يريد به الحافظ ابن حجر) أما جويرية فالأرجح أنه جارية عم الأحنف صرح بذلك بن أبى شيبة فى مصنفه، وجارية بن أبى قدامة صحابى شهير روى عنه الأحنف بن قيس والحسن البصرى . وأما زيد بن رباح فقال فيه أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا، وقال الدار قطنى وغيره: ثقة ، وقال ابن عبد البر: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان فى الثقات، فانتفت عنه الجهالة بنوثيق هؤلاء. وأما الوليد فوثقه أيضا الدار قطنى وابن حبان. وأما جابر فوثقه ابن حباز، وأخرج له ابن خزيمة فى صحيحه، وقال: إنه ممن يحتج به، وأما خباب فذكره جماعة فى الصحابة )) اهـ كلامه . وأما عن الجهة الثانية فان من اطلعنا على أقوالهم من علماء هذه الصناعة كلهم يقسمون المجهول إلى قسمين إجمالا وثلاثة أقسام تفصيلا: وبيان هذا أنه إما أن يكون مجهول العين وإما أن يكون مجهول الوصف ، ومجهول الوصف إما أن يكون مجهول العدالة ظاهراً وباطنا وإما أن يكون مجهول العدالة باطناً وهو معروف العدالة ظاهراً، وهذا يسمونه مستورا، ولاداعى لأن نذكر لك أقوال العلماء فى هذه الجهة لأنه سيظهر فيما نذكره لك من أقوالهم فى الجهة الثالثة وأما عن حكم رواية كل واحد من هؤلاء الثلاثة فقد قال ابن الصلاح: ((المجهول فى غرضنا ههنا أقسام: أحدها: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعاً، وروايته غير مقبولة عند الجماهير. الثانى: المجهول الذى جهلت = - ١٧٧ - ٠.٠ عدالته الباطنة وهو عدل فى الظاهر وهو المستور ، فقد قال بعض أئمتنا : المستور من يكون عدلافى الظاهر ولا نعرف عدالة باطنه فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول وهو قول بعض الشافعيين ، وبه قطع منهم الأمام سليم الرازى ، قال : لأن مبنى الأخبار على حسن الظن بالراوى، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة فى الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك فى الظاهر، وتخالف الشهادة فانها تكون عندالحكام ، ولا يتعذر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة فى الظاهر والباطن ، قلت : ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأى فى كثير من كتب الحديث المشهورة فى غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم . الثالث المجهول العين، وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين)) قال: العبد الضعيف غفر الله له: ولا يظهر من كلامه رحمه الله حكم المجهول العين غير أنا نعلم من كلامه أن كل من لم يقبل المستور لم يقبل مجهول العين من باب الأولى ، وليس كل من قبل المستور قبل المجهول العين ، بل بعض من قبل المستور لم يقبل المجهول العين، وهذا كماترى كلام غير محدود وقال الحافظ جلال الدين السيوطى: ((رواية مجهول العدالة ظاهراً وباطناً مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه لا تقبل عند الجماهير، وقيل : تقبل مطلقا ، وقيل : إن كان من روى عنه فيهم من لا يروى عن غير عدل قبل ، وإلا فلا، ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفى الباطن - أى مجهول العدالة باطنا - يحتج بها بعض من رد الأول، وهو قول بعض الشافعيين كسار الرازى قال: مبنى الأخبار على حسن الظن بالراوى، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة فى الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك فى الظاهر بخلاف الشهادة فنها تكون عند الحكام فلا يتعذر عليهم ذلك ، قال الشيخ ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأى فى كثير من كتب الحديث المشهورة فى جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذر ت خبرتهم باطنا ، وكذا صححه المصنف فى شرح المهذب ( يريد النووى رضى الله عنه) وأما مجهول (١٢ - تنقيح ٢) ١ - ١٧٨ - ۔ ٠٠ ٠٠ العين - وهو القسم الثالث من أقسام المجهول - فقد لا يقبله من يقبل مجهول العدالة، ورده هو الصحيح الذى طيه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم وقيل: يقبل مطلقا، وهو قول من لا يشترط فى الراوى مزيداً على الاسلام، وقيل : إن تفرد بالرواية عنه من لا يروى إلا عن عدل كابن مهدى ويحيى بن سعيد، واكفنا فى التعديل بواحد - قبل، وإلا فلا، وقيل: إن كان مشهوراً فى غير العلم بالزهد أو النجدة قبل، وإلافلا، واختاره ابن عبدالبر، وقيل: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل ، وإلا فلا، واختاره أبو الحسن بن القطان وصححه شيح الاسلام. اهـ وقال جل الدين الأسنوى الشافعى ((إذا علمنا بلوغ الشخص وإسلامه، وجهلنا عدالته - فان روايته لا تقبل، كما نقله الامام وغيره عن الشافعى، واختاره هو والآمدى وأتباعهما، وقال أبو حنيفة: تقبل، ويجب ألا يكون فسقه معروفاً، لأن الفسق مانع من القبول إجماعا، فلابد من تحقق ظن عدمه قياسا على الكفر والصبا، والجامع دفع إحتمال المفسدة)) اه ببعض تصرف. وقال ابن السبكى فى جميع الجوامع ((لا يقبل المجهول باطنا، وهو المستور خلافا لأبى حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين : بوقف ، ويجب الانكفاف إذا روى التحريم ، أما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا)) اهـ. وقال صاحب فواتخ الرحموت: ((مجهول الحال من العدالة والفسق - وهو المستور فى الاصطلاح - غير مقبول عند الجمهور ، وروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه فى غير رواية الظاهر قبوله، واختاره ابن حبان، قال ابن الصلاح : يشبه أن يكون العمل فى كثير من كتب الحديث المشهورة بهذا الرأى . والأصل أن الفسق مانع من القبول بالاتفاق كالكفر ، فلابد من ظن عدمه ، فان اليقين منعسر، لكن اختلف فى أن الأصل العدالة فتظن ما لم يطرأ ضدها، أو الأصل الفسق فلا تظن العدالة. ولك أن تقول: العدالة شرط اتفاقا، لكن اختلف فى أن أيهما أصل ، ثم إن المعتبر فى حجية الخبر ظن قوى فلا يكتفى بالظن الضعيف، فانه لا يغنى من الحق شيئا، ألا ترى أنه ٢٠ - ١٧٩ - قد يحصل الظن بخبر الفاسق إذا جرب مرارا عدم الكذب منه ، لكن لا يقبل قوله شهادة ورواية، فكذا ظن العدالة من الأصالة لا يكفى هنا. كيف وقبول الخبر من الدين، ولا بد فيه من الاحتياط ؟ فبنى ظاهر الرواية هو هذا، لا ما ذكروه . وإلى ماذكرنا أشار الامام فخر الاسلام بقوله: وهى نوعان قاصر وكامل، أما القاصر فما ثبت بظاهر الاسلام واعتدال العقل لأن أصل حاله الاستقامة، لكن الأصل لا يفارقه هوى يضله ويصده عن الاستقامة. ثم قال بعد هذا: والمطلق ينصرف إلى كمال الوجهين ، ولهذا لم يجعل خبر الفاسق والمستور حجة)) اهـ. قال شيخ مشايخنا: ((وبهذا تعلم أن ظاهر مذهب الحنفية عدم قبول رواية المستور كغيرهم، وأن ما جعله بعضهم قول أبى حنيفة إنما هو رواية عنه على خلاف ظاهر المذهب ، والحاصل أن فريقا قال: إن شرط قبول الرواية العدالة بمعنى السلامة عن المسق وإن لم قصر ملكة، مستدلا أولا برجحان الصدق على الكذب بذلك السلامة مع الاسلام فيفيد الظن ويجب اعتباره، وثانيا بما تقرر عند الفقهاء أن الصبى إذا بلغ بلغ عدلا، لأنه لم يكن مكلفا زمن الصبى ، ويعد البلوغ ماعصى، فنقبل شهادته حتى يعصى ، ولو كانت العدلة المشروطة هى الملكة لما قلت. وثالثا بأن الفاسق إذاتاب تقبل شهادته ما دام تائبا بلا انتظار حصول الملكة ورابعا بأن الملكة لا تنعدم باقتراف الذنب مرة، والعدائة المشروطة تزول بالفسق ولو مرة، وخامسا بما جاء فى الحديث من أن أعرابيا أسلم فشهد برؤية هلال رمضان فقبل عليه الصلاة والسلام شهادته بظاهر العدالة ولم ينتظر إلى حصول الملكة ، وذلك لأن الإسلام يجب ما قبله ، ولم يعمر بعده معصية، فشهد وهو سلم من أسباب الفسق . وحاصل هذا منع صاحب هذا القول أن العدالة هي الملكة حتى يقال إنها طارئة على ما يضاده فإ تكن أصلا، والأدلة المذكورة إنما هى أمانيد للمنع . وقال القائد بعدم قبول خبر المستور - جوابا عما ذكر - : هب أن الشرط ليس الملكة، بل أقيم اجتناب الكبائر وصعائر الخسة وما يخل بالمروءة واعتبر، لكن لا مطلقا، بل الاجتناب لمخالفة هوى النفس لأنه هو المرجح 1 ــ ١٨٠ - للصدق ، وهو غير موجود فى المستور . وأما قبول شهادة الصبى بعد البلوغ فللفرق بين الشهادة والرواية ، كيف وشهادة المستور مقبولة عند الحنفية لمكان الضرورة وعدم حضور العدول والثقات حين المعاملات ، وأما قبول شهادة التائب فمشروطة بأن تظهر عليه آثار التوبة حتى نظن مخالفته هوى نفسه فيظن صدقه ، وأما قبول شهاد الأعرابى فلا يقوم حجة على قبول المستور، فلعله كان مسلما من قبل وعدلا ، وأما أنه صلى الله عليه وسلم قرره بالشهادتين قبل أن يأمر بلالا بأن يؤذن فى الناس أن يصوموا غدا فكتقوية الشهادة باليمين ، وعلى كل حال فالصحيح قول الجمهور ومنهم الحنفية أن رواية المستور لا تقبل، وهذا فى غير رواة الأحاديث من الصحابة، فانهم عدول ظاهرا بشهادة النبى صلى الله عليه وسلم، فهم خارجون عن موضع النزاع فتقبل، والكلام فى هذه المسألة طويل الذيل، وقد اقتصرنا منه على ما هو الحقيق بالقبول)) .. اهـ كلامه . قال العبد الضعيف غفر الله له: واختلاف العلماء فى قبول المستور والاحتجاج بروايته مبنى على خلافهم فيما تتحقق به العدالة، فقد ذهب قوم لى أن الطريق إلى معرفة العدل - مع إسلامه وحصول نزاهته وأمانته واستقامة طرائقه - إنما يكون باختبار أحواله وتتبع أفعاله التى يحصل معها العلم أو غلبة الظن بالعدالة . وذهب أهل العراق إلى أن العدالة تتحقق باظهار الاسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر ، فمن كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلا واحتجوا على ما ذهبوا إليه من المنقول بما رواه ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: جاء أعرابى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى رأيت الهلال فقال 4 النبى صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: نعم ، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم: قال: يابلال، أُذن فى الناس فليصوموا غدا، قالوا: قد قبل النبى صلى الله عليه وسلم خبر هذا الأعرابى من غير أن يختبر حاله بشىء سوى ظاهر إسلامه ولمن لا يرى أن العدالة تتحقق بهذا أن يقول : إن كونه أعرابيا لا يمنع من من كونه عدلا، ولا من تقدم معرفة النبى صلى الله عليه وسلم بعدالته أو إخبار